المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رحلات بن بطوطة السوداني ما بين طنجة وجاكرتا


الصفحات : [1] 2 3

عمر حسن غلام الله
10-27-2010, 05:49 PM
<B>رحلات بن بطوطة السوداني المدناوي

الحلقة الأولى


من مدني الى أغادير



كانت بداية رحلات بن بطوطة المدناوي (اللي هو أنا) في أواخر عام 1975 حينما قدمت أوراقي لقسم البعثات بوزارة التعليم العالي بالخرطوم، إذ كان قد أُعلن عن منح دراسية لحوالي سبع او تسع دول، على ما أذكر كانت يوغسلافيا ورومانيا ونيجيريا ومصر والعراق والمغرب وليبيا، وكانت حصتنا نحن الأدبيين محصورة فقط في دولتين هما العراق والمغرب، فقدمت لمنح المغرب، ورجعت لمدني..

وبما أن مدرسة شدو كانت تبعد عن منزلنا خمس خطوات، فقد ذهبت الى مديرها وصاحبها المرحوم عباس شدو عليه رحمة الله (ترحموا عليه جزاكم الله كل خير)، ولم اقل له انني اريد العمل في التدريس بمدرسته، بل سألني عن الدرجات التي حصلت عليها في امتحان الشهادة الثانوية، فسردتها عليه، فسر بها ايما سرور، وفوراً بعثني الى الفصول لأدرس مادة الانجليزي للسنة الثالثة (ثانوي عام) ومادة التاريخ للسنة الثانية، ومادة العربي للسنة الأولى..

وأنا في إحدى الحصص طرق باب الفصل زميلي في مدني الثانوية عمر الإمام النور (من أبناء حليوه)، فبشرني بأنه قُبل في منحة المغرب، وكذلك العبد لله، فباركت له، وحمدت الله أنه سيكون زميلي ايضاً في الدراسة الجامعية بالمغرب.. وأكملت ثلاثة أشهر بالتدريس حتى حان موعد السفر وتجهيز الأوراق والتأشيرات.. فذهبت الى الخرطوم، وفي زيارة لي للسفارة المغربية هناك سمعت حواراً يدور حول إرسال السودان لوفد تضامني مع المسيرة الخضراء المغربية، وأنا راجع من السفارة المغربية فكرت في الاستفادة من ذلك بأن اسافر مع الوفد بالطائرة الخاصة التي ستقلهم الى هناك، وفي طريقي عرجت على بن عمي محمد قيلي عبد الرحيم وسألته إن كان يعرف أحد في الاتحاد الإشتراكي (هو الذي نظم تلك الرحلة التضامنية)، فقال لي نعم اعرف، وكان من يعرفه هو قريبنا عبد الغفار خلف الله، وكان رئيس المنظمات الفئوية بالإتحاد الإشتراكي، فذهبنا اليه في منزله ببحري، فوعد خيراً، وحينما إذيعت اسماء الوفد المغادر الى المغرب، وكان عددهم يفوق المائة قليلاً (اتذكر انه كان 109)، كان اسمي ضمن قائمة الطلاب..

وفي اليوم المحدد (على ما أذكر كان يوم 9 نوفمبر 1975م) كانت امي وبعض اخواتي واخوالي في وداعي بمطار الخرطوم، وكان هذا أول فراق لي للسودان، وأذكر ان خالي البروفيسور الصادق حسن الصادق قد قال لي وهو يودعني: (شد حيلك)، ولم افهم مغزى هذه العبارة الا فيما بعد..

ثم اقلعت بنا الطائرة من مطار الخرطوم وبعد ساعتين هبطت في مطار القاهرة للتزود بالوقود، ثم اقلعت من مطار القاهرة متوجهة الى مطار أغادير في المغرب..

وبعد حوالي خمس ساعات وصلنا مطار أغادير أنزقان في أواخر الليل، وحملتنا حافلات فاخرة من المطار الى فندق أطلس الذي يقع على الشاطئ مباشرة- وكان وقتذاك حديث بناء- وكان فاخراً وفخماً بكل المقاييس، حينما تنظر في سقف البهو الرئيسي بعد المدخل ترى قبة لونها لون السماء، مرصعة بالنجوم، فلا تدري أتنظر الى سقف الفندق ام الى السماء حقيقة.. وتم توزيعنا على الغرف، وما أروعها من غرف، ونمنا بعد رحلة طويلة من ملتقى النيلين الى ضفة الأطلسي الشرقية.. حيث أغادير المدينة الحديثة البناء (حيث تم بناؤها بعد عام 1961 عقب زلزال أغادير الشهير الذي دمر المدينة تماماً)..



http://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/5183.imgcache.jpg

منظر عام لمدينة أغادير ولشاطئها المميز (الصورة منقولة)
*******

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

إلى اللقاء في الحلقة القادمة بإذن الله

</B>

عمر حسن غلام الله
10-30-2010, 07:50 PM
الحلقة الثانية






فندق أطلس وشاطئ أغادير
.. نواصل..



عندما استيقظنا من النوم نزلنا الى مطعم الفندق حيث تناولنا طعام الإفطار، وبعده نزلنا الى شاطئ البحر الذي يبدأ مباشرة من أمام الفندق، حيث الرمال البيضاء ومياه المحيط داكنة الزرقة، وتلك الأمواج العالية التي ترى في البعيد.. لقد كان الشاطئ مهيأ كـ Beach أو بلاج بالفرنسية، وطبعاً وجدنا كثيراً من الخواجات متمولصين ومتمسحين بدهان نحاسي اللون (لزوم البرونزيه، اي عشان يكون لونهم برونزي، بعبارة اخرى عشان يبقوا سمر اللون.. هم يفتشوا على البيبقيهم زرق، وبناتنا يفتشوا على البيبقيهم حمر)، ومتبطحين فوق الرمال البيضاء النظيفة، طبعاً كان منظر غريب لكثير مننا خاصة اولئك الذين لم يغادروا السودان من قبل (زي حالتنا)..

طبعاً تجولنا على طول الشاطئ واشكالنا كانت اشكال الغبش، ونظراتنا نظرات قرويين يجو المدينة لأول مره.. والحاجة الكويسة في الخواجات ما بيتنبهوا للغير، يعني ما بيعاينوا لزول، اما المغاربة فكانوا يحاولون التعرف علينا، فكثيراً ما أوقفونا وتكلموا معنا بالفرنسية اولاً ثم بالعربية اذا ما قلنا لهم اننا لا نتحدث الفرنسية، فيقولون لنا باستغراب: انتم تتكلمون العربية؟ ولسان حالهم يقول كيف لهؤلاء الأفارقة ان يتحدثوا العربية؟ فيسألون من أين نحن فنقول لهم من السودان.. فيقولون السودان الفرنسي؟ ويقصدون (مالي)، وهي بالفعل كانت تسمى السودان الفرنسي، وسوداننا يسمونه بالسودان الانجليزي المصري، فإذا عرفوا اننا من هذا الأخير قالوا: آآآآآ جعفر نميري! فهم يعرفون السودان إما بالسودان الانجليزي المصري او السودان بتاع جعفر نميري، خاصة ان نميري قد ارسل لهم عشرة آلاف رأس من الضأن كمساهمة منه في المسيرة الخضراء، سبقت هذا الوفد الكبير..

تجولنا ايضا في الأسواق الشعبية في المدينة، وتسمى (السويقة)، وفيها المنتجات التقليدية خاصة الجلدية مثل الأحذية التقليدية المغربية التي تسمى (البلغه) ومثل التكايات المصنوعة من الجلد والتي تحشى بأي شئ ليتم وضعها على الأرض كتكايات جلدية مزينة برسومات وزخارف، كذلك الأحزمة الجلدية، وبعض الصناعات المعدنية كالسلاسل وعلاقات المفاتيح، وأساور اليد، وغيرها من الصناعات التي يحبها السياح.. كذلك يوجد في هذا السوق الجلابية المغربية المزخرفة للنساء وأخرى للرجال التي انتشرت فيما بعد في كل ارجاء الوطن العربي، حتى اننا نشتريها من هنا من السعودية كجلابية بيت.. في هذا السوق الشعبي ايضاً تجد المحلات المتخصصة في بيع الزيتون، فتجد عشرات الأنواع منه، فالمغرب منتج ومصدر للزيتون ولزيت الزيتون..

قضينا اليوم الأول نتجول في المدينة لنتعرف عليها، ونتعرف على أناسها، وأول ما لفت نظرنا جمال المغربيات بجلاليبهن ذات غطاء الرأس الذي يتركنه يتدلى على أعلى ظهورهن، فإذا ما كانت هناك امطار رفعنه ليغطي الرأس، وهو شبيه بجلابية الرجال المغربية (غير بتاعة النوم التي ذكرناها)، فالجلابية الرسمية للمغاربة هي جلابية طويلة بأكمام طويلة وبغطاء رأس (منو فيهو) أيضاً يتركونه يتدلى على أعلى الظهر، وفي البرد يغطون به الرأس ليحمي الأذنين ايضاً من البرد ومن المطر، وكلاهما الجلابية الرجالية والنسائية بها فتحات جيوب ولكن ليس بها جيوب، إذ هي تلبس فوق الملابس، كالبنطلون وأحياناً تلبس فوق البدلة الكاملة الرجالية، والنسائية تلبس فوق ملابس اشبه ما تكون بجلاليب البيت أو فوق لبس الرياضة (ترينق سوت)، او بنطلون وبلوزة، وتصنع كلا الجلابيتين- الرجالية والنسائية- من أقمشة فخمة، والشتوية تكون صوفية ثقيلة.. وكثير من البنات المغربيات الشابات يلبسن الزي الأوربي بأشكاله المختلفة..

http://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/5191.imgcache.aspx?m=blank

الصورة المرفقة (منقولة) الزي المغربي للمرأة، ومنظر لشاطئ أغادير ويبدو الجبل وعليه كتابة ضخمة: الله، الملك، الوطن


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. نواصل

عمر حسن غلام الله
10-31-2010, 01:13 PM
الحلقة الثالثة




مدينة طرفايه.. المدينة الحدودية مع الصحراء المغربية
..نواصل..


لم تكن اغادير هي عاصمة المغرب عندما هبطت الطائرة فيها مباشرة عند دخولها الأجواء المغربية، فالعاصمة هي الرباط، والعاصمة الإقتصادية هي الدار البيضاء، ولكنها هبطت في مطار أغادير لأنه آخر مطار في الجنوب المغربي وأقرب مطار للصحراء المغربية التي تنوي المغرب انطلاق المسيرة الخضراء لتحريرها من الاستعمار الاسباني.. وبعد أن قضينا ليلة ثانية في مدينة أغادير ذات الأغلبية من السكان البربر، ركبنا طائرات عسكرية (ناقلة جنود) واحدة منها كانت تابعة للجيش المغربي والأخرى تابعة للجيش السعودي- حيث تشارك السعودية أيضاً بوفد في دعم المسيرة الخضراء- وكان نصيبي أن أركب الطائرة السعودية، وفي المطار توجهنا نحو الطائرة العسكرية التي كانت مراوحها تدور، وكانت قوة الهواء تمنعنا من المشي تجاه باب الطائرة، فانتهرنا القائمون على أمر إركابنا بأن نجري نحو الطائرة، فاضطررنا للجري ورؤوسنا الى أسفل لتفادي قوة الهواء المنطلق من المراوح.. ودخلنا الطائرة، فكانت غريبة الشكل بالنسبة لنا، فهي تختلف جذرياً من الداخل عن طائرات الركاب، فعلى جدرانها كنت ترى كل الأسلاك والمواسير، اي لا تغطي جدرانها اي غطاء، واما المقاعد فكانت في شكل شرائط متقاطعة، شرائط تشبه تلك المصنوعة منها أحزمة الأمان في السيارات، ولكن التي في الطائرة كانت أقل في العرض.. وكانت تلك المقاعد متقاربة جداً بحيث ان الجالس في قبالتك تلتصق ركبتيه بركبتيك..


اقلعت الطائرة متوجهة نحو الجنوب، نحو الحدود مع الصحراء، وفي مدينة (طرفايه) هبطت في مدرج ترابي- وليس مطار- وكان نزولها خشناً، فقد كانت عجلاتها اشبه بعجلات التراكتور، ولم يكن المدرج مسفلتاً، لذلك هبطت ومشت على المدرج الترابي بصوت مزعج وبهزة عنيفة ذكرتني اللواري التي كانت تشق الجزيرة في السودان عبر تلك الطرق الترابية..

المهم وجدنا في مدينة طرفاية تلك، والتي لم تكن أكثر من معسكر للجيش، وجدنا خيام مجهزة لنا (قلنا يا حليل فندق أطلس الراقي وتلك الوسائد الحريرية، وتلك الحمامات الرخامية البيضاء النظيفة، وتلك الموسيقى الهادئة التي تصدح في ممراته المفروشة بالسجاد)..



المهم سألنا عن بقية الوفد الذي صعد في الطائرة العسكرية المغربية، فقالوا أن إشارة أرسلت للطائرة وهي في الجو بأن المسيرة الخضراء قد توقفت، فغيرت الطائرة اتجاهها الى مدينة مراكش في رحلة سياحية، كان خبر توقف المسيرة الخضراء بالنسبة لنا كإعلان يوم العيد.. فركوبنا تلك الطائرة العسكرية، ونزولنا في مدينة طرفاية في خيام أوحى لنا بأننا مقبلون على معركة، خاصة واننا كان يجب ان نسير على أقدامنا مع المسيرة التي انطلقت من طرفاية تجاه عاصمة الصحراء (العيون).. وكان متوقعاً أن تطلق القوات الاسبانية النار على المسيرة، رغم أن الناس الذين شاركوا في المسيرة لا يحملون غير المصاحف والأعلام المغربية..



لماذا توقفت المسيرة الخضراء؟ قالوا بأن اسبانيا قررت الانسحاب من الصحراء.. يا سلام على الأسبان، شعب راقي وحكومة راقية.. وتحولت رحلتنا الى رحلة سياحية، قضينا يومين في تلك المدينة الصحراوية (طرفايه)، غنينا معهم:



العيون عينيّ
والساقية الحمراء ليّ
والوادي وادي يا سيدي
والوادي وادي
نمشيه في كفوف السلامة
الله والنبي والقرآن معانا
الله والنبي والقرآن يا سيدي
اليوم.. اليوم.. بان الحق ينادي
أعلامنا في العيون طرفه تنادي طرفه




والعيون كما أسلفت هي عاصمة الصحراء، والوادي هو مدينة وادي الذهب، والساقية الحمراء هي مدينة في الصحراء ايضاً..



قضينا وقتاً جميلاً في ذلك المعسكر، وبعد يومين ركبنا نفس الطائرة العسكرية متوجهين الى مراكش.. وما أدراك ما مراكش..




وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..



.. نواصل..

أبو عدى
10-31-2010, 01:42 PM
لك التحية الاستاذ الفاضل
عمر غلام الله

سرد رائع جدا و مشوق للغاية

فى انتظار القادم -

عمر حسن غلام الله
11-01-2010, 07:30 PM
الحلقة الرابعة



مراكش الحمراء
.. نواصل..


هبطنا في مطار مراكش، ومثل كبار الزوار خرجنا من المطار وركبنا حافلات فخمة الى الفندق، كان فندقاً مختلفاً عن فندق أطلس في اغادير، فقد كان أطلس ممتداً رأسياً، اي طوابق، اما فندق مراكش فقد كان ممتداً أفقياً، كل الغرف أرضية ومنتشرة في مساحة واسعة، إضافة الى وجود مساحات خضراء كبيرة حول الغرف، وفيها منطقة للصيد، لا ندري صيد ماذا ولكن عرفت ذلك من بعض النزلاء الذين يحملون بنادق صيد ويتوجهون الى تلك المناطق، ربما طيور او ارانب او غيرها لا اعلم.. وقد بدأت التعرف عن كثب بالمغاربة من هذا الفندق، فقد تعرفت على احد النزلاء المغاربة (ومن الذين كانوا يحملون بندقية صيد)، وعرفني بنفسه واسمه محمد هلال، ويعمل في شركة الكهرباء، وقد اعطاني عنوانه في الدار البيضاء.. وقد ذهبت اليه بعد استقراري في المغرب في داره في عيد الأضحى، فأكرم مثواي وجلست معه ومع زوجته الجزائرية عدة أيام.. أحييه من هذا المنبر ..

تجولنا في مراكش، التي تختلف طبيعتها عن أغادير، فهي في الصحراء بينما اغادير على ساحل المحيط، وتمتاز مراكش بكثرة اشجار النخيل والزيتون فيها، فترى على امتداد البصر غابات من النخيل، وكذلك غابات من اشجار الزيتون.. اما المدينة نفسها فبيوتها تمتاز باللون البني المائل للإحمرار،

وقد نقلت لكم حقائق عنها من موقع وزارة الثقافة المغربية، للتوثيق، فتاريخياً تحدد المصادر التاريخية بناء النواة الأولى لمراكش سنة 1070 م من قبل المرابطين ، وهم مجموعة قبائل أمازيغية رحل أتت من الصحراء. وقد تطورت هذه المدينة تحت حكم السلطان يوسف بن تاشفين (1061م – 1107م) إلى حد كبير من نتائج التوسع المرابطي في افريقية والأندلس لتصبح المركز السياسي والثقافي للغرب الإسلامي.

بعد استتباب الأمر للموحدين عقب دخولهم المدينة سنة 1147م، اتخذوها عاصمة لحكمهم. وأنجزوا بها عدة معالم تاريخية لا زالت تشكل مفخرة عصرهم كصومعة الكتبية بمسجديها، الأسوار، الأبواب والحدائق إضافة إلى قنطرة على وادي تانسيفت ظلت تستعمل حتى عهد قريب. هكذا عرفت مراكش تحت حكم الموحدين إشعاعا كبيرا جعل منها مركزا ثقافيا واقتصاديا وسياسيا لا نظير له في الغرب الإسلامي.

أمام ضعف الموحدين استولى المرينيون القادمون من الشرق سنة 1269م على المدينة غير أنهم اتخذوا فاس عاصمة لهم لقرب هذه الأخيرة من موطنهم الأصلي مما أدى إلى تراجع مدينة مراكش وتحولها لمركز ثانوي. في سنة 1551م استعادت المدينة مكانتها كعاصمة للسعديين ( 1589م –1659م). فعلى عهدهم تم تشييد بنايات ومنشآت جديدة أهمها قصر البديع ومجمع المواسين ومدرسة ابن يوسف وقبور السعديين وعدد من السقايات.

تحت حكم العلويين، قام المولى رشيد بترميم مسجد بن صالح المريني، غير أن خلفه المولى إسماعيل أولى كل اهتمامه بعاصمة حكمه الجديدة مكناس. وقد عمل السلطان سيدي محمد على إعادة مراكش إلى مكانتها وذلك من خلال إنشاء أحياء ومعالم جديدة. ويمكن القول أن مراكش اتخذت شكلها النهائي إبتداءً من فترة حكم هذا السلطان، إذ اقتصرت المراحل القادمة على ترميم ما تم انجازه منذ العصر الوسيط. ونظراً لما تذخر به من إرث حضاري كبير، أصبحت مدينة مراكش قبلة للسياحة العالمية ومقرا للمؤتمرات الدولية ذات المستوى الرفيع، لتحتل بذلك مكانة خاصة في المغرب الحديث.

ومن اشهر معالمها صومعة (أي مئذنة) الكتبية، ويتوسط جامع الكتبية مدينة مراكش، بالقرب من ساحة جامع الفنا، وتسمية المسجد مشتقة من "الكتبيين"، وهو اسم سوق لبيع الكتب يعتقد أنه كان بمقربة من المسجد. لقد بني جامع الكتبية الأول من طرف الخليفة عبد المومن بن علي الكومي سنة 1147م على أنقاض قصر الحجر المرابطي الذي كشفت التنقيبات الأثرية على بناياته ومكوناته المعمارية.

أما المسجد الثاني فقد تم بناؤه في سنة 1158م، وهو يشبه من حيث الحجم البناية الأولى، وفيه قاعة للصلاة مستطيلة الشكل تضم سبعة عشر رواقاً موجهة بشكل عمودي نحو القبلة، تحملها أعمدة وأقواس متناسقة وتيجان فريدة تذكر بتلك التي نجدها بجامع القرويين بفاس. ويشكل التقاء رواق القبلة بقببه الخمسة والرواق المحوري تصميماً وفياً لخاصيات العمارة الدينية الموحدية التي كان لها بالغ التأثير في مختلف أرجاء الغرب الإسلامي. وصومعة الكتبية تشبه تماماً صومعة حسان في الرباط ، وتشبه تماماً صومة الخيرالدا (او الجيرالدا) في قرطبة في الأندلس باسبانيا، (وقد رأيت- أنا عمر- الثلاثة)..


ومن معالم مراكش الشهيرة- حتى يومنا هذا- ساحة جامع الفنا، التي تشكل فضاءً شعبياً للفرجة والترفيه، وتعتبر القلب النابض لمدينة مراكش حيث كانت وما زالت نقطة إلتقاء بين المدينة والقصبة المخزنية (الحكومية) والملاح، ومحجاً للزوار من كل أنحاء العالم للإستمتاع بمشاهدة عروض مشوقة لمروضي الأفاعي ورواة الأحاجي والقصص، والموسيقيين الى غير ذلك من مظاهر الفرجة الشعبية التي تختزل تراثا غنيا وفريدا كان من وراء ترتيب هذه الساحة تراثا شفويا إنسانيا من طرف منظمة اليونيسكو سنة 1997.
(انتهى ما جاء في موقع وزارة الثقافة)


وأثناء تجولنا في ساحة الفناء استدعاني أحد قارئي الكف ليقرأ لي الكف، فرفضت على أساس انه حرام وانه خزعبلات، وعلى أساس أنه سيأخذ أجراً عليه وانا في أمس الحاجة لكل درهم لأنني مقبل على دراسة وغربة ومجتمع وبلد جديد، وتحت الحاح الرجل مددت له يدي فقال كلاماً عادياً كما تقوله الوداعيات عندنا في السودان، كلام يمكن أن يحصل لكل شخص..


وحول ساحة الفناء توجد محلات لبيع عصير الليمون (البرتقال) الطازج، المغاربة يسمون البرتقال ليمون، والليمون حامض، المهم استمتعنا بشراب البرتقال الطبيعي (بدون اضافة ماء)، وحول الساحة ايضاً توجد المحلات التي تبيع المصنوعات المغربية التقليدية مثل التي ذكرناها في أغادير..

قضينا يومين في مراكش الرائعة جداً، واستمتعنا بجوها الصحراوي الدافئ، وناسها الطيبون ذوي الأصول البربرية..

(ملاحظة: الصورة المرفقة- صورة صومعة الكتبية- ليست لي بل نقلتها من بعض المواقع)



وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


إلى اللقاء في الحلقة القادمة بإذن الله

عمر حسن غلام الله
11-03-2010, 04:56 PM
الحلقة الخامسة

بني ملال

.. نواصل..


أذكر أن الحافلات المخصصة لنقلنا من مراكش الى بني ملال كانت قد اصطفت أمام استقبال الفندق، بينما كان بعضنا لم يكمل إفطاره بعد.. ولاحظت من شباك غرفتي أن شرطي المرور الذي يقف في الدوار قد أوقف حركة المرور حيث مد يده في شكل أفقي بطريقة تشريفية مراسمية ليسمح لحافلات الوفد بالمرور، ويبدو أنه قد رأى الحافلة الأولى تكاد تتحرك من أمام استقبال الفندق لذلك أوقف المرور ليسمح لها ولبقية الحافلات بالمرور بينما السيارات الأخرى تنتظر يده لتنخفض فتمر-رغم أن الحافلات بما فيها الحافلة الأولى ما زالت داخل فناء الفندق-إلا أن ذلك طال لدرجة أشفقت على شرطي المرور من تلك الوقفة المؤلمة، وعلى سائقي السيارات الذين تعطلوا في هذا المكان بينما زملائي أعضاء الوفد خاصة الشباب منهم يفطرون ويلبسون في غرفهم داخل الفندق.. ولكن يبدو أن الشرطي متعود على مثل ذلك وكذلك سائقي السيارات المنتظرين.. إنها المغرب.. بلاد البروتوكول والتشريفات..

ثم تحركت بنا الحافلات السياحية الفخمة من مدينة مراكش صوب مدينة بني ملال التي تقع شرق الدار البيضاء على بعد 200 كم تقريبا، وهي مدينة زراعية ويحدها من الشرق جبال الاطلس، حيث استضافنا عاملها (محافظها)، وقدم لنا وجبة مغربية رائعة، حملان مشويه بكاملها، ودجاج يعوم في زيت الزيتون، وعلى ما أذكر أن عامل أغادير قد استضافنا هو الآخر، وأذكر ان اول كلمة مغربية طرقت أذني ولم افهمها وقتها هي كلمة (صافي)، وكان ذلك عندما صب لنا المغربي الماء من ابريق (مزخرف) لنغسل إيادينا، وهو يمسك باليد الأخرى ماعون- مزخرف أيضاً- أشبه بالطشت الصغير، ولكنه مغطى بغطاء مخرم حيث ينزل ماء الغسيل في الإناء السفلي ويختفي تحت الغطاء العلوي المخرم، المهم عندما غسل لنا ذلك المغربي أيادينا قال لنا (صافي؟) فهمناها فيما بعد بأنها (خلاص؟) اي (كفاية؟)..

بعد الغداء مع عامل اقليم بني ملال الزراعي الجميل، صعدت بنا الحافلات الى قمة جبل، وكان الصعود في شكل حلزوني، وقد ذكرني جبل الهدا- فيما بعد عندما زرته في طريقنا الى مدينة الطائف بذلك الجبل في بني ملال- حيث (عين السردون) وهي عين ماء تنبع من الجبل، وهي شديدة الإنحدار لذا أنشئت لها شلالات صناعية لتخفف شدة الإنحدار، والعين شديدة البرودة، وتنحدر من الجبل لتسقي الحقول في السهل المنبسط أسفل الجبل، وفي القمة وجدنا خيمة كبيرة مجهزة لنا.. كان منظراً رائعاً وانت تطل من أعلى القمة الى الحقول تحتك وكأنك تنظر إليها من الطائرة..

ثم هبطنا الى سفح الجبل بنفس الطريقة الحلزونية عبر ذلك الطريق الجبلي، وفي مخيلتنا تلك المناظر الخلابة التي رأيناها من عل، وتلك الجلسة المنعشة الجميلة التي احتسينا فيها الشاي الأخضر بالنعناع- وهو المشروب الشعبي في المغرب، هو والقهوة بالحليب، فالشاي الأخضر يشرب أثناء الوجبات، والقهوة بالحليب تشرب مع الفطور، والفطور غالباً كرواسه (هلاليه) او خبز بالزبده والمربى، وقبل أن انسى كان الطلاب المغاربة (زملاءنا فيما بعد) يرددون دائماً: يا شارب الشاي بلا نعناع ضيعت حقك بلا نزاع.. والنعناع يوجد في اي ركن، وفي اي بقالة، او براكه (والبراكه هي مثل الكشك الصغير، وهي مصنوعة من الخشب، وتوجد دائماً في المناطق ذات العمران الجديد حيث لا يكون هناك بقالة قريبة او سوق، او توجد حول الأحياء الجامعية الطرفية ويباع فيها الضروري من السلع).. ولأهمية النعناع سمعنا وقتذاك أن البرلمان المغربي ناقش موضوع تأميم زراعة النعناع!!

من معالم بني ملال الأثرية قصبة تادلة وقنطرة واد أم الربيع، وموقع الزياتين..

ما أجمل الطبيعة هناك

وانتهت زيارتنا الى اقليم بني ملال سريعاً، ومنها توجهنا الى اقليم (الجديدة) قرب الدار البيضاء..


الصورة الأولى للشلالات في بني ملال، والثانية لمنظر حديقة عامة (الصور منقولة من منتديات الطليعة)


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. يتبع..

عمر حسن غلام الله
11-06-2010, 06:01 PM
لك التحية الاستاذ الفاضل
عمر غلام الله

سرد رائع جدا و مشوق للغاية

فى انتظار القادم -

العزيز عاصم

شكرا لتشجيعكم الدائم لي

وانتهز الفرصة لأسألكم كيف لي ان أعدل المداخلة بعد إرسالها؟

عمر حسن غلام الله
11-06-2010, 06:12 PM
الحلقة السادسة





إقليم الجديدة


.. نواصل..



ركبنا الحافلات السياحية من بني ملال الخضراء باتجاه مدينة الجديدة، وقبل الخوض في تفاصيل رحلتنا اليها، أسوق اليكم نبذة عنها منقولة من موقع وزارة الثقافة المغربية..


"مازاكان" كانت عبارة عن قصبة صغيرة برتغالية تم احداثها سنة 1514. التصميم الأول لهذه القصبة كان للأخوين " فوانسيسكو ودييكو دوارودا" وهما مهندسان يتمتعان بشهرة كبيرة نظرا لإنجازاتهما سواء في البرتغال أو في المدن المغربية المحتلة. تم توسيع " مازاكان" سنة 1541 من طرف البرتغال خصوصا بعد انسحابهم من أغادير وآسفي وأزمور. كما تم وضع تصميم نهائي لها من طرف مهندس إيطالي يعمل لحساب البرتغال معروف بنمط معماري خاص به استعمله في دول أخرى كما هو الشأن في مازاكان.


مع توسيع هذه القصبة، عرفت هذه الأخيرة نموا حضاريا مهما وهكذا تم بناء عدة منازل وبنايات مدنية وعسكرية خصوصا بين 1541 و 1548. عمر البرتغاليون مدة 267 سنة تقريبا تخللتها حروب وفترات هدنة وعدة علاقات حضارية مع المغاربة، حتى مجيء السلطان محمد بن عبد الله (1790-1757) حيث حاصر مازاكان مدة شهرين اضطر معها البرتغال إلى الإنسحاب من المدينة. بعد استرجاع المغاربة لهذه المدينة بقيت خالية حوالي 50 سنة، عرفت خلالها بإسم "المهدومة". في سنة 1820، أمر السلطان عبد الرحمان " باشا" المنطقة بإعادة بناء المنازل المهجورة، وبناء مسجد وإعادة تعمير المدينة الجديدة.



(http://msriddler.files.wordpress.com/2008/05/morocco_-_aljadida_-_medina1.jpg)وبالرغم من محاولة إضفاء طابع إسلامي على المدينة وذلك من خلال بناء المسجد إلا أن المدينة حافظت على بعض مميزات الماضي البرتغالي بما في ذلك أماكن العبادة والصلاة.


تصميم قصبة الجديدة يشبه تصاميم قصر chambord في فرنسا وقصر Evoramonte بالبرتغال. القصبة البرتغالية كانت محاطة بسور يعزلها عن باقي المدينة وتصميمها هو على شكل نجمة رباعية الشكل. هذه الخصائص المعمارية تذكر بهندسة بداية العهد الحديث والمتميز بظهور الأسلحة النارية.


(انتهى ما جاء في نبذة موقع وزارة الثقافة المغربية)


دخلنا هذه المدينة القديمة الجديدة، ونزلنا في فندق يشبه ذلك الفندق الذي في مراكش، حيث ان غرفه تمتد افقياً وليس رأسياً، وقد لبينا دعوة عامل الجديدة (واليها) على الغداء، وكالمعتاد كان الكرم المغربي سيد الموقف، بقينا يومين في هذه المدينة الصغيرة التي تبعد حوالي 200 كيلومتر من الدار البيضاء، وأذكر حينما تأهبنا للرحيل الى الدار البيضاء وخرجت بعض البصات من الفندق، أوقف الشرطي الذي كان ينظم حركة المرور امام الفندق، اوقف كل السيارات ليسمح لحافلات الوفد السوداني بالمرور، ماداً يده اليمنى الى اليمين، وكذلك اليد اليسرى في نفس الإتجاه، تحية للحافلات وسماحاً لها بالمرور وإيقافاً للسيارات الأخرى.. كنا نشاهد ذلك من نافذة غرفنا، وكان بعض الأخوة ما زالوا يتناولون الفطور، وظل الشرطي في هذا الوضع، والسيارات واقفة في التقاطع في انتظار بقية الحافلات ان تعبر من الفندق الى الشارع، واستغربنا على طولة بال هذا العسكري وطولة بال أصحاب السيارات.. لن تصدقوني لو قلت لكم أنهم ظلوا هكذا الى ان فرغ الجماعة من فطورهم وركبوا الحافلات وعبرت هذا التقاطع!!


لم تسجل ذاكرتي اشياء اخرى في مدينة الجديدة، لذلك سأنتقل مع الوفد الى مدينة الدار البيضاء، وإذا تذكرت شيئاً فيما بعد سأوافيكم به..


الى اللقاء في الدار البيضاء (كازبلانكا)..

(الصور منقولة)

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. وللحديث بقية..

عمر حسن غلام الله
11-20-2010, 05:26 PM
الحلقة السابعة

Casablanca


.. نواصل ..

الدار البيضاء



وهي كلمة برتغالية اطلقها عليها البرتغاليون، وأسوق إليكم بعض المعلومات عنها مستقاة من ويكيبيديا (وقد قمت ببعض التعديلات، مع ملاحظة أن تعداد السكان المذكور أشك في صحته):


الدار البيضاء هي العاصمة الاقتصادية للمغرب، وهي تقع على بعد حوالي 95 كم جنوب العاصمة الإدارية الرباط ويبلغ عدد سكانها حوالي 4 ملايين نسمة حسب آخر إحصاء للسكان (2004 م)، وتعتبر القلب النابض للإقتصاد المغربي، فهي تحتوي على معظم الصناعات والوحدات الصناعية.


المدينة القديمة (أي الدار البيضاء القديمة)
كانت عبارة عن مجموعة من الأسوار تحيط بمدينة الدر البيضاء القديمة لم يتبق منها إلا جزء يحد الساحل على مسافة كيلومتر وسط المدينة، فقد تهدم جزء منها إثر زلزال سنة 1755م. والمدينة القديمة المسلمة، الواقعة بمحاذاة الشاطئ، تضم الآثار الأكثر قدما بالمدينة مثل حي القناصلة الذي كانت تتواجد به القوى الأجنبية،


أما وسط المدينة، فقد عرف تدفقا هائلا من الأوروبيين في القرن التاسع عشر وذلك نتيجة للرواج التجاري الذي عرفته المدينة، وقد شيد بها الفرنسيسكان كنيسة بزنقة طنجة سنة 1891.


الملاح: الحي اليهودي القديم، يوجد بالجهة المقابلة للساحل، ولم يكن محدودا كما كان عليه في عدة مدن مغربية أخرى، هدم جزء منه خلال سنوات الثلاثينات إثر تهيئة ساحة فرنسا (ساحة الأمم المتحدة حاليا)، وتم تشييد كنيس اليهود سنة 1938 بزنقة لاميسيون.


الاحياء الرئيسية بمدينة الدار البيضاء:
سباتة، 2 مارس ، عين الذئاب، عين الشق ، عين السبع، أنفا ، كارتييه مازولا ، وسط المدينة ، درب غلف ، درب سادي ، درب السلطان، الفداء ، درب ميلان ، العنق ، حي ليساسفة ، الحبوس ، الحي الحسني ، الحي المحمدي ، حي مولاي رشيد ، المعاريف (وسميت بها صحيفة معاريف الاسرائيلية)، مرسى السلطان ، سيدي البرنوصي ، سيدي مومن ، سيدي معروف ، سيدي عثمان ، حي الأسرة ، حي الصدري ، بين المدن.

كما أضيف نبذة عنها أيضاً من جريدة (المغرب اليوم)، وأيضاً قمت بتصحيحها:

يدللونها فيسميها المغاربة بـ"كازا"، كما يحلو أيضا لزوارها من خارج المغرب إطلاق ذلك الاسم نفسه عليها. "كازا"، هي إحدى عرائس المحيط الأطلسي، تبعد عن أوروبا بأقل من ساعتين وعن نيويورك بأمريكا بأقل من ثماني ساعات، وتعتبر في نفس الوقت بوابة الشمال أيضا، فهي العاصمة التجارية للمملكة المغربية حيث تضم المدينة حوالي 60 في المائة من الشركات العاملة في المغرب، ومنها تلك العاملة في قطاع تقنية المعلومات. إنها الدار البيضاء، هذه المدينة المغربية الشهيرة، والتي لها موقع خاص في قلب كل من زارها، علما بأنها تحتل كذلك تلك المكانة الخاصة في قلوب أبناء المغرب أنفسهم.

تقع الدار البيضاء، المعروفة في جميع أنحاء العالم باسم "كازابلانكا"، على سواحل شمال أفريقيا المطلة على المحيط الأطلسي، وهي تعد أكبر مدن المغرب بلا منازع، وتحفل المدينة بالكثير من فرص الترفيه والرياضة والاستجمام والتسوق والتجوال وتناول أشهى الأطعمة، وعلى الرغم من أن العربية هي اللغة الرسمية، إلا أن الجميع وفي كل مكان تقريبا يتحدثون الفرنسية أيضا، بينما يتحدث العاملون في الفنادق والمتاجر والشركات اللغات الإنجليزية والأسبانية أيضا.

وتحفل مدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، بالميادين الحافلة بالحركة والحيوية والحدائق العامة والنوافير الجميلة والمباني التقليدية والحديثة، وهي مدينة بديعة تجتمع فيها الثقافة والتاريخ والهندسة المعمارية ضمن أسلوب فريد، ويهيمن على المدينة مسجد الحسن الثاني، بينما يتميز حي الحبوس في المدينة القديمة بساحاته المظللة وأزقته الضيقة وأسواقه الشعبية التي تعرض الهدايا التذكارية والمنتجات الحرفية العالية الجودة.

وتقع البلدة العربية القديمة في المنطقة الداخلية مقابل الميناء، وهي عبارة عن متاهة من الأزقة الضيقة والمنازل المصبوغة باللون الأبيض، وتعتبر فردوسا للمتوقين والباحثين عن المنتجات الفنية والحرفية المغربية الأصيلة.

أروع ما يمكن زيارته هي شواطئ الدار البيضاء الجميلة، حيث يمكن لك التوجه إلى الشرق من مركز المدينة حيث الكورنيش، وهي منطقة راقية تنتشر فيها الفنادق والمطاعم الفخمة، ويستطيع الذواقة الاستمتاع في هذه المنطقة بأشهى الأطعمة التي تمتزج فيها فنون الطهي المغربية والفرنسية.

شواطئ الدار البيضاء (البلاج)

أهم ما يميز مدينة كازابلانكا عن بقية المدن الأخرى أنها لا تتمتع بخليج طبيعي يصلح لإقامة ميناء، لهذا السبب تم بناء كاسر أمواج بطول ثلاثة كيلومترات لإقامة ميناء "مولاي يوسف" الذي يعد أكبر ميناء في المغرب والرابع على مستوى قارة أفريقيا.

وللاستمتاع بحياة الدار البيضاء الحقيقية، ننصح بمرافقة حشود الناس على الشواطئ وفي المقاهي والمطاعم والنوادي الليلية التي تجاور الكورنيش، كما يمكن الاكتفاء بالاسترخاء ومشاهدة العالم وهو يمر من أمامك.

أما المعلم الرئيسي بالمدينة البيضاء فهو مسجد الحسن الثاني، وهو من أكبر وأجمل المساجد في العالم، ويتسع لحوالي 25 ألف مصل، ويتضمن هذا المسجد الذي تم تدشينه عام 1993، متحفا وحمامات بخار ومكتبة ومدرسة لتعليم القرآن ومرافق للمؤتمرات، كما تنظم في الموقع طوال اليوم جولات وزيارات استطلاعية للزوار.

هناك كذلك المدينة القديمة، وهي المدينة العربية الأصيلة التي تقع داخل سور قديم وتضم طرقات ضيقة وبيوتا من الفخار الأبيض أو الحجر ومحلات كثيرة وبضائع متنوعة. وفي الجانب الآخر ستجد ميناء الدار البيضاء، وهو الأكبر والأكثر حركة في القارة الإفريقية، ويعج بكل أنواع السفن من ناقلات النفط وحتى السفن السياحية، وتكثر عند الميناء أيضا مراكب صيد السمك والمراكب الخاصة، ويحلو هناك زيارة مركز 2000 الكببر وهو مركز تجاري جذاب.

لكن ما ننصح به هو أن لا تنسى زيارة ميدان محمد الخامس، وهو عبارة عن ساحة في قلب المدينة، تزينها مبان على الطراز المعماري الفرنسي وتضم مكاتب حكومية وعامة وتتوسطها نافورة ماء تنثر المياه الملونة في كل صوب على أنغام موسيقى ساحرة ووسط أسراب من الحمام الأبيض.

أما المدينة الجديدة فتقع في جنوب الدار البيضاء، وتعرف باسم حي الحبوس أو منطقة القديسين، وقد بناها الفرنسيون في محاولة لحل مشاكل السكن في الثلاثينات، ومع اختلاط الهندسة العربية التقليدية بالتخطيط الحديث ازدادت المدينة جمالاً بازدياد الأشكال والألوان والأنوار.

شنو ليكم كازابلانكا يا شباب ?

وإليكم بعض الصور، الأولى من موقع عبير وهي لمنظر عام للدار البيضاء، والثانية من موقع آخر لم استطع معرفة اسمه وهي للسويقة قلب البيضاء..


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة..

أبو عدى
11-21-2010, 08:35 AM
نتابعك بشغف
استاذى الفاضل

عمر حسن غلام الله

وفى انتظار ما يجود به قلمك المميز

عمر حسن غلام الله
11-22-2010, 01:38 PM
نتابعك بشغف
استاذى الفاضل

عمر حسن غلام الله

وفى انتظار ما يجود به قلمك المميز

شكرا لمتابعتك، وشكرا لمداخلتك

وإليكم المزيد

عمر حسن غلام الله
11-22-2010, 01:59 PM
الحلقة الثامنة

.. نواصل ..

دخلنا الدار البيضاء

تحركت بنا الحافلات باتجاه الدار البيضاء.. وبعد مدة من الزمن لمح أحدنا من على البعد مدينة عملاقة ذات عمارات عالية وكثيرة وكلها بيضاء اللون، يبدو أننا قد اقتربنا من الدار البيضاء.. لم أشاهد من قبل مدينة بهذه الضخامة وذات مبانٍ عاليه ومتراصة، فأكبر مدينة رأيتها هي الخرطوم، وأما القاهرة فقد وصلنا مطارها ليلاً وغادرناها ليلاً، ولم نترك مقاعدنا في الطائرة.. لقد أذهلتنا هذه المدينة العملاقة، ولفت نظرنا لون مبانيها الأبيض، وقد علمنا فيما بعد أن هناك الزام من البلدية بأن يطلي كل صاحب عماره او بيت منزله من الخارج باللون الأبيض، ولا أدري هل تسميتها بالدار البيضاء هو الذي جعلهم يصرون على اللون الأبيض؟ أم أن تقليد طلاء البيوت باللون الأبيض هو الذي أعطاها هذا الإسم؟ ولو تذكرون في مدينة مراكش كل المباني مطلية باللون البني المائل للإحمرار، لذلك يسميها البعض (المدينة الحمراء)..

دخلنا الدار البيضاء فوجدناها نظيفة منظمة تزدان بحدائق خضراء وأشجار الزيتون تزين جوانب شوارعها، وكذلك أشجار الحمضيات، فترى اليوسفي البرتقالي اللون يتدلى من الأشجار فيعطي منظراً جميلاً (فيما بعد عرفنا أن هذا اليوسفي طعمه حامض جداً لا يستساغ، لذا لا يحتاج لمنع خاص من الناس لكيلا يقطفونه من أشجاره).. كذلك لاحظنا أن النجيلة تغطي كل المساحات غير المغطاة بالأسفلت او البلاط (الرصيف ما بين الشارع والبنايات من بلاط اسمنتي كبير الحجم)، والنجيلة ليست كالتي عندنا، بل هي غليظة كبيرة، وترتفع عدة بوصات فوق سطح الأرض، حتى لتظنها سجادة خضراء كثيفة..

وصلت الحافلات لوسط المدينة، فوجدنا عمارات فخمة ومحلات تجارية راقية، ولاحظنا أن في وسط شوارع متعددة متقاطعة قبة شبه زجاجية ملونة بألوان الطيف، والألوان في شكل مثلثات، هذه القبة في وسط التقاطعات، وتحتها يوجد ممر للمشاة تحت هذه الشوارع يربط ما بين المدينة القديمة وسوقها التقليدي (السويقة) وما بين شارع محمد الخامس التجاري الشهير، ويمنع عبور المشاة في هذه الشوارع، لذا يضطر المشاة الى النزول عبر الدرج الى تحت الأرض، وتحت الشوارع الرئيسية تلك، وتحت تلك القبة، ويمرون على نافورة وسط حوض من الماء، ولاحظنا ان بقاع الحوض عملة معدنية، عرفنا ان الناس- خاصة العشاق- تلقي بها (يبدو ان العادة مأخوذة من اوروبا، اذ لاحظت مثل ذلك في عدة مدن اوروبية)، ويعبر المشاة الى الجهة الأخرى..

وتوقفت بنا الحافلات أمام احدى البنايات الفخمة في شارع محمد الخامس، وكانت البناية هي فندق (مرحبا) الفخم، حيث كان نزولنا..


الصورة المرفقة منقولة لمنظر عام من الدار البيضاء، ويبدو مبنى العمالة (المحافظة)


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
11-22-2010, 02:02 PM
الحلقة التاسعة

.. نواصل ..

فندق مرحبا

كان فندق مرحبا مثل تلك الفنادق التي نزلنا فيها في اغادير ومراكش، من حيث الفخامة والنجوم الخمس، وكانت الغرف مريحة وجميلة..

بعد ايداع امتعتنا في الغرف نزلنا الى الشارع، حيث كان الفندق في وسط المدينة، وبقرب المدينة القديمة، فتجولنا في شارع محمد الخامس التجاري ذا المحلات الفخمة، وسكان الدار البيضاء كسكان المدن الكبيرة، غالب لبسهم الافرنجي خاصة البنات، فالزي الأوروبي هو السائد، مع وجود الزي المغربي الذي ذكرناه عندما تحدثنا عن اغادير، وغالبية الذين يلبسون الزي المغربي هم من كبار السن سواء رجال او نساء..

والذي لفت نظرنا اول خروجنا من الفندق رجال ينتشرون حول الفندق يروجون بضاعة من نوع آخر، بضاعة بشرية، ولقد شاهدنا بعضهن يصعدن مع بعض أعضاء وفدنا الى غرفهم.. اي كان هذا الشئ مسموحاً به في تلك الفنادق، لذا كان استغرابنا..

لاحظنا في (السويقة) أن الموسيقى المغربية التقليدية تصدح في كل ناحية، فأكشاك بيع الأشرطة تفتح مسجلاتها على أعلى صوت، فسمعنا أغاني في لحنها تشبه اللحن السوداني (فهمنا فيما بعد ان الموسيقى المغربية مثل السودانية تستعمل السلم الخماسي)، ولكن الكلمات غير مفهومة لنا، واتضح فيما بعد ان بعض تلك الأغاني كانت باللغة البربرية.. وهناك موسيقى حديثة وموسيقى شعبية، الأخيرة تغنيها فرق شعبية مثل (ناس الغيوان)، (جيل جيلاله)، (أزنزارن) ومعظم الفرق هذه هي بربرية، اما الموسيقى الحديثة فكان على رأسها وقتذاك عبد الوهاب الدوكالي وعبد الهادي بلخياط ونعيمة سميح وغيثة بن عبد السلام، وعزيزة جلال، وقد كانت سميره بن سعيد في أوائل ظهورها في تلك الفترة، واشتهرت بأغنية (وعدي يا وعدي) والتي ما زالت عالقة بذهني منذ ذلك الوقت بعض ابياتها:

وعدي يا وعدي
وعدي خدو مني قلبي ما بقالي حكم عليه
خدوه مني يمي ودوه.. حالي الله عالم بيه
اهرب.. امي يا الحبيبة
كيفاش نهرب ونداري كيفاش نهرب
وانا يمي مغلوبة

وترجمتها:
وأسفي ووأسفي
أسفي أخذو مني قلبي ولم يعد لي تحكم فيه
اخذوه مني يا أمي بعيداً وحالي الله عالم به
أهرب.. أمي يا الحبيبة
كيف أهرب وأداري
وأنا يا أمي مغلوبه

وحتى لا أنسى، فقد زارتنا سميره بن سعيد في كلية الحقوق بالرباط- فيما بعد- وهي اصلاً من مدينة الرباط، وعندما كنا نحن في الجامعة كانت هي في الثانوية..

(مرفق صورة لسميرة بن سعيد)

ولو لاحظتم فإن اسم سميره بن سعيد وليس سميره بنت سعيد، كذلك غيثه بن عبد السلام، وليس غيثه بنت عبد السلام، إذ أن اسم الشخص يقرن بالإسم العائلي وليس باسم الأب كما هو لدينا في السودان وفي مصر، ف (بن سعيد) هو اسم عائلتها، وكذلك (بن عبد السلام)، وكل اسماء المغاربة تتكون فقط من اسمين: اسم العائله، واسم الشخص، وفي غير المشهورين لابد من أن يسبق اسم العائلة اسم الشخص، فلما سجلنا في الكلية فيما بعد (حاكيناهم) فكتبنا اسماءنا هكذا (غلام الله عمر)، ويبدو ان محاكاتنا لم تكن في محلها، فسرعان ما اضطررنا الى الرجوع الى اسمائنا بطريقتنا السودانية، لسبب بسيط، هو ان جوازات سفرنا كانت مكتوبة هكذا..

مودي اليوم للكتابة مش ولابد.. لذا سأتوقف.. (طبعاً كان هذا ساعة كتابة هذه الحلقة لأول مرة، وليس عندما نقلتها الى هنا)


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
11-22-2010, 02:04 PM
نواصل ..

الحلقة العاشرة

مدينة الرباط


لم نمكث في الدار البيضاء غير يوم واحد، إذ كان اليوم التالي هو العيد الوطني للمغرب، وكان الوفد السوداني ضيفاً على الاحتفال، فنقلتنا الحافلات الى الرباط، ولما تحركنا من امام فندق مرحبا اخترقنا مدينة الدار البيضاء، فأدركنا مدى ضخامة هذه المدينة، فنحن من شارع لشارع، ومن حي لحي، حتى خرجنا من العمران فوجدنا على جانبي الطريق المزارع الخضراء والقرى الصغيرة.. ولم تطل لحظات التأمل في تلك الطبيعة الساحرة، فقد لاحت لنا مدينة الرباط، او رباط الفتح، كما يحلو لي ان اسميها، وهي عاصمة المغرب الحديثة، إذ سبقتها كل من مراكش وفاس كعاصمتين سابقتين للمغرب..

وقبل أن أواصل سرد رحلتي لتلك المدينة التي أحببت، أسرد لكم نبذة عنها استقيتها من موقع وزارة الثقافة المغربية..

مدينة الرباط

يرجع تاريخ مدينة الرباط إلى فترات تاريخية مختلفة، إلا أن التأسيس الأولي للمدينة يعود إلى عهد المرابطين الذين أنشأوا رباطا محصنا، ذلك أن هاجس الأمن كان أقوى العوامل التي كانت وراء هذا الإختيار ليكون نقطة لتجمع المجاهدين، ورد الهجمات البورغواطية.

خلال العهد الموحدي عرفت المدينة إشعاعا تاريخيا وحضاريا، حيث تم تحويل الرباط (الحصن) على عهد عبد المومن الموحدي إلى قصبة محصنة لحماية جيوشه التي كانت تنطلق في حملات جهادية صوب الأندلس.

وفي عهد حفيده يعقوب المنصور، أراد أن يجعل من رباط الفتح عاصمة لدولته، وهكذا أمر بتحصينها بأسوار متينة، وشيد بها عدة بنايات من أشهرها مسجد حسان بصومعته الشامخة، وفي القرن الرابع عشر بدأت الرباط تعرف اضمحلالا بسبب المحاولات المتتالية للمرينيين للاستيلاء عليها، وإنشاؤهم لمقبرة ملكية بموقع شالة لخير دليل على ذلك.

وفي عهد السعديين 1609 سمح للمسلمين القادمين من الأندلس بالإقامة بالمدينة، فقاموا بتحصينها بأسوار منيعة والتي ما زالت تعرف بالسور الأندلسي. وفي هذا العهد تم توحيد العدوتين (مدينة الرباط وسلا) تحت حكم دويلة أبي رقراق، التي أنشأها الموريسكيون، ومنذ ذلك الحين اشتهر مجاهدوا القصبة بنشاطهم البحري، وعرفوا عند الأوربيين باسم "قراصنة سلا" وقد استمروا في جهادهم ضد البواخر الأوربية إلى غاية سنة 1829.

موقع شالة

ورد ذكر موقع شالة عند المؤرخين القدامى كمدينة صغيرة تقع على نهر يحمل اسم "سلا " والذي يطلق عليه حاليا اسم واد أبي رقراق، وفي العهد الإسلامي أصبحت هذه التسمية مقتصرة على المدينة الحديثة الواقعة على الضفة اليمنى للوادي أما الموقع فبدأ يحمل اسم شالة.

يرجع تاريخ "شالة" إلى القرن السابع أوالسادس قبل الميلاد، ويبدو أن المدينة قد ازدهرت تحت حكم الملوك الموريين خاصة خلال عهدي الملكين يوبا وابنه بطليموس، حيث جهزت بعدة بنايات عمومية جسد جلها التأثير الهليني والروماني، كما سكت نقودا تحمل اسمها. ابتداء من سنة 40 م شهدت المدينة تحولا جديدا تحت الحكم الروماني، حيث تميزت بتغيير في مكوناتها الحضرية بإنشاء الساحة العمومية والحمامات والمعبد الرئيسي وتحصينها بحائط متواصل امتد من الساحل الأطلسي إلى حدود وادي عكراش، وفي سنة 144م أحيطت المدينة بسور دفاعي، لتبقى خاضعة للاحتلال الروماني حتى أواخر القرن الرابع أو بداية القرن الخامس الميلادي.

ما زالت حدود المدينة القديمة غير معروفة، إذ لم يتم الكشف لحد الآن إلا عن الحي العمومي، هذا الأخير ينتظم بجانبي شارع رئيسي (الديكومانوس ماكسموس) مرصف ينتهي في جهته الشرقية بالساحة العمومية (الفوروم)، أما بشمال غرب الساحة فيتواجد معبد مكون من خمس مقصورات تبرز التأثيرالمعماري الموري، وقد كشفت الحفريات جنوب الديكومانوس عن حوض الحوريات ومخازن عمومية وحمامات، أما بشماله فقد ظهرت بقايا المعبد الرسمي (الكابتول) وهو بناية ضخمة بني جزء منها فوق صف من الدكاكين المقببة، فتعلو بذلك فضاءا واسعا يضم كلا من قوس النصر ودار العدالة التي لم يتبق منها إلا أجزاء من الواجهة الرئيسية.

بقيت شالة مهجورة منذ القرن الخامس حتى القرن العاشر الميلادي حيث تحول الموقع إلى رباط يتجمع فيه المجاهدون لمواجهة قبيلة برغواطة، لكن هذه المرحلة التاريخية تبقى غامضة إلى أن اتخذ السلطان المريني أبو يوسف يعقوب سنة 1284م من الموقع مقبرة لدفن ملوك وأعيان بني مرين حيث شيّد النواة الأولى لمجمع ضم مسجدا ودارا للوضوء وقبة دفنت بها زوجته أم العز.

حظيت شالة على عهد السلطان أبي الحسن باهتمام بالغ. أما ابنه السلطان أبو عنان فقد أتم المشروع، فبنى المدرسة شمال المسجد والحمام والنزالة وزين أضرحة أجداده بقبب مزخرفة تعتبر نموذجا حيا للفن المعماري المتميز لدولة بني مرين. تراجعت شالة مباشرة بعد قرار المرينيين بإعادة فتح مقبرة القلة بفاس، فأهملت بناياتها، بل وتعرضت في بداية القرن الخامس عشر الميلادي للنهب والتدمير لتحتفظ بقدسيتها العريقة وتعيش بفضل ذكريات تاريخها القديم على هامش مدينة رباط الفتح ، وتصبح تدريجيا مقبرة ومحجا لساكنة المنطقة، بل معلمة تاريخية متميزة تجتذب الأنظار.

في القرن الرابع عشر الميلادي (1339) أحيط الموقع بسور خماسي الأضلاع مدعم بعشرين برجا مربعا وثلاث بوابات أكبرها وأجملها زخرفة وعمارة الباب الرئيسي للموقع المقابل للسور الموحدي لرباط الفتح، أما داخل الموقع فقد تم تشييد أربع مجموعات معمارية مستقلة ومتكاملة تجسد كلها عظمة ومكانة مقبرة شالة على العهد المريني.

ففي الزاوية الغربية للموقع ترتفع بقايا النزالة التي كانت تأوي الحجاج والزوار، وفي الجزء السفلي تنتصب بقايا المقبرة المرينية المعروفة بالخلوة، والتي تضم مسجدا ومجموعة من القبب أهمها قبة السلطان أبي الحسن وزوجته شمس الضحى، والمدرسة التي تبقى منارتها المكسوة بزخرفة هندسية متشابكة ومتكاملة وزليجها المتقن الصنع نموذجا أصيلا للعمارة المغربية في القرن الرابع العاشر.

في الجهة الجنوبية الشرقية للموقع يوجد الحمّام المتميز بقببه النصف دائرية، التي تحتضن أربع قاعات متوازية: الأولى لخلع الملابس والثانية باردة والثالثة دافئة و الرابعة اكثر سخونة.

أما حوض النون، فيقع في الجهة الجنوبية الغربية للخلوة وقد كان في الأصل قاعة للوضوء لمسجد أبي يوسف، وقد نسجت حوله الذاكرة الشعبية خرافات وأساطير جعلت منه مزارا لفئة عريضة من ساكنة الرباط ونواحيها.

السور الموحدي
شيّد هذا السور من طرف السلطان يعقوب المنصور الموحدي، حيث يبلغ طوله 2263م، وهو يمتد من الغرب حتى جنوب مدينة الرباط، ويبلغ عرضه 2.5م وعلوه 10 أمتار وهذا السور مدعم ب 74 برجا، كما تتخلله 5 أبواب ضخمة (باب لعلو، باب الحد، باب الرواح، وباب زعير).

السور الأندلسي شيد على عهد السعديين من طرف المورسكيين، يقع على بعد21م تقريبا جنوب باب الحد، ليمتد شرقا إلى برج سيدي مخلوف، وهو يمتد على طول 2400م. وقد تم هدم جزء من هذا السور 110م بما فيه باب التبن، والذي يعتبر الباب الثالث لهذا السور مع باب لبويبة وباب شالة، وهو على غرار السور الموحدي مدعم بعدة أبراج مستطيلة الشكل تقريبا، ويبلغ عددها 26 برجا، وتبلغ المسافة بين كل برج 35 مترا.

قصبة الأوداية
كانت الأوداية في الأصل قلعة محصنة، تم تشييدها من طرف المرابطين لمحاربة قبائل برغواطية، ازدادت أهميتها في عهد الموحدين، الذين جعلوا منها رباطا على مصب وادي أبي رقراق، وأطلقوا عليها إسم المهدية. بعد الموحدين أصبحت مهملة إلى أن استوطنها الموريسكيون الذين جاءوا من الأندلس، فأعادوا إليها الحياة بتدعيمها بأسوار محصنة.

وفي عهد العلويين عرفت قصبة الأوداية عدة تغييرات وإصلاحات ما بين ســــــــنة (1757-1789)، وكذلك ما بين سنة (1790 و 1792). وقد عرف هذا الموقع تاريخا متنوعا ومتميزا، يتجلى خصوصا في المباني التي تتكون منها قصبة الأوداية، فسورها الموحدي وبابها الأثري (الباب الكبير) يعتبران من رموز الفن المعماري الموحدي، بالإضافة إلى مسجدها المعروف بالجامع العتيق، أما المنشآت العلوية فتتجلى في الأسوار الرشيدية، والقصر الأميري الذي يقع غربا، وكذلك منشآتها العسكرية: برج صقالة.



الصورة المرفقة لقصبة الوداية وعلى يمينك نهر بورقراق الذي يتصل بالمحيط الأطلسي كما يبدو في الصورة

مسجد حسان
يعد واحدا من بين المباني التاريخية المتميزة بمدينة الرباط التي تقع عليها عين الزائر، شيد من طرف السلطان يعقوب المنصور الموحدي، كان يعتبر من أكبر المساجد في عهده، لكن هذا المشروع الطموح توقف بعد وفاته سنة 1199، كما تعرض للاندثار بسبب الزلزال الذي ضربه سنة 1755م، وتشهد آثاره على مدى ضخامة البناية الأصلية للمسجد، حيث يصل طوله 180 مترا وعرضه 140 مترا، كما تشهد الصومعة التي تعد إحدى الشقيقات الثلاث لصومعة الكتبية بمراكش والخيرالدا بإشبيلية على وجود المسجد وضخامته، والصومعة مربعة الشكل تقف شامخة حيث يصل علوها 44 مترا، ولها مطلع داخلي ملتو، يؤدي إلى أعلى الصومعة ويمر على ست غرف تشكل طبقات، وقد زينت واجهاتها الأربع بزخارف ونقوش مختلفة على الحجر المنحوت، وذلك على النمط الأندلسي المغربي من القرن الثاني عشر.


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
11-22-2010, 02:19 PM
الحلقة الحادية عشر

.. نواصل ..


احتفالات المغرب بعيد الإستقلال

توقفت بنا الحافلات في شارع حسان، أمام سور عتيق ضخم، هو أحد أسوار مدينة الرباط القديمة، وقد أغلقوا الشارع ونصبوا مقراً للاحتفالات، وتم توزيعنا على المقاعد، وجلسنا عليها، وكنا نقرأ في أعلى مساند المقاعد التي حولنا لوحات ورقية صغيرة مكتوب عليها (الوزير الفلاني، سفير كذا)، أي أجلسونا في منصة كبار الزوار، ووزعوا علينا كتيبات عن الاحتفال وبرنامجه، وكان من يوزعها فتيات أشبه ما يكن بمضيفات الطيران، وربما كن اكثر اناقة وجمالاً من أولئك.. يبدو أنهن مضيفات تابعات للمراسم الملكية او شئ من هذا القبيل..

وأثناء جلوسنا كانت كل عدة دقائق تتوقف سيارة مرسيدس سوداء فارهة أو سيارة ستروين كبيرة رمادية (جميع السيارات التي أنزلت السفراء كانت من هذين النوعين فقط)، ويرفرف عليها علم دولة، فينزل السفير فيستقبله المستقبلون ويجلسونه في مكانه المخصص له.. ثم جاء طفلان أحدهما حوالي عشر سنوات والآخر حوالي ست سنوات، وهبطا من سيارة فارهة، واصطف ضباط كبار، أعلى رتب (يبدو أنهم قيادات الجيش والشرطة) يسلمون على هذين الصبيين، وكانا يقبلان أيديهما.. إنهما مولاي محمد (ملك المغرب الحالي) ومولاي رشيد ابناء الحسن الثاني ملك المغرب عليه رحمة الله- أرجو ان تترحموا معي عليه- ثم بعد تحيتهم جلسا في مكانهما المخصص لهما، وأخيراً وصل الملك الحسن الثاني، وأُلقيت الكلمات، وكانت هذه أول - وآخر- مره أرى فيها الملك الحسن الثاني والملك محمد السادس والأمير رشيد..

وعشان ما أنسى سأذكر لكم شيئاً حدث لي فيما بعد له علاقة برؤية الملك، فبينما نحن ندرس في كلية الحقوق بالرباط، وكنا نأتي من الحي الجامعي بالحافلات، وننزل منها لنعبر الشارع الرئيسي الى مدخل الكلية، فلاحظنا ذات يوم ان حركة المرور توقفت في هذا الشارع، فلم نعد نرى سيارات تعبره، كذلك كنا نرى جنوداً على جانبي الطريق، بين كل جندي وآخر حوالي عشرة أمتار، واستمر ذلك لمدة ثلاثة ايام، وفي اليوم الثالث، وفي حوالي الساعة الثانية ظهراً هبطت من الحافلة وتوجهت نحو الكلية، ولكن لم استطع عبور الشارع، إذ منعني الجنود، فوقفت، وبعد مدة من الزمن ظهرت سيارات الشرطة من بعيد، بأصوات ابواقها (التي تسمى في السعودية الونان، ولا أعرف في السودانية اسم لها) فسألت إحدى الطالبات وكانت تقف بجواري تنتظر السماح لها بالمرور الى الكلية، سألتها ماذا يحدث فقالت لي ان الملك يعبر من هذا الطريق، فقلت فرصة لعلي أرى الملك عن قرب (كان ذلك بعد عامين تقريباً من وصولي للمغرب)،

فركزت بصري على الجهة التي تأتي منها اصوات سيارات الشرطة ومواترها، فظهرت من على البعد، فأردت تبين من بداخل سيارة الملك، فلم استطع، ليس لأن الزجاج مظلل، بل لأنني لم أر السيارة نفسها، هل تصدقون؟ ربما لو مر سهم انطلق من قوسه لرأيته، ولكن سيارة الملك لم أر إلا شيئاً يظهر ثم يختفي كلمح البصر، وفي ثواني- ثواني مين ياعم، ديل أجزاء من الثانية- كان الموكب قد اختفى عن انظارنا تماماً، وفي الثواني التالية انصرف الجنود الواقفون على جانبي الطريق، وعبرنا الشارع الى كليتنا، ثم عادت الحياة للشارع لطبيعتها.. وسألت التي كانت تقف بجواري قبل السماح لنا بالعبور، الى اين يا ترى ذاهب الملك؟ قالت ربما لزيارة أخيه الأمير عبد الله- رحمه الله رحمة واسعة، ترحموا عليه معي- وكان قصر عبد الله خلف غابة البان التي تلي كليتنا، اي كان على مقربة من كلية الحقوق.. ويبدو ان مثل تلك الزيارة كانت نادرة، حيث اننا لم نشاهد مثل ما حدث ذلك اليوم فيما بعد..

وبمناسبة الزيارة الملكية لأخيه، علمنا أن تربية الأميرين محمد ورشيد توكل لوزير، وظيفته (الوزير المكلف بتربية أصحاب السمو الملكي)، وهي ليست تربية دلع، بل فيها تربية عسكرية، وعرفنا ان الأولاد لا يرون أباهم الا في أيام معلومات، يقال ثلاث مرات فقط في الأسبوع، كما أن المدرسة الخاصة التي يدرسون فيها يجلب إليها طلاب من مختلف فئات الشعب، فتجد في المدرسة ولد مزراع وولد عامل وولد موظف وولد تاجر.. وهكذا، وذلك ليكون على احتكاك ومعرفة بفئات الشعب المختلفة..

وحتى لا أنسى ايضاً فإن الأمير محمد درس في كليتنا (الحقوق) فيما بعد- اي بعد تخرجنا- وعلمنا من الطلاب السودانيين الذين درسوا في تلك الفترة أن إدارة الكلية نقلت كل الدفعة التي في السنة الأولى الى السنة الثانية تمهيداً لدخول الأمير الى السنة الأولى، حتى ان هناك طالبة كانت مريضة ولم تحضر للامتحان، فذهبوا اليها في المنزل ونقلوها بسيارة الى الكلية لتؤدي الامتحان- كيفما اتفق، حتى لو تكتب اسمها فقط في ورقة الإجابة- ولم يكرر (يعيد) في السنة الأولى أحد، يعني البليد لقى فرصة في السنة ديك انو ينتقل للسنة الثانية.. فقط دخل معه السنة الأولى مجموعة معينة معروفة لديه ومعروفة للحكومة (لدواعي امنية ربما، او لدواعي اخرى لا نفهمها).. هذا يقرأ بعدة اتجاهات، هي انه درس في الجامعة مع عامة الناس، وفي نفس الكلية التي يدرس فيها وتخرج فيها طلاب مغاربة وغير مغاربة، ومنها انه له خصوصية بطريقة ما بحيث لم يتركوا معه في الفصل غير عدد محدود من الطلاب..

يعني انا اقدر اقول انو الملك محمد السادس ملك المغرب درس في الكلية التي درست بها، (لاحظتوا اني ما قلت انا درست في الكلية التي درس بها الملك محمد السادس، والسبب اني سبقته في الدراسة فيها)..


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
11-24-2010, 02:51 PM
نواصل ..

الحلقة الثانية عشر


وداعاً أيام الضيافة المنعمة!

انتهى الاحتفال باليوم الوطني للمغرب، وركبنا الحافلات وتوجهنا لزيارة عمالة (محافظة) الرباط، وأذكر أننا أثناء خروجنا كانت البوابة من الزجاج، وكذلك كل واجهة العمالة، ولا يتميز الباب عن بقية الواجهة بشئ، فاستمر أحد أعضاء الوفد في سيره حتى اصطدم بزجاج الواجهة، ظاناً أنها لا شئ (من نظافة الزجاج وكبر مساحته)، فضحكنا جميعاً..

ثم ركب أعضاء وفد السودان للمسيرة الخضراء الحافلات متوجهين الى المطار حيث كانت تنتظرهم الطائرة السودانية لتقلهم عائدين الى ملتقى النيلين، تاركين وراءهم حوالي ثلاثة او اربعة من اعضاء الوفد هم شخصي ومحمد خالد وطارق المحينة (رحمه الله رحمة واسعة، فقد علمت بنبأ وفاته في اجازتي الأخيرة للسودان في يوليو 2010م من الزميلة ساميه ابراهيم احمد- دفعتنا- التي عرفت الخبر بالصدفة حينما التقت بإبنة عمه في مناسبة وعندما عرفت بأن اسمها ينتهي بالمحينة سألتها إن كان طارق المحينة قريبها، فقالت لها: الله يرحمه هو بن عمي.. فصدمت ساميه بهذا النبأ الأليم، ويبدو أن الوفاة كانت قبل سنوات من تلك المقابلة.. رحم الله طارق المحينة رحمة واسعة وألهمنا الصبر الجميل وحسن العزاء وإنا لله وإنا إليه راجعون..) وجلال حنفي، وكنا جميعاً مسجلين في منحة المغرب، وفيما بعد رجع بعض من كان معنا في الوفد ليسجل معنا في الجامعات المغربية..

أحسست باليتم بعد مغادرة الوفد أرض المغرب، إذ حتى هذه اللحظة كنت اعيش في مجتمع سوداني بحت، وفي ضيافة مغربية كريمة، ولكن بعد مغادرة الوفد انتقلنا من عيشة الفنادق الراقية والعزومات شبه الملكية، عزومات عاملي العمالات (محافظي المحافظات) الى عيشة الحي الجامعي (مولاي اسماعيل) والى أكل سندويتشات الساردين والجبنة والمربى.. فقد أخذنا الى الحي الجامعي بعض من الطلاب الذين سبقونا الى المغرب والذين جاءوا لمقابلة ورؤية الوفد السوداني، فكانت ليلتنا الأولى في الرباط في حجرة كبيرة تحت الأرض (بدروم)، مفروش على أرضيتها المراتب، وفهمت ان هذا سكن مؤقت لمن لم يجدوا له مكاناً في أجنحة (عمارات) الحي الجامعي..

كان الحي الجامعي (مولاي اسماعيل) في السابق ثكنة عسكرية، ثم خرج منه العسكر وسكنه طلاب الجامعات، وكان على شاطئ المحيط الأطلسي مباشرة، ويتكون من حوالي خمسة أجنجة، كل جناح به حوالي ثلاثة طوابق، منها طابق تحت الأرض (بدروم)، ولكن نوافذه تطل على سطح الأرض تقريباً، من هذه الأجنحة الخمسة هناك جناح مخصص للبنات، وفي الحي الجامعي مصلى في ركن من الحي، ومقر للإدارة في نفس الجناح الذي أسكنونا فيه في الليلة الأولى، وعيادة تزورها طبيبة ثلاث مرات في الأسبوع، وكان هذا الحي قريب الى حد ما من وسط البلد ومن السوق ومن المدينة القديمة، وامامه مجموعة من البقالات والمطاعم، ولم يكن مطعم الحي الجامعي نفسه مفتوحاً (فُتح بعد أن غادرناه)، قضينا اليوم الأول على مراتب في الأرض (يا حليل فنادق اطلس ومرحبا)، وأكلنا ساندوتشات الساردين (يا حليل الخروف المشوي والدجاج العائم فوق زيت الزيتون)..

(في اجازتي للسودان ولمدني في العام 2008م، بحثت في صوري فوجدت بعض الصور القديمة، فأردت أن أشرككم في رؤيتها، والصورة المدرجة تضم من اليمين الأخ عبد الله خالد إدريس ووجدت خلف الصورة أنني كتبت بعد اسمه بين قوسين (Comera) ويبدو أنه كان لقبه الذي اطلقه عليه الزملاء السودانيين في الجامعة، والكوميرا تعني الرغيف التوسته الطويل، ولا أذكر لماذا سمي هكذا، ربما لأنه كان طويلاً ونحيفاً، وبجانبه العبد الله، والصورة في الحي الجامعي مولاي اسماعيل، وكما تلاحظون كنا نجلس في ميدان نجيله كبير وواسع، وخلفنا تبدو الأجنحة السكنية وبقية مباني الحي، والصورة تاريخها ديسمبر 1975م وكنا يادوب واصلين من السودان لينا شهر وشويه)

وجدت في هذه الغرفة الفسيحة مجموعة من الطلاب السودانيين، أعرف منهم عمر الإمام النور الذي كان يدرس معي في مدني الثانوية، وكذلك الذين كانوا معي في وفد السودان للمسيرة الخضراء، وتعرفت على البقية، ومنهم طلحه جبريل الذي اصبح صحفياً لامعاً إذ كان مراسل جريدة الشرق الأوسط في المغرب ثم اصبح مدير المكتب هناك، ثم عمل بعد سنوات طويلة في وكالة يونايتد برس، واخيراً استقر في واشنطون.. (سمعت أخيراً أنه رجع الى المغرب)، كذلك تعرفت على حسن عبد اللطيف قرناص (الذي لقبه الزملاء بـ حسن كسينجر، لأنه كان يتكلم بطريقة رأوا فيها انه أشبه بوزير الخارجية الأمريكي هنري كينسجر)، كذلك كان معنا سيف الدولة عبد المنعم وجمال ميرغني وكمال شرف وعبد اللطيف محمد خير والنور محمد أحمد وغيرهم..

الصورة الثانية في الحي الجامعي مولاي اسماعيل ويظهر محجوب البيلي وطلحة جبريل وخلفهم أحد أجنحة الحي، والصورة في شتاء العام 1975م

وقد أفادونا الذين سبقونا في التسجيل في الكليات، وعرفنا منهم أنه لا مجال إلا في كلية الحقوق قسم القانون، او قسم العلوم السياسية، او كلية الآداب بتخصصاتها المختلفة، إذ ان بقية الكليات كانت الدراسة بها باللغة الفرنسية، وقد حاول البعض دراسة كليات تدرس بالفرنسية مثل الطب، ولكنهم تعبوا، منهم محمد محي الدين – من أبناء بورسودان- إذ وجدناه يدرس في كلية طب جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وكان قد استنفد سنوات الرسوب في كلية الطب بجامعة محمد الخامس بالرباط، فدرس عامين في الرباط، وعامين في الدار البيضاء ولم يستطع تجاوز السنة الأولى، رغم اجادته للغة الفرنسية، ثم انتقل – بعد ان اكملنا دراستنا في المغرب وغادرناها- الى الجزائر.. المهم فيما بعد عرفنا انه تخرج من كلية الطب، وبما أن اسرته تسكن بجوار اسرة خالتي بابو حشيش في بورسودان فقد تابعت اخباره، وعلمت انه طبيب شاطر رغم انه عمومي.

المهم انا سجلت في كلية الحقوق – فرع العلوم السياسية- اسوة ببقية الزملاء، الذين نستثني منهم القليل، فقد سجل عمر الإمام وسيف الدولة في القانون، وسجل طلحه جبريل في كلية الآداب، وكذلك محمد عثمان الخليفة (اخو وزير التربية والتعليم في عهدنا – محمد خير عثمان)، وكان أيضاً قد درس معنا في مدني الثانوية..

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
11-29-2010, 11:07 AM
نواصل ..




الحلقة الثالثة عشر

الحي الجامعي مولاي إسماعيل

تسلل زملاء الغرفة الجماعية تباعاً الى الأجنحة المختلفة، والتي هي ايضاً غرفاً جماعية، إلا أن فيها أسرّة (جمع سرير) وبجانب كل سرير دولاب صغير، وفي جانب من الغرفة دواليب كبيرة يضع فيها الطالب ملابسه وحاجياته، وفيها نظام السرائر ابو دورين، يعني سرير فوق الثاني، وجاء دوري للتسلل خارج الغرفة الجماعية الى الجناح e على ما أذكر، وكان سريري في الأعلى، وعندما نقلت حاجياتي من الغرفة الجماعية الى مقري الجديد جاء معي زميلي جمال ميرغني وآخر نسيت من هو، وعندما وجدا السرير الذي تحتي والذي بجانبي خاويان- وكان الوقت ليلاً- حسبا ان السرائر لا يوجد بها أحد، فناما معي فيهما، ولكن أصحاب السراير الذين وصلوا أيقظوهما من نومهما- وهم يرطنون بالفرنسي ظناً منهم أن هؤلاء من دول افريقيا الفرانكفونية، لأنهم لم يروا سودانياً من قبل، ولا يعرفون من الأفارقة غير الناطقين بالفرنسية، وكانت لهجتهم توحي بالعدوانية- ولم يفهم جمال وزميلي الآخر شيئاً مما قالا، لكنهما فهما المقصود، فغادرا الجناح الى الغرفة الجماعية التي أتينا منها..

اعتقدنا ان ذلك طرد، ولكن فيما بعد علمنا أن هؤلاء إن لم ينوما في أماكنهما فلا مكان لهما، إذ هما من أقصى الجنوب المغربي، من البربر، من جهة اغادير، وبالتحديد من انزغان التي هبطت بنا الطائرة السودانية فيها (مطار أغادير انزغان) كأول محطة لنا في المغرب.. وقد أعطاني هذا الذي حدث في الغرفة إحساساً بالخوف من هؤلاء، فهم اول مغاربة أقابلهم- من غير الرسميين الذين استقبلونا في رحلتنا عبر المغرب بعد انتهاء المسيرة الخضراء- وتساءلت هل يا ترى كل المغاربة هكذا؟ وقد توجست خيفة..

ولكن فيما بعد اتضح أنني كنت مخطئ، فقد كان هؤلاء الجيران هم أصدقائي فيما بعد، وكانوا من ألطف الناس، وأذكر فيما بعد عندما عرفت طريق المطعم الجامعي في الحي الجامعي السويسي الأول- وكان بعيداً عن هذا الحي الذي نسكنه بمسافة، ولابد من ركوب الحافلة للوصول إليه، وكان لابد من تكبد المشاق ودفع أجرة المواصلات ذهاباً وإياباً (الرحلة كانت ب 40 سنتيم) بينما ثمن الوجبة درهم و40 سنتيم، اي كنا ندفع 80 سنتيم من اجل وجبة ب 140 سنتيم، لكن كانت الوجبة تستأهل كل هذا الجهد – المال والتعب والوقت- اذ كانت الحافلة التي تنقلنا من امام الحي الذي نسكنه الى الحي الذي فيه المطعم تزدحم بالطلاب والطالبات لدرجة انك لا تستطيع الركوب، واذا ركبت فالدفس والعفص داخل الحافلة، وقد تلتحم الأجساد بضغط شديد، وكان ذلك شديداً علينا نحن القادمين من مجتمع محافظ..

المهم ان الوجبة تستأهل هذا الجهد لأنها وجبة كاملة، فيها كل احتياجات الإنسان، ففيها المقبلات والسلطات والوجبة الرئيسية التي كانت تتكون اما من اللحم او الدجاج او السمك، بالإضافة الى الأرز والخضروات والتحلية والفاكهة، وهذه الوجبة لو تناولناها في المطعم فسوف تستنزف المنحة التي تعطينا إياها الحكومة المغربية، وكانت المنحة 380 درهم، زيدت فيما بعد لتصل 390 ثم بعد ذلك الى 420 درهم..

نرجع الى (عندما عرفت طريق المطعم الجامعي).. فقد عدت من المطعم الجامعي بعد وجبة عشاء دسمة (بمعنى الكلمة)، نمت في سريري – في الدور التاني- وفجأة عند منتصف الليل اندفع ما في بطني الى فمي، ولم يكن هناك وقت للنزول من السرير والذهاب الى الحمام، فحاولت أن أسد فمي بيدي لكن ما في فمي غالبني فغلبني ثم اندفع الى الخارج، وللأسف تأثر بذلك الذي ينام في السرير الذي تحتي، رغم انني وجهت وجهي للجدار خلف رأسي مباشرة، لكن نزل ما نزل على الجدار حتى وصل للمسكين في سريره.. نزلت مسرعاً الى الحمامات، فأكملت الاستفراغ، ولحقني زميلي ليغسل ما ناله من محتويات جوفي.. فاعتذرت له، ويبدو أنه قبل إعتذاري لأنه بدرت منه إبتسامة خفيفة دون أن يرد عليّ..

فيما بعد عرفت أنه ظن بأني قد شربت روج (وهو مسكر يشربه كثير من الطلاب.. أعتقد أنه النبيذ)، وعادة ما يستفرغونه- لا أدري لماذا- ولكن فيما بعد عرف أنني برئ من الروج.. أحسست ان بطني ليست على ما يرام، وفي الصباح دلوني على عيادة الطبيبة في هذا الحي وهي تأتي ثلاث مرات على ما أذكر إلى هذا الحي، المهم اعطتني العلاج وسألتني ان كنت أتناول وجباتي في المطعم الجامعي، فأجبت بالإيجاب فكتبت لي بطاقة (ريجيم) اقدمها للمطعم لأتناول وجبة خاصة خالية من الدهون، فكانوا يعطوني لحم مشوي بدل اللحم المطبوخ في (الدمعة) وبدل الدجاج المطبوخ دجاج مسلوق، ويعطوني بسله بدل العدس (البسله عندهم يسمونها جلبانه)، ويعطوني فاصولياء خضراء بدل الفاصوليا البيضاء (الفاصوليا عندهم يسمونها لوبيا)، وبدل الأرز المطبوخ يعطوني أرز مسلوق.. فارتاحت بطني، وعلمت ان سبب الاستفراغ كان بهذه الدهون (الدسم) التي كانت في الأكل الذي تناولته في مطعم الحي الجامعي، طبعاً لأن الجو بارد جداً في المغرب فإن معظم اللحوم تكون دهينه ويضعون كمية من الشحم في الطبيخ..

أواصل سرد مسميات الخضروات عندهم، فالجزر يسمى عندهم خزّو، والشمام عندهم يسمى بطيخ، والبطيخ يسمى دلاّح، والبطاطس بطاطا، واليوسفي مندرين، وكما اسلفت البرتقال يسمى ليمون، والليمون يسمى الحامض، والكمثرى ابو عويد، والسمك يسمونه الحوت، والضان يسمونه الغنم..


في المشاركة السابقة (الثانية عشر) أرفقت صورة لأحد أجنحة الحي الجامعي مولاي اسماعيل، ويبدو في الصورة الزميلين محجوب البيلي (دفعة 1974) وطلحه جبريل (دفعتنا، الذي يحمل جريدة العلم المغربية)، وخلفهما يبدو مغربيان.. كما تلاحظون فهناك درج (سلم) يؤدي الى الدور الأرضي من الجناح، كما يبدو في داخل الجناح الدرج المؤدي للدور الأول، بينما تبدو شبابيك الدور تحت الأرضي في اقصى يمين الصورة الى الأسفل، وهناك شريط من الطلاء الداكن يحدد الطابق تحت الأرضي ويتضمن الشباك.. والصورة تقريباً في العام 1975م..


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
11-30-2010, 02:59 PM
الحلقة الرابعة عشرة

معهد المغرب الكبير

.. نواصل ..


بعد أن سجلت في الجامعة في كلية الحقوق – شعبة العلوم السياسية- القسم العربي- بدأت أذهب للدراسة، وكانت معظم المحاضرات في معهد (المغرب الكبير)، ولحسن الحظ كان هذا المعهد قريباً من الحي الجامعي مولاي اسماعيل، فلم نكن نحتاج لمواصلات، وكانت المدرجات ضخمة جداً، وتفأجات بأن عدد الطلاب في قسمنا فقط حوالي 1500 طالب (الف وخمسمائة وليس مائة وخمسين)، لذلك كان المحاضر يلقي محاضرته عبر الميكروفون.. وتقريباً نفس العدد يدرس في شعبة العلوم القانونية- القسم العربي- وتقريباً نفس العدد في شعبة العلوم القانونية- القسم الفرنسي، وتقريباً نفس العدد في شعبة العلوم السياسية- القسم الفرنسي، وتقريباً ضعف هذا العدد في شعبة العلوم الاقتصادية- بالفرنسي (ليس هناك اقتصاد بالعربي)، هذا كله في السنة الأولى في كلية الحقوق بجامعة محمد الخامس، وهناك جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وهناك جامعة محمد بن عبد الله بفاس.. لذلك قال الملك الحسن الثاني رحمه الله ذات مرة انه لو حدث انهيار اقتصادي للمغرب فسيكون السبب التعليم، ولاحظ أن كل طالب ينال منحة من الدولة، سواء كان مغربياً او غير مغربي.. بالإضافة الى السكن شبه المجاني، فكنا ندفع فقط ستون درهماً نظير السكن في الحي الجامعي، ويغسلوا لك الملايات وأكياس المخدات كلما اتسخت، وينظفوا الغرف، ووكل الغرف بها التدفئة، والماء الساخن في الحمامات.. ويوفروا الأكل في المطعم الجامعي بسعر رمزي كما أسلفت..


قبل أن أنسى، كنا حينما نمشي الى المحاضرات في معهد المغرب الكبير، كان الصبية الذين يتواجدون في الشارع او يلعبون، كانوا يسألوننا سؤالاً متكرراً : (ايش حال في الساعة؟)، وترجمتها (الساعة كم)، فكنا نجيبهم- مع ملاحظة أن الساعات اليدوية لم تكن منتشرة في ذلك الزمان في المغرب ولا أدري لماذا- ولكن عندما كثرت (ايش حال في الساعة؟) حسبناها (كلام ما كويس) فاصبحنا (نطنش).. لكن فيما بعد فسرت ذلك بأنهم يريدون أن يعرفوا لهجتنا، وما إذا كنا نتكلم اللغة العربية أم لا، سيما واننا أفارقة- وكما اسلفت لم يكن غيرنا من الأفارقة يتحدث العربية، او بالأصح لا يتحدث غير الفرنسية- وأحياناً يكون سؤال هؤلاء الصبية كمدخل للتعارف..

تعرفنا على البقالات التي امام الحي الجامعي، فكان فطورنا نصف رغيفه مدوره يحشوها صاحب البقالة بالزبدة والمربى، او الجبنة الصفراء والمربى (كانت بقرشين، اي 20 سنتيم)، وغداؤنا رغيفه مدوره كاملة يحشوها بالسردين، وكان السردين مغربي الصناعة، وهو نوعان؛ ساردين بالزيت وساردين بالطماطم، وبما ان السردين اكثر وجبة مشبعة، وأرخص وجبة مشبعة (كان الساندوتش يكلف حوالي 3 قروش او اقل) لذا كان هو غداءنا دوماً، لأن السفر الى المطعم الجامعي كما اسلفت يكلف الوقت والمال، وبما انني قد اخذت كفايتي منه، فقد كرهته الى الأبد، الآن لا آكل السردين ولا التونا.. وأما عشاؤنا فكنا نشتري نصف خبزة وكيس حليب (لأول مرة ارى الحليب المعبأ في أكياس نايلون او كراتين، ومبستر، طبعاً في زماننا هذا انتشر المعبأ في الكراتين في السعودية).. ولأول مرة أيضاً رأينا زجاجات المياه الغازية بعدة أحجام (في السودان كان فيه حجم واحد بس)، فوجدنا زجاجة صغيرة جداً، وتلك التي بالسودان، وواحدة أكبر منها، ثم الحجم العائلي الذي ظهر فيما بعد في السعودية، ومؤخراً في السودان.. والمغاربة يسمون المياه الغازية (موناضا)، (طبعاً المصريين يسمونها "حاجة ساقعة" مع قلب الجيم قاف أعجمية والقاف ألف)، فأي نوع سواء كان كولا او فانتا او سفن او خلافه فهو موناضا، طبعاً هم ينطقون الدال والتاء ضاء، بسبب تأثرهم باللغة الفرنسية، فيقولون موريطانيا، طاكسي..

نرجع لمعهد المغرب الكبير (المغرب الكبير يعني دول المغرب العربي- المملكة المغربية، الجزائر، تونس- زائداً ليبيا وموريطانيا).. قلت ان المدرجات ضخمة جداً، بالتالي فإن أماكن الجلوس عبارة عن منصات متواصلة يفصل بين كل صف والآخر ممر، والمقاعد عبارة عن خشبة مسطحة تجلس عليها وترتفع تلقائياً فتصبح رأسية عندما تقوم منها، فإذا أردت ان تجلس لابد لك من إعادتها بيدك الى وضعها الأفقي، وأما مسند الظهر فهو منصة الذين خلفك- وكما اسلفت فهي ادراج متصلة تشبه (Bench) المعامل عندنا.. المشكلة في أنه إذا أراد أحد الطلاب أن يخرج في أثناء المحاضرة او قبل بدئها، وكان في وسط الصف، فلابد لبقية الطلاب أن يقوموا الواحد تلو الآخر لكي يسمحوا له بالمرور من أمامهم- ما بينهم وبين الأدراج أو منصة الكتابة- الى الممر، علماً بأن المار أمامك ليخرج سيضغطك الى الخلف حتى تلتصق بالأدراج التي خلفك بسبب ضيق المكان، وسيحتك بك حتماً، المشكلة مش في الزملاء، المشكلة في الزميلات.. كان ذلك شديداً علينا نحن القادمون من السودان.. من صحرائه الكبرى، ومن شمسه الحرّاقة..

أرفق لكم صورة لجانب من كلية الحقوق بالرباط حيث درسنا، ويظهر في الصورة:
على يمينك محمد أبكر ابراهيم، ثم محمد السماني عبد الرازق، ثم عمر حسن غلام الله، ثم طالب مغربي تصادف مروره لحظة التقاط الصورة.
غالباً ما تكون هذه الصورة قد التقطت في عام 1976م- حيث لم اجد تاريخاً مسجلاً في خلفها- وواضح من الملابس التي نلبسها انها في الصيف..


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
12-01-2010, 12:04 PM
الحلقة الخامسة عشر



بعض طرائف الحي الجامعي مولاي اسماعيل

.. نواصل ..


استكشفنا الحي الجامعي مولاي اسماعيل، فوجدنا أن الحمامات (الدوش) معظمها لا أبواب لها، اي مخلعة الأبواب، وكان هذا غريباً علينا، لكنه لم يكن غريباً على المغاربة.. فكانوا يستحمون في اي وقت، أما نحن فكنا نبحث عن الوقت الذي لا يكون فيه زحمة، او ننتظر خلو تلك التي بها أبواب، وجدنا في الحي ان هنالك كافتيريا، وجلسنا فيها في الأيام الأولى نستمع الى الحديث المغربي الذي لم نكن نفهم منه شيئاً، فوجدنا فتاتين تتونسان مع زملائنا الذين سبقونا في المجئ، وكان منهم عبد المنعم بيومي القادم من مكة المكرمة حيث كانت تقيم أسرته (علمت قبل عامين أنه رجع السودان بعد مكثه في المغرب لأكثر من ثلاثين عاماً، من عام 1975 الى عام 2007، وقبله كان مع أهله بمكة المكرمة)، وعبد السلام بابكر البشير من جزيرة توتي، وكانا من نفس دفعتنا لكنهما سبقانا بالمجئ الى المغرب، لذا كانا هما المترجمان لنا، وكانت الفتاتان صديقات لهذه الشلة، واحياناً نجدهما تغنيان أغاني مغربية، ويردد معهما المذكورين، وإن اسعفتني الذاكرة فكانتا تغنيان اغنية لعزيزة جلال، ربما اتذكرها لاحقاً..

كان هناك مصلى صغير، كنا نصلي فيه، ولكن كان وجود المغاربة شبه معدوم، عدا (الشاويش) وهو فراش مكتب المدير، وكان كبيراً في السن، وأحياناً كنت لا أجد غيره في المصلى، خاصة في صلاة الصبح، ولم أكن مواظباً دوماً في صلاة الصبح، لذا توقعت ان يكون الشاويش لوحده في صلاة الفجر.. أسأل الله أن يتقبلها منه.. وفي مرة كنا فقط نحن الاثنين، فأقام الصلاة فطلبت منه أن يؤمني بحكم أنه الأكبر سناً، فقال لي انت متعلم، وقدمني بإلحاح.. فصليت به، وفي نهاية قراءة السورة في الركعة الثانية أردت الركوع فمسكني من يدي مانعاً إياي من الركوع، وسمعته يقرأ شيئاً (فيما بعد عرفت أنه القنوت)، وبعد ا
نتهائه من القراءة مسكني مرة أخرى من يدي إشارة الى ان اركع.. لقد اتضح لي وقتها انه اعلم مني رغم انني في الجامعة وهو قد يكون نال قسطاً بسيطاً من التعليم، طبعاً القنوت في صلاة الفجر هو من مذهب المالكية، والمغرب كله مالكية..

هنالك أيضاً قاعة المذاكرة، التي تمتلئ بالطلاب والطالبات، وذكرتني هذه القاعة بحكاية طريفة حكاها لي بطلها وهو احد الزملاء السودانيين.. فقد قال لي مرة:

- الحشيش بتاعم ده كعب خلاص! تصدق مره شربتو، وجيت ماشي لقيت البت دي (وأشار الى واحدة من الطالبات في الحي الجامعي) واقفة، بُسْتَها ومشيت، بعدين في المساء مشيت قاعة المذاكرة وقعدت أذاكر، شفتها قاعده هناك في القاعة، بقيت اضاري وشي بغلاف الكتاب منها، يعني عامل خجلان)..
سألته: (ما قالت ليك حاجه لمن بستها؟)
قال لي: (ما قالت اي حاجة)..

والكلام بيجيب الكلام.. هنالك فتاة شكلها يشبه الغجر، نحيفة وقصيرة يعني قليلوووووونه، وكمان عجوز مقارنة بالطلاب جميعاً بما فيهم طلاب السنوات النهائية، وتمشي مشية غريبة، زي ما بيقولوا المصريين (تتقصع)، وكان الصبية والأطفال يشاغلونها، فكلما ذهبت للبقالة التي امام الحي الجامعي او رجعت منها تراهم ينادونها باسمها الحركي (نسيتو هسه) وربما حدفوها بحجر صغير او شئ من هذا القبيل، وعلمنا فيما بعد أنها تبيع الحشيش للطلاب في الحي الجامعي..



حضرنا ايضاً في هذا الحي منافسات رياضية، واذكر منها مباراة في كرة السلة، وكنت اتفرج وكان هناك تصوير تلفزيوني، فركز الكاميرا مان على شخصي الضعيف الفوكس لعدة دقائق، لكني لم أر نفسي في التلفزيون.. لأنه ببساطة لم يكن لدي تلفزيون.. وأذكر بوضوح واحدة من اللاعبات الجميلات جداً والتي كانت تبلس الشورت (جداً)، وقد همت بها حباً، إلا أن حبي لم يتعد النظرات، إلى أن رأيتها عدة مرات في المطعم الجامعي برفقة طالب بدأ من ملامحه وبالطوه انه في السنوات النهائية لكلية الطب..

تذكرت بعض الطرائف، فقد كان من الذين وصلوا معنا في نفس السنة محمد عمر حامد وهو من ابناء شمبات، وكان يدخن الروثمان، بينما زميلنا عمر الإمام النور – الذي درس معي في مدني الثانوية، وهو بالمناسبة من قرية حليوه في الجزيرة- كان يدخن السجائر المصنوع محلياً في المغرب، ويسمى (كازا) وكان بلا فلتر، وكان قوياً جداً وذا دخان كثيف ورائحته غريبة، فكان عمر عندما يدخن هذه السيجارة يعرض علبته على محمد عمر حامد- أي يعزمه على سيجارة- فيجيبه محمد عمر: زح بعرتك دي كدي، فيموت بالضحك عمر الامام، وكلما أراد المزاح معه قدم له سيجارة كازا.. بالمناسبة عمر الإمام الآن موجود بالمغرب وعنده مطعم مشهور بالشاورما في الرباط، فقد عمل في ليبيا بعد التخرج ولم يرجع للسودان كحالتنا، فجمع من هناك مبلغاً من المال ورجع للمغرب وافتتح هذا المطعم، وحسب علمي ما زال حتى الآن هناك، فله التحية، ولمحمد عمر حامد الذي رجع السودان واشتغل في وزارة التعاون على ما أعتقد، له التحية والتقدير، ولكل الزملاء الكرام..

ومن ضمنهم الطيب جاد السيد الذي اختفى اسم ابيه ليحل محله طنجه، فأصبح اسمه الطيب طنجه، ولا أحد غيري يتذكر الآن اسم والده، فأنا أعرف بعضاً من أسرته لذلك اعرف اسم والده، اما زملاءنا في المغرب فقد غطى اسم الطيب طنجه على الاسم الحقيقي، وسبب تسميته بهذا الاسم هو انه كان يردد دائما أنه سيذهب الى طنجه ليشتري الحاجات، واتضح فيما بعد ان الحاجات (وهي البضائع المستوردة من اسبانيا) توجد في مدينة تطوان وليس طنجه، وكلاهما في الشمال، يعني كان (لافحو ساكت).. تحياتي له وهو الآن بالسودان حسبما علمت من مصادر قابلته في الخرطوم قبل حوالي شهرين، بعد أن عمل في إحدى المنظمات الخيرية الإسلامية في تنزانيا او كينيا لست متأكد..



في اجازتي للسودان ولمدني في العام 2008، بحثت في صوري فوجدت بعض الصور القديمة، فأردت أن أشرككم في رؤيتها، والصورة المدرجة تضم من اليمين الأخ عبد الله خالد إدريس ووجدت خلف الصورة أنني كتبت بعد اسمه بين قوسين (Comera) ويبدو أنه كان لقبه الذي اطلقه عليه الزملاء السودانيين في الجامعة، والكوميرا تعني في دارجة المغاربة الرغيف التوسته الطويل، ولا أذكر لماذا سمي هكذا، ربما لأنه كان طويلاً ونحيفاً، وبجانب عبد الله كوميرا في الصورة العبد الله، والصورة في الحي الجامعي مولاي اسماعيل، وكما تلاحظون كنا نجلس في ميدان نجيله كبير وواسع، وخلفنا تبدو الأجنحة السكنية وبقية مباني الحي، والصورة تاريخها ديسمبر 1975م وكنا يادوب واصلين من السودان لينا شهر وشويه..



وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
12-06-2010, 06:53 PM
الحلقة السادسة عشر


شافت السوداني

.. نواصل ..


كانت الموضة في ذاك الزمان هي الخنفس، اي أن نترك شعرنا بدون قص، وننفشه بالخلال- يبدو أن هذه الموضة عادت مرة أخرى في هذا العصر، فقد رأيت بالأمس شاباً سعودياً (مخنفس)- وكان بعض الممثلين الزنوج في عصرنا يعملون بشعورهم هكذا، وكان منهم الممثل الزنجي شافت، ويبدو أنني كنت أشبه لهذا الممثل من جهة اللون والشعر الخنفس.. لذلك كانت لي جماهيرية بين بنات البكالوريا (الثانوي)، فكنا عندما نمر بقرب مدرستهن الكائنة في طريق معهد المغرب الكبير، كن يشاغلن شافت السوداني.. وشافت عامل فيها خجول.. وذات مرة قال لي صديقي وزميلي محمد ابكر ابراهيم- كان في الامارات لفترة من الزمن ثم انقطعت اخباره عني- وكنا نسير معاً ومررنا من أمام مدرسة البنات، قال لي محمد: ضغط! (وهذه كلمة كنا نتداولها في ذلك الزمان وتعني التعجب الشديد)، ثم أكمل: البت دفرت زميلتا فيك!! ولم أكن ملتفتاً الى جهة البنات وهن يشاغلن شافت، لذلك دفرت إحداهن زميلتها باتجاهي للفت نظري او للمداعبة والمشاغلة، ويبدو أنني كنت قد تجاوزتهن فلم تقع عليّ.. وفي مرة كنت انتظر حافلة الحي الجامعي- وأذكر ان الخط كان رقمه 11- وهي تمر بمحطات معينة منها المحطة القريبة من سور المدينة القديمة، وتقف أمام مركز طبي خاص بالأسنان يرتاده الطلاب، وكنا نجلس على حائط ذلك المركز وهو في شكل حيطة قصيرة مثبت فيها سلك خلفه زراعة، وكنا نجلس على حافة تلك الحيطة القصيرة وظهرنا يستند على السلك، وفي اثناء انتظارنا- كان معي طالب سوداني نسيت اسمه الآن- مرت حافلة تنقل طالبات الثانوية، فوقفت للإشارة المرورية التي كانت حمراء في تلك اللحظة، ونظرت لمن بداخل الحافلة فرأيت بعضهن تنظر اليّ بطريقة غريبة، ثم فجأة التفتت كل البنات في الحافلة المزدحمة- كان عدد الوقوف أكثر من الجلوس زي باصات ابو رجيلة- ويبدو ان التي كانت تنظر اليّ لفتتهن.. وفجأة سمعنا البص يهتف بصورة جماعية وهن ينظرن الى شافت السوداني: (القابون.. القابون).. فضحكت وضحك من بجانبي من الطلاب والطالبات حتى تحرك البص بعد ان أضاءت اشارة المرور الخضراء.. والقابون هي الدولة التي تقع في غرب افريقيا، وكانت الطالبات يعتقدن أنني من القابون لأنهن لم يعرفن بعد ان هناك سودانيين بالمغرب (بنات ثانوي لسه ما دخلن جامعة وشافن الطلاب السودانيين في الجامعة).


وحتى لا أنسى، ففيما بعد- ربما في الاجازة الصيفية الأولى او الثانية لا أذكر- كنت مع عمر الإمام النور في وسط العاصمة الرباط، وفي قلب السوق ننتظر حتى يفتح مكتب السفريات ليأخذ عمر تذكرة القطار والباخرة- إذ كان مسافراً في نفس الصباح الى بريطانيا للعمل هناك في اجازة الصيف- وبما أن الوقت كان باكراً، فقد كان المكتب مغلقاً، لذلك قعدنا على الأرض في برندات السوق، وفرشت منديلي وجلست عليه، وتصادف أن مكاننا هذا بقربه محطة حافلات Bus Stop، فكان الناس ينزلون من الحافلة فيمرون من أمامنا في طريقهم الى أعمالهم، وفي أثناء جلستنا تلك نزلن اربع فتيات من الحافلة واتجهن نحونا.. كل واحدة أجمل من الأخرى، وأدناهن جمالاً كانت اجمل من بارجيت باردو، ولاحظت أنهن كن يركزن النظر باتجاهنا، وكلما قربن منا اتضحت النظرة، فركزت نظري على أجملهن، وحين اقتربت كانت هناك ابتسامة عذبة على محياها.. ثم عندما حاذتني قالت لي بوضوح وعينيها في عينيّ: أيا قمراً في فؤادي نزل!


لم استطع التفوه ببنت شفه، فقد ألجمت لساني بجمالها وبابتسامتها وبكلماتها تلك، وعندما أفقت، لم أجد غير نوتة مذكرات عمر لأسجل فيها الدقيقة والساعة والتاريخ الذي حدثت فيه هذه المغازلة الرائعة، وبالطبع سجلت الجملة الجميلة ولا ادري ان كانت بيتاً في قصيدة او اغنية أو كلمات عبرت بها عما في نفسها تجاه شافت السوداني..


بيقولوا في المثل السوداني: (الصندل في بلدو خشب)، وهذا المثل ينطبق على بنات المغرب، فالجمال غالب في هذه البقعة من الأرض، خاصة بنات فاس، فالمغاربة أنفسهم يقولون أن الجمال يوجد في مدينة فاس، وبالفعل، فقد تعرفت فيما بعد على طالبة من شعبة القانون بكلية الحقوق- الدفعة التي بعدنا- وكانت غاية في الجمال والروعة.. وكان شعر نبيلة يغطي ظهرها حتى منتصفه، طويلاً وغزيراً وأسوداً وناعماً.. وكانت من أسرة ثرية، فأبوها تاجر في فاس، ومشهور عن تجار فاس الغنى، فكانت تضع أسورة ذهبية على معصميها (وكان هذا قليلاً بين الطالبات) ..

ولا يداني المغربيات في الجمال إلا الإيطاليات، والفرق بين الجمالين أن الجمال المغربي يزيد بشئ، شئ يفضله العرب:
فرعاء مقبلة عجزاء مدبرة لا يُشتكى قصرٌ منها ولا طول
بالإضافة الى اللون الذي بين الأسمر والأبيض، اي لسن شقراوات، بل لون المنقه، او لون البرتكان الناير.. وغاية الفتاة المغربية ان تتزوج أجنبي، والأفريقي من ضمن الأجانب، وكثير من السودانيين تزوج مغربيات، فهن يفضلن الأجنبي لأن المغربي يجكسا وبعدين يديها شلوت بعد ان ينال ما يريد ويشبع فيرمي بقية الساندوتش، واما الأجنبي وخاصة الأفريقي فهو يلتزم، والسوداني حسب بيئته ما بيقدر يفلفص..


أطفال المغاربة حلوين، اولاد او بنات، فإذا ما كبر الأولاد صاروا ليس كذلك، فالشعر الكثيف في ظاهر الجسم يغلب عليهم، والاخشوشان كذلك..


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
12-07-2010, 05:47 PM
الحلقة السابعة عشر

الدفعة الأولى للطلاب السودانيين بالمغرب (1974م)


.. نواصل ..



دفعتنا تلك تعتبر الدفعة الثانية من السودانيين الدارسين في المغرب، وسمعنا أن هنالك دفعة جاءت الى المغرب سنة 1969م، ولكن لم نسمع اي اسم من هذه الدفعة، لا من المغاربة ولا من أي أحد في السودان، وقد وصلت الدفعة التي سبقتنا في العام 1974م، ولم تجد سوداني قبلها غير قاضي يعمل بالقضاء المغربي اسمه ربيع، وتاجر سلاح عالمي هو المرحوم ابراهيم النيّل- قيادي في حزب الأمة خرج من السودان عقب انقلاب مايو 1969م- وزوجته هي ابنة القيادي في حزب الأمة عبد الله عبد الرحمن نقد الله، والتي ما زالت بالمغرب حتى هذه اللحظة حسب علمي، كذلك هناك رجل ضنقلاوي كبير في السن كان يعمل ساعياً أو سائقاً في السفارة السودانية، ثم أعضاء السفارة السودانية الذين وصلوا في نفس السنة 1974م، وكان على رأسهم السفير الرشيد نور الدين رحمه الله الذي توفي بحادث مروري في المغرب في العام 1977م تقريباً، إذ كان راجعاً من مدينة فاس فانقلبت السيارة ومات هو والسائق وأحد أعضاء السفارة، لم أعد أذكر اسمه، ربما ابراهيم.. من أعضاء السفارة ايضاً المرحوم عمر سيد طه، وقد توفي بعد سنوات من مغادرته المغرب، وأذكر أنه التحق بالسفارة في السنة الأخيرة لدراستنا عثمان عمر رضوان، وكان على ما أذكر إدارياً، وكان عريساً يوم وصوله، إذ كانت الحنة ما زالت سوداء في يديه، ويبدو أنه لم يكمل شهر العسل ولا اسبوعه، وربما لم يكمل يومه.. وعلمت فيما بعد أنه أحضر عروسه الى المغرب، ثم في عامنا الأخير أيضاً التحق بالسفارة كملحق ثقافي شاعر تبلدية جعفر محمد عثمان، وكانوا لطفاء معنا.. لكن انقلبوا علينا حينما كتبت مقالاً في جريدة الصحافة بعنوان: (أغيثوا أولادكم بالمغرب) وتلك قصة أخرى أرجو أن أذكرها لكم لاحقاً..

الدفعة التي قبلنا كان طلابها اكبر مننا بحوالي سنتين على الأقل، لأنهم بعد تخرجهم من الثانوي تأخرت اجراءاتهم لمدة سنتين، اي انهم يحملون شهادة الثانوي لعام 1972م، وبعضهم كان قادماً من العراق، مثل محمد البشرى الذي درس في الجامعات العراقية ثم جاء الى المغرب، ومن دفعتنا قدم ايضاً عدد من الطلاب من الجامعات العراقية مثل ايوب وحمو ومن الجامعات السورية مثل فيصل وهم من اهلنا الحلفاويين.. اما زعيم الدفعة وأولها في الكلية- خاصة في السنة الأخيرة- فهو الأخ عمر محمد صالح، وهو من ابناء الشمالية- جلاس- وهو حالياً أمين عام مجلس الوزراء السوداني، وأذكر أن في امتحان السنة النهائية كان الدكتور عبد القادر القادري- وكان الطلاب يسمونه الفك المفترس لقسوته في تصحيح الامتحانات، وكان يخرج من قاعة المداولات وهو يقول: (أعطيت 60 صفر بيدي دي)- هذا الدكتور على النقيض من ذلك، خرج ذلك اليوم وليس في لسانه غير السودانيين واداءهم الممتاز، وقال ان اجابة عمر في ورقة الإمتحان تصلح ان تكون رسالة ماجستير وليس اجابة في امتحان البكالوريوس..

من ضمن هذه الدفعة عمر باكمبا، وسمير الحلفاوي، والمرحوم حسن إدريس وهو من أبناء امدرمان – وكان ايضاً من الطلاب الممتازين- وقد التقيته في الطائف فيما بعد، وتوفي بها منذ عدة سنوات- ربما عشرة- كذلك من الذين توفاهم الله في السعودية من نفس الدفعة هو حسبو، وقد توفي قبل عمر بعدة سنوات، ايضاً من نفس الدفعة توفي قبل عامين بومدين احمد خليفه، وهو من ابناء كوستي، وقد تخرج من المغرب، ثم عمل بإحدى دول افريقيا- على ما أظن تنزانيا- ثم عاد للمغرب واستقر بها وعمل في الأملاك الخاصة للشيخ زايد بالمغرب، وتزوج بمغربية وانجب منها اطفالاً (ثلاث بنات) رأيتهم في العام 1997م أبان زيارتي لمنزلهم بالرباط، ثم رأيتهم قبل حوالي ثلاث سنوات في تلفزيون السودان الذي نقل حفل تجمع للجالية السودانية بالمغرب، نسأل الله ان يتغمدهم جميعاً بواسع رحمته وان يجعل مثواهم الجنة، ارجو ان تدعو لهم..

من هذه الدفعة ايضاً صديقي الشاعر محجوب البيلي، والذي نشرتُ له عدة قصائد بمحراب الآداب والفنون، وهو من ابناء الشمالية- منصوركتي- وقد بقي في المغرب من عام 74 الى عام 1984م (قعده واحدة) ثم رجع للسودان لمدة شهرين، ثم عاد واستقر بالمغرب، وفي عام 1995 زار السودان مرة أخرى ثم رجع الى المغرب، فقالوا له مؤكد ان زيارتك التالية للسودان ستكون عام 2006م، وللأسف خيب ظنهم، إذ لم يرجع للسودان بعدها، وحتى تاريخه، إذ انتقل للعمل بالامارات العربية المتحدة، وكان قد تزوج بمغربية، توفيت قبل عامين او ثلاثة، وكنت قد قابلتها اثناء زيارتي للمغرب في العام 1997م، بل وضيفوني في منزلهم بحي اكدال ابان اقامتي بالرباط، نسأل الله ان يتغمدها بواسع رحمته وان يجعل مثواها الجنة، ارجو ان تدعو لها..

كذلك كان من ضمن الدفعة عم الزين (كنا نسميه هكذا لأنه كان يكبرنا كثيراً، وكانت في تلك الأيام مسلسلة اذاعية بإذاعة امدرمان ينشد فيها ابو عركي البخيت:

وعم الزين محكر في قطار الهم
يشرّق يوم، يغرّب يوم ، شهور ودهور
وزي ما الدنيا سكة طويلة مره تهدي مره تعدي مره تدور

عم الزين هذا علمنا انه هاجر لأمريكا منذ عقود من الزمن، اما عبد العزيز فقد سافر الى فرنسا بعد تخرجه، وأذكر له طرفة، فقد كان مسكين لدرجة غريبه، قليل الكلام، وفي يوم من الأيام أوقفه الأمن المغربي وهو يقود موتره، ويبدو ان هناك نقص في اوراقه او انه لم يكن يحمل اقامته في تلك اللحظة، فأخذه الى مخفر الشرطة، واضطر ان يحمل موتره- رغم ثقله- عبر السلالم الى الغرفة تحت الأرض حيث المعتقل، ويحمله الى اعلى عند خروجه، وكان نادراً أن يعتقل الأمن المغربي سودانياً.. عبد العزيز نال الدكتوراة فيما بعد من فرنسا واعتقد انه عمل محاضراً في جامعاتها..

بمناسبة الأمن سأحكي لكم حكاية حدثت لي معه..


الصورة المرفقة تضم من اليمين شخصي الذي اختفى نتيجة مطر مدني، ثم محمد السماني عبد الرازق، محمد عبد الحليم، عصام محمود (نسميه عصام قطر لأنه كان يسكن مع خاله الذي يعمل بسفارة قطر، ثم بعد التخرج عمل هو أيضاً بسفارة قطر)، محمد أبكر ابراهيم، شاع الدين شمو.. الصورة أمام أحد المحلات بشارع محمد الخامس بالرباط في العام 1976 أو 1977م
491
وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
12-08-2010, 12:27 PM
الحلقة الثامنة عشر


حكايتي مع الأمن المغربي

.. نواصل ..


الأمن في المغرب- وككل دولة ملكية- قوي جداً، ومن دلائل ذلك ما سردته لكم سابقاً عندما أراد الملك الراحل الحسن الثاني- رحمه الله- زيارة اخيه، فأخلوا الشارع الذي سيمر فيه لمدة ثلاثة أيام، كذلك كنا نرى دوريات الأمن العام (الشرطة) تجوب شوارع الرباط الخالية تماماً في الليل- إلا منا نحن السودانيين- فكنا ما زلنا متعودين على سهر السودان والعودة من السينما - الدور الثاني- ويبدو أن جو الرباط الهادئ ليلاً جلعنا ندمن السينما - الدور الثاني- في الرباط، وبما أن الرباط تنام من الساعة العاشرة، والمواصلات العامة تقف عند الساعة الثامنة او الثامنة والنصف، فكنا نرجع الى الحي الجامعي راجلين، وكنا غالباً نسير في مجموعات من ثلاث او اربع سودانيين..

وعلى ذكر خروجنا من السينما بالليل، وكان العرض الأخير ينتهي حوالي الساعة 11 او 11 ونص، فنجد باعة الجرائد امام السينما وهم ينادون: (العلم ديال غده، لوبنيو ديال غده) ومعناها جريدة "العلم" عدد يوم الغد، جريدة L'opinion عدد يوم الغد، إذ كانت الجرائد تصدر بالليل ويوزع بعضها في نفس الليلة، يعني كنا بناخد الأخبار طازه من الفرن..

نعود لحكاية المشي ليلاً، فاشتهرنا بذلك، وصار الأمن يحفظنا (صم)، فترى الدورية تمر من بعيد ولا توقف احدنا، ولم نكن نرى في الشوارع غيرنا وتلك الدوريات، ويبدو ان المغاربة الذين يدخلون معنا السينما كانوا يسكنون بقرب تلك السينمات، لذلك يتفادون السير ليلاً في شوارع الرباط، حتى مرة قيل لزميل لنا وهو الأخ سيف الدولة ما معناه: بطل تتسارى (حوامة) بالليل، ولم يقولوا له ذلك أثناء تجوله في الليل، بل قالوا له ذلك بالنهار وفي موقف آخر، وهذا يدل على انهم يعرفوننا بالواحد..

في مرة من المرات كنت ومعي زميلين سودانيين منهم ابو زيد محمد صالح- وهو من أبناء الفاشر- وكنا عائدين في وقت متأخر من الليل من منزل أصدقاء تشاديين، فوقفت بجانبنا سيارة الأمن العام، ولأول مرة منذ اقامتي في الرباط يسألونني هذا السؤال: أين هويتك؟ وكان ذلك في العام الثاني، فبحثت عنها في جيوبي فلم أجدها- يبدو انني قد نسيتها في السكن- ولكن، ويا للغرابة، قالوا لي اركب، فركبت سيارة الشرطة، ولم تكن غير فان صغير خالي من المقاعد، ووجدت من سبقنى اليها، ويبدو انهم يقومون بحملة أمنية في هذا الحي (حي المحيط)، ولم أكن آخر الداخلين في السيارة، فظلوا يجوبون الحي وكلما وجدوا احداً سألوه عن هويته، وإذا لم يكن يحملها – وهذا نادر جداً لدى المغاربة- أركبوه معنا، ولكن تفاجأت بأن احدهم كان يقف على شاطئ المحيط وحيداً في تلك الليلة وفي ذلك الظلام، وعندما طلبوا منه الهوية ابرزها لهم، ومع ذلك أركبوه معنا، يبدو ان وقفته تلك غير طبيعية في نظرهم..

وعندما امتلأت السيارة توجهوا بنا الى قسم الشرطة، ولاحظت أن هناك عدد من العساكر في انتظار السيارة، ويقف معهم واحد يلبس زياً مدنياً، وأول ما نزلنا من السيارة، وما إن رآني هذا المدني حتى حياني وسلم عليّ وأدخلني على الفور الى مكتبه، واجلسني وبدأ يتونس معاي ونسة معرفة، وانا عقلي يودي ويجيب، يا ربي ده منو؟ حتى وصل في حديثه معي ان سألني هل حضرت الحفلة؟ قلت له أي حفلة؟ قال حفلة المركز! قلت له أي مركز؟ قال انت ما عرفتني واللا إيه؟

فأسقط في يدي، كنت في اول الحوار اجاريه بالكلام، لكن عند هذا الحد اكتشف ضابط المخفر انني (ودرتو تب) فقال لي: المركز الثقافي الفرنسي! وبالفعل انا كنت ادرس معه، ولكن الذي تراه في الفصل لا تتوقع ان تراه ضابط مخفر.. فقال لي في النهاية وبعد أن تصببت عرقاً لذلك الموقف المحرج، قال لي فرصة سعيدة، وأوصلني حتى باب المخفر ونظرات زملائي المعتقلين تلاحقني باستغراب، وبحسد ربما..

قفلت راجعاً الى سكني، ويبدو أن زملائي قد احضروا اقامتي الى المخفر فوجدوا أنه قد تم اطلاق سراحي..

في عهدنا كانت الاقامة في شكل دفتر شبيه بدفتر الإقامة الذي في السعودية، وفيما بعد- بعد ان غادرنا المغرب اي منذ حوالي ربع قرن او يزيد- صارت في شكل بطاقة، ويبدو أن السعوديين سيحذون حذوهم الآن، فقد بدأوا في اصدار اقامات في شكل بطاقة بلاستيكية.. بل وقد جددت اقامتي وتسلمت بالفعل هذا النوع الجديد.. وأرفق لكم صورة لشارع محمد الخامس بالرباط (منقولة).


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
12-12-2010, 02:49 PM
الحلقة التاسعة عشر

السويقة وشارع محمد الخامس
.. نواصل ..


كان بواب الحي الجامعي مولاي اسماعيل عسكري متقاعد، ولصعوبة مراسه لقبه الطلاب السودانيين ب(كارلوس)، فكان لا يسمح لغير قاطني الحي من الدخول اليه، ويحكي كمال شرف (دفعتنا وهو من ابناء كسلا، وقد عمل بعد التخرج في السعودية ثم رجع للمغرب وحضر للدكتوراه وعمل في دائرة الشيخ زايد بالمغرب) يحكي أنه بعد انتقاله من الحي الجامعي مولاي اسماعيل الى الحي الجامعي السويسي الأول، أنه أراد زيارة بعضاً من زملائه القدامى، فبدأ عند وصوله للبوابة في الونسة مع كارلوس- الذي يعرفه حق المعرفة منذ ان كان مقيماً في الحي- وبعد أن اطمأن ان هذه الونسة هي جواز سفره لدخول الحي، وما إن رفع قدمه ليخطو عبر البوابة الى داخل الحي حتى اوقفه كارلوس: فين غادي؟ (ماشي وين).. ممنوع يا سيدي! وفشلت خطة كمال وعاد أدراجه ولسان حاله يقول: فعلاً كارلوس، لا يتغير ابداً.. وفيما بعد أطلق السودانيون اسم (تل الزعتر) على الحي كله..

توسعت معرفتنا بما حول الحي قليلاً، فبعد التعرف على البقالة انتشرنا قليلاً عبر الشارع، فتعرفنا على (الطنجاوي) ويبدو من اسمه انه من مدينة طنجه، وكان يبيع سندوتشات الكفته، وهي بديل لا بأس به لسندوتشات السردين.. وأذكر فيما بعد أنني كنت مسافراً بالقطار الى اسبانيا، وعند حدود مدينة سبته- المستعمرة الاسبانية والتي على التراب المغربي- التقيت بهذا الطنجاوي، ويبدو انه كان مهاجراً للعمل في اوروبا..

كان الحي الجامعي مولاي اسماعيل قريباً من المدينة القديمة، وبالتالي من مركز المدينة خاصة شارع محمد الخامس، الشارع التجاري الأكبر والأشهر في الرباط- كما هو في الدار البيضاء- وكنا في عطلة نهاية الأسبوع، وهي يوم الأحد (ناقشنا المغاربة لماذا لا تكون عطلتكم يوم الجمعة- عطلة المسلمين- فقالوا لنا ومن قال لكم ان عطلة المسلمين يوم الجمعة، وسُقط في أيدينا، بالفعل لا توجد عطلة اسبوعية محددة في الإسلام: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )..

كنا نجوب شارع محمد الخامس من السويقة (سوق شعبي داخل المدينة القديمة) بعد أن نتفرج على البضائع الرخيصة، وعلى المطاعم الشعبية، ونسمع الأغاني الشعبية التي تبث عبر المسجلات في معظم المحلات خاصة محلات بيع الأشرطة، وأحياناً نجلس في قهوة موريطانيا، ونشرب (نيقرو بالحليب) اي شاي بلبن، ولكلمة شاي بلبن هذه طرفة جميلة، إذ جلس أحد الطلاب السودانيين الجدد في المقهى وطلب من الجرسون شاي بلبن، فاستغرب الجرسون، وقال له: كيفاش (كيف) شاي بلبن؟ فرد السوداني: ايوه شاي بلبن، وظل هذا يردد: كيفاش شاي بلبن؟ وذاك يردد: ايوه شاي بلبن، وعندما لم يقتنع احدهما بكلام الآخر، ذهب الجرسون وأتي بشاي ساده في كبايه، وبلبن (روب) في علبة كرتون.. وهنا أدرك صاحبنا السوداني بالمفارقة في المصطلحات، فاللبن عندهم هو الروب عندنا، واما اللبن عندنا فهو الحليب عندهم.. وهنا ضحك صاحبنا وقدر للجرسون ذكائه إذ لم يأتيه بالشاي واللبن (الروب) ممزوج به، بل أحضره له منفصلاً.. ومن ذاك اليوم صار الجرسون كلما رأي صاحبنا يقول له: (شاي بلبن)..

ومن الطرائف الخاصة بالمطاعم والمقاهي، أن صاحبنا بانقا ومعه أحد الزملاء كانوا في ضيقٍ مادي شديد- وكثيراً ما يحدث هذا خاصة في الإجازة الصيفية عندما تتوقف المنحة الدراسية المغربية وتتأخر منحة الإجازة من السودان- فجلسا في مطعم شعبي داخل سور مدينة الرباط العتيق، فطلبا من الجرسون (واحد بصاره وجوج عشائق).. وترجمتها: واحد (كورية) بصاره- وهو الفول المصري المطحون، واتنين ملعقه.. فحكيا تلك الواقعة لنا فيما بعد فصارت من النوادر الطريفة..

أيضاً عندما حضر قريبي عباس وداعه- وهذا جاء بعدنا وما زال بالمغرب حتى الآن- نزلوا في فندق، وقريب من الفندق كان يوجد بائع عصير برتقال، وهو يحسبه يبيع البرتقال نفسه، فأعطاه مبلغاً كبيراً- ربما درهم- واظن كانت كباية العصير بحوالي 20 سنتاً، اي بالدرهم يعطيك خمس كبايات، فصار الرجل يعصر ويملأ الكبايات ويعطي عباس، وعباس يشرب، واضطر صاحبنا ان يشرب خمس كبايات (شُب) من عصير البرتقال، وهو لم يفهم لماذا يعصر هذا الرجل كل هذا البرتقال..

أما المقاهي الفخمة في شارع محمد الخامس، فكنا نمر من أمامها فقط ولا نجرؤ على الدخول اليها، ومن ضمن تلك المقاهي مقهى شهير قبالة مبنى البرلمان المغربي- يفصله عنه شارع محمد الخامس- هو مقهى (باليما) وكان هذا المقهى عبارة عن ساحة أمام فندق باليما، وجزء منه داخل أروقة الفندق وجزءه الآكبر في الهواء الطلق محاطاً بأشجار وسياج ويوجد على كل طاولة مظلة واقية من المطر ومن الشمس.. دخلت هذا المقهى بعد 22 عاماً، في زيارة لي للمغرب في العام 1997م، وقلت في نفسي خليني ادخل هذا المقهى العجيب الذي كنا لا نرى فيه غير علية القوم ومنهم بعض اساتذتنا في الجامعة.. وعندما دخلت فوجئت بأنه عادي جداً- ربما كان عادي بالنسبة لي الآن في العام 1997م، وأنني لو كنت دخلته في العام 1975م لأحسست بالرهبة وبالفخامة.. او ربما تدهور بفعل عوامل الزمن.. او .. او .. المهم أنني اشفيت غليلي واشبعت رغبة قديمة، ولكني لم اشرب فيه شئ، ببساطة لأن الخدمة كانت فيه سيئة، فلم يأتيني جرسون طيلة فترة انتظاري الطويلة..

المقاهي في المغرب عامة جميلة جداً- حتى الشعبية منها- فالكراسي العادية والترابيز توضع في برندات المقهى فتطل على الشارع تتفرج على الرائح والجاي، واما بالداخل فتوجد المقاعد الوثيرة (Sofa)، وبعض المقاهي لها طابق اعلى (للتجكيس) أو المذاكرة- إذا كان المقهى يقع قريباً من جامعة او كلية- وغالباً ما تكون هناك العاب داخل هذه المقاهي للشباب، وفيها ايضاً اجهزة موسيقى من النوع الذي يعمل بالاسطوانات، فإما أن يلقي الزبون بدرهم معدني داخل الجهاز بعد ان يختار اغنية بعينها، او أن يشغل صاحب المقهى الجهاز باستمرار فيأخذ الجهاز اوتوماتيكياً اسطوانة تلو الأخرى على مدار الساعة..
الصور (منقولة) لمقهى وفندق باليما بالرباط والثانية لمقهى آخر..


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
12-12-2010, 02:52 PM
الحلقة التاسعة عشر

السويقة وشارع محمد الخامس
.. نواصل ..


كان بواب الحي الجامعي مولاي اسماعيل عسكري متقاعد، ولصعوبة مراسه لقبه الطلاب السودانيين ب(كارلوس)، فكان لا يسمح لغير قاطني الحي من الدخول اليه، ويحكي كمال شرف (دفعتنا وهو من ابناء كسلا، وقد عمل بعد التخرج في السعودية ثم رجع للمغرب وحضر للدكتوراه وعمل في دائرة الشيخ زايد بالمغرب) يحكي أنه بعد انتقاله من الحي الجامعي مولاي اسماعيل الى الحي الجامعي السويسي الأول، أنه أراد زيارة بعضاً من زملائه القدامى، فبدأ عند وصوله للبوابة في الونسة مع كارلوس- الذي يعرفه حق المعرفة منذ ان كان مقيماً في الحي- وبعد أن اطمأن ان هذه الونسة هي جواز سفره لدخول الحي، وما إن رفع قدمه ليخطو عبر البوابة الى داخل الحي حتى اوقفه كارلوس: فين غادي؟ (ماشي وين).. ممنوع يا سيدي! وفشلت خطة كمال وعاد أدراجه ولسان حاله يقول: فعلاً كارلوس، لا يتغير ابداً.. وفيما بعد أطلق السودانيون اسم (تل الزعتر) على الحي كله..

توسعت معرفتنا بما حول الحي قليلاً، فبعد التعرف على البقالة انتشرنا قليلاً عبر الشارع، فتعرفنا على (الطنجاوي) ويبدو من اسمه انه من مدينة طنجه، وكان يبيع سندوتشات الكفته، وهي بديل لا بأس به لسندوتشات السردين.. وأذكر فيما بعد أنني كنت مسافراً بالقطار الى اسبانيا، وعند حدود مدينة سبته- المستعمرة الاسبانية والتي على التراب المغربي- التقيت بهذا الطنجاوي، ويبدو انه كان مهاجراً للعمل في اوروبا..

كان الحي الجامعي مولاي اسماعيل قريباً من المدينة القديمة، وبالتالي من مركز المدينة خاصة شارع محمد الخامس، الشارع التجاري الأكبر والأشهر في الرباط- كما هو في الدار البيضاء- وكنا في عطلة نهاية الأسبوع، وهي يوم الأحد (ناقشنا المغاربة لماذا لا تكون عطلتكم يوم الجمعة- عطلة المسلمين- فقالوا لنا ومن قال لكم ان عطلة المسلمين يوم الجمعة، وسُقط في أيدينا، بالفعل لا توجد عطلة اسبوعية محددة في الإسلام: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )..

كنا نجوب شارع محمد الخامس من السويقة (سوق شعبي داخل المدينة القديمة) بعد أن نتفرج على البضائع الرخيصة، وعلى المطاعم الشعبية، ونسمع الأغاني الشعبية التي تبث عبر المسجلات في معظم المحلات خاصة محلات بيع الأشرطة، وأحياناً نجلس في قهوة موريطانيا، ونشرب (نيقرو بالحليب) اي شاي بلبن، ولكلمة شاي بلبن هذه طرفة جميلة، إذ جلس أحد الطلاب السودانيين الجدد في المقهى وطلب من الجرسون شاي بلبن، فاستغرب الجرسون، وقال له: كيفاش (كيف) شاي بلبن؟ فرد السوداني: ايوه شاي بلبن، وظل هذا يردد: كيفاش شاي بلبن؟ وذاك يردد: ايوه شاي بلبن، وعندما لم يقتنع احدهما بكلام الآخر، ذهب الجرسون وأتي بشاي ساده في كبايه، وبلبن (روب) في علبة كرتون.. وهنا أدرك صاحبنا السوداني بالمفارقة في المصطلحات، فاللبن عندهم هو الروب عندنا، واما اللبن عندنا فهو الحليب عندهم.. وهنا ضحك صاحبنا وقدر للجرسون ذكائه إذ لم يأتيه بالشاي واللبن (الروب) ممزوج به، بل أحضره له منفصلاً.. ومن ذاك اليوم صار الجرسون كلما رأي صاحبنا يقول له: (شاي بلبن)..

ومن الطرائف الخاصة بالمطاعم والمقاهي، أن صاحبنا بانقا ومعه أحد الزملاء كانوا في ضيقٍ مادي شديد- وكثيراً ما يحدث هذا خاصة في الإجازة الصيفية عندما تتوقف المنحة الدراسية المغربية وتتأخر منحة الإجازة من السودان- فجلسا في مطعم شعبي داخل سور مدينة الرباط العتيق، فطلبا من الجرسون (واحد بصاره وجوج عشائق).. وترجمتها: واحد (كورية) بصاره- وهو الفول المصري المطحون، واتنين ملعقه.. فحكيا تلك الواقعة لنا فيما بعد فصارت من النوادر الطريفة..

أيضاً عندما حضر قريبي عباس وداعه- وهذا جاء بعدنا وما زال بالمغرب حتى الآن- نزلوا في فندق، وقريب من الفندق كان يوجد بائع عصير برتقال، وهو يحسبه يبيع البرتقال نفسه، فأعطاه مبلغاً كبيراً- ربما درهم- واظن كانت كباية العصير بحوالي 20 سنتاً، اي بالدرهم يعطيك خمس كبايات، فصار الرجل يعصر ويملأ الكبايات ويعطي عباس، وعباس يشرب، واضطر صاحبنا ان يشرب خمس كبايات (شُب) من عصير البرتقال، وهو لم يفهم لماذا يعصر هذا الرجل كل هذا البرتقال..

أما المقاهي الفخمة في شارع محمد الخامس، فكنا نمر من أمامها فقط ولا نجرؤ على الدخول اليها، ومن ضمن تلك المقاهي مقهى شهير قبالة مبنى البرلمان المغربي- يفصله عنه شارع محمد الخامس- هو مقهى (باليما) وكان هذا المقهى عبارة عن ساحة أمام فندق باليما، وجزء منه داخل أروقة الفندق وجزءه الآكبر في الهواء الطلق محاطاً بأشجار وسياج ويوجد على كل طاولة مظلة واقية من المطر ومن الشمس.. دخلت هذا المقهى بعد 22 عاماً، في زيارة لي للمغرب في العام 1997م، وقلت في نفسي خليني ادخل هذا المقهى العجيب الذي كنا لا نرى فيه غير علية القوم ومنهم بعض اساتذتنا في الجامعة.. وعندما دخلت فوجئت بأنه عادي جداً- ربما كان عادي بالنسبة لي الآن في العام 1997م، وأنني لو كنت دخلته في العام 1975م لأحسست بالرهبة وبالفخامة.. او ربما تدهور بفعل عوامل الزمن.. او .. او .. المهم أنني اشفيت غليلي واشبعت رغبة قديمة، ولكني لم اشرب فيه شئ، ببساطة لأن الخدمة كانت فيه سيئة، فلم يأتيني جرسون طيلة فترة انتظاري الطويلة..

المقاهي في المغرب عامة جميلة جداً- حتى الشعبية منها- فالكراسي العادية والترابيز توضع في برندات المقهى فتطل على الشارع تتفرج على الرائح والجاي، واما بالداخل فتوجد المقاعد الوثيرة (Sofa)، وبعض المقاهي لها طابق اعلى (للتجكيس) أو المذاكرة- إذا كان المقهى يقع قريباً من جامعة او كلية- وغالباً ما تكون هناك العاب داخل هذه المقاهي للشباب، وفيها ايضاً اجهزة موسيقى من النوع الذي يعمل بالاسطوانات، فإما أن يلقي الزبون بدرهم معدني داخل الجهاز بعد ان يختار اغنية بعينها، او أن يشغل صاحب المقهى الجهاز باستمرار فيأخذ الجهاز اوتوماتيكياً اسطوانة تلو الأخرى على مدار الساعة..
الصور (منقولة) لمقهى وفندق باليما بالرباط والثانية لمقهى آخر..


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

أبو عدى
12-13-2010, 08:03 AM
لك التحية الاخ الفاضل والاستاذ الكبير
عمر غلام الله
فى البدء اعتزر لك بشدة على التقصير
كان هناك فى الصفحة الاولى سؤال عن كيفية التعديل ولم انتبه اليه الا الان
آمل ان تقبلى اعتزارى ولك العتبى حتى ترضى
فعملية التعديل بعد الاعتماد يكون متاح لمدة 10 دقائق من زمن اعتماد المشاركة - بالضغط على هذه الايقونة تستطيع ان تعدل على الموضوع او المشاركة http://www.hams-al7roof.com/vb/hames-herof/buttons/edit.gif .... طالما ان هذه الايقونة ظاهرة لديك تستطيع التعديل ..

و نشكرك ونقدر لك هذا المجهود المقدر

احترامى و تقديرى لك

عمر حسن غلام الله
12-13-2010, 10:51 AM
الحلقة العشرون

.. نواصل ..

شارع محمد الخامس و.. حوريه


كنا نجوب شارع محمد الخامس من السويقة وعبر بوابة المدينة القديمة- وهي احدى البوابات الضخمة في السور الضخم جداً والذي يحيط بالمدينة القديمة (سبق ذكره في التعريف بالرباط)، وعند عبورنا من البوابة نواجه سوقاً للخضر واللحوم على اليمين، ثم نواصل سيرنا فنرى موقف (الستيام ctm) وهو موقف الحافلات الفخمة التي تنقل الركاب من الرباط الى الدار البيضاء وفاس وغيرها من مدن المغرب، لكن في السنة الثانية لوصولنا للمغرب نقل الموقف من هذا المكان، ورأينا حفرة ضخمة في الأرض، ثم بدأت شبكات من حديد التسليح تظهر من جوف الأرض ثم ما لبثت أن قامت أعمدة ضخمة.. ثم في نهاية الأمر قامت عدة عمارات ضخمة جداً ربما ارتفاعها اربعة عشر طابقاً او أكثر.. هذا من ناحية موقف (الستيام ctm)،

أما موقف (الكيران) وأعتقد انها جمع car فمكانه عند باب الحد (الأحد) وهو لا يبعد كثيراً عن هذا الموقف، ولكن نوعية الحافلات اقل فخامة واقل سعراً، وعند باب الحد هذا كنا نجد نساء جالسات وأمام كل واحدة منهن طشت، وكل ما مررنا بمحاذاتهن نادت احداهن علينا: (تصبن)؟ وترجمتها: تغسل؟ اي تغسل ملابسك، وفهمنا فيما بعد أن هؤلاء النسوة تخصصن في غسل الملابس، فيذهبن مع الزبون الى منزله فيغسلن له الحوائج (الملابس) بمبلغ بسيط.. وعلى ذكر (تصبن حوائجك) اي تغسل ملابسك، فهم يستخدمون لكوي الملابس عبارة اخرى، هي (تحدد)، والمكوة (حدّاده)، ونادراً ما يكوي المغربي ملابسه، فإما يأخذها الى الدراي كلين واما يلبسها بدون مكوه.. بالمناسبة المكوه عند السعوديين شئ آخر خلاف ما عندنا.. ولا علاقة له بكي الملابس.. بل ربما له علاقة بما تحت الملابس..

كذلك كنا نجد نسوة بجانب هؤلاء النسوة يبعن شيئاً أشبه بكسرة الحبش، فكنا نشتريها أحياناً ونعمل عليها ملاح ويكه (تقليه).. طبعاً كنا بنجيب معانا خيرات السودان من ويكه ناشفه وكركديه وطحنيه (لا توجد طحنية في المغرب)..

نعود لمواصلة المشوار عبر شارع محمد الخامس، فبعد ان نجتاز موقف الـ (الستيام ctm) تبدأ فخامة الشارع، فكل المحلات على الجانبين ذات مستوى عالي، وفي نفس الشارع توجد الخزينة العامة، وهي تعادل الخزانة العامة عندنا، اما الخزانة العامة عندهم فتعني المكتبة العامة عندنا.. اي خزانة الكتب.. وبعد الخزينة العامة- وربما قبلها لم أعد اتذكر بوضوح- يوجد البريد، وبعدهما يوجد البرلمان المغربي، ومقابله وعبر شارع محمد الخامس- كما اسلفت- يوجد فندق ومقهى باليما، كما يوجد في صف هذا الفندق والمقهى سينما Renascence وتعني النهضة، كما توجد محطة القطار La Gare وينطقها المغاربة دوماً (اللاقار) وهي توجد في صف البرلمان، والقطارات تعبر من تحت هذا الشارع الكبير، وتظل تحت الأرض حتى تخرج من مدينة الرباط، وتوجد محطتان داخل الرباط، هذه التي نحن بصددها وتسمى محطة الرباط المدينة، والأخرى تسمى الرباط أكدال- لأنها توجد في هذا الحي- وهي لا تبعد عن هذه غير كيلومتر او كيلومترين.. وربما ثلاثة.. عند اللاقار يوجد تقاطع كبير لشارع محمد الخامس مع مجموعة شوارع- على ما أظن احدها شارع حسان الذي يؤدي الى صومعة (مئذنة) حسان- وقبل هذا التقاطع، وفي منتصف شارع محمد الخامس، تبدأ جزيرة بين المسارين، تلك الجزيرة مزروعة بالنجيله وعلى جانبيها أشجار النخيل، وهذا المنظر كثيراً ما يشاهده الناس في التلفزيونات متى ما كانت هناك احداث في الرباط، خاصة الاعتصامات امام البرلمان، وفي هذه الجزيرة يجلس الناس ويستريحون والأطفال يلعبون خاصة في المناسبات والعطلات، ولالتقاط الصور التذكارية،

وبمناسبة الصور، في تلك الحقبة كان يوجد مصورون متجولون- خاصة في المناسبات والعطلات- يلتقطون لك الصور ويعطونك ايصالاً لتستلم الصور من ستديو، وكانت مثل هذه الصور في الشارع وفي برندات المحلات الفخمة وفي تلك الجزيرة الخضراء المزدانة بالنخيل، كانت مثل هذه الصور لها وقع خاص وتسجل حقبة جميلة وأمكنة أجمل، ولم تكن غالية، بل في متناول الجميع..

بمناسبة الصور و موقف الـ (الستيام ctm)، فقد تعرفت على طالبة في كلية الطب، كانت مليحة، ولكن اهم من ذلك كانت مسكينة وليس عندها صديق!! عرفتني بها زميلة سودانية كانت تسكن معها في نفس الحي الجامعي، وكنا نسير على ارجلنا خارج الحي الجامعي السويسي، والتقيت بهن، فتركتنا عائشة مسافة خلفهم، وتونسنا، وصارت صديقة لي (ليس بالمعنى المغربي)، فكنت اتحدث معها في امور شتى، وسألتها عن بلدها فقالت انها من صفرو، وهي من جهة فاس، وتشتهر صفرو بالتزلج على الجليد في موسم الشتاء، وعن مهنة والدها قالت إنه (مغرّق) ثم ضحكت، فاستفسرت عن هذا المغرّق، فقالت لي: أوليس المحامي من يحاول إنقاذ المتهم؟ قلت نعم، قالت، ومحامي الدولة (المدعي العام) يريد أن يلبسه التهمه؟ (اي يريد ان يغرقه)، قلت نعم، قالت فإن ابي هو وكيل الملك، أي هو وكيل الدولة، اي وكيل النيابة في منطقة صفرو.. المهم لاحظت على حورية عدم إقامة اي علاقة عاطفية مع اي شاب- وكان هذا نادراً في المغرب- وصارحت عائشة بهذه الملاحظة، فأمنت على كلامي، بل أضافت أن خال حوريه حينما يأتي ليزورها في الحي الجامعي كانت تتردد في الخروج معه..

في أول اجازة لنا بعد انتهاء العام الدراسي الأول كانت حورية مسافرة الى بلدها ومعها صديقتها وزميلتها في كلية الطب جميلة، فذهبت معهم الى موقف الـ (الستيام ctm)، وجاء المصور يعرض علينا تصويرنا، ولحسن الحظ كانت الكاميرا فوريه، فالتقط لنا صورة، وكان شعر حوريه في شكل ضفيره واحدة جاءت من وراء رأسها وبجانب عنقها لتستقر على صدرها وتمتد لتنزل الى قرب نهاية الفستان الذي كانت ترتديه.. اي الى ما بعد وسطها..

وعندما قابلتها بعد انتهاء الاجازة الصيفية وجدتها قد قصت شعرها الى حد كتفيها، فسألتها لماذا قصصتي شعرك الحرير؟ فقالت انه يأخذ منها وقتاً كثيراً في تسريحه، وهي طبعاً طالبة طب والوقت بالنسبة لها كالذهب.. والغريب أن شكلها بدأ أجمل بقصة شعرها تلك، وعندما سافرت في اجازة الربيع، وهي اول اجازة بعد بدء العام الدراسي، ورجعت وجدتها قد قصت شعرها اكثر، فأصبح حول رأسها فقط، والغريب أنها كانت أجمل من المرة السابقة أيضاً..

بمناسبة الشعر، مرة رأيت مغربية تسير باتجاهي، وكانت تلبس سروال (ما تتخلعوا، السروال يعني بلغتهم بنطلون)، كانت تسير باتجاهي فرأيت ضفيرتها من بين أرجلها، وكانت الضفيرة من وراء ظهرها.. لكن لطولها برزت للعيان من الأمام.. كان ذلك شديداً علينا نحن السودانيون القادمون من قلب افريقيا وصحرائها الكبرى، التي لفحتني بالحرارات الشموس، فجعلتني منها كعود الأبنوس..

الصورة المرفقة كانت تضمني، فأصابتها عوامل التعرية المدناوية من خريف وأمطار فطمست صورتي وأبقت على الباقين، وهم من اليمين بعد شخصي المختفي: محمد السماني عبد الرازق، محمد عبد الحليم، عصام محمود، محمد أبكر ابراهيم، شاع الدين شمو، والصورة في أحد برندات شارع محمد الخامس بالرباط في عام 1976 أو 1977م

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
12-14-2010, 05:21 PM
الحلقة الحادية والعشرين


Home sick

.. نواصل ..

عند مغادرتي للسودان ودعني خالي البروف الصادق حسن الصادق وقال لي: شد حيلك.. ولم أفهم مغزاها إلا حينما انتهت رحلتنا السياحية التي بدأت كمشاركة في المسيرة الخضراء، وما إن غادر وفد السودان المغرب متوجهاً الى الخرطوم حتى أحسست باليتم، وفي الليلة الأولى بالحي الجامعي مولاي اسماعيل جاءني إحساس غريب لم أعهده من قبل، شوق جارف للأهل وللوطن، بل شئ أكثر من الشوق، لا أدري كنهه.. حينها تذكرت وصية خالي: شد حيلك.. فعلمت ما كان يرمي إليه، فلابد أن اشد حيلي لأتحمل جحيم فراق الأهل.. لقد جرب خالي ذلك أبان ابتعاثه لدراسة الماجستير في امريكا، لذلك فقد توقع ما سيحدث لي.. نعم لقد جرفني حزن طاغٍ لدرجة أنني تمنيت أن تتعثر اجراءات تسجيلي في الكلية لأرجع لأهلي فوراً!!

أول خطاب وصلني من السودان كان من بن خالي الذي تربى معي في حي 114 وهو عادل سراج حسن، وكان يسكن في منزل جدي، ووقتها كان يدرس في مدرسة مدني الأهلية (ب)، ويبدو أنه أرسل الرسالة قبل أن استقر في الرباط- فقد كنت أرسل كروت مناظر وخطابات من كل مدينة نزلنا بها بدءاً بأغادير مروراً بمراكش وانتهاء بكازابلانكا- وعلى ما أذكر وصلتني عبر عنوان السفارة.. المهم هذه الرسالة الأولى عندما بدأت اقرأها أحسست أن شيئاً من جوفي يتحرك للأعلى.. لم أعرف ماهو، لكنه حين وصل الى صدري أحسست بضيق في صدري، ثم ارتفع ذلك الشئ الى عنقي، فإذا حلقي ينسد، وإذا عبرة تخنقني، ثم خرجت العبرة دموعاً غزيرة.. لم يكن في خطابه ما يجعلني أبكي، فقد كان خطاباً عادياً، ولم أصل في قراءته الى نصفه ولا حتى الى ربعه، ولكن لأنه أول خطاب يصلني من السودان، ولأنه أشعرني أنني خارج السودان، وانني بعيد عن اهلي وعشيرتي.. وكنت في سريري في الحي الجامعي مولاي اسماعيل، وجاري المغربي الذي أخبرتكم عنه في السابق كان قد لاحظ إجهاشي بالبكاء، فقال بصوت رقيق ومواسي ما معناه: عسى ألا يكون هناك مكروه، ويريد ان يقول عسى ألا يكون هناك خبر سيئ في هذا الخطاب..

فيما بعد لجأنا الى وسيلة جديدة لم تكن مألوفة لإرسال الرسائل واستقبالها، ألا وهي التسجيل الصوتي، فكنا نسجل حديثنا ونرسل الشريط بالبريد الى أهلنا، ويصلنا الرد كذلك بالبريد.. وأذكر أن أول شريط وصلنا كان مسجلاً لي فيه حديث اهلي، وأغنية محمد جباره الشهيرة في ذلك الزمان: بحر الموده

شوفى الزمن يا يمه ساقنى بعيد خلاص
دردرنى .. اتغربت .. واتبهدلت ورينى الخلاص
ساقنى القدر منك بعيد .. جرعني كأس
***
يا يمه يا فيض الحنان الما كمل
يا يمه يا بدرى البشع دايماً يهل
يا يمه يا نور الصباح وكتين يطل
واشرى يا (زينوبه) ولدك فى دروب الشوق كتل
محروم من الحب والمحنه وراك همل
***
يا يمه يا بحر المودة وكت يفيض
يا يمه يا شعلة أمل زادت وميض
يا يمه يا عنقود كلام منظوم قريض
يا يمه يا نغماً حنين بالشوق يرن
وافكارى فيهو .. بيرتعن
دمعاتى شانو .. بينزلن
***
واتذكرك يا يمه
فى الدغش النسايمو يهبهبن
قايمى الصباح متكفلتى
شايلى الحليلى على المراح
والساعة ديك يادوبو ديكنا بدا الصياح
والطير صغارو يغردن.. جبتى اللبن بانشراح
***
واتذكرك يا يمه في ساعة الهجير
صالاكى نار الدوكى عُستيلنا الفطير
رشيتى.. قلتى اكلوهو خير
واتذكرك يا يمه يا بسمة الطفل الغرير
وكت الخلوق ترقد تنوم
واسهر براى أرعى النجوم
والشوق يرف جنحيهو بى فوق لى يحوم
اهتف باسمك فى الخيال
طيفك كمان بي فوقى جال
واتمنى لو لحظات يدوم .. لكنى فجأة القاهو زال
***
واتذكرك يا يمه ساعة الناس يجونا من البلد
ناعم ترابو على جسيماتن رقد
ريحة التمر فوق الهدوم لون الخدار خالف لبد
والشوق أوارو بيشتعل كان ظنى فيهو يكون خمد
***
واتذكرك يا يمه والناس قالو قايمين البلد
رصو الهديمات ..عدلوا
ركبوا اللوارى وقبلوا
خلونى وحدى بلا أنيس
كيف انفرادى ..اتحملوا
شالوا السلام أنا مني ليك
وان شاء الله عندك يوصلوا
***
يا يمه ساعة يوصلوا ويقولوا ليك شفناه فى بلد الامان
مبسوط ورايق فى امان
أنبسطى يا نبع الحنان
وانا حالى يشهدبو الزمان
يا يمه رسلى لى عفوك
ينجينى من جور الزمان

كان معي مجموعة من الأخوة السودانيين في تلك اللحظة، أذكر منهم جمال ميرغني والنور محمد احمد، المهم الجميع بدأ بالبكاء.. وعندما انصرفوا قال لي جاري المغربي: لأول مره أبكي منذ زمن بعيد.. فقد أبكيتموني عندما بكيتم.. ويبدو أنه أحس بما أحسسنا به، فهو أيضاً بعيد عن أهله، فهم كما أسلفت من جهة أغادير في أقصى الجنوب المغربي..

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
12-15-2010, 03:13 PM
الحلقة الثانية والعشرين



نواصل ..

الإذاعة المغربية وأغنية يا وطني

كانت الخطابات عندما تصلنا نحس بفرح غامر، فرح الطفل عندما تهديه لعبة، او حلوى، وكان تأخر وصولها يصيبنا بالاكتئاب- خاصة خطابات الجكسويات- لقد كان بعض الزملاء يساومونك على خطابك بمبالغ مالية او هدية حتى يعطونك إياه، لقد كانت الخطابات هي همزة الوصل الوحيدة بيننا وبين الوطن، ففي ذاك الزمان لم تكن هناك فضائيات، فالتلفزيون أرضي يغطي جزء من مساحة السودان، واما الإذاعة فلا تكاد تُسمع في بورسودان، ناهيك أن نسمعها في الرباط، وطبعاً بالضرورة لم يكن هناك ايميل ولا مسنجر ولا خلافه..

ذكرتني حكاية الإذاعة دي قصة جميلة، ففي مرة كنت استمع لإذاعة الرباط من جهاز الراديو/ المسجل الذي كنت قد اشتريته من اخينا محجوب البيلي، وكان البرنامج (ما يطلبه المغتربون) والمقصود طبعاً المغتربين المغاربة، فهم كُثر في أوروبا.. وطبعاً كانت اغاني البرنامج الأولى كلها مغربية.. ثم أطالت المذيعة قراءة اهداءات المغتربين المغاربة للأغنية الأخيرة، ولكثرة هؤلاء الذين يطلبون الأغنية؛ فقد بدأ لحن الأغنية في الظهور والمذيعة ما زالت تقرأ اهداءات المستمعين.. لقد بدأ لحن مقدمة الأغنية مألوفاً لدي.. وما إن انتهت المذيعة من اهداءات آخر مغترب حتى بدأ المغني يغني الأغنية، وكانت الأغنية:

يا وطني

يا وطنى يا بلد أحبابى فى وجودى احبك وغيابى
يا الخرطوم يا العندى جمالك .. جنة رضوان
طول عمرى ما شفت مثالك.. فى اى مكان

انا هنا شبيت يا وطني.. زيك ما لقيت يا وطني
فى وجودى أريدك وغيابى
يا وطني يا بلد أحبابى

بتذكر فيك عهد صباي.. على شاطئ النيل
وحبيبى الساهر معاي.. أسمر وجميل

انا بفخر بيك يا وطني
بالروح افديك يا وطني
يا وطنى يا بلد أحبابى فى وجودى احبك وغيابى

ياحليلك وياحليل ايامك
على بالي دوام
وقلبى عايش لغرامك.. ما بعدو غرام

طول عمري ما شفت مثالك في اي مكان
كانت أيام يا وطني
زى الأحلام يا وطني
يا وطنى يا بلد أحبابى فى وجودى احبك وغيابى

نعم، لقد كان المغني هو سيد خليفه- اسأل الله له الرحمة والمغفرة، أدعو له بالرحمة معي- وما إن بدأ سيد خليفه الأغنية حتى تلاحقت دموعي، لم تكن دموعي ساهلة كما تظنون، ولكن من عاش مثل ما عشت فسيعرف مغزى ذلك..

وللعلم فإن الفنان سيد خليفة كان معروفاً جداً في المغرب، فقد قال لي زملائي الطلاب المغاربة في الجامعة أنهم عندما كانوا في الابتدائية، كانوا ينشدون في طابور الصباح نشيد يا وطني للفنان سيد خليفه، اي أنهم كانوا يفعلون ذلك في أواسط وأواخر الستينات.. وطبعاً يعرفون ايضاً أغنية (إزيكم).. سأحكي لكم لاحقاً زيارة سيد خليفة ومحمد ميرغني لنا في المغرب (بس ذكروني).

فيما بعد وعندما اغتربت في السعودية، كنت أحياناً أجد أحد الزملاء الفلبينين في حالة اكتئاب، فاسأله ما بك؟ فيقول لي Home sick وتفسيرها طبعاً هو فقدان مشاهدة الأهل والبعد عن الوطن، اي ما ذكرته في الفقرات السابقة..


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

أبو عدى
12-15-2010, 04:49 PM
نتابع بشغف
اخى الفاضل الاستاذ عمر غلام الله

عمر حسن غلام الله
12-19-2010, 04:46 PM
نتابع بشغف
اخى الفاضل الاستاذ عمر غلام الله

شكراً عزيزي عاصم

لكم نكتب

أبو عدى
12-19-2010, 04:53 PM
أحداث مثيرة
وتشد القارئ
بارك الله فيك استاذنا الفاضل غلام الله

ننتظر المذيد


احترامى وتقديرى

عمر حسن غلام الله
12-19-2010, 05:06 PM
الحلقة الثالثة والعشرون

سيد خليفة ومحمد ميرغني.. في المغرب

.. نواصل ..



سأحكي قصة زيارة سيد خليفة ومحمد ميرغني لنا في المغرب، حتى لا أنسى، رغم انها حدثت في السنة الثانية لوجودي بالمغرب.. اي سنة 1976م أو 1977 تقريباً..

بينما انا خارج من الجناح الذي اسكنه في الحي الجامعي السويسي الثاني، إذ لمحت على الباب ورقة ملصقة بها اعلان عن حفلة بالحي الجامعي مولاي اسماعيل، يغني فيها الفنانان سيد خليفة ومحمد ميرغني، ففرحت فرحاً شديداً أفرح صديقي مصطفى محفوظ طالب كلية الطب، الذي أوصلني بموتره الى مكان الحفل.. وتفاجأت هناك بوجود خالي علي ميرغني عازف الكمان المشهور وسكرتير اتحاد الفنانين وقتها- رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقاً، أسألكم الدعاء له- ووجوده زادني فرحاً على فرح، وكان يرأس الوفد الفني هذا، وبالفعل غرد الفنانان في الحي الجامعي مولاي اسماعيل، وفرح المغاربة ايما فرح بوجود سيد خليفة لحماً ودماً بينهم..

رقصنا في ذلك الحفل، ولم يكن هو الحفل الوحيد، فقد أقاموا حفلاً آخر في مسرح محمد الخامس، وهو المسرح الرئيسي والأكبر في الرباط، وحضر الحفل هذه المرة مسؤولون مغاربة بالإضافة الى اعضاء السلك الدبلماسي السوداني، وامتلأ المسرح بالناس، وغنى سيد خليفة تلك الأغاني الخفيفة، فطلبنا منه ان يغني الأغاني التي تعجبنا كأغاني ادريس جماع، والأغاني الجميلة: انا لو رضيت بالهم ما بيرضى بي همي، واشباهها، فقال لنا: (انا جيت اغني للمغاربة، وانتو بتسمعوني كان في السودان او في الاذاعة او المسجلات).. اي انه يريد ان يطرب المغاربة بالأغاني الخفيفة السريعة الإيقاع، وقد غير بعض الكلمات في اغانيه لتتوافق مع اللهجة المغربية، اذكر منها:
ازيكم .. كيفنكم .. انا لي زمان ما شفتكم
ازيكم .. لا باس عليكم (وهو سلام المغاربة)

في الحي معاكم.. وأنا ليكم جار
وعندما ينطق كلمة الحي يضيف لها كلمة (هنا) ويشير بأصبعه الى الأرض، اي في الحي الجامعي مولاي اسماعيل..

طبعاً في الخليج يغني نفس الأغنية ويغيرها:
ازيكم .. كيفنكم .. انا لي زمان ما شفتكم
ازيكم .. إيش لونكم (وهو سلام الخليجيين)

وبعد انتهاء الحفلات تلك كنت ازور خالي في الفندق الذي ينزلون فيه، ووجدت هناك بعض زملائنا الطلاب السودانيين، وبينما انا جالس مع خالي في غرفته اعطاني العود وقال لي: (امشو لسيد في أوضتو يغني ليكم).. فذهبت الى سيد خليفه واعطيته العود وقلت له ان خالي قال ليك غني لينا.. فرفض اولاً (مازحاً) ثم اخذ العود وبدأ يغني لنا تلك الأغاني التي نحبها.. وقد غنى اغنية لم نسمعها من قبل، وكانت حزينة جداً، فطأطأنا رؤوسنا مستمتعين بها ومتأثرين أيما تأثر بها، سيما زميلي بومدين احمد خليفة – رحمه الله رحمة واسعة وادخله فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، أسألكم الدعاء له- وكان أن حضر خالي علي ميرغني رحمه الله ووجدنا على تلك الحال، فقال لسيد خليفه: (بكّيتهم ياخي)..

وسألنا سيد خليفه عن تلك الأغنية فقال ان فلاناً (نسيت اسمه) قد اعطاها له، وقبل ان يكمل لحنها مات هذا الشاعر، وهو لا يذكر غير هذه الأبيات التي غناها لنا، وللأسف لم اسمع هذه الأغنية بعد ذلك ابداً..

مرفق صورة تضم بعض الطلاب مع الفنانين سيد خليفة ومحمد ميرغني أبان زيارتهم المذكورة الى المغرب، وهي تضم من اليمن الزميل عبد الرؤوف، ثم طلحة جبريل، ثم سيد خليفة، ثم محمد ميرغني، ثم محجوب البيلي، والصورة من ألبوم الزميل محجوب البيلي

جاءت سيارة من السفارة لتنقل الوفد الفني الى السفارة، فذهبت معهم، وكان في السيارة خالي وعلي ميرغني، وسيد خليفه ومحمد ميرغني، وكلما رأي سيد مغربية جميلة في الشارع عبر بطريقة مرحة عن احساسه بالجمال، وكنا طوال الرحلة نضحك مع تعليقاته رحمه الله.. فيما بعد عند رجوعنا للسودان قابلت خالي علي ميرغني ومعه الفنان محمد ميرغني، وكان ذلك في موقف بصات مدني (كانوا في رحلة فنية الى مدني) فما إن رآني محمد ميرغني- وقبل أن أصله وأسلم عليه- حتى قال لي: (الجابك من البلد السمحة ديك شنو؟) لقد اعجبتهم المغرب ايما اعجاب..

نسيت أقول ليكم أن السلطات المغربية سلمتنا- نحن الطلاب الذين شاركنا في وفد المسيرة الخضراء- عبر السفارة وسام المسيرة الخضراء، وبطاقة مشاركة، وما زلت احتفظ بالوسام حتى الآن، وقد سمعت أن له قيمة خاصة في المغرب، لكني لم استخدمه إلا عندما كنت في الطائف بالسعودية وأردت زيارة المغرب، وكان ذلك عام 1985م، اي بعد سبعة أعوام من تخرجي.. وسأذكر تلك القصة لاحقاً بمشيئة الله..

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
12-20-2010, 02:28 PM
الحلقة الرابعة والعشرين

الفنيدق وطنجه

.. نواصل ..

في المغرب يهتمون بالطلاب وبراحتهم وبترفيههم، فكنا نجد ملصقات في أبواب أجنحة الحي الجامعي تدعو الى رحلة ترفيهية الى مناطق سياحية، وكان بعضها ينظمها اتحاد الشباب المغربي او شئ من هذا القبيل، واحياناً ينفذها الحي الجامعي، وكانت الرسوم رمزية، ومؤكد أن تكلفة الرحلة أكثر من ذلك بكثير، ولكن يدفع الباقي الاتحاد او الحي الجامعي، ففي مرة اشتركنا في احدى هذه الرحلات، وكانت الى الشمال، وبالتحديد الى منطقة تسمى الفنيدق، وهي قريبة من مدينة سبته (المستعمرة الاسبانية في التراب المغربي)..

كان معي من السودانيين في هذه الرحلة محمد ابكر ابراهيم- من امدرمان حي العمده- وجمال ميرغني من الخرطوم حي الزهور- وتجمعنا في مقر الجمعية وتحرك بنا البص باتجاه الشمال.. وفي الطريق كانت توجد نقاط تفتيش- الهم الأمني في الدول الملكية وكذلك في الدول العسكرية هو المسيطر دائماً- المهم في نقطة التفتيش صعد العسكري الى البص يسأل كل راكب عن هويته، وعندما وصلنا- وكنا ثلاثتنا نجلس في مقاعد متجاورة- رطن معي بالفرنسية، وكنت الأقرب اليه إذ كنت في مقعد الممر، فتحدثت معه بالعربية، فقال لي تعرف العربية قلت نعم، قال من أين انت قلت من السودان، وكالمعتاد قال لي: جعفر نميري؟ قلت نعم، وكانت اقامتي في يدي لأعطيها له، فلم يمد يده لي ولا لزميلي محمد ابكر- فكلانا سودانيو السحنة والملامح- وانما مد يده لجمال ميرغني، وكان مغربي اللون والملامح، وما إن مد جمال بإقامته للعسكري، ولاحظ العسكري انها اقامة أجانب وليست بطاقة مغربي حتى سحب يده دون أن يأخذها، وقال سوداني برضو؟ لقد كان لنا نحن السودانيون مكانة في نفوس المغاربة..

ووصلنا الى الفنيدق، وكانت الفنيدق عبارة عن فندق على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ومن خلف الفندق سلسلة جبال.. ويبدو أن اسم الفنيدق سببه هذا الفندق، فليس هناك شئ آخر في المنطقة غير هذا الفندق.. كان مكاناً رائعاً للراحة والاستجمام.. ودخلنا الفندق، وكل شخصين استلما مفتاح غرفة، وعلى ما أظن كل ولدين في غرفة وكل بنتين في غرفة، لكن لاحظنا فيما بعد أن المغاربة (شكوها ووزعوها من جديد، وبقت الدامه مع الولد والولد مع الدامه، والشياب براهم- زي حالتنا- مع اني الزمن داك كان عمري عشرين سنة بس..) طبعاً نحن ما كنا عارفين انو ممكن حاجات زي دي بتحصل، عشان كده ما نسقنا كويس من الأول، وكنا برالمه ساااااااكت.. المهم حصرنا استمتاعنا بالطبيعة الساحرة للبحر والجبل والرمال الناعمه، والوجبات الشهية المجانية- ضمن المبلغ الزهيد الذي دفعناه- اضافة للونسة..


مرفق صورتان للفنيدق (منقولتان)، ويبدو أنها حديثة، فتبدو في الصورتين الفنيدق وقد أصبحت مدينة، بينما كانت أبان زيارتنا كما أسلفت فقط بحر وجبل وفندق!!

على مسافة من الفنيدق كانت هناك قرية فيها البضائع الأسبانية- ربما كانت (كابو نيقرو) وهي كلمة اسبانية معناها (الرأس الأسود) ويبدو أن الجبل الذي في المنطقة يشبه رأس الزنجي لذلك سمي بهذا الإسم، او ربما كانت القرية هي الفنيدق نفسها، وانها قرية نمت قرب الفندق، او العكس ان الفندق بني قرب القرية- لم اعد أتذكر جيداً- المهم اننا تسوقنا في هذه القرية من البضائع الاسبانية (المهربة) او التي تأتي من سبته بدون جمارك- فالجمارك توجد على مسافة بعيدة من منطقة الشمال في طريق الرباط، فإذا كان حملك من البضائع كبيراً فربما تعرضت لدفع جمارك، ولكن الحاجات الخفيفة (صحبة راكب) لا تدفع جمارك لها..

في رحلة أخرى ذهبنا الى مدينة طنجة، ويا لروعة طنجة، واهلها ينطقونها (طنزه)..

وأدرج لكم نبذة عن مدينة طنجة استقيتها من موقع وزارة الثقافة المغربية:

مدينة طنجة
تتميز طنجة بكونها نقطة التقاء بين البحر الأبيض المتوسط من جهة، و بين القارة الأوروبية والقارة الإفريقية من جهة أخرى. هذه الوضعية الإستراتيجية الهامة مكنتها من الاستئثار باهتمام الإنسان، وجعلت منها محطة اتصال وعبور وتبادل الحضارات منذ آلاف السنين، مما تشهد عليه المواقع والبقايا الأثرية المتواجدة بطنجة ومنطقتها، والمنتمية إلى حضارات ما قبل التاريخ وحضارات الفنيقيين والبونيقيين التي ربطت اسم طنجة في أساطيرها العريقة باسم " تينجيس " زوجة " آنتي " ابن" بوسايدون " إله البحر و " غايا " التي ترمز للأرض.

ثم الفترة الرومانية التي خلالها أصبحت طنجة تتمتع بحق المواطنة الرومانية، بل من المحتمل جدا أن روما جعلت من طنجة عاصمة لموريتانيا الطنجية، المقاطعة الغربية لروما بشمال إفريقيا.

بعد فترة من السبات، استعادت طنجة حيويتها مع انطلاق الفتوحات الإسلامية لغزو الأندلس علي يد طارق بن زياد سنة 711م، ثم من طرف المرابطين و الموحدين الذين جعلوا من طنجة معقلا لتنظيم جيوشهم و حملاتهم. بعد ذلك تتالت على طنجة فترات الاحتلال الإسباني والبرتغالي والإنجليزي منذ 1471م إلى 1684م، والتي تركت بصماتها حاضرة بالمدينة العتيقة كالأسوار و الأبراج والكنائس.

لكن تبقى أهم مرحلة ثقافية وعمرانية مميزة في تاريخ طنجة الوسيط والحديث هي فترة السلاطين العلويين خصوصا المولى إسماعيل وسيدي محمد بن عبد الله. فبعد استرجاعها من يد الاحتلال الإنجليزي سنة 1684م في عهد المولى إسماعيل، استعادت طنجة دورها العسكري والدبلوماسي والتجاري كبوابة على دول البحر الأبيض المتوسط، و بالتالي عرفت تدفقا عمرانيا ضخما، فشيدت الأسوار والحصون والأبواب. وازدهرت الحياة الدينية والاجتماعية، فبنيت المساجد والقصور والنافورات والحمامات والأسواق، كما بنيت الكنائس والقنصليات والمنازل الكبيرة الخاصة بالمقيمين الأجانب، حتى أصبحت طنجة عاصمة ديبلوماسية بعشر قنصليات سنة 1830م، ومدينة دولية يتوافد عليها التجار والمغامرون من كل الأنحاء نتيجة الامتيازات الضريبية التي كانت تتمتع بها.


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
12-21-2010, 03:25 PM
الحلقة الخامسة والعشرين



.. نواصل نبذة عن طنجه ..


أسوار المدينة العتيقة : تمتد على طول 2200م، مسيجة بذلك الأحياء الخمسة للمدينة العتيقة : القصبة، دار البارود، جنان قبطان، واد أهردان، و بني إيدر، بنيت أسوار المدينة على عدة مرا حل، و التي من المحتمل جدا أنها بنيت فوق أسوار المدينة الرومانية "تينجيس". تؤرخ الأسوار الحالية بالفترة البرتغالية (1471-1661م)، إلا أنها عرفت عدة أشغال الترميم و إعادة البناء والتحصين خلال الفترة الإنجليزية (1661-1684)، ثم فترة السلاطين العلويين الذين أضافوا عدة تحصينات في القرن 18م، حيث دعموا الأسوار بمجموعة من الأبراج: برج النعام - برج عامر - برج دار الدباغ و برج السلام . كما فتحوا بها 13 بابا منها: باب القصبة - باب مرشان- باب حاحا - باب البحر- باب العسة - باب الراحة و باب المرسى.

قصبة غيلان : تقع على الضفة اليمنى لوادي الحلق, على الطريق المؤدية إلى مالاباطا شرق المدينة العتيقة، تم بناؤها حوالي 1664م، و يرتبط اسمها باسم الخدير غيلان قائد حركة الجهاد الإسلامي ضد الاستعمار الإنجليزي الذي احتل مدينة طنجة ما بين 1662م و 1684م، وتتوفر القلعة على جهاز دفاعي محكم، عبارة عن سورين رباعيا الأضلاع محصنين ببرجين نصف دائريين و بارزين، تتوسطهما باب عمرانية ضخمة.

قصر القصبة أو دار المخزن : تحتل هذه البناية موقعا استراتيجيا في الجهة الشرقية من القصبة, من المرجح جدا أنه استعمل خلال فترات أخرى من التاريخ القديم. بني قصر القصبة أو قصر السلطان مولاي إسماعيل في القرن الثامن عشر الميلادي، من طرف الباشا علي أحمد الريفي، على أنقاض القلعة الإنجليزية « uper castel »، وهو يحتوي على مجموعة من المرافق الأساسية: الدار الكبيرة، بيت المال، الجامع، المشور، السجون، دار الماعز والرياض. في سنة 1938م تحولت البناية إلى متحف إثنوغرافي و أركيولوجي لطنجة و منطقتها.

الجامع الكبير : على مقربة من سوق الداخل يتواجد الجامع الكبير. تم تحويله إلى كنيسة خلال فترة الاستعمار البرتغالي، بعد استرجاعه في سنة 1684م عرف عدة أعمال ترميم و توسيع خلال الفترة العلوية.

تتميز هذه المعلمة ببهائها وغنى زخارفها، حيث استعملت فيها كل فنون الزخرفة من فسيفساء و زليج وصباغة ونقش ونحت و كتابة على الخشب و الجبس. يحتوي الجامع الكبير على بيت للصلاة مكون من ثلاثة أروقة متوازية مع حائط القبلة وصحن محاط من كل جانب برواقين، و بذالك فهو يعتبر نموذجا للمساجد العلوية المعروفة ببساطة هندستها.

جامع الجديدة : يعرف كذلك باسم جامع عيساوة وأحيانا بمسجد النخيل، يقع أمام الزاوية العيساوية على زنقة الشرفاء.. يتميز المسجد بمنارته ذات الزخارف الفسيفسائية.

جامع القصبة : يوجد بزنقة بن عبو، بني في القرن الثامن عشر الميلادي من طرف الباشا علي أحمد الريفي، و يعتبر من ملحقات قصر القصبة أو ما يسمى بدار المخزن.

السفارة الأمريكة :تعتبر هذه البناية أول مؤسسة أصبحت في ملكية الولايات المتحدة خارج أمريكا بعد أن أهداها لها السلطان مولاي سليمان الأول سنة 1821م. فبعد أن استعملت كسفارة أمريكية بالمغرب لمدة 135 سنة تم إخلاؤها لفترة حتى حدود سنة 1976م حيث أصبحت متحفا للفن المعاصر. تحتوي البناية على فناء وسط يذكر بنموذج العمارة الإسبانية الموريسكية، تحيط به مجموعة من القاعات المخصصة لعرض مجموعة من اللوحات الفنية التي أنجزت في المغرب خلا ل القرنين الثامن عشر الميلادي والتاسع عشر الميلادي. كما يوجد بها خزانة عامة للكتب الإنجليزية وخزانة متخصصة في تاريخ المغرب العربي وقاعات أخرى للدراسة والبحث، بالإضافة إلى أنها تعتبر فضاء مناسبا لاحتضان مجموعة من الأنشطة الثقافية والموسيقية بالمدينة.

الكنيسة الإسبانية :بعد أن قضت البناية فترة في ملكية أسرتين يهوديتين خلال القرن الثامن عشر الميلادي اشتراها السلطان محمد بن عبد الله حوالي 1760م، تم إهداؤها للحكومة السويدية لتؤسس بها أول قنصلية لها سنة 1788م. وفي 1871م استغلها الحاكم الإسباني ليجعل منها إقامة للبعثة الكاثوليكية، فبنى بها كنيسة كبيرة سماها "لابوريشيما" على السيدة مريم أم المسيح. لكن منذ حوالي ثلاثين سنة، ولأنه لم يعد يتردد المسيحيون على الكنيسة بكثرة، أصبحت المؤسسة تعنى بأنشطة اجتماعية مختلفة. أما حاليا فلم يبق من البناية سوى الجزء العلوي من السلم الرئيسي.

الصورة المرفقة لشاطئ طنجة وللميناء ولطنجة ساعة الغروب (منقولة)

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
12-22-2010, 11:22 AM
الحلقة السادسة والعشرين


طنجة مسقط رأس بن بطوطة (سيد الإسم)


.. نواصل ..


نزلنا في فندق في وسط المدينة القديمة، وأجمل ما في هذا الفندق هو أنك عندما تخرج من بوابته الرئيسية، تنزل في درج طويل ومتعرج حتى تصل الى الشارع.. وهذا بسبب أن طنجه فيها مرتفعات وجبال، لذلك تجد مباني وعمارات مبنية فوق جبل، وأخرى في شبه وادي.. كان منظراً جميلاً وممتعاً أن تنزل من شارع لشارع عبر درج..

في المدينة القديمة أيضاً توجد السويقة، وهي أزقة ضيقة ومزدحمة بالدكاكين والبسطات، وايضاً تجد دكاكين تصعد اليها بدرج، كأنها في دور أعلى، وهي ليست كذلك، وإنما تركيبة االسويقة هي هكذا، فعبر الدرج تنتقل من مستوى الى مستوى آخر من السوق، وهي ليست في شكل عماره بها عدة طوابق، وانما هي كالمدرجات، بعض الدكاكين تكون في مدرج أعلى من الآخر.. وهكذا..

اما البضائع فكانت معظمها اسبانية الصنع، فما بين طنجة واسبانيا مضيق جبل طارق فقط، وتتنوع البضائع الاسبانية من الملابس الى الأواني المنزلية الى العطور الى الاكسسوارات الى الأدوات والمعدات الكهربائية.. بالإضافة الى الصناعة التقليدية المغربية من مصنوعات جلدية واكسسوارات وملابس وأحذية وأحزمة جلدية..

لاحظنا وجود أناس بدويون في طنجة، تلبس نساؤهم زياً شبه موحد، بل هو موحد، إذ يلبسن فوق ملابسهن غطاء سميك يلففن به اجسادهن لونه أحمر مخطط بالأبيض، او أبيض مخطط بالأحمر، ويلبسن قبعات من ا لقش كبيرة، وهذا اللبس يذكرني لبس المكسيكيين، غير ان هذا لونه مختلف، ودائماً هؤلاء النسوة يربطن أولادهن وراء ظهورهن (زي الفلاته عندنا)، وعرفنا أن هؤلاء هم من جبال الريف، ويعيشون في قرى خارج طنجه، ويأتون ببضاعتهم لطنجه ويشترون احتياجاتهم منها.. وتبدو النساء متشابهات، وكلهن مدورات، فوجههن مدوره واجسادهن مدوره، يعني مبغبغات..

أخذونا الى رحلة داخل مدينة طنجة وخارجها، والذي رسخ بذهني هو كهف هرقل الذي يبعد عن طنجة 14 كيلومتر الى الغرب عند Cap Spartel على شاطئ المحيط الأطلسي، وهو منذ عام 6000 قبل الميلاد كان مسكناً لأجدادنا القدماء في ا لعصر الحجري الحديث، وفي عام 1878 تم اكتشافه، وفي عام 1920 فُتح أمام الجمهور.. وتعزى شهرته الى هرقل الذي تقول الأسطورة انه كان يسكنه، وأنه هو الذي أوجد طنجه والمضيق (مضيق جبل طارق) بضربة سيف واحدة- حسبما تقول الأسطورة..

حينما تصل الى الكهف تشتري تذكرة دخول، وتدلف من مدخل من جهة الجبل عبر درج حجري الى داخل الكهف، ثم تستمر في المشي حتى تصل الى فتحة تطل على البحر، هذه الفتحة تظهر في شكل خريطة افريقيا، وذكر لنا الدليل السياحي أن المغاربة كانوا يراقبون السفن الداخلة من المحيط الأطلسي الى البحر المتوسط عبر مضيق جبل طارق من هذا الكهف، فهو آمن، إذ ما إن يحس أحدهم بالخطر حتى يدخل الى الكهف من جهة البحر، ثم ما يلبث أن يكون خارجه من جهة الجبل، وهذا الجبل يمنع اي شخص من البحر ان يصل الى البر، هذا الكهف يصعب الدخول إليه من جهة البحر اذا كان المد عالياً..

نسيت أن أقول ان اهالي طنجة يتكلمون اللغة الانجليزية ايضاً بالإضافة الى الفرنسية وكثيرون يجيدون اللغة الأسبانية- بحكم القرب من اسبانيا- وبحكم وضع المدينة السياحي في مدخل المغرب من جهة الشمال حيث يعبر الأوربيون بمختلف اجناسهم ولغاتهم الى باقي المغرب، خاصة في فصل الصيف، حيث يبكر الصيف هنا عن أوروبا..

وبما أنني في طنجه، وبما أنني قد اسميت نفسي بن بطوطة السوداني، وبما أن بن بطوطة (الأصلي) من طنجة فلابد أن أعرفكم بسيد الإسم، وقد استقيت المعلومات من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة، فابن بطوطة هو محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، عرف بابن بطّوطة، هو رحّالة ومؤرخ وقاضي وفقيه أمازيغي لقب امير الرحالين المسلمين.

ولد في طنجة سنة 703هـ/1304م بالمغرب لعائلة عرف عنها عملها في القضاء وفي فتوته درس الشريعة وقرر عام 1325م وهو ابن 20 عاماً، أن يخرج حاجاً كما أمل من سفره أن يتعلم المزيد عن ممارسة الشريعة في أنحاء بلاد الاسلام. وخرج من طنجة سنة 725هـ فطاف بلاد المغرب و مصر و الشام و الحجاز و العراق و فارس واليمن والبحرين و تركستان وما وراء النهر وبعض الهند والصين والجاوة وبلاد التتار وأواسط أفريقيا. واتصل بكثير من الملوك والأمراء فمدحهم - وكان ينظم الشعر- وأستعان بهباتهم على أسفاره.

وعاد إلى المغرب الأقصى، فانقطع إلى السلطان أبي عنان (من ملوك بني مرين) فأقام في بلاده. وأملى اخبار رحلته على محمد بن جزي الكلبي بمدينة فاس سنة 756 هـ وسماها تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار. ترجمت إلى اللغات البرتغالية والفرنسية والإنجليزية، ونشرت بها، وترجم فصول منها إلى الألمانية نشرت أيضا.

اضافة إلى لغته الامازيغية كان يحسن التركية والفارسية. واستغرقت رحلته 27 سنة (1325-1352 م) ومات في مراكش سنة 779 هـ/1377 م. تلقبه جامعة كامبريدج في كتبها وأطالسها بأمير الرحالة المسلمين.

الصور المرفقة منقولة، وهي صورة لابن بطوطة والثانية (فتحة كهف هرقل من جهة البحر) .

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
12-25-2010, 05:29 PM
الحلقة السابعة والعشرون

الرباط: صومعة حسان وضريح محمد الخامس
.. نواصل ..


المغاربة كما أسلفت ينطقون الثاء تاء، لذلك يقولون (اتارات) ويقصدون الآثار، ونحن السودانيون ننطقها (آسار)، وبمناسبة الآثار نعود بكم الى الرباط، ونحكي لكم عن صومعة (مئذنة) حسان، وسبق أن نوهنا عنها عندما تكلمنا عن صومعة الكتبية في مراكش، وسأسوق لكم نبذة عن صومعة حسان استقيتها من موقع قناة الجزيرة، وقبل ذلك أحكي لكم زيارتنا لها في أبان دراستنا في المغرب، وأذكر كان معي في الزيارة زميلنا وابن مدينتنا الغالية، المدينة الحالمة ود مدني، وابن جزيرة الفيل العريقة، اخينا يوسف نايل، وكان دائماً يلبس كاب فوق رأسه، وعندما وقفنا امام الضريح المهيب لمحمد الخامس، وهو في منطقة صومعة حسان، أمر الحارس -الذي يلبس يونيفورم خاص اشبه باليونيفورم العسكري- اخينا يوسف بخلع الكاب- احتراماً لساكن الضريح- فامتثل يوسف للأمر، وبانت صلعة اخينا يوسف بعد مداراة لزمن طويل..

والتقطنا صوراً تذكارية أمام الضريح، ولا أدري اين هذه الصور الآن، إذا كانت موجودة فهي بالسودان.. ولا تنسو أن عمرها اكثر من ثلث القرن.. عموماً استعيض عنها هنا بصور – من غير حضراتنا- للصومعة ولضريح محمد الخامس، الذي يضم الآن رفات الحسن الثاني..

وإليكم مقال موقع قناة الجزيرة، وهو بقلم الحسن سرات:

على رابية تطل على نهر أبي رقراق- الذي يفصل بين مدينتي الرباط وسلا- بالغاً مستقره الأخير بالمحيط الأطلسي، تقع صومعة حسان شامخة في الزمان والمكان، لا يضاهيها في هذه المكانة إلا قصبة الأوداية المقابلة لها والمحاذية للمحيط والنهر.

ولئن ظلت الصومعة مستفردة بهذا المكان، فإن ضريح الملك محمد الخامس أخذ يزاحمها بعد أن بناه الملك الراحل الحسن الثاني ليكون قبرا لوالده، ثم ما لبث الولد أن التحق بأبيه وأخيه الأمير عبد الله ليستقر الثلاثة على بعد أمتار من مسجد لم يكتمل بناؤه، ولو اكتمل لعد أكبر مسجد بالغرب الإسلامي في زمن الموحدين.

جامع عظيم
في العام 593 للهجرة (1197-1198 للميلاد) أصدر مؤسس مدينة الرباط الخليفة الموحدي الثالث يعقوب المنصور أمراً بتشييد "جامع حسان" العظيم على مرتفع مقابل لمدينة سلا مطل على الضفة الجنوبية لنهر أبي رقراق وعلى مقربة من مصبه بالمحيط الأطلسي.

ويبلغ طول المسجد 183 مترا، وعرضه 139 مترا، ويبلغ علو صومعته حوالي 44 مترا، ومساحة كل ركن من أركانها المربعة 16 مترا و20 سنتيمترا. أما سمك جدرانها فيبلغ عرضه مترين ونصف، ولها مطلع داخلي ملتو يؤدي إلى أعلى الصومعة ويمر على ست غرف تشكل طبقات.

وقد زينت واجهاتها الأربع بزخارف ونقوش مختلفة على الحجر، وذلك على النمط الأندلسي المغربي من القرن الثاني عشر، والتركيب المعماري المكون من الضريح والمسجد والمتحف يكتسي طابع الفن المعماري الإسلامي، إذ انكب أكثر من 600 صانع ومعلم من مختلف الصناعات الأصلية في الإبداع والإتقان على إنجاز الزخارف الرائعة في البنايات الثلاث.

كان المسجد يعتبر يومذاك أكبر مسجد بالعالم الإسلامي بمساحة 26 ألفا و100 متر مربع. لكن انشغال الدولة الموحدية بمشاكل الأندلس وإغاثة السلطان الموحدي لهم من زحف المسيحيين حال دون إتمام المسجد العظيم، حسب عضو جمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث محمد جطاري.

وكان يعقوب المنصور قد وضع التصميم الكامل لمدينة الرباط وبنى أبوابها الكثيرة وسورها المحيط لتكون عاصمة له بدلا من مدينة مراكش.

تعرض المسجد للخراب بعد زلزال لشبونة في أول نوفمبر/ تشرين الثاني 1755، وبقي خرابا إلى لحظة بناء الضريح. وكان السلطان المنصور قد بنى منارتين أخريين مماثلتين لصومعة حسان، واحدة في الخيرالدا بالأندلس الموجودة في إشبيلية، والثانية بمراكش المغربية وهي صومعة مسجد الكتبية. و"الصوامع الثلاث توجد في خط واحد من خطوط الطول بالكرة الأرضية".

تتحلى هذه البقعة الإسلامية اليوم بمظهر آخر، إذ قرر الملك الراحل الحسن الثاني في أوائل عام 1961 أن يقام ضريح والده محمد الخامس هنالك. وأهم سبب دعا الحسن الثاني لبناء ضريح والده في ذلك المكان، حسب توضيحات محافظة الضريح للجزيرة نت، هو أن هذا المكان صلى فيه محمد الخامس أول صلاة للجمعة بعد عودته عام 1955 من منفى دام 32 عاما على يد الاستعمار الفرنسي في جزيرة مدغشقر.

وكانت هذه البقعة بعد ست سنوات من ذلك مسرحا للوداع الشعبي الكبير لتشييع جنازته.

آلاف الزوار
يزور الموقع 600 زائر يوميا من سياح مغاربة وأجانب حسب معطيات إدارة الضريح، ويزوره في العطل 10 آلاف يوميا، بالإضافة إلى الزيارات الرسمية للوفود الزائرة للمغرب.

وصار في السنوات الأخيرة نقطة في جدول أعراس أهل مدينتي الرباط وسلا إذ يقصده العرسان لأخذ صور تذكارية لهم ولأهليهم.

الصورة الأولى لصومعة حسان،

http://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/6283.imgcache.gifhttp://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/6284.imgcache (http://up.arab-x.com/)

، اما الصورة الثانية فهي للضريح من من الخارج

http://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/6283.imgcache.gifhttp://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/6285.imgcache (http://up.arab-x.com/)

واما الثالثة فهي للضريح من الداخل، ويظهر فيهما قبر محمد الخامس.

http://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/6283.imgcache.gifhttp://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/6286.imgcache (http://up.arab-x.com/)

والصور منقولة

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

</B></I>

عمر حسن غلام الله
12-27-2010, 11:33 AM
الحلقة الثامنة والعشرون


الانتقال للحي الجامعي السويسي الثاني

نواصل ..

قدمنا طلباً لإدارة الحي الجامعي السويسي الثاني وبعد انتظار وصلتنا الموافقة، ولكن كانت الغرفة الممنوحة لي غرفة جماعية، اي بها 8 سرائر، كل سريرين فوق بعض، اي دورين، وهناك بعض الغرف الجماعية ولكن بها 6 أسرة، أيضاً دورين، ولكن المحظوظون هم من يسكنون في غرفة بها فقط سريرين منفردين (مش فوق بعض)، وانتقلت من الحي الجامعي مولاي اسماعيل الى هذا الحي الذي (كان) يقع في اطراف الرباط، وكان ما حوله خلاء تنبت فيه ازهار الربيع والحشائش، لا يسقيها إلا المطر.. ولولا وجود المطعم في الحي الذي يجاوره (الحي الجامعي السويسي الأول)، ولولا وجود الكافتيريا فيه، وكذلك عدد من البراكات (شرحتها سابقاً) حوله، لتعبنا في الأكل والشرب والحصول على الاحتياجات البسيطة .. فقد كان اقرب عمران فيه بقالات ومطاعم يبعد عنا مسيرة مواصلات، وكان الحي قريباً الى حد ما من مستشفى بن سينا – وهو اكبر مستشفى حكومي في الرباط- وفيما بعد بنيت كليات بجوار هذا الحي.. لكن كنا نذهب الى كلية الحقوق بحي أكدال او الى معهد المغرب الكبير في حي المحيط بالحافلات..

كان يجاور هذان الحيان، حيان آخران، احدهما الحي الجامعي الخاص بالمعهد الزراعي، والثاني خاص بمعهد الإحصاء، أما الحيان السويسي الأول والثاني فقد كان لكل طلاب كليات جامعة محمد الخامس، السويسي الأول كانت أجنحته الخمسة كلها مخصصة للاولاد، السويسي الثاني به اربعة اجنحة مخصصة للأولاد والخامس مخصص للبنات، وغير مسموح للزيارة من الجانبين.. اما بالنسبة للحي الخاص بالمعهد الزراعي فليس هناك تخصص في الأجنحة، بل التخصص في الغرف فقط، اي هذه الغرفة مخصصة للأولاد وتلك مخصصة للبنات، وإدارة الحي لا تتدخل إذا أصحاب الغرف شكوها ووزعوها تاني، يعني لو جابت الشكة الدامه مع الولد والولد مع الدامه فهذا شأنهم.. لذلك غار طلاب معهد الإحصاء وأعلنوا الاضراب لمدة اسبوع من اجل مطالبهم (العادله) بالسماح بالزيارات المتبادلة بين الأولاد والبنات في غرفهم!!! فاستجابت ادارة الحي لمطالبهم ولكن سمحت فقط بزيارة البنات لأجنحة الأولاد، وفي غرفهم كمان، وليس العكس!! واستغربت لهذه العنصرية والتفريق في المعاملة، ولكن عذرت ادارة الحي لهذا التفريق في المعاملة عندما زرت اصدقاء لي من طلاب الإحصاء، فوجدت أن كل طالب له غرفة لوحده!! شفتو البرجوازية دي كيف؟ لكن الحمامات مشتركة، والحمامات (الدوش) ليس بها أبواب (من أصلو.. أي ليست مخلوعة الأبواب وإنما صممت هكذا بدون أبواب)!! يعني معاهم حق ما يسمحوا للأولاد بزيارة البنات في جناحهم!!

في الغرفة الجماعية وجدت ستة مغاربة وفلطسيني.. لأول مرة التقي بفلسطيني، وللأسف كان سيئاً للغاية، وكان يكرهني لأنني أؤدي الصلاة !! وعندما تمادى- وأنا كنت أترفع عن الرد عليه- رد عليه أحد الزملاء المغاربة وقال له: أراك تحمل على عمر، لماذا؟ وبعدها لم يتكلم معي حتى رحل من الغرفة، وكان يقول لأحد الزملاء السودانيين أنه فقط يؤمن بالقضية الفلسطينية، بمعنى انه لا يؤمن بالله، لا حول ولا قوة الا بالله، وقد ذكر له ايضاً انهم (في منظمة فتح) يخططون لقتل النميري والملك فيصل.. فقال له محمد السماني عبد الرازق: عايزين تمشو للأسد في عرينو؟ (يقصد الملك فيصل عليه رحمة الله).

أحد المغاربة- وكان يدرس في كلية الطب- أصبح صديقي، رغم انه انتقل بسرعة من تلك الغرفة الجماعية، إلا أنه ظل صديقي حتى هذه اللحظة! إنه مصطفى محفوظ من ابناء مدينة تطوان، وتطوان تلك إحدى المدن التي كانت مستعمرة من قِبل اسبانيا، لذلك كان سكانها محافظون الى حد كبير مقارنة ببقية المدن المغربية التي كان مستعمرة من قِبل فرنسا.. ومصطفى الآن بروفيسور جراحة العظام بكلية الطب بجامعة محمد الخامس، ودكتور في مستشفى بن سينا بالرباط، وقد عرفني ببعض ابناء تطوان منهم الأمين بوخبزه، وهو أيضاً دكتور في الفلسفة، وحالياً عضو البرلمان المغربي..



الصورة المرفقة تضمني وثلاثة من زملاء الغرفة الجماعية، لم أعد اذكر اسمائهم، إلا أن الطويل فيهم ربما كان اسمه الهاشمي، والصورة في الحي الجامعي السويسي الثاني حيث نبت الزهور البرية، وفي خلفية الصورة يظهر معهد الإحصاء المذكور أعلاه..

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
12-28-2010, 12:11 PM
الحلقة التاسعة والعشرين

لا وحبك لن تكون أبداً نهاية

.. نواصل ..

كانت غرفتنا تطل على خلاء شاسع ملئ بالحشائش والأزهار البرية، خاصة في فصل الربيع الذي يبدأ في مارس، وتهطل الأمطار طيلة فصل الشتاء، ويكون الجو طوال الشتاء ملبداً بالغيوم، بل أحياناً لا نرى غيوماً وسحاباً واضحاً كالذي نراه في السودان في فصل الخريف (مجازاً، وهو في الحقيقة فصل الصيف، فأمطار السودان صيفية، حيث لا يوجد في السودان غير فصلي الصيف والشتاء).. فعندما نطالع السماء فوقنا في الرباط لا نرى غير لون داكن، لا ندري هل هو سحاب ام ضباب! وعندما تهطل الأمطار تظل تهطل بالساعات وأحياناً بالأيام، وهي ناعمة وخفيفة، ونادراً ما تسقط بغزارة او بقطرات كبيرة كما يحدث عندنا في السودان.. وغالباً يصحب المطر ضباب، وترى بخار الماء يخرج من الأنف والفم مع التنفس- وهذا ما كنا نراه في الأفلام- وإذا دققت النظر الى اشياء أخرى تخرج من جسمك لرأيت هذا البخار أيضاً، وتفسيره العلمي أن البخار الذي يخرج من الإنسان يكون دافئاً، ودرجة حرارته أعلى من درجة الحرارة الخارجية، فيتكثف بخار الماء بمجرد ملامسته الهواء البارد..

وسأحكي لكم طرفة حدثت لزميلنا كمال شرف، فقد كان يدخن سيجارة وهو واقف في الشارع بانتظار الحافلة، ولاحظ أن السيجارة لا تنتهي، فهو يدخن وهي في حالها لا تنقص، فدقق في طرفها فوجدها قد انطفأت بفعل الشبوره، وهو لم يلاحظ ذلك إذ كان كلما شفط الدخان أخرج من فمه وأنفه البخار المذكور آنفاً، وليس دخان السيجارة كما كان يتوهم..

بعد انتهاء الشتاء ودخول فصل الربيع تطلع الشمس وينتشر الناس في الميادين والخلاء- مثل الذي يطل عليه الحي الجامعي السويسي- فتجد النساء ينشرن غسيلهن فوق الحشائش، بعد أن يحضرنه معهن من البيت حيث لا شمس، ويجلسن يتونسن وحولهن الأطفال يلعبون.. فهم لطول فصل الشتاء يتوقون للشمس، فما إن تظهر لهم في الربيع حتى يبتهجوا بهذا الجو الربيعي وينتشروا تحت أشعة الشمس الهادئة، ليست كشمسنا في السودان التي ترسل دبابيس صغيرة ولكنها حادة لتثقب جلودنا..

يفصل الخلاء الذي أطل عليه من شباك غرفتي بالحي الجامعي عن الحي الرباطي العتيق يعقوب المنصور، وهو حي شعبي عريق، وأرى من على البعد القطار وهو ينطلق متجهاً الى محطة الرباط أكدال.. كان منظراً رومانسياً، حيث الهدوء الشديد، فبالكاد كنت اسمع صوت القطار عندما يمر من هناك.. وكان الهدوء يزداد عندما يخلي الطلاب المغاربة الحي الجامعي في إجازات الربيع او إجازات العيد، فكنت تراني وحيداً أقف على تلك النافذة اتأمل هذا المنظر البديع (سأبحث عن الصور التي التقطتها في تلك الحقبة لعلي اجدها في بيتنا في السودان فأدرجها هنا).. وكانت روعة التأمل تكتمل عندما استمع لأغنية الراحل المقيم عثمان حسين يرحمه الله والتي ألفها الشاعر المرهف حسين بازرعه (لا وحبك):


لا وحبك.. لا وحبك لن تكون أبداً نهاية
لا وحبك يا وحيدي مستحيل أقبل نهاية
إنت عارف نظرتك كانت بداية
وما بتغير حبنا السامي وشاية
*****
كنت من أيام بتسأل عني خلاني وصحابك
وكنت تنظر أصف حسنك وأستجلي شبابك
رحت تغريني بحنانك ومرة تأسرني بعتابك
وقلبي في الحالتين سقيته المر في جنة عذابك
*****
حبنا أكبر من الدنيا وأطول من سنينها
فيه من وطني المسالم أحلى طيبة وأغلى زينة
وفيه من حريتي معنى وغنوة من روحك حزينة
يسعد العشاق صداها وتفرح الدنيا الحزينة
وبرضو يحصل تنسى حبي في النهاية
لا وحبك.. لا وحبك لن تكون أبدا نهاية

كنت أستمع لهذه الأغنية من ذلك المسجل الذي اشتريته من صديقي محجوب البيلي، كان المسجل موضوعاً على طاولة المذاكرة الحجرية، وكنت أقف في النافذة واسرح بعيداً مع هذه الأغنية الجميلة الحزينة.. وحتى هذه اللحظة عندما أسمعها أعود فوراً بذاكرتي الى تلك الأيام والى ذلك الشباك والى ذلك المنظر الذي يطل عليه الحي الجامعي السويسي الثاني.. وأحس بالفعل بأنني هناك الآن.. رغم مضي أربعاً وثلاثين عاماً، اي ثلث القرن.. فتدمع عيناي.. يالها من ذكريات، ويالها من أيام مضت ولكنها عشعشت في أعماق الذاكرة.. مهما طال بها الزمن فهي تنبلج من حين لحين كبرق في دجى ليلة مطيرة في ود مدني..



وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح

.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
12-29-2010, 12:05 PM
نواصل ..

الحلقة الثلاثون

إمتحان دورة يونيو ونهاية السنة الدراسية والاستعداد للسفر

جلسنا لامتحان دورة يونيو، وظهرت النتيجة، وتدافعنا- طلاب وطالبات- أمام لوحة الإعلانات بالكلية والتي ألصقت بها كشوف اسماء الناجحين، والحمد لله نجحت في الكتابي (3 مواد)، ولم يكن الناجحون من مجموع الممتحنين- ويزيد عددهم على 1500 طالب وطالبة- غير بضع عشرات، وبالتالي أصبحتُ مؤهلاً للجلوس للامتحان الشفوي- بعد شهر- وما أدراك ما الامتحان الشفوي، وكانت 8 مواد على ما أذكر، وطبعاً تقعد قدام الأستاذ او الدكتور ويلقي عليك الأسئلة، وفين وفين لما راسك تجّمع المعلومات وترتبها وتقولها، لذلك كانت اصعب امتحانات هي امتحانات الشفوي، وظهرت نتيجتها والحمد لله نجحت.. في الصورة المرفقة يظهر خلفنا جدار، هذا الجدار توجد خلفه لوحة الإعلانات.. الصورة تضمني ومحمد أبكر ومحمد السماني..

في إجازتي الأخيرة بالسودان (يوليو/ أغسطس 2010) كنت في زيارة للخريج عبد القادر سعيد، فوجدت عنده ورقة من السفارة المغربية في السودان توضح فيها أن درجة مقبول في المغرب تعادل جيد في السودان، ودرجة مستحسن تعادل جيد جداً، ودرجة حسن تعادل ممتاز.

ودخلنا في الإجازة الصيفية، وكان لابد من الرجوع للوطن في هذه الإجازة، لأننا في شوق رهيب للأهل وللوطن العزيز، وطلبت من أهلي إرسال تذكرة سفر على الخطوط السودانية (روما- الخرطوم) فقط، وعلى ما أذكر كان ثمنها عامذاك 40 جنيهاً وكانت في وقتها تساوي هذه الأربعون جنيهاً حوالي 120 دولار.. كانت رخيصة بالجنيه وبالدولار أيضاً، وكان الدولار يساوي 33 قرشاً، فقد اشتريت دولارات واصدرت ترافلر شيك (شيكات سياحية) بحساب 33 قرشاً للدولار حينما سافرت من الخرطوم للمغرب في نوفمبر 1975م، وكنا في المغرب نحسب الدرهم ريال (عشرة قروش) والعشر سنتيمات كنا نحسبها قرش، والخمسة سنتيمات تعريفه..

قد تتساءلون لماذا تذكرة من روما الى الخرطوم وليس من الرباط او الدار البيضاء الى الخرطوم!! ذلك أنني فكرت أن اسافر الى روما بالقطار!! قلت اتفسح شويه واشوف – ولو على الطائر- تلك القارة الجميلة التي تسمى أوروبا.. تصوروا من الدار البيضاء الى روما بتذكرة قطار واحدة.. تقدم.. تطور.. وفي أواسط السبعينات؟؟!! بالفعل قطعت تذكرة (الدار البيضاء- روما) بمبلغ 360 درهم (يعني 36 جنيه بحسابنا)..

وكان لابد من استخراج تأشيرة لاسبانيا ولفرنسا ولايطاليا، وقد تقدمت لسفارات تلك الدول، والحمد لله كلهم اعطوني التأشيرة بدون تعقيد- الدنيا كانت بخير زماااااااااان- بعد دفع الرسوم، والتي كانت معقولة أيضاً، طبعاً احتجت لتأشيرات هذه الدول لأنه لابد من المرور عبر اسبانيا وفرنسا للوصول الى ايطاليا للإقلاع منها الى الخرطوم، طبعاً كانت الخطوط السودانية تصل الى روما والى لندن، وكانت روما اقرب محطة للمغرب، أيام عز الخطوط الجوية السودانية (سودانير) وطائراتها البوينج 707 ، وكانتا طائرتين تسميان Blue Nile و White Nile..

بعد أخذ التأشيرات، اشتريت بعض الهدايا للأهل وبعض الملابس لشخصي ومستلزماتي الشخصية، وكذلك بعض المأكولات للسفر بالقطار، مثل الجبن والساردين، طبعاً المغرب ما فيها طحنيه، وإلا كان اهم شئ الطحنية في السفر.. الطحنية كانت من ضمن عفشنا حين العودة من السودان الى المغرب.. وطبعاً شراء المأكولات من المغرب الأرخص سعراً من اوروبا، وكذلك لتفادي أكل المحرمات في أوروبا..

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
01-01-2011, 02:26 PM
نواصل ..

الحلقة الحادية والثلاثين

مضيق جبل طارق

ركبت القطار المغربي الفاخر جداً (بالمقارنة مع القطارات الأوربية الفاخرة، فهو بالفعل فاخر جداً) من الدار البيضاء او من الرباط- لم اعد اذكر، لكن الغالب من الدار البيضاء، رغم ان القطار لابد ان يمر بالرباط- وكان القطار مريحاً وجميلاً وجديداً وفخماً، وكان الركاب بعضهم مغاربة وبعضهم خواجات، وكان سريعاً جداً..

ووصلنا الى طنجة، وكانت محطة القطار بجوار الميناء، فأخذنا حقائبنا وتوجهنا الى السفينة الراسية على ميناء طنجة، وتسابق الناس يصطفون أمام السقالة التي تتصل بالسفينة، وتسابقت معهم، ولا ادري لماذا يتسابقون، فالكل سيركب، واستغربت هذا الفعل من الخواجات، وعندما اصطف الناس- نساء ورجالاً- كان يضغطون بعضهم البعض نتيجة التدافع، والحمد لله أنه لم تكن تقف امامي أنثى..

ركبنا الباخرة، وكانت عبّارة – اي باخرة ركاب- وبعد ان استقررنا داخلها بالكراسي المصطفة على مساحة واسعة كالمسرح او كالقاعة الكبيرة.. وأبحرت بنا الباخرة عبر مضيق جبل طارق، وإليكم بعض المعلومات عنه استقيتها من مواقع عدة، فهذا المضيق البحري يقع بين شبه جزيرة إيبيريا من الشمال والساحل الإفريقي من الجنوب، ويصل بين مياه المحيط الاطلسي ومياه البحر الأبيض المتوسط، وعلى شواطئ المضيق تقع كل من المغرب واسبانيا ومنطقة الحكم الذاتي جبل طارق البريطانية، وسمي بذلك لأن القائد طارق بن زياد قد عبره في بداية الفتح الاسلامي لاسبانيا عام 711 م، وقد تحرف لفظ الاسم في اللغات الأوروبية حيث يسمى ب"جبرالتار" بالإنكليزية أو "خبرالتار" بالإسبانية، ويبلغ عمق المياه فيه حوالي 300 متر، وأقل مسافة بين ضفتيه هي 14 كيلومتر، ويعتبر من أهم المعابر البحرية في العالم.

أما شبه جزيرة جبل طارق التي ظهرت لنا من ميناء طنجة فتقع في جنوب أوروبا وعاصمتها مدينة جبل طارق، وتمتد جنوبي غرب الساحل الإسباني فتطل على البحر المتوسط، وترجع تسميتها إلى القائد العربي طارق بن زياد كما أسلفنا، وقد تصارع البريطانيون والهولنديون عام 1704 م للاستيلاء على مضيق جبل طارق إلى أن تمّت اتفاقية اوترخت عام 1713 التي منحت بريطانيا حق امتلاك جبل طارق، فجعلته قاعدة عسكرية بحرية وجوية.

طالبت إسبانيا باسترجاع جبل طارق فرفضت بريطانيا، فمنحت جبل طارق قدراً من الحكم الذاتي منذ عام 1964 وانضمت للجموعة الأوروبية عام 1973. وفي سنة 1988 تولت حكومة اشتراكية الحكم فيها. وفي عام 1991 اتفقت بريطانيا وإسبانيا على اقتسام السلطة فيها بالتساوي، غير أن الحكومة طالبت بالاستقلال. وما زال الخلاف قائماً.

مساحتها: 5,600 كلم2 وعدد سكانها: 31,000 وأهم مدنها: جبل طارق
دياناتها: 85% مسيحيون، 8% مسلمون، 2% يهود.

عملتها: جنيه جبل طارق وجنيه استرليني واليورو، ومتوسط دخل الفرد: 10,000 دولار.

وبعد حوالي الثلاث ساعات من الإبحار عبر المضيق وصلنا الى الجزيرة الخضراء، او الجزيراس أو الخسيراس حسب النطق الاسباني..


مرفق صورتان منقولتان:


الأولى لجبل طارق من بعيد، ودونه يظهر المضيق، وعلى ما يبدو هي ملتقطة من جهة الساحل المغربي، ويبدو مراكبي مغربي على مركبه..

http://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/6383.imgcache.jpg

والثانية منظر عام لمدينة جبل طارق

http://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/6384.imgcache.jpg

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
01-02-2011, 12:16 PM
نواصل

الحلقة الثانية والثلاثين

الجزيرة الخضراء


أبحرت بنا الباخرة عبر مضيق جبل طارق وكان البحر هادئاً نسبياً إذ كنا في فصل الصيف، والمضيق يقع في منطقة بعيدة عن أعالي البحار سواء المحيط الهادي او البحر الأبيض المتوسط، فهو ملتقى هذين البحرين، وكان الجو لطيفاً وليس حاراً، فهواء البحر كان عليلاً..

وبعد إبحار ثلاث ساعات بدأنا نقترب رويداً رويداً من الجزيرة الخضراء التي تحرف اسمها الى (الجزيراس) ثم حسب نطق الاسبان للجيم التي يقلبونها خاء يصبح الاسم (الخسيراس)، ثم رست العبارة في ميناء الجزيرة الخضراء التي كانت بالفعل خضراء وجميلة.. وهبطنا من الباخرة الى أرض الميناء، وإليكم نبذة مختصرة عن الجزيرة الخضراء استقيتها من موقع ويكيبديا:

الجزيرة الخضراء (بالإسبانية: Algeciras‏) هي إحدى بلديات مقاطعة قادس التي تقع في منطقة الأندلس جنوب إسبانيا. يبلغ عدد سكانها 106.710 نسمة وفقاً لإحصائية سنة (2002).

ولد فيها محمد ابن إبي عامر (الملك المنصور) كما عسكر فيها جند المرابطين لإنقاذ الأندلس وإلتقى فيها يوسف بن تاشفين والمعتمد بن عباد.

في أواخر سنة 769 هـ ضم محمد الخامس من بني نصر إلى أملاكه مدينة الجزيرة الخضراء وحررها من النصارى الذين تمكنوا باحتلالها وقطعوا الصلة بين المغرب والأندلس. سقطت سنة 743 هـ. بعد أن تم تدمير المدينة في 1379 تحولت المدينة إلى ركام مهجور تماما، إلى أن بدأ إعادة توطين المدينة بدخول منفيين من جبل طارق. رغم ذلك لم يمثل اللاجئين زيادة كبيرة في عدد السكان، بحكم أن منهم من استقروا في البلدة المجاورة سان روكي.

مرفق صور منقولة من موقع ويكيبديا أيضاً، الأولى Vista de la Plaza Alta

http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=736&d=1289391909

والثانية Central square

http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=735&d=1289391671

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
01-03-2011, 11:07 AM
أعيد إدراج الصورتين في المشاركة السابقة، فهي لم تظهر عندي، وهما:

الأولى Vista de la Plaza Alta


والثانية Central square

عمر حسن غلام الله
01-03-2011, 11:53 AM
الحلقة الثالثة والثلاثين

الرحلة الى مدريد

بعد أن هبطنا أرض الميناء وجدنا محطة القطار داخل الميناء- كما في طنجه- وركبت القطار المتجه الى مدريد.. لم يكن هذا القطار رغم فخامته يرقى الى مستوى القطار المغربي.. وعلى ما أذكر كان المساء قد حل عندما انطلق بنا القطار الاسباني، ولم أعد أذكر كم قضينا في هذا القطار حتى وصلنا الى مدريد، ولم أعد أذكر تفاصيل أخرى، ربما لأنني كنت نائماً طيلة الرحلة، او لأنه ليس هناك شئ قد حدث يستحق ان يرسخ في الذاكرة او لأن الظلام كان دامساً فلم نر ما بالخارج..

المهم وصلنا أخيراً الى مدريد، وما أدراك ما مدريد.. بمجرد ان نزلت من القطار وجدت مكاتب متراصة مهمتها حجوزات الفنادق، فتوجهت للذي مكتوب على لافتته باللغة الانجليزية، اي ان من به يتعامل باللغة الانجليزية، وكذلك الفنادق التي يحجز لها بها اناس يتكلمون الإنجليزية- والانجليزية نادر من يتحدث بها من الاسبان، وقد فهمت فيما بعد من الذين التقيتهم في اسبانيا ان من يتحدث منهم بالانجليزية فهذا شخص هام ويحق ان يفاخر بذلك..

المهم عرض عليّ الموظف في المكتب عدة خيارات من الحجوزات، فاخترت احدها وهي معقولة السعر وتتماشى مع وضعي المادي، ولا أذكر المبلغ بالضبط ولكن لم تكن غالية، ربما كانت قريبة مما في المغرب.. دفعت له المبلغ، فسلمني الإيصال واعطاني خريطة لأصل بها الى الفندق (البنسيون أو اللوكاندة كما نسميها في السودان)، وشرح لي كيف اصل، وبالفعل كان مدخل المترو على مقربة من بوابة محطة القطار، مجرد خطوات الى السلم المؤدي الى باطن الأرض حيث المترو، وحسب الخريطة وإرشادات موظف المكتب ركبت المترو المحدد ونزلت في المحطة المحددة وخرجت الى ظاهر الأرض ولم يكن مقر الفندق بعيداً عن محطة المترو التي نزلت فيها.. فبعد مشي على الأقدام لمسافة قصيرة في شوارع عتيقة وعمارات كلاسيكية وصلت الى الفندق، فدخلت ووجدت موظف الاستقبال فسلمته الإيصال وأخذ جواز سفري وسجل المعلومات، وأعطاني مفتاح غرفتي، فدخلتها ووضعت شنطتي وأكلت بعض ما اشتريته من المغرب وكان زادي في رحلتي، على ما أذكر جبنة مثلثات وساردين وشئ من هذا القبيل، أويت بعد ذلك الى فراشي الوثير لأنام لأول مرة لي في سرير في أوروبا..

وأرفق لكم صورة لمنظر عام لمدريد (منقوله)

وصورة أخرى (منقولة) لـ Plaza de sol في مدريد




وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح

.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
01-04-2011, 04:54 PM
نواصل ..

الحلقة الرابعة والثلاثين

مدريد.. يا لروعة المدينة


بعد أن نمت نوماً قلقاً غير مريح بسبب الإرهاق من السفر، استيقظت وخرجت الى الشارع.. كانت مدريد رائعة جداً ونظيفة، وقد لاحظت أن شوارعها الداخلية التي بين العمارات مرصوفة بطوب اسود (يشبه الطوب الأحمر المحترق في الكمينة، فيصبح أسوداً وأملساً وملتوياً بسبب شدة الحرارة- اللهم قنا عذاب النار)، فكان عامل النظافة يستخدم خرطوم اطفاء الحريق المركب في الشوارع ويفتح الماء من الصنبور (المخصص للحريق أيضاً) فيندفع الماء بقوة، وفي ثواني يكون قد غسل الشارع لقوة اندفاع الماء ولكبر حجم الخرطوم.. وكان يتم غسيل الشوارع في الليل بعد ان تخف الحركة فيها..

عمارات مدريد من الطراز القديم خاصة في وسط المدينة، تجولت في شوارعها القريبة من النزل (البنسيون)، كنت اقف متأملاً مدخل العمارات لأن فوق المدخل يكتبون تاريخ انشائها، فأبحلق مشدوهاً بتاريخ مثل 1882م، 1870م بمعنى أن تلك العماره التي اقف امامها عمرها قرابة القرن أو أكثر من القرن، وما زالت مسكونة وجميلة وفخمة، نعم لم تكن تلك العمارات عالية كعمارات اليوم ولكنها ضخمة، اي مساحتها كبيرة والحجارة التي بنيت بها ضخمة..

اثناء تجوالي كنت اتفرج على المحلات التجارية من الخارج، وطبعاً كل واجهات المحلات التجارية من الزجاج، وخلف الزجاج تجد المعروضات كالملابس على موديلات (اي مجسمات بلاستيكية)، وأذكر انني وقفت امام زجاج احدى المحلات وانا اتفرج على الملابس المعروضة في تلك المجسمات، وكانت ملابس نسائية، وبالتالي كانت الموديلات تماثيل نساء، وتصادف أن كانت العاملات في المحل يبدلن الملابس على هذه الموديلات، فيخلعن الفستان او البلوزة او الاسكيرت ليضعن أخرى محلها.. والى هنا والأمر عادي، ولكن بدأن يخلعن الملابس الداخلية للموديلات، وفي هذه اللحظة التفتن اليّ ثم ضحكن.. ضحكة ذات مغزى..

تجولت حتى أحسست بالجوع، فبحثت عن مطعم فلم اصادف مطعماً، وزادت حدة الجوع، وفي النهاية وجدت بار وفي الفاترينه صحون صغيرة بها بعض الأشياء التي تؤكل.. نظرت فيها جميعاً فلم اجد شيئاً معروفاً لدي او مفهوماً غير سمك صغير.. صغير جداً.. ربما كان في حجم طرف اصبعي الصغير، ولكنه يشبه السمك الكبير تماماً.. وبما انني لم اكن اعرف اللغة الاسبانية فقد تعبت في البحث عن مطعم، فلم استطع سؤال الاسبان، وعندما وجدت هذا البار لم استطع افهامهم انني اطلب طعاماً، فما كان لي إلا ان طلبت من هذا السمك (البعيو)، فأعطوني قليل منه في صحن صغير يشبه صحن الكباية، فطلبت خبز، لحسن الحظ أن لديهم خبز، فبدأت آكل ذلك السمك البعيو مع الخبز، فأحسست به ناشفاً ولا لحم فيه، وكان يجرحني في حلقي عندما ابتلعه لقسوته، فاضطررت أن أبلعه بالخبز، المهم في النهاية كأنني أكلت خبزاً حافاً (الله ينعل الجوع)..

خلاص اكلت ولابد ان اشرب لينزل الخبز الناشف والسمك الأنشف من حلقي ومن فم المعدة.. كيف أطلب الماء، قلت للعامل الذي يقف خلف الكاونتر بالانجليزية اريد ماءأً، ثم بالفرنسية، فلم يفهم، سألت من على يميني هل يتكلم الانجليزية، قال لا، قلت له هل تعرف الفرنسية فاشار برأسه نافياً، سألت من على يساري نفس الأسئلة ورد بالنفي عليها.. اشرت بيدي علامة الكأس ورفعت يدي الى فمي، اي اريد ماء اشربه، فأمسك البائع بزجاجة الخمر، فهززت رأس علامة النفي، ثم أشرت بيدي كمن يفتح صنبوراً او حنفية، فتوجه نحو برميل البيره الذي يصب البيرة عبر صنبور، فهززت رأسي بالنفي ايضاً.. كيف أفهم هؤلاء بأني أريد ماءاً.. ولأنه لا يوجد ماء في هذا المكان لم استطع ان اشير اليه لأفهمهم، ولم يعرفوا لغات، ولم يفهموا لغة الاشارات.. بعد لأي وجهد فهموا قصدي- لا أدري كيف فهموه- فأشاروا الى مكان في ناحية البار، فتوجهت اليه فإذا هو الحمامات اكرمكم الله، وكان لابد مما ليس منه بد، اضطررت للشراب من حنفية الحمامات.. لأنهم لا يشربون في البار الماء، بل البيرة او الخمور.. الله ينعل ابو العطش..

وإليكم صورة (منقولة) لتماثيل في مدريد، وبالتحديد في بلازا دي اسبانيا


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
01-05-2011, 12:16 PM
نواصل ..

الحلقة الخامسة والثلاثين


نبذة عن مدريد


أنقل إلكم نبذة عن مدريد نسختها من موقع الويكيبيديا قبل أن أواصل ذكرياتي بها، فمدريد هي عاصمة مملكة إسبانيا وأكبر مدنها. عدد سكانها يقارب الـ 3 ملايين نسمة و حوالي 6 ملايين نسمة مع ضواحيها. تعد ثالث أكبر مدن الإتحاد الأوروبي بعد لندن وبرلين. بها مقر الحكومة الإسبانية والعائلة المالكة وأهم شركات البلاد وست جامعات حكومية والعديد من المعاهد العليا. تعتبر مدريد من أحد أهم مدن أوروبا استراتيجيا وثقافيا واقتصاديا. تضم متحف ديل برادو ونادي ريال مدريد لكرة القدم الشهيرين.

الموقع
تقع مدريد في وسط إسبانيا في منطقة قشتالة التاريخية ويخترقها نهر صغير يدعى مانزانارس. تقع سلسلة جبال سييرا دي غواداراما إلى الشمال الغربي من المدينة، التي يصل علوها إلى 2429 متر فوق سطح الأرض في قمة بينيالارا. إلى الشرق يقع وادي هينارس، الذي تمر فيه طرق برية وسكك حديدية تربط مدريد بسرقسطة وبرشلونة. على بعد 50 كم تقريبا إلى الجنوب، تقع العاصمة القديمة لمملكة كاستيا والمدينة الأم لمدريد مدينة توليدو.

المناخ
مناخ مدريد قاري مع صيف حار وجاف وشتاءا باردا نسبيا. ذلك يرجع إلى ارتفاعها عن سطح الأرض بمعدل 665 متر وبعدها عن ساحل المتوسط أو المحيط الأطلسي. تتراوح درجات الحرارة في شهر يوليو معدل ال 26.2 درجة مئوية، بينما هي 6.4 درجة مئوية في شهر يناير.

تاريخ مدريد
تعتبر مدريد مقارنة مع العواصم الأوروبية الأخرى مدينة حديثة العهد، حيث يرجع تاريخ تأسيسها إلى ما بين 852 و886 حين تم إنشاء قصر صغير (بالتسمية الإسبانية: ألكازار) من قبل المسلمين لأحد أمراء قرطبة في مكان القصر الملكي الحالي في مدريد. سميت المنطقة المحيطة ب "مجريط" أي المجاري او منبع المياه. كان المكان مسكون من قبل المسلمين وقلة من اليهود و المسيحين الي ان سيطر عليها عن طريق الملك ألفونسو الرابع اثناء زحفه إلى طليطلة وتم ترحيل العديد من سكان المنطقة المسلمين واليهود منها و تحويل مسجدها إلى كنيسة. آل حكم مدريد إلى مملكة قشتالة في عام 1081. حوصرت المدينة مجددا في عام 1109 من قبل قوات المرابطين المسلمين بقيادة علي بن يوسف بن تاشفين ولكنهم فشلوا في الاستيلاء عليها. أسوار المدينة التي بناها المسلمون مازالت قائمة حتى الآن. انعقد "كورتيس دي كاستيليا" (Cortes de Castilla) أو برلمان كاستيا تحت رئاسة الملك فرديناند الرابع فيها في عام 1309.

نقل برلمان الدولة الإسبانية في عام 1561 ولاحقا مقر إقامة الملك في عام 1588 من مدينة توليدو إلى مدريد من قبل فيليب الثاني. اعتبرت مدريد بعد ذلك عاصمة إسبانيا وبدأت بالنمو والصعود لتأخذ مكانتها كأهم مدينة في البلاد. بين عامي 1701 و1713 نشبت حروب الخلافة الإسبانية، التي تنازعت فيها عدة أطراف أوروبية على أحقية حكم إسبانيا بعد موت ملك إسبانيا تشارلز الثاني. سيطر بموجبها الإنجليز والبرتغاليون على المدينة في عام 1706. كما سيطر الفرنسيين على مدريد بين عامي 1808 و1813، حين أعلن وقتها جوزيف أخو نابليون بونابرت ملكا على إسبانيا. قام الفرنسيون بهدم عدد من الكنائس وحتى أحياء كاملة من مدريد لفرض سلطتهم ولإيجاد مكان لمنشآتهم. ثار أهل مدريد في 2 مايو 1808 ضد المحتل ولحقها بعد ذلك معظم المدن الإسبانية الكبيرة. تعطل المحال والدوائر الرسمية الآن في مدريد في هذا اليوم احتفالا بذكرى هذه الثورة.

بين عامي 1833 و1876 نشبت الحروب القشتالية وساهم وباء الكوليرا بالقضاء على الكثير من سكان مدريد في نفس الفترة. أعلنت أول جمهورية في البلاد في المدينة عام 1873 من قبل الديكتاتور إيميليو كاستيلار ولاحقا في عام 1923 من قبل الجنرال ميغيل بريمو دي ريفيرا. أعلنت الجمهورية الثانية في مدريد في 14 أبريل 1931. اندلعت الحرب الأهلية الإسبانية بين 1936 و1939 وكانت مدريد فيها تحت سيطرة الجمهوريين حتى 28 مارس 1939. ساهمت الطائرات الحربية الألمانية والإيطالية بقصفها بشكل واسع أثناء الحرب، حيث كان هذان البلدان يدعمان القوميين بقيادة الجنرال فرانكو ضد الجمهوريين. تمكن فرانكو من فرض سيطرته على المدينة وعلى البلاد ودام حكمه حتى 1975 وشهدت مدريد في هذه الفترة نموا كبيرا. قام العمال والطلاب بتنظيم سلسلة من الإضرابات في آواخر الستينات وآوائل السبعينات.

رتب فرانكو الأمور بعد موته لعودة الحياة الديمقراطية ولتنصيب الملك خوان كارلس الأول على عرش البلاد، وفعلا تم ذلك في 1975 عند مات فرانكو . نظم بعض الضباط العسكريين إنقلاب عسكري يدعى (23-F) في 23 فبراير 1981 مما هدد عملية إعادة الديمقراطية للنظام السياسي الإسباني ولكن سرعان ما فشل الإنقلاب وأعيدت الأمور إلى مجاريها. أعلنت مدريد عام 1992 كعاصمة ثقافية لأوروبا. عانت المدينة من سلسلة هجمات إرهابية في 11 مارس 2004 نفذت على بعض خطوط السكك الحديدية، مما أدى إلى مقتل حوالي 191 شخص. اتهمت الحكومة الإسبانية المتشددين الإسلاميين المقربين من حركة القاعدة بتنفيذ العمليات. يربط البعض هذه العمليات بدعم إسبانيا لحرب الولايات المتحدة الأمريكية على الإرهاب وقتها. خسرت مدريد عام 2005 سباق التنافس على تنظيم الألعاب الأوليمبية 2012.

رياضة
مدريد هي المكان الاصل لريال مدريد احدى الفرق المعروفة في كرة القدم العالمية . ومنافسها من المدينة نفسها هي اتلتيكو مدريد . وفي المدينة فرقتان تلعب في الدوري العالي لكرة السله ACB الأسبانية . وايضا يوجد في المدينة طريق سباق الفورملا 1 وايضا فيها طريق لسباق الدراجات الهوائية تور دي فرانس .

إليكم بعض الصور لمدريد منقولة

http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=752&d=1290508387


http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=751&d=1290507986

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
01-07-2011, 05:51 PM
نواصل ..

الحلقة السادسة والثلاثين

تعرفت على سوداني بمدريد


عندما تجولت اكثر في مدريد عرفت اين توجد المطاعم، فدخلت مطعماً وطلبت الشئ الذي لا يمكن ان يكون لحم خنزير، وهو الدجاج، فأحضروا لي مع الدجاج شرائح بطاطس مقلية (شيبس)، وكسروا بيضة فوق طرف البطاطس الحار، فأصبحت البيضة ثُمن استوا (على وزن نص استوا)، يعني فقط استوت بسخانة البطاطس الذي خرج للتو من المقلاة، أكلته لأنني كنت جوعان، ووجدته روعة، ومنذ ذلك الحين أصبحت اطلب البيض (ربع استوا) طبعاً لو طلبت بيض مقلي في السودان وقلت ليهم نص استوا حيجيبوهو ليك شبه قراصه، يعني لا نص استوا ولا يحزنون، فاصبحت اقول لهم ربع استوا، لكن برضو مافي فايدة، ولما اعملو براي في البيت مافي زول بياكلو معاي، كلهم يقرفوا من منظر البيض السائل او شبه السائل وانا آكله..

بعد الانتهاء من الأكل أحضروا لي فاتورة الحساب، وبما أنني لم افهم بعد عملتهم فقد مددت يدي بمجموعة من القطع المعدنية فبدأ يلتقط منها ثمن الوجبة، لكنني أحسست أنه أخذ أكثر مما يستحق، لكن لابد من ثمن للتعلم، وكمان المعيشة رخيصة نوعاً ما في اسبانيا في ذلك الزمان (1976م)، وأهم من الأكل احضروا لي ماء للشرب (ما من الحمام أعزكم الله)، كذلك اثناء تجوالي في مدريد وجدت كثيراً من صنابير مياه الشرب (زي سبيل يعني، بس سبيل حكومي، الظاهر عاملاه البلدية) تجده في شكل مجسم مبني ومقوس (يشبه المحراب) وتخرج منه الحنفية المخصصة لمياه الشرب، وهي بالطبع باردة وحلوه.. اخيراً عرفت كيف ومن اين اشرب الماء النقي..

من بداية كتاباتي عن اسبانيا وأنا أحاول أن أتذكر كيف التقيت بأحد الطلاب السودانيين، ويدعى محمد الأمين، ولم افلح حتى هذه اللحظة في التذكر.. ولكن أتصور أنني التقيت شخصاً افريقياً (وجدت صورة تضمني وشخص افريقي وأعتقد أنه هو الشخص المقصود، وأرفقت الصورة هنا وهي في وسط مدريد، ومرفق صورة أخرى وأنا جالس على كنبة في أحد شوارع مدريد وتبدو فتاة اسبانية جالسة في الكنبة) واللون حن، وأظن هو من أبلغني أنه يعرف سوداني ويدرس معه (أو شئ من هذا القبيل، المهم انني التقيت هذا السوداني، وجاء معي الى البنسيون، ويبدو ان مدير البنسيون الذي لم ارتح له كان ايضاً يبادلني نفس الشعور، فما إن رأي محمد الأمين معي حتى هاج وماج (بطريقة أوروبية وليس بطريقة عربية افريقية سودانية، يعني ببرود)، فهاج صاحبي محمد الأمين (بطريقة سودانية) ورطن معه بالاسبانية، فأصبحت اهدئ من صاحبي، ولكن دون جدوى، وكانت النتيجة أن قال لي المدير بالانجليزية انه لن يجدد لي الاقامة في البنسيون بعد انتهاء المدة التي أخذتها من المكتب الذي في المحطة..

كان محمد الأمين يسكن مع إمرأة عجوز في شقتها، وهناك نظام معمول به في اوروبا، وهو ان تؤجر أرملة غرفة في شقتها لطالب او طالبة او عازب او عازبة، منها دخل مادي لها، ومنها ونس ورفقة، وذهبت معه الى مكان سكناه، ورأيت صاحبة الشقة التي مات زوجها منذ فترة وجيزة.. وعلمت ايضاً أن مثل هؤلاء لا يفضلون الزيارات لمن يسكنون معهم.. ولم يكن طبعاً في نيته ان يسكنني معه..

لكنه أخذني الى شباب يستأجرون شقة كاملة، وكان بعضهم في اجازة في السودان، لذلك كان هناك مجال لأن أسكن معهم بقية ايامي- وهي حوالي ثلاثة او اربعة ايام- ورغم انني تحسست من السكن معهم الا انه اصر، وقال لي ان الشقة شبه فاضية، وان الشباب طيبون ومضيافون، وجاء معي الى البنسيون وأخذت شنطتي وركبنا مترو الأنفاق، ومن مترو لمترو – فكنا نركب أحد الخطوط حتى محطة معينة، ثم ننزل منه لنأخذ خطاً آخر، وقد لاحظت أن مستويات أنفاق المترو مختلفة، فبعضها تحت الأرض ويمكن ان تسميه ناقص واحد تنزل له من سطح الأرض بسلم، لكن قد يكون هناك مستوى آخر تحت المستوى الأول، تنزل اليه بسلم آخر، ويمكن أن تسميه ناقص اثنين، وهكذا .. أخيراً وصلنا الى المحطة المعنية، وخرجنا من تحت الأرض، ووجدنا أنفسنا في أطراف مدريد حيث يقيم هؤلاء الطلاب، وبخلاف وسط مدريد فإن العمارات هنا حديثة وشاهقة، ولأول مرة أرى نظام جرس الباب الموصل بميكروفون داخل الشقة حيث يتحدث اليك الساكن من شقته التي قد تكون في الدور العشرين او الثلاثين وانت في البوابة، ثم يفتح لك الباب بضغطة زر من عنده.. طبعاً بعدها بقليل او ايامها ربما، ظهر مع هذا النظام نظام اكثر تطوراً وهو نظام الكاميرا، فيراك من بداخل الشقة وانت على مدخل العماره قبل ان يفتح لك الباب، وذلك عبر شاشة موجودة في شقتك، وكاميرا موجودة عند مدخل العمارة..



وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
01-08-2011, 05:42 PM
نواصل ..

الحلقة السابعة والثلاثين

طلاب سودانيون في مدريد

فتحو لنا الباب الخارجي للعمارة وصعدنا بالمصعد الى شقتهم في الدور السادس عشر او السابع عشر لا أذكر، ودخلنا الشقة، فوجدنا فيها طالبين سودانيين وفتاة أمريكية هي صديقة أحد الطالبين، كان أحدهما اسمه الرشيد، والآخر عثمان، وعلى ذكر اسم الرشيد، كنت أعرف أن شقيق زميلي في المدرسة الأهلية وفي مدني الثانوية طارق بابكر عبد الحي، أن شقيقه يدرس في اسبانيا، بل وقد سافر اليه طارق في إحدى إجازات المدرسة عندما كان في الصف الثاني ثانوي، وقد سألت عنه هذين الطالبين فقالوا لي أنه يقيم في برشلونه، وعلى ما أذكر انه حالياً (في زيارتي تلك) في اجازة في السودان..

بالفعل رحب بي الرشيد وعثمان والأمريكية (سالي)، وقضيت معهم يومين او ثلاثة غاية في الروعة، وأذكر ان في الشقة المقابلة لهم كان يسكن طالب فلسطيني، وكثيراً ما كان يأتي الى السودانيين في شقتهم ويتونس معهم.. وفي إحدى المرات كنت جالساً معهم في الصالة، هذا الفلسطيني والرشيد وسالي، وكنا نتونس، وقد لاحظت أن قدم الفلسطيني كانت تنقر باستمرار تحت المقعد الذي تجلس عليه سالي، وكان كنبه (Sofa) يجلس في طرفها الآخر الرشيد صديقها، وكان لتلك النقرة معنى، وأحست سالي بذلك، وعندما تمادى انتهرته، فكف عما كان يفعل.. ولم يطرف له جفن، ولم نحس بأنه خجل من فعلته او من تلك النهرة، والرشيد لم يقل له شيئاً..

بعد قليل دخلت المطبخ لأعد شاي، وأذكر بوضوح ان سالي تبعتني الى المطبخ وشكت الىّ بصوت هامس حتى لا يسمع من بالصالة، شكت الى مُرّ الشكية من هذا الفلسطيني، فقالت انه قبل ايام كان جالساً كجلسته هذه مع الجميع، فاستأذن الرشيد ليخرج، فخرج هو ايضاً، وبعد قليل رجع مرة اخرى وقال لها انت وحدك؟ وكلام من هذا القبيل، فطلبت منه الخروج، وقد فهمت قصده ومرامه، ويبدو أنه لم ييأس فعاد يفعل حركات صبيانية لا معنى له.. قلت هذا ثاني فلسطيني أقابله في حياتي- الأول زميل الغرفة في الحي الجامعي السويسي الثاني في الرباط- واستغربت أن يكون بالدنيا مثل هؤلاء، وكنا نتعاطف مع الفلسطينين وقتها- وما زلنا- ولكن هناك افراد منهم في غاية الغرابة..

وحتى لا أنسى، فقد ذكر لي محمد الأمين الذي زارنا في المغرب فيما بعد- ربما في السنة التالية- وعندما سألته عن اصحابي الذين نزلت معهم في شقتهم في مدريد قال لي أن الفلسطيني عمل فيهم مقلب، كيف؟ قال لي أنه كان معه فتاة في شقته، ولسبب ما ارتفع صياحهم، فاتصل الجيران بالشرطة- في اوروبا اذا طلع صوتك بعد الساعة 10 بالليل يشتكيك الجيران للشرطة بدعوى الإزعاج- المهم جاءت الشرطة ووجدت عنده ما وجدت (بينها مخدرات).. المهم لشئ في نفسه جاب سيرة السودانيين، فما كان من الشرطة الإسبانية الا أن كسرت باب شقة السودانيين ووجدتهم نياماً واعتدت عليهم بالضرب واخذتهم للمخفر، وقضوا هناك حوالي اسبوعين دون ان يثبتوا عليهم شئ، وكتبت الجرائد الاسبانية بالخطوط العريضة ما معناه (السودانيين والمخدرات)، وجاء سفير السودان بروما – إذ لم يكن في اسبانيا وقتها سفارة- وقابلهم ووعدهم برد اعتبارهم، ويبدو ان شيئاً من ذلك لم يتم، في النهاية طلعوا براءة، ولكن بعد البهدلة والفضائح التي لا ذنب لهم فيها وإنما كان السبب ذلك الجار الفلسطيني الذي أبت نفسه إلا أن يشاركوه فضيحته..

إرفق لكم صورة فيها شخصي (على يمينك) ثم الرشيد، ثم عثمان، وأمامنا سالي الأمريكية.. طبعاً كما تلاحظون كلنا خنافس، والصورة في بلكونة شقة الرشيد وعثمان بمدريد، ويظهر جانب من العمارات المجاورة على يساري، واعتقد ان الذي التقط الصورة هو محمد الأمين.. وتاريخ الصورة 31 يوليو 1976م..

http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=753&d=1290934230

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
01-09-2011, 05:33 PM
نواصل ..

الحلقة الثامنة والثلاثين

ساحة اسبانيا قلب مدريد

بصحبة محمد الأمين- وهو من العاصمة ولكن خالته في مدني، وهي زوجة المرحوم الشاذلي مدير مركز التدريب المهني بمدني في السبعينات، وقد أرسلني لهم أبان اجازتي في السودان فتعرفت عليهم في منزلهم الكائن بالدرجة جوار مركز التدريب المهني- تعرفت على سوق الخضر والفاكهة في مدريد، فكنا نشتري منه الفاكهة بدلاً عن البقالات الغالية، فنحملها معنا ونحن نتجول ونقزقز بها طيلة الطريق، ونشرب الماء من ذلك الشئ الذي يشبه السبيل الذي وصفته لكم سابقاً.. كذلك عرفت طريق الغسالات العامة- كان هذا قبل أن انتقل الى شقة الطلاب الرشيد وعثمان- والغسالات العامة نظام أراه لأول وآخر مرة- سوى في الأفلام- وهو مكان فيه مجموعة من الغسالات الفل اوتوماتيك، مختلفة الأحجام، فتختار ما يتناسب مع عدد ملابسك، وتدخل قطعة من العملة المعدنية فتفتح لك الغسالة وتضع ملابسك والصابون اللازم، ثم تدير مفتاح التشغيل وتنتظر، فتقوم الغسالة بالغسل والشطف والعصر والتنشيف، ولا عامل يديرها ولا موظف كاشير ياخد الفلوس، كله Self Service ..

أكثر مكان اعجبني في مدريد القديمة هو ساحة اسبانيا (Plaza de Espana)، فهي تعتبر قلب مدريد، ومنها تستطيع رؤية قصر خوان كارلوس ملك اسبانيا، وهو تحفة معمارية تحيط بها حدائق غناء ومياه متدفقة ونوافير.. وايضا ساحة اسبانيا تمتاز بكثرة النوافير بها، وكذلك كثرة التماثيل، فغالباً ما تكون بعض النوافير محاطة بتماثيل لحيوانات او بشر تخرج من افواهها المياه، وفي كل ميدان او ساحة تجد التماثيل، وهي تماثيل عتيقة كثير منها من البرونز، وبعضها من الحجارة، وكلها منحوتة بدقة متناهية..

عرفني محمد الأمين ببعض الطلاب الآخرين، منهم واحد نسيت اسمه، ولكنه من ابناء حي السجانة بالخرطوم، اسمر اللون، طيب القلب، ضحوك وصاحب نكتة، ذهبت معه مرة الى معهد تعلم اللغة الاسبانية الذي يدرس فيه تمهيداً للدراسة الجامعية، وقد رأيت لأول مرة نظام الكرسي الملحق به طاولة -أي مكان تسند يدك اليمنى- فهناك حديدة معلق عليها خشبة مسطحة تضع فيها دفترك وتكتب عليها، فإذا ما فرغت من الكتابة رفعتها قليلاً وحررتها من مقبض معين فتنزل بشكل رأسي، وهذا توفير للمساحة وللأثاث أيضاً، وهنا يتم الاستغناء عن الطاولة او الدرج ويكتفى بكرسي فقط.. وقد علقت لصاحبي هذا- عندما لاحظت ان الخشبة المسطحة تلك والتي هي بمثابة درج او طاولة كتابة- عندما لاحظت انها على الجانب الأيمن من الكرسي، فقلت له لو أن احد الطلاب أيسر أو (أعسر) لشرب المقلب.. فضحك كثيراً على تلك الملاحظة التي اعتبرها ملاحظة ذكية لم يلاحظها احد من قبل.. وقد علمت فيما بعد من محمد الأمين ان صاحبي هذا قد مكث في المستشفى شهوراً عديدة نتيجة اصابته بأمراض البرد، وكما اسلفت فإن البرد هناك إذا لم تنتبه له فسيؤذيك كثيراً بدءاً من اطراف الأصابع، حيث يجعلها تتفصد ولا تبرأ لشهور عدة- لذا وجب لبس القفازات السميكة- وانتهاء بأمراض الصدر، نرجو ممن يعرف شخص من السجانة كان في مدريد في اواسط السبعينات ان يخبرنا، لعلنا نعرف اخباره، كذلك الأخ محمد الأمين وايضاً الأخوة رشيد وعثمان..

عرفت فيما بعد أن أحد أبناء مدني يعمل في اسبانيا منذ عقود من الزمن، وأن مهنته هو (حانوتي)، ومنها كسب مالاً وفيراً، وعلى ما أظن هو من فريق الحلبه.. ولا أدري إن ما زال في اسبانيا ام عاد الى مدني.. كذلك الدكتور راشد دياب الذي كان يدرس في اسبانيا ثم بقي هناك وتزوج اسبانية وعاش عقوداً هناك قبل أن يرجع للسودان ويستقر فيه نهائياً، وهو من ابناء الدرجة ، ولم اقابله في اسبانيا، ربما وقتها كان في اجازة او كان في برشلونه لا أذكر..

وأرفق صورة لبلازا دي اسبانيا

http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=755&d=1291025294

وأخرى لتماثيل في نفس الساحة، أخذتها من النت عبر القوقل..

http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=754&d=1291025256

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
01-10-2011, 11:30 AM
الحلقة التاسعة والثلاثين

وداعاً مدريد

مدريد من أجمل المدن التي رأيتها في حياتي، فأنا أحب الأشياء المعتقة، والشوارع العتيقة والمباني المعمرة، تجولت في المدينة القديمة ودخلت البيوت التي عمرها مائة عام أو مائتي عام، وتجولت كذلك في وسط البلد، وفي حدائق بلازا دي اسبانيا حيث الاطلالة الجميلة على قصر خوان كارلوس، وتعلمت بعض الجمل والعبارات الاسبانية التي نفعتني في زيارتي الثانية لاسبانيا.. ايضا رأيت جانب مدريد الحديث ذا المباني الحديثة العالية وذلك حين سكنت مع الأخوة الأفاضل الذين يمثلون النموذج الطيب لشعب السودان الأصيل وهما الرشيد وعثمان..

أثناء تجوالي انا والأخ محمد الأمين التقطنا كثير من الصور، ولكن للأسف أمطار ود مدني خربت كثير منها فلم يبق إلا القليل، ومنها الصورة المرفقة، وقد أشار إليّ محمد الأمين ان اجلس في الكنبة التي تجلس بها تلك الفتاة، فترددت (بحكم خلفيتي المحافظة) فقال لي اجلس ولا يهمك، فتقدمت نحو الكنبة وجلست ولم تتأثر الجالسة على الكنبة ولم تعترض وهو يصورني وأنا جالس بجانبها.. وكما تلاحظون فإن هناك مكان خالي في الكنبة على يساري، اي كان يمكن ان اجلس في طرف الكنبة القصي، ولكن جلست بجانبها تماماً ولا أدري إن كان ذلك بتأثير كلام محمد الأمين أم لجس النبض!! ولا أدري إن كانت الآن هذه الفتاة جدة (حبوبة)!! فقد مضت 34 عاماً عليها..

بالمناسبة، ارجو من القارئ ان يسجل كل شئ يمر عليه خاصة اذا كان في رحلة خارج وطنه، فربما احتاجها (مثلي الآن) بعد ثلث القرن فلن تسعفه الذاكرة وحدها، وانصح كل من يلتقط صورة ان يسرع بتسجيل مكان وتاريخ الصورة خلفها، فإذا تكاسل او اهمل فقد تمضي الأيام والسنين ولا يفعل ولا يستطيع تحديد زمن ومكان الصورة..

أما الصورة الثانية- على يسارك أيها القارئ- فهي تضمني (على اليسار) وبجانبي سوداني قد يكون عثمان، والشخص الثالث شكلو مغربي..

وإليكم صورة منقولة من موقع Tripadvisor وهي نفس المكان الذي التقطنا فيه الصورة السابقة، وكان لدي صورة أخرى على شفا هذا الحوض المائي، ولكن ضاعت كما ضاع غيرها او تلفت بفعل امطار مدني. (للأسف لم يقبلها السيستم قال: "ملفك ذي الحجم 33.2 كيلوبايت بايت تجاوز الحد المسموح به وهو 19.5 كيلوبايت لهذا النوع من الملفات")


بعد انتهاء اسبوع في مدريد الجميلة قررت الرحيل عنها ومغادرة الأراضي الاسبانية، فودعت محمد الأمين والرشيد وعثمان وسالي وتوجهت بشطنتي التي أضفت إليها بعض مشترياتي البسيطة من مدريد مثل بعض الخواتم البلاستيكية الجميلة وبعض العطور وأذكر انني اشتريتها من sale في مدريد، وهم كما في المغرب يعملون الـ sale في بعض الشوارع، وتعمدت ألا اشتري اشياء تثقل شنطنتي الوحيدة لأنني سأحلمها طالع نازل من القطار..

وركبت القطار من محطة مدريد متوجهاً الى الأراضي الفرنسية..

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..
.. والحديث ذو صلة

أبو عدى
01-10-2011, 11:35 AM
سرد رائع للغاية استاذى الفاضل غلام الله
نتابع بشغف

احترامى و تقديرى لك

عمر حسن غلام الله
01-11-2011, 04:14 PM
سرد رائع للغاية استاذى الفاضل غلام الله
نتابع بشغف

احترامى و تقديرى لك

شكرا لك عزيزي عاصم

وسأكتب طالما تتابعوني

كل الود

عمر حسن غلام الله
01-11-2011, 04:19 PM
الحلقة الأربعون

نواصل

رحلة القطار من مدريد نحو الحدود الفرنسية

ركبت القطار مساء من محطة مدريد، وكان مزدحماً، لذلك لم أجد قمرة بها مكان شاغر، فافترشت الأرض في نهاية العربة، ولم أكن وحدي، فقد افترش بجانبي جوز اسباني، شاب وفتاة، وعندما استلقيت على أرضية العربة رأسي الى جدار آخر قمرة ووجهي نحو الممر الفاصل بين العربتين، وكنت أقرب الى الممر الذي يفصل القمرات عن شبابيك العربة، لذلك كان من يعبر من العربة الأخرى الى عربتنا يمر بجانبي تماماً، وبما أن الدنيا كانت صيفاً فقد كان معظم لبس الفتيات الاسكيرت، وكان دائماً ميدي او اقصر، فذقت الأمرين من منظر العابرات بجانبي، وبما انهن اوروبيات في الغالب فلم يكن يكترثن إذا نظر أحدهم من تحت لفوق..

أشعل الجوز الذي بجانبي سيجارة حشيش، فانتشر دخانها الكثيف في المكان، فارادا أن يصرفا هذا الدخان الكثيف، ففتحا باب العربة، وبما ان القطار كان ينطلق بأقصى سرعة، فقد كان الهواء البارد يدخل العربة بعنف، ولما لاحظا ذلك ابتسما ابتسامة اعتذار لكن لم يغلقا الباب حتى أكملا سيجارتهما، ثم راحا في سبات عميق..

كانت البنت ترقد بجانبي مباشرة، فيما يرقد الشاب بجوار باب العربة، وانقلبت الشابة على شقها الأيسر فواجهت رفيقها وأعطتني ظهرها.. وكان منظر العابرات بجانبي واسكيرتاتهن الواسعة من أسفل التي تبين ما سفل منهن، كان المنظر ما زال مؤثراً فيّ، فزادته هذه التي ترقد بجواري سوءاً.. كان ذلك شديداً علينا نحن القادمون من افريقيا من صحرائها الكبرى.. المهم انقلبت انا على الجهة المعاكسة فصار ظهري الى ظهرها، ولكن يدي التي كانت ترقد على جانبي انزلقت الى الخلف فاصتدمت بالشابة وتحركت كفي جيئة وذهابا، فتفاعل معها كل شئ في جسدي، وتعاضدت المناظر الاسكرتية السابقة مع اللمسات الاسكرتية الحالية فقلبت جسمي مائة وثمانين درجة فاصبحت مواجهاً لباب العربة، في نفس الاتجاه للشابة...

وعندما استدرت راجعاً الى الجهة الأخرى رأيت أحد الاسبان واقفاً امام نافذة العربة ووجهه الى الخارج، لكنه كان يراقب صورتنا المنعكسة على زجاج النافذة.. لم يبدي أي شئ كأي اوروبي لا يتدخل فيما لا يعنيه، ولم اكترث له، ونمت كالذين بجانبي..

لا أذكر ان كنت هبطت في محطة برشلونة ام لا.. او كنت مستيقظاً عندما مر القطار بها، لكن كان الوقت نهاراً عندما وصلنا الحدود الاسبانية الفرنسية عند بلدة سيربر..


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
01-12-2011, 03:56 PM
الحلقة الحادية والأربعين

نواصل


المدينة الحدودية سيربر

في صباح اليوم التالي وصلنا الى مدينة صغيرة على الحدود بين اسبانيا وفرنسا تسمى سيربر، فهبطنا من القطار في المحطة الصغيرة، ثم تحركنا خطوات قليلة عبر حاجز معدني الى مكتب جوازات الحدود، وفي دقائق ختم لنا موظف الجوازات الفرنسي جوازاتنا فأصبحنا بذلك داخل التراب الفرنسي..

علمنا أن القطار سواصل الرحلة بعد سبع ساعات، لذلك جلسنا على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وعند خليج صغير جميل محصور بالجبال وعلى شاطئ رملي جميل وهادئ قضينا معظم مدة الانتظار، ولم تكن بلدة سيربر كبيرة، بل اشبه بقرية، وما زالت صورة ذلك الخليج الجميل في ذاكرتي حتى الآن، وقد وجدت صور مشابهة لما حفر في تلافيف المخ منذ ما يزيد على ثلث القرن.. تلك الصور من موقع ( port-vendres.com) والصورة الأولى هذه هي نفس النقطة التي وقفت فيها في أوائل أغسطس 1976م


http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=758&stc=1&thumb=1&d=1291654922 (http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=758&d=1291654922)


والصورة الثانية: ما أجمل تلك البلدة

http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=759&stc=1&d=1291654941


بعد التسكع سبع ساعات في ربوع تلك المناظر الخلابة ركبنا القطار مرة أخرى وانطلق بنا بمحاذاة الساحل.. كانت المناظر رائعة جداً، فعن يميننا مياه البحر الزرقاء، وعن يسارنا المزارع الخضراء والجبال المغطاة بالأشجار الجميلة.. وكنت أقاوم النعاس لكي استمتع بهذه المناظر، وأحياناً أجاهد لأبقي عيوني مفتوحة.. مع ملاحظة انني وجدت مقعداً داخل قمرة، ولم تعد تلك المثيرات التي في الممرات تؤرقني، لكن كان هناك نوع آخر منها.. فالشباب لا يخجلون من الآخرين الذين هم داخل القمرة، فيقبلون وكأنهم في غرف نومهم، وقد لاحظت أن الآخرين من العجائز كأنهم لا يرون شيئاً، ولكن كان هناك شئ لفت نظري، وهو أن من كان يفعل ذلك كان ينظر اليّ من طرف خفي، وكأنه يريد ان يقول لي شوف نحن عندنا حرية كيف؟ او يالك من تعيس لأنك وحدك وليس مثلنا نسافر ازواجاً وازواج، وكنت قد لاحظت تلك النظرات التي من طرف خفي ايضاً داخل المدن الأوروبية مثل مدريد وغيرها (فيما بعد) وكأن تلك الرغبة لا تأتيهم إلا عندما أمر بجانبهم او أكون بقربهم..


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..
.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
01-15-2011, 12:22 PM
الحلقة الثانية والأربعين

نواصل

مرسيليا


واصل بنا القطار عبر البلاد الفرنسية بمحاذاة ساحل البحر الأبيض المتوسط، وكما ذكرت كانت المناظر الخلابة هي التي تشدني لأنظر عبر نافذة القطار الكهربائي السريع، وكانت القرى المنتشرة في السهول وسفوح الجبال تسر الناظرين، ومن حين لآخر نشاهد الأبقار السمينة والخراف ذات الصوف الغزير وهي ترعى الحشائش..

ووصل القطار الى محطة مدينة مارسيليا، وقررت النزول بها، ونزلت، وفي المحطة هنالك مستودع للأمتعة، تجد الخزانة داخل الجدار مفتوحة الباب، وضعت شطنتي ودفعت الرسوم وهي بالعملة المعدنية لكي تستطيع إغلاق الباب وأخذ المفتاح، وهذه لعمري فكرة جميلة، فالذي لا يريد أن يتلتل بالعفش طالع نازل يضع امتعته في إحدى هذه الخزانات التي تختلف في الحجم، فالكبيرة أجرتها أكثر.. وعلى ما أذكر ليست الأجرة كثيرة.. المهم تخلصت من عبء الشنطة وخرجت من محطة القطار وتجولت في المدينة، وكانت المحطة داخل الميناء او بقربها.. وفي المساء رجعت الى المحطة حيث قضيت الليلة بها، وكانت مزدحمة بالنائمين من الخواجات..

أثناء تجوالي التقيت بشاب مصري، يبدو انه جاء يبحث عن عمل، تجولنا سوياً، وأذكر اننا احتجنا للحمام، فذهبنا الى حمام عام، وكان نظامه أن الكبائن مغلقة من الخارج ولا تفتح الا إذا وضعت عملة معدنية من فئة الفرنك الواحد، فإذا دخلت وقضيت حاجتك ثم خرجت يقفل الباب ولا يفتح الا بوضع عملة مرة اخرى، فهممت أن ادخل العملة لكي ادخل، فأوقفني المصري بيده، فاستغربت، فقال لي اصبر، فصبرت، وبعد قليل خرج احد الخواجات من أحد الحمامات، فجرى المصري نحو الباب وهتف فيه ان توقف، فاستغرب الخواجه، ولكن صاحبي المصري لحق الباب قبل ان يغلق ودخل دون ان يضع العملة، ثم بعد ان خرج مسك لي الباب فدخلت انا ايضا دون ان ادفع..

اثناء تجوالي في مرسيليا اضطررت لعبور احد الشوارع، وما زالت ذاكرتي تحتفظ بقوس النصر فوق ذلك الشارع، وقوس النصر مشهور في فرنسا، فشارع الشانزليزيه فيه قوس النصر الذي مر من تحته زين الدين زيدان محمولاً على الأعناق عندما أتى بالنصر لفريق فرنسا لكرة القدم.. المهم حاولت عبور هذا الشارع، فكانت السيارات تأتي مسرعة ومتتالية، فوقفت قرابة ربع الساعة دون ان استطيع عبور الشارع الى الجهة المقابلة حيث الحديقة العامة الكبيرة.. المهم في آخر الأمر قدرت المسافة بين السيارات التي أراها قادمة وبين الزمن الذي يمكن ان استغرقه في عبور الشارع، فانطلقت اعدو بأقصى سرعة حتى عبرت الشارع، وما زال جلدي يقشعر حتى الساعة حينما اتذكر تلك المجازفة، فقد عبرت بالكاد للجهة الأخرى قبل ان يصلني رتل السيارات، وطبعاً نسيت ان اقول انني لم اكن ارى موقع عبور او اشارة قريبة او جسر مشاة حتى اعبر من خلاله.. المهم عبرت بسلام الى تلك الحديقة الغناء الوارفة الظلال.. طبعا في الحديقة يمكنك ان ترقد وتستريح وتتفرج على الخلق خاصة اولئك المجكسين (كلمة مجكسين مستحدثة لم تكن وقت الرحلة معروفة)..

طبعاً لم استطع النزول في فندق أو بنسيون بسبب السرقة التي تعرضت لها في القطار الاسباني كما ذكرت سابقاً، ولذلك تعمدت ان اتجول اطول وقت ممكن لكي اتفرج في اقل فترة زمنية، وكنت آكل الأشياء الخفيفة مثل سندوتشات الجبن والبسكويت ولا أقرب المطاعم لأنها فوق مستوى طاقتي المالية.. المهم متعت نظري بشوارع مرسيليا ومبانيها وميناءها المتوسطي وطيور النورس تحلق فوق المراكب والسفن..

طبعاً ابتعدت كثيراً عن المحطة، وعندما اردت العودة لم اعرف الطريق اليها، حتى استوقفت امرأة مسنة وبنتها الشابة في احد الشوارع الفرعية وسألتهما بما عرفته من لغة فرنسية بسيطة عن المحطة، فوصفوا لي كيف اركب الاتوبيس، ولكني فضلت المشي على قدمي- وربما ركبت الاتوبيس لا أذكر- المهم عدت الى المحطة وركبت القطار بعد ان قضيت أربعاً وعشرين ساعة في مرسيليا، حيث توجه القطار نحو الحدود الإيطالية..

مرفق صورتان (منقولتان واحدة لقوس النصر الذي ذكرته لكم آنفاً، والثانية منظر عام لمرسيليا..)

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..
.. والحديث ذو صلة


http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=761&d=1291737227


http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=760&d=1291737158

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..
.. والحديث ذو صلة

أبو عدى
01-15-2011, 12:26 PM
لك التحية الاستاذ الفاضل
غلام الله
حتما نتابعك بشغف
السرد رائع و مثير
ويشد انتباه القراء

عمر حسن غلام الله
01-17-2011, 12:26 PM
الحلقة الثالثة والأربعين

نواصل

الجنوب الإيطالي وإمارة موناكو

هذه المرة أيضاً ركبت داخل قمرة القطار رغم ازدحامه، وكان كل المسافرين أوربيون عدا واحد يبدو عليه انه من شرق آسيا، فلبيني، المهم تعرف عليّ هذا الرجل على أساس- كما ظننت- اننا الوحيدان الأجنبيان عن هذه القارة، وكان يتكلم معي بانجليزية سليمة، ويتكلم مع الآخرين بالفرنسية او الايطالية لست اذكر.. ثم بعد الونسة أخرج من حقيبته طعاماً ودعاني لآكل معه، وكان الطعام عبارة عن لحم ملفوف في ورقة، فبدأ لي شكله غريباً، لونه احمر كأنه نئ، فتقززت منه، وأحسست أنه لحم خنزير (مبخر) وكنت قد رأيت في حانات مدريد لحماً معلقاً في سقوفها علمت انه لحم خنزير معالج بالبخار ويترك معلقاً هكذا لزمن طويل فيغلى ثمنه- تماماً كالخمر المعتق، كلما قَدِم غلا ثمنه.. المهم شكرت صديقي هذا بأنني لن آكل معه، ومددت يدي الى الرف لآخذ منها زادي الذي كان خبزاً وجبناً وشئ من هذا القبيل، فاستغرب صديقي من اعتذاري عن مشاركته الطعام، ولكنه كان ذو فراسة قوية، فقرأ في وجهي ما دفعه للضحك فجأة، ثم قال لي: أنت (مهمديان)؟ أي أنت (محمدي) أي مسلم؟ (هم يقولون للمسيحي كريستيان منسوباً الى جيسس كريست أو المسيح عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام) ثم جعل يلم أطراف الورقة التي بداخلها اللحم كمن يريد ان يخبئه من نظري، فضحكت على فعلته هذه، وظل هو يضحك حتى سأله الخواجات عن الحاصل، فقال لهم أن هذا مسلم ولا يأكل الخنزير.. كان هذا الرجل وناساً ويبدو أنه موسوعة في كل شئ، فقد أدرك بقوة ملاحظته انني اعتذرت عن مشاركته لطعامه بسبب أن اللحم خنزير لأنني لم أعتذر إلا حينما رأيت اللحم، وعرف من نظرتي إلى اللحم أنني اشمأززت منه دون أن أذكر شيئاً يوحي بذلك، وعرف أن المسلمين لا يأكلون الخنزير.. أذكر انني سألته ماذا يشتغل فقال لي: جاسوس.. فضحكت و قلت له لا يمكن ان تكون جاسوس، لأن الجاسوس لا يقول انا جاسوس، رد عليّ قائلاً انك ستفكر وتقول هل هو جاسوس أم لا.. وستظل تدور في هذه الحلقة المفرغة دون ان تصل لنتيجة.. كان فاكهة القمرة يتونس مع الكل بشتى اللغات..

أثناء مرور القطار رأينا جزيرة صغيرة أشبه بصخرة كبيرة تبرز من اليابسة الى البحر (مرفق صورة لنفس المكان الذي رأيته قبل ثلث القرن، وقد نقلتها من أحد المواقع، وهي التي فيها شئ مثل الجسر والقلعة)، رأيت فيها فيلاً افريقياً ضخماً (في نفس المكان الذي يظهر فيه الناس في هذه الصورة)..

http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=763&stc=1&d=1291819306

ثم قرأت اللوحة التي تشير إلى انها إمارة موناكو وعاصمتها مونت كارلو.. تلك الجزيرة الصغيرة/الدولة/المدينة المشهورة بصالات القمار، ثم اشتهرت لدى العرب بإذاعة مونت كارلو القسم العربي.. مر القطار بجانبها دون ان يتوقف، أو ربما توقف في محطة فرنسية قريبة منها، وما زال منظر الفيل فوق تلك الصخرة عالقاً بذهني، ولا أدري لماذا لم التقط له صورة، ربما لأنني لم اتوقع ان امر بمنظر كهذا في ربوع اوروبا وفي فرنسا بالتحديد، ولم اكن اعلم اننا سنمر بإمارة موناكو لذلك لم أجهز الكاميرا.. (صورة أخرى منقولة لموناكو ويبدو العمران فيها وقد ارتفع الى عنان السماء، وحتماً قبل ثلث قرن لم تكن هناك عمارات بهذه الضخامة).


http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=764&d=1291819332


لم تكن الحدود الفرنسية الإيطالية كالحدود الاسبانية الفرنسية، فلم يتوقف القطار على الحدود، بل ظل منطلقاً في طريقه، ولم نعلم أين تقع نقطة الحدود بالضبط، فقط مرّ ضابط الجوازات على عربات القطار.. وكان يمر سريعاً دون أن يأخذ من أحدهم اي هوية او يسأله عنها.. فقط عندما وقف في باب قمرتنا مد يده لي يطلب جواز سفري.. فعلق صاحبي: أرأيت.. أنت الوحيد الذي سئل عن جوازه.. فضحكت وضحك، وبالفعل اطلع الضابط على جوازي وسلمني إياه ولم يسأل صاحبي هذا عن جوازه رغم ان ملامحه لا تدل على أنه أوروبي.. وواصل الضابط مروره على عربات القطار دون أن يتوقف كثيراً عند أبواب القمرات الأخرى، فيبدو انهم كلهم اوروبيون..

وقفت على شباك عربة القطار من جهة الممر اتفرج على الأراضي الإيطالية، فكانت أجمل من فرنسا واسبانيا.. البحر الأزرق والجبال الخضراء والمزارع ذات اللون الأخضر الزاهي، وتتميز ايطاليا بكثرة الأنفاق داخل الجبال وبالجسور التي تربط بين جبل وآخر.. وقد قال لي صاحبي إياه عليكم بإحضار شركة إيطالية لتنفذ لكم الجسور في بلادكم وذلك عندما علقت على كثرتها في ايطاليا وجودة تصميمها، فقلت له ان الشركات الصينية هي التي تنفذ الجسور عندنا فقال لي ان الايطاليين افضل من ينفذ الجسور والأنفاق.. وبالفعل كان القطار يمر بنفق قد يكون طوله عدة كيلومترات، ثم ما إن يخرج منه حتى يدخل نفقاً آخر أطول منه، ثم بعد قليل يمر فوق جسر معلق بين جبلين..

المهم انا واقف على الشباك وشعري الكثيف الخنفس تدفعه الرياح الى الوراء بقوة إذ مددت رأسي الى الخارج ليكون في الضوء حتى يلتقط لي صاحبي صورة توضح وجهي والمنظر الذي في الخارج (مرفق الصورة ويبدو منظر القرية على الجبل)،

http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=767&d=1292254415

وإليكم صورة أخرى نقلتها عبر القوقل لنفس المكان تقريباً الذي ظهر في الصور أعلاه..

http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=762&d=1291818828

المهم بعد التقاط الصورة ظللت واقفاً في الشباك اتفرج على جنوب ايطاليا الجميل فجاءت صبية ووقفت بجانبي في نفس الشباك وكنت اضع يداي على قاعدة الشباك مستنداً عليهما، فالتصق صدرها بيدي، فأحسست بشئ يشبه الليمونة الصغيرة يضغط على يدي، فحركت أصبعي لأخلص يدي، فلم تتحرك، فجال إصبعي في المجال حتى وقف القطار في المحطة التالية فنزلت ومعها أمها (شوفوها في الصورة التي التقطها لي صاحبي الفلبيني، وقد جدت كتابة على ظهرها : (أنا في القطار في جنوب فرنسا أو جنوب إيطاليا، تظهر في الصورة صبية إيطالية بجانبي، يوم 3 أغسطس 1976م، التقط الصورة فلبيني))..

http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=768&d=1292254423

آه يا إيطاليا ويا بنات إيطاليا الجميلات جداً والخفيفات خالص، واللائي أشبه بالعرب منهن بالأوروبيات، خاصة في الجسم المكتنز والعيون السود والشعر الأسود، كل شعوب البحر المتوسط تتشابه، سواء شماله او جنوبه..

واقترب القطار من روما.. والتي كانت محطتي الأخيرة في قطار أوروبا السريع، المثير، اللذيذ..

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

خواطر
01-18-2011, 11:49 AM
تسلم اخوي عمر ..
ومشكور علي هذا السرد الرائع..
ان دل علي شي انما يدل علي روعة وجمال ما يخطه قلمك بمنتهي الروعة والجمال ..
تحياتي واحترامي

عمر حسن غلام الله
01-18-2011, 03:57 PM
تسلم اخوي عمر ..
ومشكور علي هذا السرد الرائع..
ان دل علي شي انما يدل علي روعة وجمال ما يخطه قلمك بمنتهي الروعة والجمال ..
تحياتي واحترامي

الله يسلم عمرك

شكرا للمرور وللمداخلة وللمجاملة

لك كل الود والتقدير

عمر حسن غلام الله
01-18-2011, 04:07 PM
الحلقة الرابعة والأربعين

نواصل

روما

في الطريق توقف القطار لفترة طويلة غير معتادة، فحتى في المحطات كان القطار يقف لمدة دقائق قليلة، ثم ينطلق، لكن هنا توقف لحوالي ساعة او يزيد، ولا ندري إن كان ثمة عطل في القطار او قطار آخر سد الطريق.. المهم بدأ الناس يملون الانتظار، وبينا كنت أنظر عبر النافذة كان هناك شباب من ضمن المسافرين يقفون مع بعض على الأرض، فوضع أحدهم زجاجة فارغة بجانب عجلات عربة القطار التي نحن بها، ثم صوب حجراً نحوها، وبدأ زملائه يفعلون نفس الشئ، ثم وضعوا زجاجة أخرى، وأخرى وصار المكان ميدان رماية، فتطوعت النسوة من داخل قمرتنا بمدهم بالزجاجات الفارغة، وصاروا يتصايحون كلما أصابوا زجاجة، وأطل الجميع من خلف شبابيك القمرات ينظرون الى تلك اللعبة.. فعلاً الملل يجعل أي شئ تسلية حتى لو كان رمي الزجاجات الفارغة بالحجر..

ثم تحرك القطار يشق الجبال والمزارع والقرى الإيطالية الجميلة، ثم وصل الى محطة روما.. نزل الركاب في المحطة، فتوجهت الى مكان مستودع الشنط، وحسبته مثل ذلك الذي بمدينة مرسيليا، خزائن مفتوحة عليها مفاتيحها تضع شنطتك وتدخل عملة فيخرج لك المفتاح بعد أن تغلق الخزانة.. أما هنا في روما فقد كان المستودع أشبه بمخزن عفش كالذي في محطات السكة حديد بالسودان.. وهناك موظف يأخذ منك الشنطة ثم يعطيك بطاقة صغيرة عليها رقم لتستلم به شنطتك فيما بعد، وكانت الأجرة مناسبة كتلك التي في مرسيليا، أو ربما أقل..

أثناء تحركي داخل محطة روما لاحظت ان هناك فتاة ومعها فتى في مثل سنها يتبعاني، ثم تقدمت مني الفتاة وتكلمت معي بالإيطالية (وهي باين عليها إيطالية)، فقلت لها بالإنجليزية ما معناه: هلا تكلمتي بالإنجليزية؟ فقالت لي بالانجليزية: ما اسمك؟ فقلت لها اسمي عمر، فقالت لي اسمي منو كده ما عارف، ثم لفت حول الفتى كأنها تختبئ وراءه خجلاً.. وبما أنني كنت زهجان من شيل الشنطة وتعبان من الرحلة فلم أعرها التفاتاً ومضيت في حال سبيلي، يعني فوّت لي ونس ساكت.. أو على الأقل مرافق يفرجني على روما، أو.. أو.. لكني استغربت في الموضوع لأنها كانت مع فتى! يا ربي المعاها ده كان اخوها واللا شنو؟

في المحطة برضو لاقاني واحد بيغير عملة، فقلت له بكم الدولار، قال لي بكذا.. عندك كم؟ فقلت له عندي عشرين دولار، فضحك، يعني دي قروش دي.. فتركته وحولت من محل رسمي لتحويل العملة، وكانت الليرة الإيطالية زي المليم السوداني في ذلك الوقت.. وعلى ما أذكر كان المبلغ الذي استلمته من الصراف حوالي سبعة آلاف ليرة ايطالية..

وفي الليل وجدت مكاناً في حرم المحطة أشبه بالحديقة الصغيرة ينام فيه المسافرون، ومعظمهم خواجات، فرقدت تحت شجرة، وكنت محصوراً جداً، فزحفت الى جذع الشجرة لأفرغ مثانتي- يبدو أن الجميع كانوا يفعلونها لأن رائحة النشادر النفاذة تدل على ذلك- فلم استطع.. كان- وما زال- طبعي غريباً في هذه الناحية، فإذا كنت قريباً من الناس، حتى لو كانوا وراء ظهري لمسافة فلا استطيع أن أفعلها.. المهم جلست لمدة أحاول أن أفرغ ما في مثانتي لكن دون جدوى، فلاحظ أحد الشباب الخواجات الذين يرقدون في هذا المكان أنني أطلت المكوث تحت جذع الشجرة، فظن بي السوء، فصار ينادي صديقه الذي كان يغط في نوم عميق ليوقظه، ربما هذا الشخص ظن أنني أنوي سرقة زميله او شئ من هذا القبيل، المهم رجعت الى مكاني وحاولت النوم فلم استطع لأنني محصور، وعلى ما أظن المحطة كانت قد أغلقت لذلك لم استطع دخول حماماتها.. الله ينعل ابو الفلس، وابو الحرامية السرقو قروشي في قطار اسبانيا، المهم تحملت الفلس وقل المال لأني سأبقى في روما فقط أربعاً وعشرين ساعة..


مرفق صورة لشخصي في روما أمام قوس يشبه قوس النصر في فرنسا.. والصورة ملتقطة يوم 4 أغسطس 1976م، ويبدو خلف القوس حديقة غناء وارفة الظلال..


http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=770&d=1292339369

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
01-19-2011, 02:19 PM
الحلقة الخامسة والأربعين

نواصل

نبذة عن إيطاليا

تجولت في روما في محيط محطة السكة حديد، وهي روما القديمة، وكانت تشبه الى حد ما مدريد، إلا أنها لم تكن بروعة مدريد..

وقبل أن أواصل سقت لكم نبذة مختصرة عن ايطاليا من موقع ويكيبيديا:

الجمهوريّة الإيطاليّة (بالإيطالية: Repubblica Italiana) التسمية أصلها لاتيني ايتاليا، أما مصدر التسمية اللاتينية فهو غير مؤكد. وفقاً لأحد التفسيرات الأكثر شيوعاً فإن التسمية مستعارة من الإغريقية من الاسم الأوسكاني فيتيليو V&iacute;teli&uacute; والتي تعني "أرض الماشية اليافعة" (باللاتينية: vitulus) "عجل" أو (بالأومبرية vitlo "عجل")، كان الثور رمزاً لقبائل جنوب إيطاليا وكان يصور في كثير من الأحيان ناطحاً الذئب الروماني كرمز تحدي لحرية إيطاليا خلال الحروب السامنية.

أطلق الاسم إيطاليا في الأصل على جزء مما هو الآن جنوب إيطاليا، وفقاً لأنطيوخس من سيراكيوز الجزء الجنوبي من شبه جزيرة بروتيوم (كالابريا حالياً). لكن في وقته كانت اينوتريا وإيطاليا مترادفتين كما ينطبق الاسم على معظم لوكانيا كذلك. أطلق الإغريق تدريجياً اسم "ايطاليا" على منطقة أوسع ولكن التسمية لم تشمل كامل شبه الجزيرة حتى زمن الفتوحات الرومانية.

هي دولة تقع في جنوب أوروبا جزئياً في شبه الجزيرة الإيطالية وأيضاً تضم أكبر جزيرتين في البحر الأبيض المتوسط صقلية وسردينيا. تشترك إيطاليا في الحدود الشمالية عبر جبال الألب مع فرنسا وسويسرا والنمسا وسلوفينيا. بينما يوجد داخل الأراضي الإيطالية دولتان مستقلتان هما مكتنفا سان مارينو ومدينة الفاتيكان، كما يوجد مكتنف كامبيوني ديتاليا في سويسرا. تغطي الأراضي الإيطالية مساحة 301,338 كم2 وتتأثر بمناخ موسمي معتدل. يسكن البلاد 60.2 مليون نسمة وهي سادس دولة من حيث عدد السكان في أوروبا، وتحل في المرتبة 23 الأكثر تعداداً سكانياً في العالم.

كانت الأراضي المعروفة اليوم باسم إيطاليا مهد الثقافات والشعوب الأوروبية مثل الإتروسكان والرومان. كما كانت العاصمة الإيطالية روما لقرون عديدة المركز السياسي للحضارة الغربية باعتبارها عاصمة للإمبراطورية الرومانية. بعد تراجع الإمبراطورية تعرضت إيطاليا لغزوات من قبل شعوب أجنبية من القبائل الجرمانية مثل القوط الشرقيين واللومبارديين وشعب النورمان في وقت لاحق والبيزنطيين وغيرها. وبعد عدة قرون أصبحت إيطاليا مهد النهضة والتي كانت حركة فكرية مثمرة جداً والتي أثبتت قدرتها على تشكيل مسار الفكر الأوروبي لاحقاً.

خلال أغلب تاريخ البلاد ما بعد الحقبة الرومانية، كانت إيطاليا مجزأة إلى العديد من الممالك ودول المدن (مثل مملكة سردينيا ومملكة الصقليتين ودوقية ميلانو)، ولكن البلاد وحدت في عام 1861 بعد فترة مضطربة في تاريخ البلاد تعرف باسم "إعادة الولادة". من أواخر القرن التاسع عشر وخلال الحرب العالمية الأولى حتى الحرب العالمية الثانية تحولت إيطاليا إلى إمبراطورية استعمارية حيث امتد حكمها إلى ليبيا وإريتريا والصومال الإيطالي وإثيوبيا وألبانيا ورودوس ودوديكانيسيا وامتياز في تيانجين في الصين.

إيطاليا الحديثة جمهورية ديمقراطية. تصنف في المرتبة 18 عالمياً من بين الدول الأكثر تقدماً، كما صنفت جودة الحياة فيها من ضمن المراكز العشرة الأولى في العالم. تتمتع إيطاليا بمستوى معيشة عال جداً، وهي ذات ناتج محلي إجمالي اسمي عال للفرد. إيطاليا دولة عضو مؤسس في ما هو الآن الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي. كما أنها عضو في مجموعة الثمانية ومجموعة العشرين. الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للبلاد هو السابع عالمياً بينما الناتج المحلي الإجمالي (تعادل القوة الشرائية) يحل في المرتبة العاشرة. كما تمتلك خامس أكبر ميزانية حكومية في العالم. هي أيضاً دولة عضو في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ومنظمة التجارة العالمية ومجلس أوروبا واتحاد أوروبا الغربية. ميزانية الدفاع الإيطالية هي التاسعة عالمياً كما تساهم في خطة المشاركة النووية التابعة للناتو.

تلعب إيطاليا دوراً عسكرياً وثقافياً ودبلوماسياً بارزاً في أوروبا والعالم، كما تساهم في منظمات عالمية مثل منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي والصندوق الدولي للتنمية الزراعية ومنتدى غلوكال وكلية دفاع الناتو والتي توجد مقراتها في روما. نفوذ البلاد السياسي والاجتماعي والاقتصادي على الساحة الأوروبية جعلها قوة إقليمية كبرى جنباً إلى جنب مع المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وروسيا، كما صنفت إيطاليا في دراسة حول قياس السلطة في المرتبة الحادية عشرة عالمياً. مستوى التعليم العام في البلاد مرتفع والقوة العاملة وفيرة وهي أمة معولمة كما تمتلك سادس أفضل شهرة عالمية عام 2009 كما تحل في المرتبة 19 من حيث متوسط الأعمار المتوقع. في عام 2000 كان نظام الرعاية الصحية في المرتبة الثانية في العالم وفقاً لتقرير منظمة الصحة العالمية. في عام 2007 كانت خامس دولة من حيث عدد الزوار مع ما يزيد على 43.7 مليون زائر دولي. تزخر البلاد بتقاليد عريقة في مجال الفنون والعلوم والتكنولوجيا بما في ذلك أعلى رقم لمواقع التراث العالمي على قائمة اليونسكو(44).

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
01-22-2011, 01:34 PM
الحلقة السادسة والأربعين

نبذة عن روما

نواصل


ما دمنا في روما فدعونا نسرد نبذة مختصرة عنها نقلتها من موقع ويكيبيديا مع بعض التعديل الطفيف والتصحيح:

روما (بالإيطالية: Roma) بالانكليزية (rome) هي عاصمة إيطاليا وأكبر مدنها. تقع في وسط دولة إيطاليا على ضفاف نهر التيفيرة ويبلغ عدد سكانها حوالي 2.555.000 نسمة. وهي عاصمة مقاطعة روما التي تعداد سكانها حوالي 3,615,972 نسمة، وأيضا عاصمة إقليم لاتسيو الذي تعداد سكانه حوالي 5,270,000 نسمة. سميت نسبة إلى الرومان. كانت المدينة في العصور القديمة عاصمة الإمبراطورية الرومانية وأصبحت عاصمة إيطاليا الحديثة منذ 1871. هي عاصمة مقاطعة لاتيوم والتقسيم الإداري روما.
لقرون عدة، دعِيت روما المدينةَ الأبديةَ، عنوان كَسبته كونها أحد أهم وأعظم المدنِ في الحضارةِ الغربية، فقد كانت عاصمة الإمبراطورية الرومانيةِ، وهي الآن القلب الروحي للكنيسةِ الكاثوليكية الرومانيةِ. ومنذ 1871 هي عاصمةَ إيطاليا الموحدة.

تقع دولة الفاتيكان، أصغر دولة في العالم، داخل حدود مدينة روما. أضاف اليونسكو مركز مدينة روما القديم وكنيسة القديس بطرس ومدينة الفاتيكان لقائمة التراث العالمي. تتخذ كل من منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) والصندوق الدولي للتنمية الزراعية وبرنامج الأغذية العالمي من المدينة مقرا لها.

تنقسم روما إلى 19 بلدية و155 منطقة. البلديات يشكلون ضواحي المدينة. تم إدخال تقسيم البلديات ال 19 فقط منذ التسعينات من القرن السابق. كانوا في السابق 20 بلدية، ولكن تم فصل بلدية فيوميشينو عن المدينة لتصبح مدينة مستقلة إداريا. ضواحي روما مرقمة بالأرقام الرومانية للدلالة على تاريخ روما العريق.

روما اليوم

معظم الإنشاءات الكبيرة التي تمت في المدينة بنيت في الضواحي الخارجية مثل منطقة ال E.U.R. بلاتسو ديل لافورو (قصر العمل). يسمح بشكل ضيق البناء داخل مركز روما، ذلك خوفا من التعرض لآثار المدينة العريقة. تجري الآن حفريات ضخمة في منطقة الميدان القديمة (حيث المدرج الكولوسيوم). بشكل عام فإن تأثير تاريخ المدينة على البناء واضح. كما أن أي مشروع لتطوير أو توسيع بناء مهم في المدينة يواجه معارضة، على سبيل المثال واجه مشروع بناء مصف سيارات تحت ساحة القديس بطرس عام 2000 معارضة شديدة. لذلك على عكس المدن الأوروبية الكبرى الأخرى فإن شبكة القطارات التحت أرضية (مترو) متواضعة جدا مقارنة مع مثيلاتها في أوروبا. خط المترو رقم 3 لم يتم استكماله لحد اليوم لهذا السبب. الحفاظ على نمط روما القديم أثر سلبا على الضواحي الخارجية للمدينة، فقد سمح البناء بشكل عشوائي أحيانا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مما أنتج صورة بنائية غير جميلة في هذه المناطق. كما أن وجود عدد كبير من الكنائس في مركز المدينة وارتفاع مصاريف الحفاظ عليهم جعل بناء ورعاية كنائس أخرى جديدة في الضواحي أمرا صعب التحقيق. مشروع "حمامات عامة للجميع" القديم أهمل وهو غير موجود في الواقع اليوم. تحسن وضع روما قليلا بعد انتخاب السياسي روتيلي من حزب الخضر في التسعينات من القرن السابق. تحت ولاية البابا يوحنا بولس الثاني عاشت المدينة أكبر تجمعين بشرين في تاريخها. الأول كان في القداس الذي أقيم أثناء فعاليات يوم الشباب العالمي، حيث حضرها حوالي مليونان شخص. كما شارك ما بين ثلاثة إلى أربعة مليون نسمة في جنازته في 8 نيسان/أبريل 2005

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
01-23-2011, 04:32 PM
الحلقة السابعة والأربعين

تجولت في روما وغادرتها

..نواصل

تجولت في روما وأكثر ما لفت نظري هو وجود كثافة ملحوظة للوجود الاثيوبي والاريتري والصومالي في شوارع ومقاهي روما، فأحياناً كنت أرى المقهى ممتلئ بهم ولا يوجد أوروبي واحد، يعني تحس بأنك في الديم في الخرطوم.. ولو تذكرون كانت الحرب أيامذاك مستعرة بين الثوار والحكومة في أديس أبابا، كذلك الثورة الاريترية، ويبدو ان معظم هؤلاء طالبي لجوء سياسي في ايطاليا.. المهم كنت أتجول فقابلت شخص ظننت أنه سوداني، لكني تراجعت وقلت أكيد يكون اثيوبي او اريتري، لكنني تشجعت وسألته بالانجليزية إن كان سوداني، ويا للمفاجئة، فقد كان سوداني بالفعل.. يا لمحاسن الصدف.. اتونست مع السوداني الذي كان بحاراً ولكنه ترك البحر وآثر البقاء في إيطاليا.. وعندما علم أنني قادم من المغرب وأنني أدرس بها قال لي كيف تعيشون مع المغاربة؟ استغربت سؤاله، فوضح لي بأن المغاربة هنا (شفّاره) أي لصوص، وبمعنى سوداني أدق (رباطه) أو بتاعين نهب مسلح، وهم يستعملون (الموس) وبلغتنا السكين او المطوة في تهديدهم لضحاياهم، وان الايطاليين يهابونهم أكثر مما يهابون المافيا.. وقال لي هذا السوداني أنه يعيش في منطقة يسكنها أعضاء المافيا الإيطالية، وهؤلاء يخافون من المغاربة! الغريبة ان نفس الملاحظة قالها لي السودانيون الذين قابلتهم في اسبانيا.. ولكني أوضحت للجميع ان المغاربة شعب طيب وليس هناك إجرام كالذي تذكرون.. إلا أنني ادركت ان الحكم الصارم في المغرب ألجم المجرمين وحدّ من نشاطهم الإجرامي، لكن في أوروبا يمارسون هذا النشاط والأوربيون يهابونهم، وقد قال لي أحد السودانيين في اسبانيا اذا قلت للأسباني (مور) وتعني مغربي فسيهرب منك..

تونست مع السوداني هذا على الماشي ثم ودعته وتجولت في روما وشوارعها وأزقتها ومقاهيها، وهي كمدريد تكثر فيها التماثيل في الشوارع والميادين، وكذلك المياه العذبة التي تتدفق من ما يشبه السبيل، ثم حينما اقترب موعد الطائرة دخلت حماماً عاماً (بفلوس) واستحميت وقشرت بالبدلة الما خمج الفل سوت، وخلعت القميص الذي زينته بطباعة من تنفيذي، وكذلك البنطلون الجينز وركبت الحافلة من وسط روما- ربما من أمام محطة السكة الحديد- المتوجهة الى مطار روما، وتحركت الحافلة فأكملت الفرجة من عبر نوافذها، ومررنا بمبنى الكولِّسيوم- وينطقه السودانيون كلوزيوم- وفعلاً هو مبنى مهيب وضخم.. ثم اقتربنا من مطار روما، وهو مطار كبير مقارنة بالمطارات التي رأيتها- الخرطوم والدار البيضاء وأغادير- ثم وصلنا الى مطار روما، وأثناء نزولنا من الحافلة رأيت شرطي مرور يضع ورقة مخالفة لسيارة تقف في المواقف التي أمام الصالات، والغريب ان السيارة واقفة بين الخطين المتوازيين، ولكنها لم تكن متوازية مع الخطين تماماً.. أي هناك انحراف بسيط لم يخرجها من بين الخطين ولكنها بدت وكأنها (خربت الرصة)! شوف الدقة والنظام ده كيف؟ ده لو في السودان او في السعودية لوجدت كم سيارة قافلة على سيارات أخرى، وتنتظر الى حين يأتي سيادته ليخرج سيارته لتخرج بعده انت، وربما لا يقدم لك اعتذار وربما نظر اليك نظرة احتقار ان كيف تجرؤ على لومه..

كذلك لاحظت أن هناك طفلان ولد وبنت يلعبون في أحد بوابات الدخول، وكانت من الزجاج وتفتح اتوماتيكياً عندما يقترب منها الشخص- طبعاً كان غريباً علينا في ذلك الزمان، أما الآن فقد انتشرت هذه الأبواب في كل بقاع الدنيا، المهم لاحظت ان الطفلين يدخلان ويخرجان من البابين المزودجين (باب وبعده باب وبينهما مساحة فاضية)، فأحياناً يقفان داخل تلك المساحة الى حين مرور شخص من الخارج لينفتح الباب فيخرجان من جهة الدخول أو يدخلان من جهة الخروج، وما لفت نظري أن أحداً لم ينهرهما ولم يوقفهما، ولو حدث هذا في السودان او في السعودية لضربوهم او نهروهم او سبوا والديهم..

تجولت في المطار، ووجدت مكان لبيع الطعام فاشتريت سندوتش بيض مقلي، واشتريت قهوة من جهاز للبيع الذاتي- ايضاً كان غريباً في ذلك الزمان- فوضعت حوالي 300 ليرة فنزل كأس الورق الخالي، ثم صبت القهوة من تلقاء نفسها وأخذت السكر من الجهاز، وشربت القهوة ساخنة.. طبعاً لو كنت حكيت هذه التكنولوجيا زمان لكان لها وقع خاص، فوقتها لم توجد الا في اوروبا..

دخلت المطار وقدمت تذكرتي وجواز سفري لموظف الخطوط فختم لي الجواز واصدر لي بطاقة صعود الطائرة، ثم توجهت لبوابة المغادرة ومنها الى الطائرة السودانية البوينق 707 (النيل الأزرق) وقد كانت للخطوط السودانية طائرتين من نفس النوع، الأخرى هي (النيل الأبيض) وكلا الإسمين مكتوبين باللغة الإنجليزية.. وأقلعت سودانير.. ووداعاً روما، ووداعاً إيطاليا، ووداعاً أوروبا..

الصورة المرفقة لشخصي في أحد شوارع روما، وتبدو المباني التي تشبه الى حد ما مباني مدريد، وقد وجدت خلف الصورة بخط يدي مكتوب: (روما 4 أغسطس 1976، التقط الصورة إيطالي، عمر حسن غلام الله)، وكما أسلفت فالكتابة خلف كل صورة يحفظ تاريخها ومناسبتها ومكان التقاطها وبعض المعلومات التي قد لا تبدو في وقتها هامة، ولكن بعد مرور 34 سنة ونيف قد تصبح المعلومات ضبابية في الذاكرة الخربة التي تقدمت بها السن، لذا تكون أهمية المعلومات المكتوبة..


537


الصورة عدت عليها عاديات الزمن فطمرتها أمطار مدني كما أسلفت، والحمد لله ان هذه الصورة بها جانب سليم، فبعض الصور طمست تماماً ..


وأرفق أيضاً صورة للكلسيوم نسختها من أحد المواقع التي تشجع السياحة الى أوروبا



http://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/6552.imgcache.jpg

http://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/6553.imgcache.gif (ohghoulamallah@hotmail.com)
وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
01-24-2011, 01:51 PM
الحلقة الثامنة والأربعين

الطائرة السودانية ومطار الخرطوم

نواصل..

في الطائرة السودانية كانت بعض المضيفات بريطانيات.. تصوروا.. كنا نستقدم بريطانيات للعمل لدينا في سودانير.. شوفوا أيام العز.. وإحدى هؤلاء المضيفات البريطانيات كانت تقدم الحلوى في طبق لزوم الضيافة، فلاحظت انها كانت كلما قدمت الحلوى لراكب ابتسمت له، ولكن الإبتسامة كانت ميكانيكية! نعم، لم أخطئ في الكلمة، ميكانيكة بمعنى الكلمة، فكانت كمن يقول له المصور قل (بليز) ليبدو في الصورة كأنه يبتسم، كانت تصطنع الابتسامة، وما إن تفعل حتى يرجع فمها كما هو متجهماً، وهكذا من راكب الى آخر بحركة واحدة متكررة ومملة جداً قد لا يلاحظها الراكب الذي تقدم له الحلوى ولكن لو أحدهم تابعها بنظره من بعيد فسيرى تلك الحركة التي يبدو أنها درستها عندما كانت تتعلم الضيافة استعداداً للتوظف كمضيفة جوية.. والغريبة أن المضيفات السودانيات كن على طبيعتهن، لا يبتسمن أبداً، وبما أننا متعودون عليهن فلم نلاحظ غرابة في ذلك، بل وربما أغلظت لك إحداهن القول او نهرتك.. كلو عند السودانيين جايز.. لكن عند البريطانيين ومن لف لفهم فلا يتعاملون إلا حسب الأصول حتى ولو كانت الأصول ابتسامة مزيفة.

في الطائرة وجدت فتاتان سودانيتان صغيرتان في السن، ربما 15 و16 سنة مسافرتان لوحدهما من روما الى السودان، وعلى ما أذكر أنهما كانتا قادمتان من لندن، تونست معهما، ولكن بقيت جملة في ذاكرتي من تلك الونسة منذئذ، فكانتا قد سألتاني هل كنت أعمل في اوروبا أم سائح، قلت لهما بل جئتها سائحاً، فقالتا ان من يعمل في اوروبا يعمل في الأعمال الهامشية مثل غسيل الصحون في المطاعم.. ويبدو أن بدلتي الفل سوت قد ضللتاهما فحسبتا انني من ابناء الذوات مثلهما، فعابتا من يذهب إلى أوروبا للعمل في مثل تلك الأعمال الهامشية.. كل تلك الونسة وأنا راجع من الحمامات وقفت فوق كرسييهما أسألهما ويجيبانني ويسألاني وأجيبهما، وكان هناك ولد صغير عمل الدرب ساساقا، فكل حين يمر جيئة وذهاباً وأنا أنحشر جهة الكراسي لأفسح له الطريق ليمر عبر الممر الضيق، ويبدو أنه زادها حبتين (متعمداً) فعلقت الفتاتان على ذلك، يعني معناها انت حاسدنا واللا شنو يا ولد..

كانت الرحلة طويلة نسبياً، حوالي أربع او خمس ساعات، وكان الشوق الى الأهل والى الوطن يخيل لي أنني لن أصل الى الخرطوم، خفت ان تسقط الطائرة او يحدث لي شئ قبل أن أرى أهلي، فكنت أدعو الله أن أصل وأراهم ثم بعد ذلك يحدث ما يحدث.. كان شوقاً جارفاً للأهل بعد أول فراق- رغم أنه لم يتعد التسعة أشهر- لكنها كانت مثل سنوات طوال..

وهبطنا في مطار الخرطوم بسلام، كان ذلك يوم 5 أغسطس 1976م، بدأ لي مطار الخرطوم كئيباً وصغيراً وكأنه كوخ ويبدو أن ذلك كان بسبب مقارنة ذهني له بمطار روما الضخم.. وقبل أن أرى مطار روما ومطار الدار البيضاء كان مطار الخرطوم بالنسبة لي فخم وضخم، خاصة عندما دخلته لأول مرة، وكان ذلك في العام 1970 عندما جئنا من مدني لنودع خالي الصادق حسن الصادق المسافر الى أمريكا لنيل الماجستير، وقتها رأيت مطار الخرطوم فخماً وجميلاً، لكنني الآن وأنا قادم من مطار روما فبدأ لي كمطار مدني الذي لم يكن غير ساحة ترابية تستخدم كمدرج وغرفة واحدة لإدارة المطار..

استقبلني خالي الصادق في المطار وذهبت معه الى منزله بشمبات الزراعة، وبعد السلام والترحاب رحت في سبات عميق، فأيقظوني لأتعشى، فتعشيت وأنا شبه نائم، بل مغمض العينين، فكنت أدخل الخبزة في صحن القراصة وأنا لا أدرك ماذا أكلت.. لقد كنت منهكاً وفاقد نوم بسبب تلك الرحلة الطويلة وعدم النوم المريح منذ أن فارقت مدريد، فإما نائم في القطار وأنا جالس، او في محطة القطار او في الحدائق..

استيقظت في الصباح فأخذني خالى الى منزل عمي خضر غلام الله- رحمه الله رحمة واسعة.. أدعو له بالرحمة- في الديم، حيث أخذني هذا الى موقف مدني وكان يومئذ في الخرطوم ثلاثة، ولكن قبل أن يصل الى الموقف ذكر لي أن كل الأهل مجتمعين في حديقة في سوبا، وكان اليوم جمعة، وبالفعل وجدت معظم أهلنا الذين يسكنون العاصمة، سلمت عليهم ولكن إحدى قريباتي قالت لي (البركة فيكم في ...)، ولم استوعب الاسم الذي ذكرته.. فانقبض صدري ولكني لم استطع الاستفسار منها، خفت أن أعرف، اصبحت مثل النعامة التي تدفن رأسها في الرمال.. كنت ابتسم لمن يسلم علي ابتسامة المضيفة البريطانية إياها.. ثم سرعان ما يتجهم وجهي.. ثم انتهى السلام واستودعت أهلي بتلك الجنينة في سوبا وأخذني عمي ومعي بن عمتي عبد المطلب عكاشه الذي كان في زيارة للخرطوم وكان عائداً أيضاً الى مدني، ركبنا سوياً أنا وبن عمتي البص المتجه الى مدني، وطيلة الطريق أحاول أن اسأله عن الشخص الذي قالوا لي البركة فيك من هو، ولكن يلجمني الخوف.. وبعد مجاهدة عنيفة مع النفس سألته.. فقال لي مافي أحد مات، ولكني ألححت عليه وقلت له ان فلانة قالت لي البركة فيكم.. في النهاية فجر في وجهي القنبلة..

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
01-25-2011, 05:25 PM
الحلقة التاسعة والأربعين


لبنى


نواصل..




لبنى

يا الله...

إنها أختى الصغرى، أصغر أخواتي، آخر العنقود التي لم تكمل عامها الرابع.. كانت صدمة عنيفة رغم التمهيد بالخبر من تلك المرأة في جنينة سوبا.. بكيت في البص.. وانتحبت في صمت.. قال لي بن عمتي: عشان كده أنا ما كنت عايز أكلمك..

وصل البص مدني ونزلنا في محطة البصات بالسوق الجديد، ومنها بتاكسي الى حي 114 .. وانقلبت حلاوة اللقاء الى علقم..

أُعيد العزاء مرة أخرى بقدومي، رغم أنه لم يكن هناك عزاء بالمعنى المفهوم لأن الفقيدة مسبلة لصغر سنها، ولكن مجئ الناس خاصة الجيران والأهل ليعزوني أعاد الحزن مرة اخرى رغم انه لم يبرحهم في الأساس..

حمى ليوم واحد فقط مكثته في المستشفى ثم أسلمت الروح.. قالت لي امي لقد بكاها الناس كأنها شخص كبير وليس طفل.. وقالت لي أنهم لم يشاءوا أن يخبروني لأنهم يعلمون أنني في وقت امتحانات، وآثروا ألا يخبروني وأنا في الغربة حتى لا يكون وقعها صعباً على نفسي، سيما وأنهم علموا بأنني قررت أن أعود في الإجازة الى السودان..

خففت عني أمي آلام المصاب بأن قالت لي أن هي الحياة هكذا، لا بد أن يتوقع الإنسان كل شئ.. نعم صدقت، ولكن دائماً النفس تأبى الفراق.. خاصة فراق الصغار، فهم المحبوبون دائماً، طاهري القلوب صافو النفوس.. ولكن لا نقول إلا ما يرضي ربنا.. إنا لله وإنا إليه راجعون..

ما كان يجب أن أحزنكم معي وأنا أسوق إليكم ذكريات السفر وطرائف الرحلات سيما وأنه مضى على هذه الأحزان ما يزيد على ثلث القرن.. لذا سأنقلكم الى محطة أخرى مفصلية في حياتي، بل هزت كياني هزاً..

مضت الأيام بين ظهراني الأهل وترحابهم بي وعزاءهم لي، والتقيت بأصحابي وزرت أهلي.. وبدأت أشم روائح زكية لطالما اشتهيتها وأنا في الغربة، روائح مرتبطة بموسم معين.. لقد كنا في شهر شعبان، وبقي لرمضان أقل من اسابيع ثلاث.. وتلك الروائح الزكية التي تنبعث من هنا وهناك، مرة في بيتنا ومرة في بيت الجيران وثالثة في بيت الجيران الذين خلفنا.. حيث تجتمع النسوة لعواسة الآبري والحلو مر..

ويهل رمضان، ونجتمع في قطعة الأرض غير المبنية التي بين بيتنا وبيت جيراننا ناس محمد مالك، ويتم تنظيف مكان فيها من الطوب والزجاج المكسور، وفي أول يوم من رمضان تفرش البروش والأكاليم ونجتمع نحن وأسرة العم محمد مالك، وأحياناً العم محمد عابدين حينما يكون موجوداً بمدني..

وعقب الإفطار نصلي المغرب ثم يأتي الشاي، وبعدها يرقد من يريد على البروش وندخل صواني الطعام وجكوك المياه الحلوة من حلو مر وآبري أبيض ونشاة، ثم يذهب بعضهم الى الأندية وبعضهم الى السوق وبعضهم الى أصدقائه..

وفي منتصف رمضان بدأت رائحة زكية أخرى تزكم الأنوف.. رائحة الخبيز والكعك.. بدأت النسوة في إعداد الأفران وعجن الدقيق وإعداد الخبيز والكعك..

وفي رمضان أيضاً كانت المسلسلات العربية.. وكان الجميع يحرص على مشاهدتها.. وكان جهاز التلفزيون في ذلك الزمان من الترف الذي لا ينتشر في الأحياء الفقيرة مثل حينا العمالي البسيط.. لكن جارتنا فوزيه المصرية ذات حج أحضرت معها هذا الجهاز وكان بالأبيض والأسود، ورغم ذلك لم يوجد غيره في الحي إلا ما ندر.. على الأقل في محيطنا ومحيط الشوارع القريبة منه.. كنا محظوظين إذ كنا نشاهد المسلسل من فوق الجدار الفاصل بيننا وبين جيراننا ناس محمد عابدين.. ولكن الجيران الآخرين كان لابد ان يدخلوا البيت- وكان هذا متاحاً للجميع، ما أحلى أيام زمان، لا يحس الضيف بأنه ثقيل ولا المضيف بأنه يستثقل ضيفه، بل يرحبون به ويفرشون البروش للصغار ويهيئون المقاعد والكراسي والأسرة للكبار..

وكانت بينهم..

تلك التي ستغير مجرى حياتي لعقود قادمات..

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
01-26-2011, 01:58 PM
الحلقة الخمسون

أفروديت


نواصل..

لفت نظري جمالها رغم صغر سنها.. ولكن عيونها أسرتني، ونظرتها أوقعتني في حبها.. ولكن ابتسامتها أكدت لي حبها لي.. كل ذلك في الثواني الأولى.. إنه الحب.. الحب من أول نظرة..

حتماً لم يكن جمالها سبب حبي لها، فالجمال في المغرب لا حدود له يذكرك بالمثل القائل ان الصندل في بلده حطب.. ومع ذلك لم أقع في حب مغربية رغم إعجابي بجمالهن وحلاوتهن وطلاوتهن.. وقعت في حب هذه السمراء الصغيرة..

رفعت يدي إليها محيياً وعيناي ما زلتا عالقتين بعينيها الباسمتين الواسعتين، فرفعت يدها بحياء ترد التحية، وعرفت مِن الذي يقف بجانبي مَن هي.. ويبدو أنها عرفتْ من أكون.. وعرفتُ أنا انها تقيم مع خالها الذي يجاور منزله منزل جيراننا أصحاب التلفزيون من الجهة الخلفية، وكانت في مهمة مساندة لزوجة خالها التي كانت في الوضوع.. وكان عثمان- المولود، الذي عمره الآن يناهز الرابعة والثلاثين- هو الذي نؤرخ به حبنا..

بعد أيام قلائل من هذا اليوم التاريخي، جاءت في غير موعد المسلسل وعبر الجدار الفاصل بيننا وبين جيراننا وقفت ونادتني وقدمت لي لفافة من ورق الجرائد، أخذتها وبدأت في فتحها، فترجتني ألا أفتحها حتى تذهب، ولكني كنت قد شرعت في ذلك، فوجدت حلاوة العيد وخبيز وكعك.. أكبرت فيها تلك الروح، هدية بسيطة لكنها رائعة.. إنها عربون المحبة.. وكأني أراها الآن تتوارى خجلاً إذ فتحت الهدية وهي ما زالت واقفة..

وهلّ علينا هلال العيد، وبعد صلاة العيد دخلنا كل بيوت الحي كالمعتاد، ولكن قلبي كان يدق كلما اقتربنا من بيت خالها حمد- نسيت أقول لكم أنني اكتشفت أن شقيقها درس معي في مدرسة مدني الأهلية (أ)، وهم يسكنون معنا في نفس الحي- 114- ولكن لم أدخل منزلهم من قبل.. دخلنا منزل العم حمد وكان معي بن عمي، فسلمنا على أهل البيت وكانت هي بينهم، فابتسمت لي ابتسامة لاحظها بن عمي عثمان، وما إن خرجنا حتى قال لي: بسمات.. وصار يرددها حتى رجعنا الى بيتنا حيث أخبر بها أهل منزلنا الذين كانوا قد لاحظوا ما أنا فيه من تجليات الحب.. وأسماها عثمان (بسمات) فصار هذا إسمها عنده..

في مساء نفس يوم العيد وكنا في الغرفة فشممنا عبر شباك الشارع عطراً كان مشهوراً في ذلك الزمان، وهو عطر كارينا، فالتفتنا جميعاً عبر النافذة لنعرف مصدر هذا العطر فإذا فتاتي تمر بالقرب من النافذة في طريقها الى باب بيتنا.. وهاك يا تعليقات.. وما هي إلا ثوانٍ حتى كانت بيننا.. لقد كان حباً جارفاً طاغياً.. كانت رغم صغر سنها قوية الشخصية، وكانت تعرف ما تريد، وتنال ما تريد، ولا تكترث لشئ آخر ولا لشخص آخر..

أسميتها افروديت.. وكنت قد شاهدت فيلماً مصرياً فيه تمثال افروديت بدون رأس، فجاءت سعاد حسني ووقفت خلف التمثال ووضعت ذقنها على عنق التمثال، فبدأ وكان التمثال اكتمل، فما كان من عماد حمدي حينما التفت فرأي هذا المنظر إلا أن قال: (افروديت تحيا من جديد).. ولحبي الشديد لسعاد حسني عليها رحمة الله، صعد فجأة هذا الإسم من الذاكرة لتشابه الجمال في الحالتين.. فصار اسم ملهمتي افروديت..

لم تمض أيام حتى عرفت اسرتينا بما بيننا، وكذلك الجيران، والأهل الأقربون.. كان الحب الأول الحقيقي إن استثنينا مغامرات المراهقة الأولى والقصص التي انتهت الى لا شئ، والإعجاب ببعضهن دون أن يتمخض عن الإعجاب شئ.. كانت أسرة فتاتي متفتحة الى حد كبير مقارنة مع بقية الأسر في الحي، باستثناء والدها، فكان إخوانها يعلمون بما بيننا، ولكنهم لثقتهم في أختهم ومعرفتهم بشخصي خاصة حسن زميلي السابق، فقد تركوا لنا هامش كبير من الحرية التي أغاظت بنات وشباب الحي.. وتلك قصة أخرى..

انتهت عطلة العيد وفتحت المدارس، وفتاتي ما زالت في بيت خالها، فكانت لابد أن تصبّح على حبيبها، وكان حبيبها ينتظرها كل صباح لتمر عليه، فاضطرت لتغير خط سيرها الى المدرسة فتدلف الى شارعنا ثم تعود مرة أخرى- بعد اللقاء الصباحي- بموازاة شارعهم لتذهب الى مدرستها، اي كانت تتجه جنوباً ثم ترجع لتتجه شمالاً مرة أخرى.. ولم تكن تكترث لأحد رغم وضوح سبب تغيير خط سيرها الى المدرسة.. ألم أقل لكم كانت شخصيتها قوية.. وحين عودتها من المدرسة الى المنزل كانت أيضاً تمر عليّ، وكنت أحرص على أن أكون في تلك الساعة في المنزل.. مين زيك يا عمر..

أخذتها ذات مساء الى ستديو اشراقة، وكان زميل الدراسة في مدني الثانوية خالد علي يعمل به، التقط لها المصور الشيخ الصورة، وقبل أن يضغط على زر الكاميرا رفع أصبعه فوق الكاميرا وقال لها انظري الى اصبعي، فنظرت، فجاءت الصورة وقد بدت فيها في أجمل حالة، أبرزت جمال عينيها وعذوبة ابتسامتها، وعلمت بعد سفري أنه طبع منها أكبر مقاس وضعه في واجهة الاستديو- كان هذا عادياً في ذلك الزمان، وربما الآن كذلك- وأكيد لروعة الصورة.. وطبعاً كتبت لي على ظهر صورتها إهداء جميل..

كانت العفاف نفسه، والطهر ذاته، والصفاء في أبهى صوره..

ويوم مغادرتي مدني الى الخرطوم للعودة الى المغرب، مرت بي كالمعتاد في طريق عودتها من المدرسة وكتبت لي في مذكرتي الخاصة كلمات بديعة كتذكار، ووعدتني بأن تحضر في العصر لتودعني، ولكنها لم تأت.. وحين غادرتُ منزلنا في طريقي الى موقف بصات الخرطوم، ظللت التفت الى ناحية منزلهم لعلي ألمحها آتية.. ولكن دون جدوى..

تلفتُ نحو الحي حتى وجعتُ من الإصغاء ليتاً وأخدعا..

فيما بعد عرفت أنها كانت تدرك انها لن تأتي ولكنها قالت ذلك حتى لا أصر عليها، وتبريرها لذلك هو أن العيون ستكون مركزة علينا ساعة الوداع من كل الناس خاصة الجيران والأهل، وستكون في موقف صعب.. أكبرت فيها هذا التفكير رغم صغر سنها، وقدرت أن هذا هو عين الصواب رغم زعلي من عدم حضورها حسب وعدها لي..


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
01-30-2011, 01:22 PM
الحلقة الحادية والخمسين

العودة الى مغرب الأحباب

نواصل..

بقيتُ أياماً قليلة في العاصمة السودانية الخرطوم قبل أن أمتطي صهوة النيل الأزرق (طائرة سودانير 707) المتوجهة الى روما وذلك في أوائل نوفمبر 1976م، وفي الطائرة كانت مسافرة معي زميلتنا سامية ابراهيم احمد، وكان خالها طياراً في سودانير فصعد معها الى متن الطائرة وتعرف عليّ واطمأن على سفرها الى المغرب، وقبل أن أنسى فإن المرحوم السفير الرشيد نور الدين هو أيضاً خالها..


ودعت أمي وأخوالي في مطار الخرطوم وغادرتها الى روما، وهذه المرة لم نغادر المطار، فقط غيرنا الطائرة السودانية الى الطائرة المغربية المتجهة الى الرباط.. ووصلنا الرباط، وهبطنا الى أرض المطار وقدمنا جوازاتنا الى العسكري، فاتضح ان تأشيرة عودتي منتهية، ولم أكن أتصور أن هؤلاء المغاربة الطيبين يمكن أن يمنعوني من الدخول الى المغرب وأنا مقيم بها ولدي دفتر إقامة.. وكان الجو بارداً، وتضامن ذلك مع تخوفي من إرجاعي على أعقابي فبدأت أرتجف، ولاحظ ذلك أحد الزملاء السودانيين ولا أدري هل قابلناه في مطار روما حيث تصل بعض الطائرات قبل موعد إقلاع الطائرة المتجهة الى المغرب فيبقون في الفندق، فربما كان هؤلاء قد سبقونا الى روما وتخلفوا فيها يوماً او يزيد، ثم ركبوا معنا نفس الطائرة من روما الى الرباط، ولا أذكر من هم ولم يكونوا معنا في الطائرة من الخرطوم الى روما، لاحظ هذا الزميل ارتجافي فسألني لماذا ارتجف فقلت له بأني بردان..


المهم سمحوا لي بدخول المغرب، فغادرنا المطار، ساميه توجهت نحو منزل خالها السفير، وتوجهنا نحن الى الحي الجامعي مولاي اسماعيل حيث زملاءنا السودانيين، وقضيت الليل معهم، ثم في الصباح انتقلت الى الحي الجامعي السويسي، وكنت قبل سفري الى السودان في اجازة قد تقدمت لإدارة الحي الجامعي السويسي الثاني لانتقل الى غرفة ذات سريرين كان قد أخبرني بعض الزملاء انها خالية، فذهبت الى فؤاد الحسيسني في مكتبه فقال لي لا توجد غرفة خالية، فقلت له بل يوجد وهي الغرفة الفلانية في الجناح الفلاني، فقال لي لا توجد، فاحتددت معه في الكلام وارتفع صوتي، وكان نائبه متواجداً معه، فلاحظت أنه لا يرفع نظره اليّ بل ينظر الى الطاولة أمامه، ويبدو انه كان مستغرباً في هذا الزول الذي يرفع صوته على فؤاد الحسيسني مدير الحيين الجامعيين مولاي اسماعيل والسويسي الثاني، وكان لا شخصية له امام الحسيسني الصعب.. المهم جاء الحارس وأخذني برفق الى الخارج.. فخرجت.. والآن يبدو أن تلك الشكلة جابت نتيجة، فقد اخترت غرفة مميزة، بها بلكونة واسعة وتطل على جناح البنات، فمنحوني إياها.. لكن لم تكتمل فرحتي بها، فقد قابلني أحد الزملاء السودانيين وقال لي ان فلان سيسكن معك، نفيت له تلك المعلومة فقال لي أنه قابله وهو من أخبره بذلك، وتذكرت انه قال لي ذات مرة انه يريد ان يسكن معي في تلك الغرفة المميزة 222 في جناح 2 او جناح بي، فجاملته وقلت له كويس، ويبدو انه كان جاداً ولم يصدق ان يجد احداً يرحب بالسكنى معه، فذهب الى مدير الحي الجامعي واعطاه رقم الغرفة واسم ساكنها اللي هو انا فوافق مدير الحي، وتفاجأت به يسكن معي.. قد تتساءلون لماذا لا يقبله احد.. والسبب انه شرير وكثير المشاكل، ولا يستطيع احد ان يعاشره..


وعندما سكن معي عرفت سبب كل هذا، فقد حكى لي- بعد شكلة معتبرة بيني وبينه- أن ابيه قاسٍ جداً وأنه على سبيل المثال كان يوقظهم الصباح بضربهم بخشبة مسنود بيها الباب.. كان زميلي في الغرفة يسيئ الظن بكل انسان، وهذا شئ طبيعي، فمن فقد الثقة بأبيه لن يثق بغيره.. وذات مساء رأيته يقرأ في خطاب، وبعدها خرج من الغرفة وكان الوقت متأخراً في الليل، وكان وقتها مخاصمني- تصوروا زول ساكن معاك في غرفة واحدة ومخاصمك- المهم بعد خروجه أطفأت نور الغرفة ورقدت في فراشي، فرجع بعد قليل وهاج وماج ورفع الكرسي يريد ان يضربني به لأنني أطفأت نور الغرفة.. المهم بعد أن هدأ حكى لي ان سبب ثورته تلك هو هذا الخطاب الذي وصله من أخيه الذي طرده ابوه من البيت فسافر الى مصر..


وكان أكثر ما يهيجه ان يرى زميل سوداني يزورني، وكان حينما يفتح باب الغرفة وهو داخل يفتحه بطريقة مزعجة، فهو يفتح الباب قبل ان يرفع المزلاج تماماً مما يجعل الباب يصدر صوتاً مزعجاً، وبمجرد أن ينفتح الباب ترى عيونه تدور في الغرفة كمن يبحث عن عدو، وكانت عيناه كبيرتان وبارزتان، لذلك كانت تلك النظرة التي يبحث فيها عن شخص داخل الغرفة كمن يتوقع شراً داخل الغرفة من عدو له..


رغم خصاماته المتكررة لي فكنت أوقظه للامتحان- وهو مخاصمني برضو- ولا أجعل مستقبله الدراسي رهناً بخصامه معي، وكان لا يستيقظ لوحده حتى للإمتحان، وكان يقول لي لا توقظني برفق فلن استيقظ- يبدو ان طريقة والده في ايقاظه ما زالت هي الوسيلة الأمثل لإيقاظه ..


نسيت أن أصف لكم الغرفة.. فهي مكونة من سريرين، والسرير عبارة عن دكة اسمنتية مرتفعة الجوانب قليلاً بجوار الحائط، بداخلها سرير ياي بدون أرجل، فالدكة هذه ترفعه عن الأرض بمقدار أرجل السرير تقريباً.. وفوقه ترقد المرتبة العالية القوية، ومخدة اسطوانية وملاءة وبطانية، وعلى الجدار الآخر يوجد السرير الثاني مثل الأول، وعلى الجدار الثالث توجد طاولة المذاكرة الحجرية/ الخشبية التي يعلوها مصباحان، وبجانبها كرسيان، ودولابان للملابس حجريان لكن أبوابهما خشبيان، وفي الجدار الرابع شباك يطل على البلكونة، ويوجد بين باب الغرفة وسريري مغسلة أيدي (حوض) عليها مصباح أيضاً، وفي سقف الغرفة يوجد مصباح أيضاً، اما الحمامات فكانت في خارج الغرف ومجمعة في كل طابق مجموعة منها..

http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=775&d=1293552712


الصورة المرفقة وجدت على ظهرها هذه الكتابة بخط يدي:

(صورة تذكارية جمعت بين إخوة بعضهم من المشرق وبعضهم من المغرب جمعتهم عقيدة واحدة لولاها لما تحابوا، ثم جمعتهم هذه الصورة التي أخذت في شرفة غرفة عمر حسن غلام الله رقم 222 جناح 2 الحي الجامعي السويسي 2 بالرباط المغرب والتقطت يوم
وتضم من يمينك: عمر حسن غلام الله ثم أحمد الفتوح ثم الأمين بوخبزه ثم محمد جمال ثم حسنين)

طبعاً الأمين بوخبزه نال درجة الدكتوراة من مصر، وأصبح عضو البرلمان المغربي عن حزب العدالة والتنمية، علمت ذلك عندما زرته في بيته في تطوان في العام 1997م..

للأسف لم أجد تاريخاً مكتوباً على ظهر الصورة، ولكن غالباً في العام 1976 أو 1977م..



وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
02-01-2011, 05:30 PM
الحلقة الثانية والخمسين

غرفة 222 جناح 2 الحي الجامعي السويسي 2



نواصل..



كان يعجبني أن أكتب على ظهر خطاباتي المرسلة عنواني أعلاه، فهو يتكون من رقم 2 المكرر 5 مرات، وكما أسلفت فهي تطل على جناح البنات على اليسار، وعلى بقية الأجنحة على اليمين، وهي في الدور الثاني، وفي الصورة المرفقة في المداخلة السابقة تبدو ثلاثة أجنحة للأولاد، الجناح الذي وراء محمد جمال دهب مباشرة هو الجناح الذي كنت أسكنه سابقاً في الغرفة الجماعية.. وربما الجناح الذي يظهر طرفه في أقصى يسار الصورة هو الجناح الذي تحته يوجد الفوييه، وتعني الكافتيريا، حيث يباع الشاي المغربي والقهوة الفرنسية وبعض الحلويات، كما توجد بعض الألعاب البسيطة، وطبعاً أسعار هذه الأشياء مدعومة ولا تساوي التي بالسوق، فهي أسعار خاصة بالطلاب..


كنت أحياناً في غير موسم الشتاء وفي غير وقت الأمطار أجلس قليلاً في الشرفة وكنت من مكاني هذا أرى البنات في غرفهن، فهن عادة يتركن شبابيك غرفهن مفتوحة خاصة في الصيف والربيع، والشئ الذي لفت نظري واستغربت له هو أنهن كن ينشرن ملابسهن الداخلية في الشرفات وفي الشبابيك، فنحن في السودان لا نرى ملابس داخلية للبنات حتى في بيوتنا، ونحتار أين ينشرنها بعد غسلها، اما هنا في المغرب فتجد حتى في الشقق منشورة خارج الشبابيك في حبال مشدودة تحت الشباك..


تعرفت على إحدى الطالبات ساكنات جناح البنات، تعرفت عليها في البراكة التي نشتري منها احتياجاتنا البسيطة وتقع خارج الحي بعد عبور الشارع الرئيسي، وتصادف انها تسكن في الشرفة التي تواجه شرفتي مباشرة، فكانت إذا خرجت الى الشرفة حيتني، ولكن الذي رسخ بذهني هو أنها كانت تنحنى على جدار الشرفة وتضع ساعديها على حافة الجدار وتطل على فناء الحي الجامعي، ولكنها كانت تتعمد حسبما بدا لي أن يكون جسدها منحنٍ في زاوية قائمة مما يجعل بنطلون الكوردروي مشدوداً جداً، وتبالغ في هذا الوضع فتحاول أن تصغر الزاوية القائمة لتصبح أقل من 90 درجة مما يجعل تلك الزاوية (مقعرة الى أعلى)، وتلتفت ناحيتي لترى تأثير هذا الوضع على شخصي المسكين..


لا أدري قبل هذه او بعدها تعرفت على أخرى يطل شباك غرفتها خلف الجناح، وكانت تسكن مع أختها، وقد لاحظت ان اختها شجعتني على التعرف عليها، وكنت حينما أمر بتلك الجهة اراها فأرفع لها يدي بالتحية فترد، وأحياناً تأتي الى الشباك وتتحدث معي، وأحياناً يأتي حارس الجناح ليتأكد من أنني بعيد بما فيه الكفاية عن الشباك بحيث لا يمكنني القفز عبر الشباك الى الغرفة، وقد علمت سبب حضوره الدائم كلما أحس ان طالباً واقفاً خلف الجناح، والسبب أن بعض الطلاب إذا تأكدوا من خلو المنطقة من الناس- مع ملاحظة ان خلف هذا الجناح لا يوجد اي مبنى آخر، بل تمتد مساحة خلاء كبيرة- فإذا تأكدوا من أن أحداً لا يراهم قفز الى داخل الغرفة عبر الشباك الذي لا يرتفع كثيراً عن الأرض، طبعاً بالاتفاق مع ساكنة الغرفة.. وأحياناً عندما يكون الحي شبه خاوي في نهايات العام الدراسي او قبيل عطلات الربيع والأعياد والمناسبات الأخرى كان بعضهم يجلس في تلك الجهة بجوار الشبابيك التي تفتح على هذا الخلاء ومعهم بعض ساكنات الجناح، وهذا ينطبق على السودانيين من الجنسين..


تلك التي تعرفت عليها وشجعتني اختها على ذلك استمر الحال على هذا المنوال وكانت جميلة جداً، ولكن في مرة ركبت الحافلة وتصادف وجودها أمامي في المقعد المقابل، فتحدثت معها ويبدو انه حدثت بيننا ملامة لا أذكرها، وعملت زعلانة، والحمد لله على ذلك، لأنني صدمت برائحة فمها.. بالمناسبة هذا عيب في المغاربة، فهم لا يهتمون ابداً بنظافة الفم ولا بالسواك، حتى علية القوم منهم، وهم ليسوا بدعاً من بقية كثير من الشعوب العربية..


وبمناسبة جناح البنات إياه، كانت إحداهن لها طريقة غريبة في لفت نظري، فما إن تدخل قاعة المحاضرات حتى تنادي عليّ أعلى صوتها (الجرسي): يا غلام الله ما شفت محمد السماني، وأكون أنا في مقدمة القاعة الكبيرة وهي يادوبك داخلة، فأجيبها بكل صدق أنني لم أره أو إنه هنا، أو.. وتكرر ذلك في مرات أخرى، ثم تغير الموجة: يا غلام الله ما شفت النور؟ فأجيبها كذلك، ولكن بدون إضافات وبدون أن استجيب لما وراء هذا السؤال الذي حتماً ليس المقصود به معرفة اين محمد السماني او أين النور.. ودون أن تزيد هي على ذلك ودون أن أقدم أنا على أي خطوة إيجابية، وذلك لأنني لا أجازف بهكذا علاقة مع سودانية وأنا مرتبط في السودان..

المهم في يوم من الأيام ذهبت الى خلف هذا الجناح لآخذ مذكرة منها، وكانت الوسيلة لمناداة ساكنة تلك الغرف هو إلقاء حجر صغير (حصاة) على شباكها، فحذفت الحصاة على شباكها وكانت غرفتها في الطابق الثالث، ففتحت الشباك ووقفت ونور الغرفة خلفها، وكانت في قميص نوم.. لا .. بل في قنلة داخلية شفافة وقصيرة، وحسبت أنها سترجع لتضع شيئاً حول جسدها ولكنها لم تفعل.. وظلت واقفة تخاطبني وأنا أراها من أسفل الى أعلى وقطع الملابس الأخرى غير القنلة هي الأوضح..


قلت لها أنزلي.. قالت لي يا مولانا أدعو لينا عشان أنجح في الامتحان!
قلت لها انتصرتي عليّ أخيراً.. لذا سأسميك انتصار!
اكتفت بانتصارها هذا، وعدت الى غرفتي وانا اشتعل، لقد هزمتني وأقررت لها بالهزيمة..
لم تنزل لي، ولكن رأيتها ذات يوم هادئ تجلس بجانب أحدهم- سوداني- خلف الجناح، وتحت شباكها، وكانا ملتصقان!


أرفق لكم صورة ليس لها علاقة بما كتبت أعلاه، فقط هي في الحي الجامعي السويسي الثاني، وتبدو خلفنا مئذنة جامع الحي الجامعي السويسي الأول- لم يكن مفتوحاً رغم أنه بنى مع الحي نفسه- وقد وجدت مكتوباً خلف الصورة:

(ذكرى حلوة في الحي الجامعي السويسي الثاني بالرباط
أنا ثم مجدي (مصري) ثم عائشة عمر الخبير ثم سامية احمد ابراهيم (وصحة الاسم سامية ابراهيم احمد) ثم آمال ثم فتحي (مصري)
والذكريات في كل ليلة بتوحي للأحباب أشياء جميلة..
الرباط- المغرب
عمر حسن غلام الله)



http://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/6613.imgcache.gifhttp://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/6614.imgcache (http://www.sudaneseonline.com/uploadpic10/November/OmarsudanAishasudanAmalsudanSamia001.jpg)


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
02-06-2011, 06:14 PM
الحلقة الثالثة والخمسين


الجاليات العربية والإفريقية في الجامعة

نواصل..

بمناسبة الصورة في الحلقة السابقة (الثانية والخمسين) والتي يظهر فيها زميلان مصريان، فالملاحظ في تلك الحقبة من الزمن لم يكن عدد الأخوة المصريين الطلاب كثيراً في المغرب، ويبدو أنه ليست هنالك جالية مصرية، فكل المصريين الذين درسوا معنا في المغرب لا يتجاوز عددهم عدد اصابع اليد الواحدة او اليدين، فبالإضافة لهذين الزميلين مجدي غانم (والده دبلماسي في أحد دول غرب افريقيا- ربما ساحل العاج - وبالتالي فالمغرب هي أقرب دولة عربية لساحل العاج) ومجدي يسكن في نفس الطابق الذي أسكن فيه في الجناح 2 في الحي الجامعي السويسي 2، وفتحي (لا أذكره جيداً)، فهناك يسري عواض والذي والده يعيش بالمغرب ومتزوج من إمرأة أخرى مغربية وهو يعمل خطاط على ما أذكر، وبن عمه مجدي ادريس عواض وهو صديقي، وهما من النوبة، وقد أراني صور لقريتهم في النوبة فوجدت الرجال عندهم يلبسون الجلاليب والعمم تماماً مثلنا، ورأيت والدته فيما بعد وقد خرجنا معها في مرة في القاهرة وهي تلبس التوب السوداني، وجميعهم لم يروا السودان، بل إن هذا هو زيهم، ومجدي يدرس معي في نفس السنة.. مصري آخر هو محمد سيد القالع وهو من القاهرة وطالبان آخران نسيت اسميهما..

من الطلاب الذين صادقتهم وكانوا طيبين معنا هم الموريتانيون، فقد كان من ضمنهم مختار ولد ده الذي يدرس بكلية الطب، وهو من العرب الذين يسمون الحسانية، وآخر اسمه داؤود وهو من الزنوج الموريتانيين، وكانوا يسكنون مع بعض في شقة مستأجرة في حي أكدال، وكنت أزورهم في شقتهم من حين لآخر، وقدرتهم على السكن في شقة في هذا الحي الراقي هو لأنهم يأخذون منحة دراسية من المغرب وكذلك منحة أخرى من الأمم المتحدة، نظراً لأن موريتانيا تعتبر من الدول الفقيرة التي تدعم الأمم المتحدة طلابها، ونفس الشئ كان ينطبق على تشاد.. المهم كلما ذهبت لزيارة اصدقائي الموريتانيين هؤلاء وجدت عندهم فتيات مغربيات، خاصة في عطلة نهاية الأسبوع، ويبدو أنهم ملوا وجودهن الدائم عندهم فقرر صاحبي المختار ألا يسكن في شقة بعد هذا العام، وبالفعل انتقل في العام التالي الى الحي الجامعي السويسي الأول..

نفس الشئ كان يحدث لأصدقائي التشاديين، وكان من بينهم ابوبكر دوده وهو قد تربى في الفاشر، وكنت كلما زرتهم وجدت عندهم الفتيات المغربيات، ولكن في إحدى المرات- حكى لي ابو بكر دوده- بأن فاطمة- وقد رأيت صورتها وهي تلبس زياً شتوياً في أحد شوارع باريس حيث كانت تدرس- فاطمة هذه جاءت في اجازة من فرنسا الى المغرب وفي عطلة نهاية الأسبوع وجدت منزل اصدقائي ممتلئ فتيات مغربيات وأخريات تشاديات طالبات في المغرب، ولاحظت ان التشاديات يجلسن بلا أنيس والمغربيات يسيطرن على الساحة، فما كان من فاطمة هذه إلا ان طردت المغربيات وأغلقت دونهن الباب وقالت للتشاديين هؤلاء اخواتكم التشاديات لو عايزين... فضحكت وقلت له ماذا فعل التشاديون؟ قال لي رضخوا لدعوتها وخافوا من لسانها السليط واكتفوا- على الأقل في وجود فاطمة- ببناتهم التشاديات..

صاحبي السوداني الذي سكن معي في الغرفة إياها، في الإجازة استأجر شقة، زرته فيها، فقلت له شقتك هذه (شقة سرير) على وزن شقة ثلاثة غرف وصالة، او شقة غرفتين ومطبخ، او شقة غرفة وصالة.. فغرفة صاحبي هذا تسع سرير واحد فقط، وهي أسفل عمارة وتحت السلم مباشرة، ربما تكون في بير السلم، فحتى السرير هذا ليس هناك فراغ بينه وبين الجدران ولا حتى الباب، فإذا دخلت فلن تكمل الخطوة الواحدة حتى تصطدم بالسرير.. ورغم ضيق شقته تلك فقد وجدت لديه فتاة مغربية، بل فتاتان.. ويبدو أنه كان عازمهم على السينما وأراد تقسيم (حق) السينما على قسمتين فدعاني للذهاب معهم الى السينما لأدفع تذكرة السينما للأخرى.. طبعاً في السينمات المغربية الخلط راااقد، خاصة لما تطفأ الأنوار ويشتغل الفيلم..

بعض الطلاب السودانيين تركوا الأحياء الجامعية واستأجروا شقق لهم، ولكن في أحياء تلائم دخلهم المحدود من المنحة المغربية او مما يصلهم من أهليهم في السودان، لذلك سكنوا في احياء مثل حي المحيط وفي الجي سانك (j5) وأيضاً لم تكن تخلو هذه الشقق من البنات، وكان الذين يفضلون السكنى خارج الأحياء الجامعية يريدون الحرية، في كل شئ، ففي الأحياء الجامعية يمنع الزيارات المتبادلة بين البنين والبنات (عدا معهد الأحصاء والمعهد الزراعي كما أسلفت)، ويمنع كذلك السكر، مع أن بعض الطلاب كان يأتي الى الحي الجامعي وهو ثمل، وفي عطلة نهاية الأسبوع تصبح أحواض الغسيل (المغاسل) مقرفة بسبب استفراغ الثملين لـ(الروج) الذي يسبب لهم الغثيان (لا أدري لماذا)!

الصورة المرفقة تضمني وصديق مغربي عزيز أنساني بعد الزمن اسمه، ونقف في الخلاء الذي يفصل بين الأحياء الجامعية السويسي الأول والثاني، وبين خط السكة الحديد ويعقوب المنصور، وهذا المكان الذي نقف فيه الآن هو الذي كنت أتملاه وأنا أقف على شباك غرفتي واستمع الى أغنية (لا وحبك) للفنان عثمان حسين.. وكما تلاحظون الأرض مليئة بالحشائش والربيع والزهور البرية التي تنمو بفعل الأمطار.. ويبدو الحي الجامعي السويسي خلفنا، والصورة مأخوذة في عصرية وقبيل الغروب بقليل.. وللأسف فأمطار مدني خربت الصورة ولم يتبق منها غير الذي ترون، لكن شئ خير من لا شئ.. ولم أجد تاريخاً مدوناً على ظهر الصورة، لكن ربما كانت في العام 1976 أو 1977م..


http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=782&d=1293980505


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة..

أبو عدى
02-07-2011, 01:02 AM
وقفة احترام و اجلال لشخصكم الكريم
وامام كل هذا الابداع المنقطع النظير
ادمنت قراءة هذا البوست واصبحت اترقب جديد الزكريات كل يوم
شكرا لك اخى الفاضل الاستاذ الفاضل عمر
نتابعك بشغف

احترامى و تقديرى

عمر حسن غلام الله
02-07-2011, 05:25 PM
وقفة احترام و اجلال لشخصكم الكريم
وامام كل هذا الابداع المنقطع النظير
ادمنت قراءة هذا البوست واصبحت اترقب جديد الزكريات كل يوم
شكرا لك اخى الفاضل الاستاذ الفاضل عمر
نتابعك بشغف

احترامى و تقديرى

العزيز عاصم

شكرا لك لأنك بتطيب خاطري وتشجعني

وسامحوني لأني ما قاعد اتداخل في البوستات الأخرى لمشغوليتي، فليعذرني زوار هذا البوست ممن لهم بوستات لم اتداخل فيها..

عمر حسن غلام الله
02-07-2011, 05:51 PM
الحلقة الرابعة والخمسين


طرائف المواصلات والركوب بالمجان

نواصل..

المواصلات معروفة، ولكن الركوب بالمجان هذه قد تكون غريبة بعض الشئ، وقد درسناها في القانون المدني على ما أذكر، وهي (يا عم وصلنا معاك) أو (الركوب الملح) أو (الأوتوستوب) أو أن تقف في الشارع وتمد ابهامك الى أعلى فإذا ما مرّت بك سيارة او غيرها اتجهت بابهامك الى اتجاه الطريق الذي انت ذاهب فيه.. الركوب بالمجان معروف في العالم كله، ويكثر أمام الجامعات والمدارس خاصة، وفي السودان أسموه (فضل الظهر)، ولكن قال لي خالي بروف الصادق حسن الصادق الذي درس في أمريكا أن المجرمين هناك استغلوا هذا النوع من المواصلات لتنفيذ جرائمهم، فما إن يقف له أحدهم ليوصله حتى يهدده بالسلاح ليأخذ ما عنده، وقال لي أن أخطرهم من يقف بجوار الجامعات.. يعني اولاد الحرام ما خلو شئ لأولاد الحلال.. أي بسبب هؤلاء فقد يتردد اصحاب السيارات كثيراً قبل أن يقفوا لأحدهم ليوصلوه معهم..

نبدأ بطرفة زميلنا أحمد المصري الذي يسميه زملاؤنا المصريين أحمد السوداني.. فقد وقف له طالب افريقي بسيارته ليوصله معه الى الحي الجامعي- طبعاً خط المواصلات الجامعي هو رقم 11، اي حافلة النقل الحضري رقم 11 هي التي تمر من الحي الجامعي مولاي اسماعيل لتقف في عدة نقاط تجمع للطلاب منها التي قرب السوق- على ما أظن أمام كلية الطب القديمة- ثم تمر امام كلية الآداب، فكلية الحقوق الى ان تصل الى الحي الجامعي السويسي الأول والثاني ثم تختم بالمعهد الزراعي- المهم هذا الإفريقي وقف لأحمد وركب معه احمد فتكلم هذا الافريقي معه باللغة الفرنسية ظاناً منه ككل الذين في المغرب- بمن فيهم المغاربة- ان كل اسمر يتكلم الفرنسية، وبما أن احمد لا يعرف الفرنسية فقد قال له you speak Engilsh فما كان من الإفريقي إلا أن قال له yes فسقط في يد أحمد لأنه لا يعرف الإنجليزية أيضاً.. حكى لي ذلك أحمد بنفسه بلهجته المصرية المحببة.. (قائلاً كمن يخاطب ذلك الطالب الآن: يخرب بيتك)

في مرة كنت أقف في محطة الاتوبيس التي امام الحي الجامعي السويسي، وبجانبي صلاح (ابو سن كاحله) وسماه هذا الإسم المغاربة، إذ كانت له سن أمامية لونها بني غامق، والمغاربة يسمون الأسود أكحل، بالتالي أطلقوا عليه هذا الإسم باعتبار ان سنه مسودة.. المهم وقفت لنا سيارة دون أن نشير اليها بإبهامنا، ولم نفعل ذلك لأن التي تقودها إمرأة وتقعد بجانبها إمرأة أخرى.. فترددنا انا وصلاح على اعتبار انها ربما كانت تريد ان تسألنا عن جهة او مكان، ولكنها قالت لنا: ألا تريدون أن نوصلكم؟ فقلنا لها نريد ان توصلونا، فقالت اركبوا، فركبنا في المقعد الخلفي، وسارت بنا السيارة الى ان وصلنا الى كلية الحقوق بأكدال، فأوقفت السيارة ونزلنا انا وصلاح.. وبعد أن شكرناهما انطلقتا بسيارتهما، فقال لي صلاح: لقد تخيلت أنهما سيأخذاننا الى بيتهما و.. و..، فضحكت لدرجة أن سالت دموعي.. والسبب أن خيالي أيضاً ذهب في نفس الإتجاه..

في مرة وانا أقف في محطة الاتوبيس التي قرب كلية الحقوق بأكدال، وكان الوقت متأخراً حيث أنني كنت في المكتبة، وكما أسلفت فإن المواصلات العامة في المغرب تقف عند الثامنة مساء، فإذا فاتك آخر بص فلن تستطيع الوصول إلا بالتاكسي او بأرجلك او بطريقة الركوب بالمجان.. المهم وانا واقف وفاقد الأمل جاء موتر من أمامي فأشرت إليه بإبهامي، وعندما حاذاني رأيت الراكب يلبس بنطلوناً وفنيلة أكمام طويلة وخوذة، فلما وقف على بعد خطوات مني مشيت نحوه، وما إن اقتربت حتى ظهرت لي ضفيرة هابطة من تحت الخوذة، فابطأت خطاي حتى توقفت قبل الموتر ولم اشأ أن أركب، فالتفتت نحوي وقالت لي: غادي الحي الجامعي؟ وترجمتها ماشي الحي الجامعي؟ فقلت نعم، قالت هيا اركب، فركبت خلفها في الموتر، وكان المقعد واحداً- بعض المواتر تجد مقعد أساسي ثم مقعد آخر منفصل أدنى منه، يعني زي العجلة- لكن هذا مقعده واحد وطويل يسع لشخصين.. ركبت وتركت مسافة بيني وبينها حتى كدت أسقط الى الخلف.. وكانت ضفيرتها ترقد على المقعد بيني وبينها ، وتحركت، وبعد مسيرة دقائق تغير صوت الموتر، فتوقفت وانحنت الى الأمام وفتحت خزان الوقود، يبدو أن الوقود قد نفد، ثم استقامت في جلستها بعد تلك الانحناءة، فضاقت المسافة التي بيني وبينها في المقعد، والتصقت بي.. ثم ساقت الموتر الى أقرب محطة وقود ولم تكن تبعد عن مكاننا هذا غير عدة أمتار، فصبت الوقود، فأردت المشاركة ودفع ثمن الوقود، فقالت لي: هو طاكسي؟ فاستحيت وارجعت فلوسي ودفعت هي.. ثم تحركنا باتجاه الحي الجامعي.. وكنت أمسك ضفيرتها- التي تنسدل أمامي حتى يرتاح طرفها في المقعد- بيدي وأحس بنعومة الشعر، ولا أدري هل كانت تعرف أنني أداعب ضفيرتها أم لا؟ ولكن منذ تلك اللحظة التي التصقت بي بدأت أرتجف، ويبدو أنها أحست بتلك الرجفة فسألتني لماذا ارتجف، فأجبتها بنصف الحقيقة وقلت لها: ارتجف من البرد.. والواقع أن البرد زاد رجفاني ولم يكن هو السبب.. فزادت الطين بلة حينما قالت لي: تمسك بي! يا للهول، ووضعت يداي حول خاصرتها.. وربما أحطت بساعدي بطنها لا أذكر .. كان ذلك شديداً علينا نحن القادمون من قلب افريقيا من صحرائها الكبرى التي حرقتني بالحرارات الشموس فجعلتني منها كعود الأبنوس..

وصلنا الى الحي الجامعي السويسي الثاني وعلمت انها تسكن فيه كما أسكن، وكانت فوزية تشبه الأوربيين، فقد كان شعرها ذهبياً ويغطي النمش خدودها ولونها أشقر.. صارت بيننا معرفة كلما التقينا سلمنا على بعض، وفي مرة سألتها أين موترها فقالت لي أخذه صاحبه، ومن صاحبه؟ قالت صاحبي.. وفي مرة عقب انتهاء السنة الدراسية وظهور نتيجة الامتحانات وجدتها أمام جناح 2 الذي أسكن فيه حيث مكاتب إدارة الحي الجامعي، وسألتها عن النتيجة فقالت لي: والوو.. قلت لها يعني إيه والوو، قالت لي يعني ولا شئ.. أي رسبت.. قالتها ببساطة أضحكتني كثيراً.. قالت لي لماذا تضحك؟ قلت لها لأنك قلتيها بلا اكتراث..

ذكرني عدم اكتراثها هذا بأخرى زميلة لنا، رسبت أيضاً وعقب النتيجة مباشرة كانت تأكل ساندوتش او شئ من هذا القبيل بلا مبالاة، فقال لي محمد السماني شوف دي تاكل وفلانة- إحدى زميلاتنا السودانيات- قالت البآكل ليها شنو وانا راسبة، لقد انتابتها حالة هستيرية فظلت تصرخ وتبكي، وفشلت زميلتاها في تهدئتها مما اضطر حارس الجناح من تجاوز القانون والسماح لحبيبها- عليه رحمة الله- من الدخول إليهن في غرفتهن للمساعدة في تهدئتها.. ربما نحن الأجانب نحس بالألم إذا رسبنا، ولكن أهل البلد لا يأبهون، ربما لأنهم في بلدهم ولا يفرق معهم رسوبهم او حتى تأخرهم سنة أو سنتين.. مع ان الرسوب في الامتحان التحريري لدورة يونيو يمكن تعويضه بالجلوس لامتحان دورة اكتوبر، والرسوب في الشفوي أيضاً يمكن تجاوزه في امتحان الشفوي لدورة اكتوبر..

قبل أن أكمل طرائف المواصلات أرفق لكم صورة تضمني (على يمينك)، ثم أبو زيد محمد صالح (من الفاشر)، ثم النور محمد أحمد (من ديم القراي لكنه يعيش في الفاشر)، ثم عبد الله خالد (من الدندر)، والصورة في الحي الجامعي مولاي اسماعيل، ولم أجد تاريخاً مسجلاً خلفها، لكن يبدو أنها في العام 1976م ولا أدري إن كانت أبان فترة سكني بمولاي اسماعيل ام كنت في زيارة للحي بعد رحيلي للسويسي الثاني.. والمسجل الذي أمام عبد الله خالد هو المسجل الذي اشتريته من زميلنا محجوب البيلي، وكنت استمع عبره لعثمان حسين في أغنيته الجميلة (لا وحبك) من شباك الغرفة الجماعية التي حدثتكم عنها سابقاً..



http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=783&d=1294067144


والصورة وجدتها في مدني في اجازتي الأخيرة في يوليو/ أغسطس 2010م لذلك لم أدرجها في مداخلاتي حول الحي الجامعي مولاي اسماعيل..




وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
02-08-2011, 11:52 AM
الحلقة الخامسة والخمسين


طرائف المواصلات والركوب بالمجان (2)

نواصل..

في مرة وانا واقف في محطة كلية الحقوق بأكدال منتظراً الحافلة مرّ بي سوداني راكباً موتر، وكنت الوحيد الواقف في تلك المحطة، وكان الوحيد الذي يمر في الشارع في تلك اللحظة، ووقعت عيناه على شخصي، وأنا أنظر إليه متوقعاً أن يقف لي كما وقفت لي فوزية من قبل، ولكنه لم يفعل، بل لم يسلم او حتى يشير برأسه ليحييني، بل نظر أمامه في الشارع حتى لا ينظر إليّ.. وواصل وتركني في حيرة من أمري، كان موقفاً غريباً وقاسياً على نفسي..طيلة هذه السنين الطويلة لم أفهم لماذا رغم علاقتي الطيبة به ورغم أنه من منطقة قريبة من منطقتنا في الشمالية، وكان يسكن معنا في نفس الغرفة الجماعية التي سكنا بها في الحي الجامعي مولاي اسماعيل أول وصولنا الى الرباط.. وكان من القلائل الذين يملكون موتر.. ومن القلائل الذين ملكوا سيارات- بعد مغادرتنا للمغرب- ولعله يقرأ كلامي هذا فيفسر لي ما حدث منذ ثلث القرن، سيما وأنه أصبح مشهوراً..

في مرة كنت اقف في محطة بصات كلية الآداب، وكان الوقت ليلاً، فمرت بي سيارة ما لبثت ان توقفت وأشار لي سائقها بأن يوصلني في طريقه، فلاحظت أنه خواجه، فحاولت إفاهمه بالفرنسية بأنني ذاهب الى الحي الجامعي السويسي، فلم يفهم مني وبدأ انه لا يكترث الى وجهتي، بل يريد أن يوصلني بصرف النظر عن اتجاه سيره هو ووجهتي أنا- المهم ركبت معه ولاحظت أن في المقعد الخلفي يوجد كـلـب (أكرمكم الله) لم أرّ أكبر منه حجماً، لا الكـلب البوليسي ولا الوولف.. عرفت ان صاحب السيارة اسباني، وفهمت ان الهدف من توصيلي ليس هو عمل خير، بل يريد مني شيئاً آخر.. تلاقيهو قال في نفسو الافريقي ده يجي منو.. المهم أوصلني الى قرب الحي الجامعي السويس بعد أن عبثت يده بأشياء تخصني كانت تحت كتبي التي أضعها على حجري.. ورغم أنه من إياهم إلا أن يده كانت غليظة وخشنة لا توحي بأنه من تلك الفئة من الرجال التي تفضل أن تكون نساء..

ننتقل الى المواصلات، فنبدأ بالتاكسي، ويسمونه المغاربة طاكسي، فتجد لوحة في أعلى السيارة مكتوب عليها (طاكسي صغير) وهو عادة من السيارات الصغيرة ماركة الفيات الإيطالية، وتسع فقط ثلاث ركاب، واحد في الأمام واثنان في المقعد الخلفي، والتاكسي غير الصغير هو من نوع المرسيدس، وهذا ينقل الركاب بين المطار والبلد، او بين المدن، وغالباً يشتغل بالطرحة، ويسع ضعف ركاب التاكسي الصغير تقريباً.. والطاكسي الصغير تتغير تسعيرة العداد بعد الساعة الثامنة والنصف مساء، حيث تزيد خمسين بالمائة.. وأذكر في أيامنا تلك أضرب أصحاب التاكسيات الصغيرة، والسبب أنهم يريدون أن تحسب المرأة الحامل التي تركب معهم شخصان وليس شخص واحد، لأن شركات التأمين ستحملهم الشخص الزائد في حالة حدوث حادث وكان عدد الركاب أكثر من الذي يرخص به في رخصة التاكسي.. وبالضرورة المرأة الحامل تحسب شخصين لدى دفع التعويض..

يوجد مواقف خاصة بالتاكسيات الصغيرة، وتجد ساعة الزحمة الناس تقف على الرصيف في صف يحفظ كل واحد منه دوره، فإذا جاء تاكسي فاضي يركب الذي وصل أولاً، ثم الذي يليه وهكذا.. ولن يسمحوا لك اذا تجاوزت هذا النظام- وكنا أول أيام لا نفهم ذلك فنجري لنركب مجرد وقوف التاكسي فتأتي إمرأة وترطن معنا بالفرنسي أن هذا ليس دوركم، بل دوري أنا لذا سأركب قبلكم- وطبعاً التاكسي الصغير رخيص جداً بالمقارنة بالمواصلات العامة وبالدول الأخرى بما فيها السودان، فكان أفضل لنا ان نركب تاكسي اذا كنا ثلاثة فغالباً لا يكون نصيب الواحد منا أكثر من درهم، ولو اردنا الذهاب الى مكان يحتاج الى مواصلتين (بصين) فمعناها ان الفرد منا سيدفع ما يقارب الدرهم في الخطين، مع وجود الزحمة والعفص والدفس، طبعاً التاكسي بالعداد..

أحياناً الزحمة فيها مشاكل، ولكن قبل التطرق الى الزحمة أشير الى أننا لاحظنا كتابات غريبة في الحافلات أول وصولنا الى المغرب، فنجد داخل البص مكتوب لوحة: (ممنوع ركوب الوسـخانين والمعفنين).. واستغرابنا زال عندما عشنا في المغرب، فلا يوجد في البيوت القديمة حمامات (دوش)، بل من أراد ان يستحم فعليه ان يذهب الى الحمامات العامة، وهي حمامات بخار يسمونها في الشرق (ساونا)، وطبعاً هي بفلوس، ورغم انها ليست فلوس كثيرة الا ان بعض الناس لا يستطيعون دفعها، وفي الشتاء الناس تتحاشي الاستحمام في البرد، لذلك تتراكم روائح الجسد مع روائح الملابس غير النظيفة مع عدم استعمال المياه في المراحيض حيث يستعملون الورق، وفي الحي الجامعي لاحظت استعمالهم لورق الجرائد.. لذلك اصدرت إدارة المواصلات هذا التنبيه في الحافلات..

الزحمة نخليها للحلقة القادمة..


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة..
</b></i>

عمر حسن غلام الله
02-15-2011, 07:13 PM
الحلقة السادسة والخمسين

طرائف المواصلات والركوب بالمجان (3)

نواصل..

الحافلات في المغرب تشبه بصات أبو رجيلة التي ظهرت في السبعينات من القرن الماضي، ففيها مقاعد قليلة وبقية الركاب وقوف ويتمسكون بسيور معلقة في مواسير على طول البص.. والمفترض ان يقوم الشباب من مقاعدهم لكبار السن او للنساء، رغم أن هناك مقاعد مخصصة لهؤلاء، وفي مرة كان يجلس في المقعد الذي بجانبي شاب مغربي صغير السن، فجاءت إمرأة كبيرة وقالت له:
- قوم لي يا وليدي خليني اقعد..
فجاءها الرد:
- أنا بنيّة أنا ما وليد!
فضحكت بصوت عالي حيث لم استطع حبس ضحكتي، وكنت انا نفسي اعتقد انها شاب، فقصة شعرها كما لو كانت قد حلقت في صالون حلاقة رجالي، بما في ذلك القطعية، وتلبس بنطلون وقميص لا يختلف عما يلبسه الأولاد، وفوق ذلك لا تضاريس بارزة تبين أنها (بنيّة).. وقد لبت طلب المرأة وقامت لها من مقعدها لتجلس..

أحياناً تكون الزحمة مبالغة، خاصة في محطة مولاي اسماعيل حيث يتوجه منه الطلاب الى كلياتهم سواء الآداب أو الطب او الحقوق او الى المطعم في الحي الجامعي السويسي الأول، وفي مرة كانت الزحمة في قمتها، فما وجدت مكاناً غير في الباب، وكان لابد أن يُغلق الباب الأوتوماتيكي حتى يتحرك البص، فانحشرت حشراً في المنطقة التي تلي الباب بعد أن أغلق، وكنت اقف في الدرجة السفلى من السلم الذي يؤدي لداخل البص، وكانت هناك بنت مصرة على الركوب، فانحشرت أيضاً في هذه المنطقة، ولكن لم تجد موطئ قدم لها، فجعلت ظاهر قدميّ موطئ قدم لها.. نعم كانت قدميها تقفان على قدميّ تماماً، وانعصر جسمها على جسمي بضغط هائل، والتصق كل شئ في جسدها بكل شئ في جسدي، فكان شعر رأسها تحت حنكي ومؤخرة جمجمتها على قصبتي الهوائية وكتفيهاعلى صدري وظهرها على بطني.. إلى آخره.. حيث قدميها فوق قدمي.. ومع ذلك كنت طبيعياً على غير العادة، فالظروف هي التي حتمت هذا الموقف، واستمرينا هكذا الى أن فتح الباب في محطة ما ونزل بعض الطلاب..

في مرة أخرى، ومن نفس محطة مولاي اسماعيل ركبنا الحافلة، وكانت في المحطة بنت من بنات تطوان أعرفها، فسلمت عليّ وتونسنا على بال ما الحافلة وصلت ووقفت أمامنا تماماً لحسن حظنا، فعملت لها حماية من خلفها وأحطتها بساعديّ حتى فتح باب الحافلة وصعدنا أول ناس للحافلة التي كانت ممتلئة الى حد ما، وليست كسابقتها، ورغم عدم امتلائها تماماً فقد التصقت بها، وحدث ما لم يحدث في الحالة السابقة.. ويبدو أنها كانت تتوقع ذلك، لا أدري لماذا.. ولم يبدو عليها رد فعل سلبي او شئ من هذا القبيل، بل واصلنا ونستنا التي بدأنها في الأرض كأن شيئاً لم يكن، ودفعت لها ثمن التذكرة..

في رحلة بالحافلة عكس الاتجاه السابق كنت قادماً من السويسي الى كلية الحقوق، وكنت واقفاً في زاوية يحدها الشباك من الخارج وماسورة عرضية على يميني، فجاءت إحدى الزميلات اللاتي يسكن معنا في الحي الجامعي السويسي الثاني ووقفت بجانبي، وإلى هنا والأمر عادي، ولكنها كانت متكئة على ذارعي التي تستند على حديدة الشباك، وأيضاً ليس الأمر ذي بال، ولكن الذي أثارني كان اقترابها مني بطريقة بدت وكأنني أحضنها، وكانت نظرتها رومانسية وإيحائية لدرجة انني كدت أفقد السيطرة على نفسي، بل كنت على وشك ان اقول لزميلي السوداني الذي كان بجانبي ان يضربني أو يقرصني حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه، سيما وانني في طريقي الى الكلية، ولا ألبس الجينز كما في الحالة السابقة.. حاولت ان أتلهى بأي شئ حتى نصل الى محطة كلية الحقوق، وبالكاد وصلناها قبل أن يحدث شئ، ونزلت من الحافلة بحذر شديد كمن يحمل صينية بها أكواب عصير ممتلئة تماماً ويخاف ان تنكشح..

يبدو أننا الطلاب السودانيين لا نتحمل مثل هكذا أوضاع، ربما لأننا آتين من قلب افريقيا من صحرائها الكبرى، حيث لفحتنا بالحرارات الشموس فجعلتنا منها كعود الأبنوس، فبقية المغاربة والجاليات الأخرى- ربما- تجدهم في الحافلات يلتصقون رجالاً ونساء دون أن يحس أحدهم بأن الذي أمامه أو الذي خلفه من جنس آخر، فلا الرجل تراه متأثراً بالأنثى التي أمامه، ولا المرأة تتحرك إذا ما التصق بها الذي خلفها، وتلاحظ أن الجميع لا ينفعل كما ننفعل نحن، يا ترى لأنهم شبعانين؟ واللا برد المغرب بردهم؟


في حافلات المغرب هناك مفتشين يفاجئون الركاب في بعض المحطات في بعض المرات، فيصعد المفتش قبل أن يفتح السائق الباب لنزول الركاب، ويطلب المفتش من الركاب إبراز التذكرة، فإذا لم يجد مع أحدهم تذكرة فسيأخذ منه أكثر من ضعف ثمن التذكرة غرامة، وكان الطلاب الذين يزوغون من دفع سعر التذكرة (كانت 40 سنتيم فزادت الى 50 سنتيم- نصف درهم- أي بقروشنا الزمان شلن إذا حسبنا الدرهم ريال سوداني، اي 10 قروش).. فإذا فاجأهم المفتش قفزوا من الشبابيك.. وفي مرة قطعت تذكرة ولم أدر أين وضعتها ، فجاء المفتش فجلست أبحث عنها ولم أجدها (تذكرة البص في المغرب صغيرة جداً ربم لا تتعدى 5 سنتمترات في سنتمتر ونصف)، فاضطررت الى دفع الغرامة التي على ما أذكر كانت درهم او درهمين، لكن أهم من الغرامة كان موقفي أمام الطلاب والطالبات..

أرفق صورة تضمني- جالس على الصخرة- والأخ محمد السماني عبد الرازق على شاطئ المحيط الأطلسي، ربما خلف الحي الجامعي مولاي اسماعيل، ولم أجد خلفها اي معلومات عن التاريخ، فربما كانت في العام 1976م..



(http://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/6978.imgcache.jpg)http://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/6978.imgcache.jpg



وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة..

أبو عدى
02-17-2011, 11:11 AM
فى حقيقة الامر
اقف امام كل هذا الابداع غير قادرا على الرد بكلمة
اخشى ان لا ترقى كلمتى لمستوى جمال لكماتك استاذنا الفاضل
عمر غلام الله
بارك الله فيك على ما تقدمه لنا من روائع هنا فى
همس الحروف السودانية
نعجز عن الشكر والله
ونتابع التتمة بشغف

احترامى و تقديرى لك

عمر حسن غلام الله
02-21-2011, 04:31 PM
فى حقيقة الامر
اقف امام كل هذا الابداع غير قادرا على الرد بكلمة
اخشى ان لا ترقى كلمتى لمستوى جمال لكماتك استاذنا الفاضل
عمر غلام الله
بارك الله فيك على ما تقدمه لنا من روائع هنا فى
همس الحروف السودانية
نعجز عن الشكر والله
ونتابع التتمة بشغف

احترامى و تقديرى لك


الغالي عاصم

أشكرك كثيراً على تشجيعك لي وكلماتك الراقية ورأيك الذي يهمني ..

أبو عدى
02-21-2011, 05:11 PM
لك التحية الاستاذ الفاضل عمر غلام الله
هذه حقيقة اخى الفاضل استمتع وانا اتجول بين كلماتك
واتابع هذه المادة منذ اول مشاركة و حتى اللحظة
وأعجز عن الشكر
بارك الله فيك و جزاك ربى الف خير على ما تقدمه لنا من روائع هنا
فى رحاب همس الحروف السودانية

عمر حسن غلام الله
02-21-2011, 05:41 PM
الحلقة السابعة والخمسين



طرائف الطبابة

نواصل..



كلمة الطبابة هذه أخذتها من أستاذنا الجليل مامون الكزبري الذي كان يدرسنا مادة القانون العقاري، وهو سوري، بل كان رئيس وزراء سوريا في يوم من الأيام..


لو تذكرون قلت لكم في بداية الحلقات انه كانت تأتينا في مولاي اسماعيل طبيبة مرتين في الأسبوع في الحي الجامعي مولاي اسماعيل، ولكن اكتشفنا أن هناك مركز صحي دائم في الحي الجامعي أكدال وهو الحي الجامعي الخاص بالبنات فقط وفيه بنات من كل الكليات، وهو يجاور كلية الحقوق، طبعاً الدخول للأولاد ممنوع إلا للذي يريد زيارة المركز الصحي فيسمح له بالدخول.. وقد انتقلت إليه صديقتي حورية طالبة الطب التي حدثتكم عنها سابقاً.. المهم كنت أتردد على هذا المركز بسبب نزلات البرد المتكررة، طبعاً ثقافتنا الصحية لم تنتبه الى أمراض البرد، حيث اننا كنا نخلع الملابس الشتوية بمجرد أن يخف البرد، مع ان المغاربة كانوا يظلون يرتدونها حتى ينتهي البرد تماماً ويحل الربيع وربما حتى بداية الصيف، طبعاً هم أدرى ببلادهم ولهم تاريخ طويل في البرد وأمراض البرد، ونحن فقط نمل لبس الملابس الشتوية لأننا غير متعودين عليها.. وأذكر ان زميلنا ابو زيد محمد صالح كان يستحم الصباح قبل ان يذهب الى الكلية، ويقود موتره وهو بعد لم يجف تماماً فأصابه مرض البرد الذي استمر معه شهور طويلة قبل ان يتعافى، ويبدو انه متعود من السودان- ككل السودانيين- ان يستحم في الصباح قبل الخروج من منزله، ولكن الجديد هنا انه سيقود الموتر والهواء بارد جداً.. لذلك تأخر برؤه.. أما الصحيح فكان يجب ان يستحم بالليل وينام، ويكتفي بحمام الليل فقط..


المهم مرضت انا بدوري بأمراض البرد، وغلّبت الطبيبة، في النهاية قررت علاجي بالحقن إذ ان الحبوب لم تفد في حالتي.. ولم أكن أخاف الحقن ولكني كرهتها من كثرة ما اخدتها في مدني لعلاج الملاريا التي كانت تسكن دمي وكبدي لسنوات طويلة.. وأتذكر مرة وانا داخل لهذا المركز الصحي قابلني زميلي ابوبكر دودة التشادي وهو خارج من المركز ويعرج- وهو ليس اعرج- ووجهه يبدو عليه الألم، سلمت عليه وسألته عن حاله وعما به، فقال لي: (أدوني حقنة حاره خلاص عشان النزله، هسه ماسكة رجلي كلها).. المهم عندما قررت الطبيبة علاجي بالحقن تذكرت حقنة ابو بكر دودة.. وعندما جاءت الممرضة بالحقنة- والحقنة في المغرب لازم في العضل (الإيليا)، إذ ليس لديهم حقنة في الذراع، وكمان لازم تاخدها وانت واقف وليس راقد على بطنك كما عندنا- ولكبر أمبولة الدواء وكثرة الدواء فيها ولما تسببه من ألم فإن الممرضة كانت تفرغ الدواء من الحقنة بالتدريج، وأنا واقف.. كل تلك العوامل السابقة أدت الى ان أتصبب عرقاً في ذلك المناخ البارد، وتتلاحق انفاسي، وأسخف (باللهجة المغربية ومعناها أدوخ)، ويحملوني الى الكنبة ويطعنوني حقنة تانية ويتركوني حتى أهدأ، والحقنة التانية علمت انها مضادة لدواء الحقنة الأولى باعتبار ان الدواء هو الذي سبب لي الدوخة، ثم عندما أفقت وجدت الغرفة مليانة بالناس، الدكتورة والممرضات والممرض الذي صرف الحقنة ومحمد عمر حامد الذي كان موجوداً بالمركز وعندما علم ان هناك سودانياً دايخ دخل.. والغريب في الأمر ان الدكتورة عندما عملت لي حقنة الحساسية التي تطعن في الساعد لم تعمل لي حساسية، بمعنى أن ليس لدي حساسية ضد الدواء..


بعد مدة عاودتني تلك النزلة اللعينة فذهبت لنفس الدكتورة وكتبت لي نفس الحقن، فقلت لها إن الحقنة ستعمل فيّ ما عملته المرة الفائته، فقالت لي لابد من الحقنة لأن الحبوب لا تفيد في مثل حالتك تلك.. فذهبت لنفس الممرض الذي يصرف الحقن، الذي تذكرني وتذكر ما حدث لي، فأخذ الحقنة وجاء معي وأعطاها للممرضة ولم يذهب، بل بقي حتى بدأت الممرضة في طعني بالحقنة في العضل، وبدأ كل ثانية يسألني: لا باس؟ وترجمتها (كويس؟) فأقول له لا باس، وبعد ثلاث أو أربع مرات من هذا السؤال وتلك الإجابة والممرضة تفرغ الدواء بالتدريج، سكت، فقال لي: ليش سكت، انطق.. فقلت له: طلعها.. فقال للممرضة على الفور: طلعيها، فطلعتها، وحدث لي ما حدث في المرة السابقة.. بزيادة أنني ذهبت للمغسلة (حوض الغسيل) الموجود في الغرفة وأفرغت ما في معدتي.. فهدأت قليلاً، وبعد أن هدأت تماماً سأل الممرض الممرضة التي أعطتني الحقنة هل مر عليك مثل هذا من قبل؟ قالت لا.. وعلمت أن هذا أول يوم عمل لها في هذا المركز.. مسكينة خوفتها.. وقالت لهم الدكتورة عندما يهدأ أحضروه لي، فذهبت لها فابدلت الحقن بالحبوب.. وكتبت على واجهة الدفتر المخصص لي (اليوم أصبح ملف ورقي وملف رقمي في الكمبيوتر) أنه يجب ألا آخذ حقن..


في المرة التي تليها، نفس الدكتورة كتبت لي نفس الحقن، فقلت لها اقرأي تعليقك على واجهة الدفتر- والذي لم تنتبه له في هذه اللحظة- فقرأته وقالت لي: آه.. هو انت اللي بغينا (أردنا أن) نقتله؟ قلت لها نعم انا هو.. فاستبدلت لي الحقن بحبوب..


ملاحظة لاحظتها في المغرب، وهو ان مقياس الحرارة لا يوضع في الفم كما عندنا في السودان، بل بين الآليتين، يعني لكي يقاس لك حرارتك لابد ان تذهب للستارة وتنزل بنطلونك وسروالك الداخلي وتمد يدك للخلف وتضع المقياس، ثم تسحبه وتلبس هدومك حتى تسلم مقياس الحرارة للممرض او الممرضة.. طبعاً فيما بعد ظهرت هذه الطريقة في الشرق وخاصة للأطفال، وأحياناً في الشرق يضعون مقياس الحرارة في إبط الطفل.. وفي أول مرة لي في المغرب اعطاني الممرض المقياس وقال لي قيس حرارتك، والحمد لله انني سألته هل أضعه في فمي؟ فأسرع بالقول: لا .. لا، وكان مستغرباً من كلامي هذا، فشرح لي أن أضعه..


أيضاً لأول مرة رأيت اللبوس في المغرب، فمن ضمن الأدوية التي كتبتها لي الدكتورة لبوس، وبما أنها لم تشرح لي استعمالها- باعتبار انها معروفة في المغرب ولم تتصور أن يفكر احد باستعمالها بالفم- فكدت ابلعها لولا انني لاحظت انها كبيرة وشمعية الملمس وكذلك تعفصت في جيبي، ولم استعملها فلما رجعت للممرض قال لي هذه الحبوب تستعمل من أسفل.. إيه حكايتكم يا المغاربة، كل شئ عندكم من أسفل؟ الحبوب والحقن وقياس الحرارة.. المهم حاولت استعمال هذا اللبوس فلم أفلح فكانت تسيح من كثرة المحاولات دون ان استطيع ادخالها، وكان زميلنا عبد الله قد حكى لنا حكاية هذه الحبوب الغريبة التي تؤخذ من أسفل، ولكن ما شرحه لنا لم يحدث معي، اي لم تنزرق الحبة داخل الجسم، فرجعت الى صاحبي الممرض الذي يصرف الدواء فأعاد لي شرح كيفية ادخالها والوضعية التي يجب ان اكون عليها واتجاه اللبوسة.. ومع ذلك فشلت..

الصورة تضمني والأخ محمد أبكر ابراهيم، وعلى ما أذكر التقطت في الحديقة التي تجاور كلية الحقوق، والتي بين الكلية وقصر الأمير عبد الله شقيق الملك الراحل الحسن الثاني رحمهما الله.. والصورة ليس مسجل عليها تاريخ، ولكن يبدو أنها في العام 1976م (لسه نشاف السودان ظاهر علينا)..

http://www.sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=786&d=1294840893


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
02-23-2011, 06:32 PM
الحلقة الثامنة والخمسين


طرائف الطبابة (2)

نواصل..

كتبت لي الطبيبة صورة أشعة للمعدة، فأمرني ممرض الأشعة بأن أحضر إليه صائماً في يوم حدده لي، وذهبت في اليوم المحدد بعد أن شربت حليب- ناسياً- وعندما وقفت أمام جهاز الأشعة رأي شيئاً عبر الجهاز فسألني إن كنت شربت شيئاً او أكلت شيئاً، فقلت له نعم، شربت حليب، فأطفأ الجهاز وأعطاني موعداً آخر، وقال لي لو وجهت لك الأشعة وفي معدتك شئ فسوف تتأذى بها.. وفي الموعد الجديد لم أنس أنني صائم وجئت إليه قبل أن أشرب شيئاً.. فأدخلني في غرفة تغيير الملابس لأنزع كل ملابسي عدا قطعة واحدة، وبما أن الجهاز لم يكن بعد معداً، فقد انتظرت في غرفة الملابس لفترة من الزمن، وكانت هناك فتاتان شابتان تعملان كمساعدات، علمت أنهن يعملن مؤقتاً أو يعملن في الإجازة المدرسية لم أعد أذكر، فجلسن أمامي في كرسيين وبدأن يتونسن معي، وسألتاني إن كانت لي صديقة، وسارت الونسة في هذا المنحى، والغريب أنهن كن يجلسن معي في تلك الغرفة الضيقة جداً التي بالكاد تسع الثلاث كراسي، والأغرب أنني كنت مجرداً من الملابس عدا (الإسليب) كما يسميه المغاربة، وأحياناً يسمونه الكلوت مثل المصريين، وهو الداخلي الصغير، وكان وقتذاك في السودان غير معروف وغير محبذ أيضاً واضطررنا في المغرب لاستعماله لأن لا بديل له.. الغرابة في أن الفتاتان جلستا تتونسان معي في مواضيع الحب والصداقة وانا هكذا دون ان يبدو عليهن اي شئ وكأنهن يجلسن معي في مكان عام وأنا بكامل ملابسي.. إلى أن ناداني الممرض والتقط صورة الأشعة، ورجعت لألبس ملابسي بعد أن أعطتني الفتاتان عناوين منزليهما للتواصل- الذي لم يتم- ولا أدري لماذا لم يتم..

بمناسبة الإسليب والكلوت وعدم وجود البديل له في المغرب.. فقد قالت إحداهن لزميل سوداني عندما رأت الداخلي الذي يلبسه وهو من النوع الذي يصل الركبة: (ويلي على الإسليب).. كانت مستغربة على هذا الإسليب الذي يصل الركبة.. طبعاً الموجود والمنتشر في المغرب هذا يلبسه حتى كبار السن من الرجال وليس الشباب فقط..

راجعت مستشفى الأسنان الذي يقع قرب المدينة القديمة، في خط البص الجامعي 11 وبجوار كلية الطب (القديمة)، وكانت المعالجة دكتورة أيضاً (إيه يا مغرب الأحباب.. كل الدكاترة عندكم بنات؟).. عملت لي صورة أشعة للضرس بجهاز صغير (لم يكن وقتها معروفاً في السودان، ثم ظهر بعد سنين طويلة في السعودية) تضعه على الضرس من الخارج وتضع الفيلم الصغير جداً داخل فمي، ثم تضغط على الأشعة وتحمض الفيلم الذي أظهر خطاً أسوداً راسياً بطول الضرس، كان هذا الخط هو السوسة.. نحتت الدكتورة ضرسي ووضعت لي قطنة بها دواء وغطت عليها بحشوة مؤقتة وقالت لي خد موعد من بره، مررت على الموظف المختص أعطاني موعد بعد حوالي شهر، رجعت في الموعد فأزالت الحشوة المؤقتة وأدخلت مجساً في قلب الضرس فلما تألمت وضعت قطنة مرة أخرى بها دواء ثم حشوة مؤقتة ثم موعد.. وهكذا استمر الحال لمدة عشرة أشهر، وفي المرة الأخيرة أدخلت المجس في قلب الضرس فلم يؤلمني، فعملت لي صورة أشعة فظهر مكان الخط الأسود خطاً أبيض، فقالت لي لقد زالت السوسة.. فوضعت لي الحشوة الدائمة- من البلاتين- التي استمرت في ضرسي لأكثر من عشرين عاماً.. وبعد العشرين عاماً هذه لم تطير الحشوة بل انكسر الضرس رأسياً لكبر الحشوة مقارنة مع ما بقي من الضرس.. ثم بدأت علاج ضرس آخر استمر أيضاً عدة شهور، ايضا هذا الضرس استمر فترة طويلة.. فيما بعد اضطررت الى حشو أضراس اخرى في السعودية لكنها لم تكن بمتانة تلك التي عملتها في المغرب..

طبعاً كل العلاج السابق بما فيه الأسنان وأشعة البطن وعلاج النزلة وغيرها كان مجاناً بما فيه الدواء.. لم يكلفنا العلاج في المغرب شئ، كان الطلاب يعيشون في بحبوحة من العيش، سواء كانوا مغاربة ام أجانب.. يا حليل أيام المغرب..

في طاولة المذاكرة في غرفتي كنت ألاحظ وجود زجاجة دواء مربعة الشكل عليها ورقة حمراء باهتة، كانت تخص زميلي السوداني في الغرفة.. جاء أحد الزملاء الذين كانوا يريدون الدراسة في الكليات العلمية- والتي كانت باللغة الفرنسية مما أضطره للسفر الى فرنسا لدراسة كورس في اللغة الفرنسية- ودخل كلية العلوم ولكنه لم يستطع اجتياز الامتحان لمدة عامين مما حجب عنه المنحة المغربية، فأصبح لا دخل له إلا ما يأتيه من اهله في السودان، ولضيق ذات اليد ولعدم استطاعته السكن في الحي الجامعي وكذلك عدم قدرته على السكن في الشقق المستأجرة، سكن معنا في الغرفة، وكان ينام على فرش في أرضية الغرفة لأن الغرفة ليس بها الا سريرين كما أسلفت، ولكنه كان ينام في سريري عندما لا أكون موجوداً، وفي سرير زميلي كذلك عندما لا يكون موجوداً..

المهم لاحظت زميلنا الثالث هذا يردد: (والله فعلاً دواء الحكة العجيب) وهو يشير الى علبة صغيرة كنت أسمع الباعة عند باب الحد ينادون بها وهم يسوقونها: (دواء الحكة العجيب)، ولم أفهم وقتها شيئاً عن هذا الدواء العجيب..

بعد مدة من الزمن شعرت بأنني أحك الملاين (باطن أعلى الفخذين) باستمرار، ولما دققت النظر وجدت في المنطقة قشور تشبه بقاق اليدين، ولأنني لم أفهمها فقد أهملتها حتى شعرت بأنها شملت المناطق الحساسة المتاخمة لها.. وعندما شرحت ما أحس به لبعض الأصدقاء قالوا لي إن هذه فطريات ووصفوا لي دواء فاستعملته ولكنه لم يشفيني من تلك الأكولة التي أصبحت مؤلمة جداً عندما أحك مكانها.. في النهاية لجأت للدكتورة فكتبت لي دواء عندما صرفته علمت أنه نفس الدواء الذي كنت رأيته في طاولة المذاكرة في غرفتي.. الآن فهمت!

لقد جاءتني العدوى عبر فراشي الذي كان ينام عليه في غيابي زميلنا الثالث، الذي أصيب به نتيجة العدوى من فراش زميلي الثاني في الغرفة، الذي اصيب به من علاقاته النسائية.. وعلمت أن المغرب مبتلى بتلك الفطريات بكثافة لذلك كانوا يبيعون الدواء العجيب في كل مكان.. ويتضافر على انتشاره كثرة العلاقات غير الشرعية وكذلك قلة النظافة الشخصية بسبب البرد الشديد.. الدواء الذي صرفته لي الطبيبة كان كالشطة في الملاين والمناطق المجاورة لها.. ولم ينفعني الدواء العجيب كما نفع زميلنا الثالث.. وللأسف استمر معي لفترة طويلة رغم استعمالي لأقوى مرهم له وهو الكانستين، ووصل مرحلة سبب لي تفصدات في أعضاء حساسة.. استمر معي هذا المرض حتى عودتي للسودان، بل ولسنوات قاربت الخمس سنوات إلى أن تخلصت منه بعد زيارتي للدكتور عمر عجلاوي اخصائي الجلدية والتناسلية في مدني، ومع العلاج ارشادات أخرى كانت غائبة عني منها التخلص من الشعر الزائد باستمرار، وبنصيحة من الراحل المقيم بابكر محمد محمود عميد كلية الصيدلة بجامعة الخرطوم وهو بن حينا 114 بمدني، الذي نصحني بعدم لبس (الإسليب).. فعدت الى قديمي، ومن فات قديمو تاه..

يا شباب ابعدوا عن هكذا أمراض بالبعد عن مسبباتها.. ودي هينة، فهناك أمراض مميتة!!


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..



.. والحديث ذو صلة
</b></i>

عمر حسن غلام الله
03-08-2011, 04:35 PM
الحلقة التاسعة والخمسين

معرض الدار البيضاء الدولي

نواصل..

شددنا الرحال الى الدار البيضاء نحن مجموعة من الطلاب السودانيين لزيارة معرض الدار البيضاء الدولي، وذلك لأن السودان كان مشاركاً فيه، وأي شئ آتٍ من السودان فنحن نهرول نحوه.. ونسعد بلقاء من فيه ريحة الوطن..

صادفت زيارتنا للمعرض وجود بعض الوزراء السودانيين، أذكر منهم الراحل الرشيد الطاهر بكر عليه رحمة الله، ومن رجال الأعمال الراحل فتح الرحمن البشير عليه رحمة الله، والتقطنا معهم صوراً جميلة ولكن للأسف لم أعثر عليها، ربما دمرها المطر وربما اختفت في بيتنا في مدني وسأحاول العثور عليها عند عودتي بإذن الله الى مدني.. وشربنا الكركديه في جناح السودان.. بالمناسبة الكركديه من الأشياء المهمة التي كنا نأتي بها من السودان معنا او يرسلها لنا أهلونا، وكانت في تلك الأيام توجد بودره (وليس مسحوق) الكركديه وكان ينتجه مصنع ألبان بابنوسة حينما يرحل الرعاة بمواشيهم بعيداً عن بابنوسة، فيستغل المصنع الفرصة ويستخلص من الكركدية تلك البودرة.. ثم تجولنا في بقية المعرض، وصادفنا زميلتنا نادية حسن التي كانت تنزل في الدار البيضاء في منزل زميلتها التي تسكن معها في الحي الجامعي السويسي الثاني..

تجولنا جميعنا في أروقة وصالات العرض، ولاحظت ان إحدى قريبات زميلة نادية المذكورة أعلاه تلازمني كظلي، فكلما التفت وجدتها تسير او تقف بجواري، ثم أكملت ذلك بأن أحاطت بيدها ساعدي وقالت لي يجب ان نمسك بعض حتى لا نضيع من بعض!! الظاهر البت حبتني واللا شنو.. كنت يومها ألبس البدلة الفل سوت الما خمج التي فصلتها عند محمد الخياط الذي أدعى- وقد يكون صادقاً- أنه كان يخيط للملك.. ويبدو ان البدلة أعطتني شيئاً من الوجاهة مما لفت نظر الفتيات ومنهن تلك التي طوقت ساعدي بيدها.. وجاءتني الجرأة أيضاً بحيث ان من نظرت إليّ شاغلتها مثل تلك التي كانت تسير مع شلة من البنات وتأكل شيئاً فتجرأت وقلت لها: ما تقولو اتفضلو؟ فقالت لي اتفضل، قلت لها شكراً انا اعتقدت انك تأكلين (اسفنج) وهو الزلابية او اللقيمات ولكنها في شكل حلقة، وهي كانت تأكل ساندوتش، فقالت لي خد اقرضها بأسنانك البيضاء هادي! وكانت مثل هذه المداعبات كثيرة في ذلك اليوم.. فضحكتُ وضحكن، وقلت في نفسي ماذا لو رأت أسنان خالتي خديجة المرصوصة البيضاء الصغيرة؟ فأسناني انا كبيرة وليست ناصعة البياض مقارنة بأسنان خالتي وكثير من السودانيين والسودانيات، ولكنها بالمقارنة مع اسنان المغاربة فهي بالفعل بيضاء وسليمة وما كبيرة، فالمغاربة يعانون من اسنانهم كثيراً، لذلك أول ما لفت نظرنا في المغرب محلات (صانع الأسنان)، فتجد على باب عمارة او على ناصية شارع صندوق زجاجي به أطقم أسنان.. أي ان في هذا المكان صانع أسنان.. فعدم الاهتمام بالسواك وأكل الحلويات وعدم غسل الفم بعد الأكل بسبب البرد كل ذلك يؤدي الى خراب اسنانهم..

ودعت البنت المعجبة وودعت كازابلانكا ورجعت الى الرباط بعد يوم عامر بالمرح والتجوال والتعارف مع علية القوم من وجهاء السودان.. وبعد ايام من ذلك قابلت نادية في المطعم برفقة حسناء شابة قريبة زميلتها البيضاوية- نسبة الى الدار البيضاء- وبالطبع لم تكن نفس الفتاة المعجبة إياها، بل كانت قريبتها.. تعشينا ثلاثتنا وتونسنا داخل المطعم، ثم خرجنا وفي طريقنا الى أجنحة الحي- وكان جناح البنات هو الأقرب الى المطعم- لاحظت نادية انني وتلك الفتاة اندمجنا في الونسة، فتقدمتنا خطوات ثم قالت انها محصورة وستصعد الى غرفتها.. وكانت الرسالة واضحة وذكية.. فقلت للفتاة هل نجلس لنكمل حديثنا؟ قالت نعم.. فانحرفنا جهة ملعب الكرة المجاور من جهة للمطعم ومن جهة لجناح البنات، فجلسنا على النجيلة.. كانت رائعة الجمال، وجهها مدور وشعرها كثيف وأسود، وكانت ممتلئة.. وعرفت انها طالبة في البكالوريا (يعني ممتحنة الثانوية الثانوية)..

وأغلق المطعم أبوابه، وتوقفت حركة الطلاب منه وإليه.. وساد الحي سكون جميل لأن الطلاب كانوا في غرفهم يذاكرون، فغداً كان هناك امتحان.. حتقولوا لي انت مذاكرتك وين يا سجم الرماد؟ حأقول ليكم انا ليلة الامتحان ما بذاكر.. دي طبيعتي من زمان.. ليلة الامتحان امشي السينما، اسمع أغاني، اقعد مع الجكسي زي هسه (مع ملاحظة ان كلمة جكسي دي ما كانت زمان معروفة لينا).. المهم أدى خلو الحي الجامعي من المشاة الى ان تكون الجلسة رومانسية على الآخر.. و.. كانت أغنية الكاشف حاضرة:

شفاه لشفاه مقاربة
عيون لعيون محاربة

والفنان منو كده ما عارف اللي كان مثقف لدرجة انو كان عارف يافا في فلسطين مشهورة بالبرتكان فقال: نهيداتا برتكان يافا..

وحمد الريح القال:

منظر شئ بديع ما أحلى الغزل
بدر الكون على غصن البان نزل
تيه في تيه رفل
ونجم الليل بالبدر احتفل
نور النفل زح نام في الكفل
أسفل مره وأعلى ومرة الكان سفل

وشنو كده ما عارف ..

لم يعكر صفونا شئ، رغم مرور مجموعة من الطلاب والطالبات المغاربة في ملعب الكرة وهم يتونسون ويضحكون ويبدو انهم يريدون الترفيه قبل مواصلة المذاكرة.. ولا أدري ان كان عوض أمير زميلنا السوداني كان معهم ام لا، ففي اليوم التالي قابلني فقال لي وهو يضحك: شاااااايفك امبارح.. ومؤكد انني لم أره امبارح.. الظاهر كنت غرقان في بدر الكون العلي غصن البان نزل..


http://sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=787&d=1295284802

أرفق لكم صورة التقطناها في حديقة أمام أحد أجنحة الحي الجامعي السويسي الأول، وقد وجدت أنني كتبت خلفها:

من اليمين وقوفاً: محمد عبد الرحمن البيلي، هاشم النور منزول (رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)، عائشة عمر الخبير، جلال الدين حنفي مصطفى، ونادية حسن
من اليمين جلوساً: كوكا حسن كاشف، عمر حسن غلام الله، محمود ابو شنب، وسامية ابراهيم احمد

الحي الجامعي السويسي الأول- الرباط- المملكة المغربية
يونيو 1977


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

أبو عدى
03-09-2011, 02:00 AM
طال غيابك
واخيرا اتيت لتطفىء نار الانتظار

احترامى و تقديرى لك بلاد حدود استاذى الفاضل غلام الله

عمر حسن غلام الله
03-09-2011, 12:02 PM
طال غيابك
واخيرا اتيت لتطفىء نار الانتظار

احترامى و تقديرى لك بلاد حدود استاذى الفاضل غلام الله

العزيز عاصم

شكراً لتفقدك لشخصي الضعيف

تأخري ليس بخاطري

لك وللقراء كل تحية وتقدير

عمر حسن غلام الله
03-09-2011, 02:28 PM
الحلقة الستون




معرض الدار البيضاء الدولي (تداعياته)




نواصل..



في تلك الليلة نمت نوماً هادئاً بعد ذلك الصخب في أول الليل، في اليوم التالي ذهبت لأداء الإمتحان، وأديته بأحسن ما يكون، بعد أداء الإمتحان رجعت للحي الجامعي ودخلت المطعم فوجدت أمينة فيه، وضعت صينية طعامي وجلست أمامها على طاولة الطعام.. تأملتها في ضوء النهار.. لم أصدق نفسي أنني كنت ذاك الذي بالأمس وكانت هي التي قال عنها حمد الريح ما قال في المشاركة السابقة، وكنا كما قال فينا الكاشف.. لقد ارتفعت معنوياتي وظننت انني دون جوان.. هل كل هذا الجمال كان لي البارحة؟ بدل أن أتناول وجبتي رحت أحدق في هذا الجمال الرائع وأحلل ما صار بالأمس..



وخرجنا من المطعم، وطلبت منها الحضور الى نفس المكان الليلة، فوعدت، ولم تأت.. وسافرت الى كازا في اليوم التالي.. قالت لي نادية انها طلبت منها الإعتذار لي نيابة عنها لعدم استجابتها لطلبي.. لماذا يا نادية؟ قالت انها مخطوبة، وانها قد أنّبها ضميرها لما فعلت.. ولا تريد تكراره.. واختفت أمينة بعد أن أهدتني ليلة جميلة خضراء غير حمراء، و.. عربدت بى هاجسات الشوق إذ طال النوى.. و .. كان ... ما كان ... وبتنا كلنا نأي وغريب..



رحم الله أبو داؤود



همسات من ضمير الغيب تشجي مسمعي


وخيالات الأماني رفرفت فى مضجعي


وأنا .. بين ضلوعي .. لا أعي


عربدت بي هاجسات الشوق إذ طال النوى


وتوالت ذكرياتي .. عطرات بالهوى


كان لي فى عالم الغيب غرام .. و أنطوى


كان لي فى الأمس أحلام وشوق وحبيب


كان للجرح طبيب .. لا يدانيه طبيب


كان ما كان .. وبتنا كلنا نأي وغريب


سكر السمّار و الخمّار في حان الغرام


وأنا الصّاحي أرى فى النور أشباح الظلام


وغدت كأسي على راحي بقايا من حطام


عادنى الوجد إلى ليلي وكأسي المترع


وسعير الحب يشقيني ويشقي مضجعي


ولهيب الشوق يدعوني فهل أنت معى؟



طبعاً هناك حالات أشبه بالليالي الحمراء ناقصاً الشراب تحدث في محيط الحي الجامعي، فقد قال لي عمر الإمام مرة حين مرور طالبة تسكن معنا في الحي الجامعي، قال لي أنه رأى هذه الفتاة قبل قليل في الغابة وهي في وضع غريب- غريب على عمر ولكنه لم يكن غريباً على أهل البلد في ذلك الزمان- وقارنته بما حدث لي فكان ما حدث لي لا شئ بما حدث لتلك البنت، إذ كان وقتنا ليلاً ووقتها عصراً، وتحت الشجرة، وكان الجميع: عمر وهي وشريكها في نزهة مذاكرة في تلك الغابة التي تجاور الحي الجامعي وتفصله عن مستشفى بن سينا.. وكثير من الطلبة يذاكرون فيها أو يحملون الكتاب ويقرأون وهم يسيرون من الحي الى تلك الغابة المكونة أساساً من اشجار البان.. وأثناء مسيرهم يقرأون- كنوع من التغيير لأوضاع المذاكرة في الغرف أو في قاعات المطالعة- ولكن هذه الطالبة وهذا الطالب كانت جرأتهم عجيبة فلم يكلفوا أنفسهم عناء التحرز أو الاختباء او حتى الانتباه للذي مرّ بقربهم ورآهم..



قريب من موقعنا الذي كان بالأمس كان هناك جانب من ملعب كرة القدم فيه مربع نجيله يجلس عليه المتفرجون، وكانت النجيلة من النوع الغليظ، وكانت عالية عن الأرض، وارتفاعها عن الأرض يجعلها مثل السجادة السميكة، لذلك وبينا نحن جلوس جاءت نادية لتجلس معنا- وكنا سودانيين طلاباً وطالبات- فلاحظنا ان نادية حينما أرادت الجلوس معنا خلعت حذاءها خارج النجيلة ثم دخلت منطقة النجيلة واستمرينا في الونسة الى أن انتبهت بعد مدة لما فعلت: ليه انا خلعت حذائي؟ فقلت لها ربما أعطاك قوام النجيلة السميك إحساس بأنك تدخلين إلى سجادة .. فقالت بالفعل هذا كان إحساسي ودون أن أشعر خلعت حذائي.. ما أجملك يا مغرب الأحباب.. لاحظوا انني اتكلم عن فترة السبعينات من القرن الماضي!



وسأريكم بعضاً من تلك المناظر وتلك النجائل في هذه الصورة، مع ملاحظة ان النجيلة المذكورة أعلاه ليست هي التي في الصورة، بل التي في الصورة نجيلة عادية وخفيفة، بل تشبه تلك التي كنا نجلس عليها ليلة البارحة..



http://sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=789&d=1295366937



الصورة تضمني ومحمد البيلي ووجدت أنني كتبت خلف الصورة: العبد لله ومحمد البيلي


في الحي الجامعي السويسي الأول


الرباط- المملكة المغربية


يونيو 1977


عمر حسن غلام الله



وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..



.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
03-13-2011, 01:24 PM
الحلقة الحادية والستين

وقفة مع سنوات مضت في المغرب: الشباب بدأ يجني ثمار ما زرعنا

نواصل..

في تلك الجلسة السودانية على السجادة العشبية في الحي الجامعي السويسي، وفي عصرية بديعة، وونسة ظريفة وبيننا أوجه جميلة، مر أصدقائي علي أبو بكر التشادي ومصطفى الشريف التونسي وحسن لريبي المغربي، مروا بجانبنا وهم في طريقهم من المطعم الجامعي الى سكناهم معهد الإحصاء المجاور، وعندما مروا بمحاذاتنا القى علينا السلام علي أبوبكر.. فرددت السلام، وبعد أن جاوزونا قال علي لهم: عمر جالس مع أخواته- حكى لي ذلك علي ابو بكر فيما بعد- فما كان من مصطفى إلا أن أطلق ضحكة عالية تهكمية .. وكان علي يريد أن يخفف ردة فعل مصطفى على جلوسي مع البنات (طبعاً لسن بناتاً صرفاً وإنما كان هناك اولاد) فاشار الى البنات بأنهن اخواتي، يعني ملخص عبارته: ان عمر يتونس مع زميلاته.. وسبب ضحكة مصطفى انه فهم الرسالة، واستنكرها، ولا يريد من علي ان يدافع عني.. فهو يعتبر جلوسي مع البنات وإن كان في ميدان الكرة وفي وضح النهار (طبعاً هو ما عارف قعادي في الليلة الخضراء ديك)، يعتبره منافياً للدين، وضحكته ضحكة زعل مننا الاثنين، انا وعلي..

فيما بعد قال لي حسن لريبي أن مصطفى وجد في غرفته طالبة زميلتهم في الكلية، ولو تذكرون في مشاركة سابقة ذكرت لكم كيف ان طلاب معهد الإحصاء اضربوا حتى ينفذ طلبهم بالسماح بالزيارات المتبادلة بين الطلاب والطالبات في أجنحتهم وغرفهم، فتم السماح للبنات بزيارة الأولاد ولم يوافقوا على العكس.. المهم أن هذه البنت جاءت لتطبخ لحسن، فغضب مصطفى غضباً شديداً وزعل من حسن وقاطعه، فشكى لي حسن من ذلك وقال لي أن نفس هذه البنت أكل من يدها قبل الآن، أي طبخت له أيضاً في غرفته.. وأنا أعلم ان كلاهما ملتزمان وليس لهما علاقة غير علاقة الزمالة بهذه الطالبة.. ولكن مصطفى صار صعباً.. لذلك سأحكي لكم كيف دخلوا ثلاثهم الإسلام- طبعاً هم مسلمين ولكن قصدي أنهم عرفوا الإسلام- وكنت قد لخصت ذلك في مقال لي نُشر بجريدة المستقلة بتاريخ 1/11/1996م، وكان المقال تعقيباً على عمود صاحب الجريدة ورئيس تحريرها محمد الهاشمي الحامدي، وكان عنوان العمود"بقايا مداد"، بالمناسبة أنشأ محمد الهاشمي الحامدي قناة تلفزيونية بنفس الإسم (المستقلة).. وسأسرد لكم المقال هنا ومنه ستعرفون قصة هؤلاء الثلاثي وقصة الصحوة الدينية في المغرب.. مع ملاحظة أنني لم أعنون المقال، بل أرسلته في شكل خطاب، ولكن الهاشمي هو من وضع له العنوان: (وقفة مع سنوات مضت في المغرب: الشباب بدأ يجني ثمار ما زرعنا).. وإليكم المقال:

((قد عاد بي بقايا مداد الأخ محمد الهاشمي الحامدي في العدد (123) عشرين عاماً فهيّج لواعج الشجون ومكامن الشوق في نفسي الى وطني الثاني المغرب، ورغم أن كثيراً من الصحف - بما فيها المغربية- نشرت لي خلال تلك المدة الطويلة عدد من المقالات لعديد من الموضوعات إلا انني لم أتطرق لما سأتطرق إليه الآن، فقد كنت خائفاً على هؤلاء الذين سأذكر اسمائهم، وخوفي عليهم ربما كان وهماً وربما كان غير ذلك، فقد كان التنفيذيين آنذاك يتوجسون خيفة من اليساريين ومن الشباب المتدينين؛ لذلك لم يكن يُسمح بتكوين أحزاب تحمل لون هؤلاء أو طابع أولئك. أما الآن وقد تكونت جماعات تحمل الطابع الديني مثل "حركة الإصلاح والتجديد" و "رابطة المستقبل الإسلامي" و "جماعة العدل والإحسان" فوجدت أنه لم يعد ثمة مبرر للخوف على أصدقائي - الذين لم يكونوا حزبيين ولا سياسيين وإنما كانوا مصلحين.

في العام 1976 سكن معي في الغرفة طالب الطب محفوظ مصطفي من أبناء تطوان وكان له أصدقاء من بلدته تطوان يسكنون في نفس الحي الجامعي السويسي الثاني فتعرفت عليهم بحكم علاقتي بمصطفى، وفي يوم من الأيام قال لي أحدهم وهو بوخبزه الأمين "بما أنك تؤدي الصلاة فلماذا لا نؤديها مع بعضنا جماعة؟ فإن الذئب يأكل من الغنم القاصية" فصرنا نصلي جماعة في غرفة في الطابق الرابع من أحد أجنحة الحي المذكور هي غرفة العربي بوسلهام طالب الطب وهو من أبناء طنجه، وكنا نحن الأربعة مع طالبين أو ثلاثة آخرين نفترش بطانية العربي لنصلي عليها، وفي أيام قلائل لم تعد الغرفة تسع المصلين الذين جذبهم بوخبزه بتلك العبارة البسيطة البليغة : "فإن الذئب يأكل من الغنم القاصية"، فاضطررنا الى الصلاة خارج الغرفة في مساحة صغيرة- لكنها أكبر من الغرفة- بين الغرفة وبيت الدرج، وافترشنا بطانيتين، ثم احتجنا لثالثة فرابعة.

ثم لم تعد تلك المساحة تسع المصلين، فاتصل بوخبزه بمدير الحي الجامعي فؤاد الحسيسني (مازال مديراً للحي الجامعي) وطلب استغلال بدروم أحد الأجنحة لنتخذها مصلى، فوافق مدير الحي فنقلنا البطانيات الى ذلك البدروم ، وتمم الحسيسني جميله فتبرع لاحقاً بموكيت فرشناه بدلاً عن البطانيات، وعندما وصل عدد المصلين لنحو صفين قررنا إقامة صلاة الجمعة في هذا المصلى- إذ كان أقرب مسجد جامع يبعد حوالي خمسة كيلومترات (إما في حي أكدال أو في حي يعقوب المنصور، فقد كان الحي الجامعي خارج العمران في ذاك الزمان)- وتم إبلاغ المصلين بذلك، وفي يوم الجمعة رفع أحد الطلاب الآذان من قرب المصلى (بدون مكبر صوت)، فإذا بشبابيك الغرف في الحي الجامعي تُفتح وتطل منها وجوه مستغربة ومندهشة وبعضها- للأسف متهكمة- ولا أنسى عبارة أحدهم التهكمية حين مررت من تحت نافذته في طريقي الى المصلى (غادي الصلاة؟)، وأقيمت صلاة الجمعة وخطبتيها ولم يكن هناك منبر وإنما كرسي وقف خلفه الخطيب - العربي بوسلهام - وجلس عليه بين الخطبتين.))

سأكمل المقال في المشاركة القادمة بإذن الله..

وأدرج صورة هنا(لم يحن وقت إدراجها لأنها تخص فاس) لأن فيها بعض الأطراف المذكورين أعلاه مثل مصطفى محفوظ،

http://sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=790&d=1295448595

وقد كتبت خلف الصورة الآتي:

الوحدة العربية.. لا بل الوحدة الإسلامية جمعتنا العقيدة.. وجمعتنا هذه الصورة..
بعضنا من المشرق والبعض الآخر من المغرب اجتمعنا في فاس عاصمة المغرب الثقافية
تلك كانت أياماً جميلة التي قضيناها بين ظهراني هؤلاء الأصدقاء الطيبين وهم
من يمينك: أنا، عبد الوهاب الشريف، محمد عثمان، مصطفى أبو ادريس، محمد اسماعيل، مصطفى محفوظ، الشيخ، أحمد محفوظ
في 22 فبراير 1978 - المغرب
عمر حسن غلام الله

كما أدرج صورة أخرى سبق وأدرجتها في مشاركة سابقة، ولكن لوجود الأمين بوخبزه فيها أعدت إدراجها..

http://sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=791&d=1295448630

وقد كتبت خلف الصورة:

صورة تذكارية جمعت بين أخوة بعضهم من المشرق وبعضهم من المغرب، جمعتهم عقيدة واحدة لولاها لما تحابوا، ثم جمعتهم هذه الصورة التي أخذت في شرفة غرفة عمر حسن غلام الله رقم 222 جناح 2 الحي الجامعي السويسي 2 بالرباط- المغرب، والتقطت يوم
وتضم من يمينك: عمر حسن غلام الله ثم أحمد الفتوح ثم الأمين بوخبزه ثم محمد جمال ثم حسنين..


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة
</B></I>

عمر حسن غلام الله
03-14-2011, 01:25 PM
بما أن الصورة لم تظهر في الحلقة الستون، فسأدرجها هنا..

والتعليق عليها:

الصورة تضمني ومحمد البيلي ووجدت أنني كتبت خلف الصورة: العبد لله ومحمد البيلي


في الحي الجامعي السويسي الأول


الرباط- المملكة المغربية


يونيو 1977


عمر حسن غلام الله

عمر حسن غلام الله
03-14-2011, 03:50 PM
بما أن الصور لم تظهر في الحلقة الحادية والستون، فسأدرجها هنا..

والتعليق عليها:



وأدرج صورة هنا(لم يحن وقت إدراجها لأنها تخص فاس) لأن فيها بعض الأطراف المذكورين أعلاه مثل مصطفى محفوظ،



وقد كتبت خلف الصورة الآتي:


الوحدة العربية.. لا بل الوحدة الإسلامية جمعتنا العقيدة.. وجمعتنا هذه الصورة..
بعضنا من المشرق والبعض الآخر من المغرب اجتمعنا في فاس عاصمة المغرب الثقافية
تلك كانت أياماً جميلة التي قضيناها بين ظهراني هؤلاء الأصدقاء الطيبين وهم
من يمينك: أنا، عبد الوهاب الشريف، محمد عثمان، مصطفى أبو ادريس، محمد اسماعيل، مصطفى محفوظ، الشيخ، أحمد محفوظ
في 22 فبراير 1978 - المغرب
عمر حسن غلام الله
(الصورة التي على يسارك)


كما أدرج صورة أخرى سبق وأدرجتها في مشاركة سابقة، ولكن لوجود الأمين بوخبزه فيها أعدت إدراجها..



وقد كتبت خلف الصورة:


صورة تذكارية جمعت بين أخوة بعضهم من المشرق وبعضهم من المغرب، جمعتهم عقيدة واحدة لولاها لما تحابوا، ثم جمعتهم هذه الصورة التي أخذت في شرفة غرفة عمر حسن غلام الله رقم 222 جناح 2 الحي الجامعي السويسي 2 بالرباط- المغرب، والتقطت يوم
وتضم من يمينك: عمر حسن غلام الله ثم أحمد الفتوح ثم الأمين بوخبزه ثم محمد جمال ثم حسنين..

(الصورة التي على يمينك)

غيب ياضو
03-14-2011, 07:05 PM
الرائع دوماً
لك الشكر لهذا التطواف الاثيري في دهاليز الذاكرة
لقد امتعتنا
متعك الله بالصحة والعافية
في انتظار القادم

عمر حسن غلام الله
03-15-2011, 05:36 PM
الرائع دوماً
لك الشكر لهذا التطواف الاثيري في دهاليز الذاكرة
لقد امتعتنا
متعك الله بالصحة والعافية
في انتظار القادم

شكرا لك عزيزي غيب ياضو

ومتعك بكامل الصحة ودوام العافية

وإليكم المزيد طالما انتم تتابعون

عمر حسن غلام الله
03-15-2011, 05:47 PM
الحلقة الثانية والستين


وقفة مع سنوات مضت في المغرب: الشباب بدأ يجني ثمار ما زرعنا (2)

نواصل تكملة المقال..

(وكثر عدد المصلين في هذا المصلى، وكان بوخبزه يجتذب بعض الشباب الذين لا يصلّون ولكن يحس أنهم متكاسلون فقط وأن الأمل كبير في استجابتهم لنداء الصلاة، وقد ارتأي هؤلاء الفتية جذب غير المصلين الى هذا المصلى، فأنشأوا داخله مكتبة صغيرة جمعوا كتبها من مكتباتهم الخاصة ومن تبرعات البعض، ووزعوا إعلاناً على أجنحة الحي ومقصفه بوجود تلك المكتبة وأن هذه المكتبة متاحة للجميع (مصلين وغير مصلين)، وكانت فكرتهم أن من يدخل المصلى من أجل الكتب ربما يهدي الله قلبه حين يرى الصلاة أو يسمع الذكر الحكيم.

وحين كبر العدد وانتظم في الصلاة وضاق عليه هذا المصلى، تم افتتاح المسجد الرسمي الملحق بالحي الجامعي السويسي الأول الذي يجاور الحي الجامعي السويسي الثاني ولا يفصل بينهما سور (في الثمانينات أقيم بينهما سور)، وهذا المسجد أنشئ وقت بناء أجنحة الحي ومطعمه ولكن لم يُفتح للمصلين منذ إنشائه وطيلة سنوات إلى أن كان ذلك اليوم الذي بلغ فيه عدد المصلين في مصلانا المذكور ما يكفي لإقناع إدارة الحي بافتتاحه، وأذكر أن أول خطيب لأول صلاة جمعة كان الشيخ/ صلاح - سوري الجنسية - الدارس في دار الحديث الحسنية عامئذ وكان خطيباً مفوهاً، وأذكر أنه كان يرتجل الخطبة ولا يقرأها من ورقة، وامتلأ الجامع بالمصلين من الطلبة ومن غيرهم من عمال الحي الجامعي وموظفيه.

لقد غرس بوخبزه وبوسلهام وقلة معهم غرسة رأينا فروعها تمتد في سماء الحي الجامعي السويسي، وكانت دعوتهم بسيطة ولكنها فعّالة وجذبت ليس الذين يصلون بمفردهم في غرفهم ولا أولئك الذين لا يصلون ولكن الأمل فيهم كبير؛ بل إنها جذبت من كان لا يتورع عن فعل كل منكر، فقد تعرفت في مصلانا الصغير على ثلاثة أصدقاء يدرسون في معهد الإحصاء المجاور للحي الجامعي السويسي الثاني، مصطفى من تونس (اسمه الكامل مصطفى الشريف، ولم أكتبه في مقالي هذا الذي أرسلته للمستقلة خوفاً عليه، أما الآن وقد انتفض الشعب التونسي ضد من حرمهم الصلاة في المساجد وأدخل السجن كل من أطلق لحيته، فإني أكتب اسمه الآن كاملاً ولعله- أو من يعرفه- يطلعه على ما كتبت ليدلي بدلوه هنا ولأتواصل معه بعد طول افتراق دام عقودا) وعلي من تشاد وحسن من المغرب، قالوا لي أنهم كانوا يعملون كل الموبقات، وبدون مقدمات دخلوا مصلانا المذكور ومن يومها تركوا كل فعل قبيح وصاروا من المواظبين على الصلاة في المصلى- ولاحقاً المسجد-، وكنت أخاف عليهم فجاءة التحول وأن ينتكسوا، ولكن وبحمد الله استمروا على أداء الفرائض واجتناب النواهي؛ فقد تخرجت في العام 1978 وتركتهم يواصلون دراستهم وزرت المغرب في العام 1985م والتقيت أحدهم بالصدفة البحتة وهو التشادي علي أبوبكر الذي كان قد رجع الى المغرب لمواصلة السلك الثالث (الماجستير)، وقد أوصلني بالمغربي لريبي حسن الذي يعيش في الرباط، وكانا بأحسن حال وسألته عن زميله مصطفى فقال أنه مذ عاد الى وطنه تونس انقطعت صلته به لظنه أنهم هناك يتابعون المتدينين ولخوفه عليه من ذلك لم يراسله. وفي زيارتي للمغرب عام 1988 كان كل شئ على ما يرام، لكني علمت من حسن أن صديقنا التشادي علي أبوبكر قد رجع لبلاده وأنه على صلة به عبر الرسائل وأعطاني عنوانه فراسلته لفترة من الزمن ثم انقطع عن الرد، فعلمت بعدها من حسن باستشهاد علي أبوبكر في الطائرة الفرنسية التي فُجرت في سماء النيجر (فجرها سيئ الذكر القذافي) وكان رحمه الله قد وصل الى منصب وكيل وزارة في بلاده.)


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

أبو عدى
03-16-2011, 02:23 AM
نتابعك بشغف اخى الفاضل الاستاذ غلام الله
احترامى وتقديرى لشخصكم الكريم

عمر حسن غلام الله
03-16-2011, 06:57 PM
الحلقة الثالثة والستين


وقفة مع سنوات مضت في المغرب: الشباب بدأ يجني ثمار ما زرعنا (3)

نواصل تكملة المقال..

( قد يرى البعض أن إعادة هؤلاء الطلاب الى حظيرة الدين شئ عادي لا يحتاج الى كل هذا السرد، ولكن إذا عرفوا بيئة الطلاب في تلك الحقبة لزال الإستغراب، فحكاية أصدقائي الثلاثة قبل أن يعرفوا طريق المسجد كانت حال غالبية سكان الحي الجامعي من الطلاب ولم يكن حال بقية الطلاب بأحسن حال من هؤلاء (في كلية الحقوق لم يكن هناك مصلى، وكنا نصلي على التراب أو على النجيلة خلف قاعات المحاضرات ولم نكن نجد من يصلي من الطلاب إلا القليل جداً، كما أن مصلى الحي الجامعي مولاي اسماعيل كان مرتادوه قلة وكنت في مرات أصلي الفجر فيه ولا يكون هناك غيري والشاويش) ولم تكمن الطامة في أنهم لا يركعون ولا يسجدون لله أو أنهم يفعلون ما نهى الله عنه؛ بل لأن كثير منهم كانوا الحاديين متأثرين بأساتذتهم الفرنسيين وبفلاسفة الغرب، وهذا ما حدا بالأمين بوخبزه أن يغير مسار حياته من دراسة الطب الى دراسة الفلسفة وذلك حتى يستطيع مقارعة حجج المكابرين منهم الفلسفية بفهم تلك الفلسفة ودحضها بعد ذلك بحجج الإسلام الدامغة، أما الذي عانى كثيراً فهو بوسلهام العربي إذ كان زملاؤه في كلية الطب يضايقونه بسبب دعوته تلك.

تبدلت تلك الصورة القاتمة- التي لم تكن تشمل كبار السن ولا السيدات اللائي يلبسن الزي المغربي المحتشم- فعند عودتي لمغرب الأحباب بعد تخرجي بسبع سنين في زيارة قصيرة وجدت أن نسبة المصلين الشباب في المساجد قد زادت، وظاهرة الفتيات المحجبات لا تخطئها العين، وتحفيظ القرآن أضحى ظاهرة تسر الخاطر، وظل جامع الحي الجامعي السويسي يعج بالمصلين من الطلاب، وفي زيارتي الأخيرة للمغرب أواخر 1987 كان الحال أحسن، أما الآن وبعد قراءتي لمقال الحامدي أحسست أن ما زرعه الإستعمار الفرنسي وراءه قد قضت عليه النبتة الطيبة التي غرسها بوخبزه وبوسلهام وصحبهم في الرباط، وحتما هناك من غرس مثلها في أرجاء المغرب الأصيل سواء في أوساط الجامعيين أو غيرهم، أو تابع نموها وازدهارها واعتنى بها ورعاها، فهنيئاً للدكتور بوخبزه الأمين (الذي نال دكتوراة الدولة من الجامعات المصرية أواسط الثمانيات) وللأخ الدكتور الطبيب/ بوسلهام محمد والأخ الدكتور محفوظ مصطفى استاذ جراحة العظام بطب الرباط ولأخوة كافحوا معهم لهداية زملائهم وأنستني السنون أسماءهم، ولكن الله لا ينسى صنيعهم.

أرجو أن أكون بهذا السرد البسيط قد فتحت شهية آخرين للإدلاء بدلوهم مؤكدين ما ذكرته أو مضيفين أو داحضين، طالما أن الحقيقة هي مبتغى الجميع، وبعدي عن المغرب وبعد الشقة بين تلك الحقبة وتاريخ كتابة هذه السطور ربما أنساني أحداثاً أو أشخاصاً آمل أن يستجيب الزملاء ويكملوا مابدأت.

ولكم خالص التحية والتقدير،،

عمر حسن غلام الله)

وانتهى المقال


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
03-19-2011, 03:57 PM
الحلقة الرابعة والستين

مولانا عبد الرحيم..



Quote: بالمناسبة يا ماندينغو،
هناك شخصية من زمنكم في الرباط، ياريت تكلمنا عنها،
ألا وهو: مولانا عبد الرحيم!
نواصل


استجابة لنداء الأخ صلاح فقير (زميل دراسة بالمغرب ولكن جاء بعد تخرجنا) أعلاه، فسأسرد ذكرياتي مع المرحوم مولانا عبد الرحيم..

ونحن في السنة الثانية- على ما أظن- جاء الى المغرب، وكان يكبرنا كثيراً في العمر، وفي المقام، وكان دائماً باسماً ضاحكاً، وأذكر في بدايات تعارفي به، أن قال لي عند لقاء معه: (شاااايفك.. يومداك) ومعها ابتسامة معناها: (يا مطموس)، والذي شافني فيهو ده هو أنني كنت في زيارة لمنزل حسن قطر- وهو خال عصام قطر- وكان حسن يعمل في سفارة قطر بالرباط لذا اطلقنا عليه حسن قطر، وفيما بعد على عصام الذي اشتغل في نفس السفارة، وكان حسن قطر يسكن في حي المحيط بقرب الحي الجامعي مولاي اسماعيل، بالضبط قصاد المحطة الثانية من بداية الخط عند مولاي اسماعيل.. المهم في زيارتي تلك لمنزلهم العامر لاحظت ان هناك سودانية من جيلنا معهم، وبعد ان غادرت المنزل متجها الى محطة البص حضرت تلك الفتاة ووقفت بجانبي- طبعاً سلمت عليها في منزل حسن ولكن لم نتعارف- المهم كنت مستنداً على سور حوش في محطة البص فوقفت بجانبي، ولكن انتبهت لشئ في وقفتها، وهي أن رأسها كان مائلاً ناحيتي لدرجة ان من يرانا يعتقد أن رأسها ينام على كتفي لشدة قربها مني.. ويبدو هذا ما رآه مولانا عبد الرحيم رحمه الله- والذي لم أكن قد رأيته في تلك اللحظات، ربما رأيته بعد أن ركبنا الحافلة، أو ربما لم أره أبداً في ذلك اليوم.. المهم ملاحظته تلك ووقفة الفتاة تلك نبهتني إلى رغبة الفتاة في إقامة علاقة معي، لا سيما عندما التقيتها مرة أخرى أمام أحد أجنحة الحي الجامعي السويسي الثاني (الخاص بالأولاد)، وعلى ما أذكر كانت برفقة إحدى السودانيات.. المهم سلمت عليهم ولاحظت أن فتاتي تلك قد ظلت ممسكة بيدي في يدها لفترة طويلة مما جعلني أحس بالحرج امام الأخرى.. تلك الفتاة أصبحت زميلتنا في الجامعة..

الشاهد ان مولانا عبد الرحيم كانت روحه مرحة وشبابية رغم أنه قد عمل بالشرطة بعد تخرجه من كلية الحقوق جامعة القاهرة فرع الخرطوم (على ما أعتقد) لفترة من الزمن قبل حضوره للمغرب لمواصلة دراسته في الماجستير في دار الحديث الحسنية.. فقد وصل الى رتبة نقيب في شرطة السودان، وقال لي:

( يا عمر ما رأيت أفسد من جهاز الشرطة في السودان.. لقد قدمت استقالتي منه مسببة في ثلاث صفحات، وقد قال لي رئيسي أن هذه الإستقالة ستدينك لأنك تتهم جهاز بأكمله، فرددت عليه بأنني لن أسحب ولو كلمة واحدة من استقالتي.. وسافرت الى المغرب دون أن أسلم بدلتي العسكرية- وهذه مخالفة خطيرة للقانون- ولكن زملائي سلموها- تفادياً للمشاكل التي يمكن أن تسببها لي- بعد سفري بثلاثة أشهر..

ومن الأشياء التي دعتني للإستقالة أن هناك إمرأة ساقطة ومعروفة في الخرطوم كانت تسافر باستمرار الى السعودية، حولوا أوراقها إليّ لتوقيعها بالموافقة على السفر، فرفضت التوقيع، فجاءني رئيسي وقال لي وقع لها الأوراق، قلت له لن أوقع، وقع أنت.. ولم أوقع، ولكن سافرت رغم ذلك..

وفي مرة جاءتنا إخبارية أن هناك منزل تديره إمرأة فيه أطفال لبيع عفتهم.. تنكرنا في زي مدني وخبطنا على الباب ففتحت لنا الباب فأبرزنا بطاقاتنا العسكرية فقالت لنا المرأة (انتو وليدات صغار ساكت)، فضربتها على رأسها بكعب المسدس ودخلنا البيت ووجدنا أطفالاً صغاراً بعضهم لا يتعدى السبع سنين.. وقبضنا على المرأة، ولكن للأسف خرجت كما تخرج الشعرة من العجين، ويبدو أننا فعلاً وليدات صغار لأن الكبار هم من أخرجوها..)

انتهى كلام مولانا عبد الرحيم، وأطلقنا عليه كلمة مولانا لتديّنه وللحيته ولدراسته في دار الحديث الحسانية، وكان متفوقاً جداً، حيث قابلني ذات مرة بعيد انتهاء السنة الدراسية الأولى له في الماجستير وقال لي: قريبك (يقصد نفسه) جاء أول الدفعة.. فعلاً كان الأول على ثلاثين طالباً من مختلف أنحاء العالم الإسلامي يدرسون في نفس الماجستير.. وكان من ضمن أساتذتهم الدكتورة بنت الشاطئ..

سكن مولانا عبد الرحيم في منزل مستأجر شبه شعبي قرب شاطئ المحيط وقرب الجوطية (الحراج/ الدلاله)، وكنا نزوره في بيته وكان كريماً للغاية.. وكان حبيب الجميع، يحب كل الطلاب بأبوية صادقة، فكما أسلفت هو يكبرنا في العمر كثيراً.. لقد كان رحمه الله يعاني من الربو، وقد علمنا أن نوبة ربو أودت بحياته حيث فاجأته ولم يكن البخاخ معه فأسلم الروح الى بارئها رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الجنة بقدر حبه للناس وطيبته وسماحته ورفعته لإسم السودان بين المغاربة وطلاب الماجستير وطلاب دار الحديث الحسنية، وقد توفي الى رحمة مولاه بعد مغادرتنا المغرب، لا أدري في السنة التالية مباشرة 1979 ام بعدها..

وعندما وصلت الى الطائف في العام 1983 وتعرفت على سودانيين قرب المكتب الذي أعمل به وعرفوا انني درست في المغرب أتوا لي في المكتب بشقيق مولانا عبد الرحيم، وقد فرحت وحزنت.. لأنه من ريحة الحبايب كما يقول اخوتنا في شمال الوادي..


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
03-21-2011, 04:52 PM
الحلقة الخامسة والستين

نواصل


الرحلة الميمونة الى فاس


اتفقت مع صديقي المغربي إبن تطوان طالب الطب آنذاك مصطفى محفوظ أن نسافر في عطلة الربيع الى فاس.. وفي اليوم المحدد للسفر اتفقنا ان نلتقي في موقف الحافلات- لا أذكر إن كان موقف الكيران الذي بباب الحد او موقفاً آخر- وأذكر أنني دخلت المطعم في الحي الجامعي مولاي اسماعيل وتغديت وزنقني الوقت، فأسرعت الى الموقف، وحين وصولي رأيت البص يتحرك.. فأشرت له فتوقف (ويبدو كذلك ان زملائي رأوني أركض أمام الحافلة فأخبروه أن يقف) فركبت وأنفاسي متقطعة من الجري الى هذا المكان.. فوجدت مصطفى وزملائه قلقين لتأخري، فما إن صعدت الى الحافلة حتى سألني مصطفى عن سبب التأخير، فلم استطع الإجابة فوراً لأنني لم التقط أنفاسي بعد، فقال له زملاؤه: خليه ياخد نفسو أول.. وبعد أن أخدت نفسي قلت لهم كنت أتغدى في المطعم، فقال لي مصطفى: دي فاس يا عمر! يعني المطعم كل يوم لكن فاس مرة واحدة.. المهم حمدت الله أنني لحقت بالحافلة في آخر لحظة قبل خروجها من الموقف..

لم تكن الرحلة بالقصيرة الى فاس، ولكنها كانت ممتعة، فالجبال في الطريق كانت مخضرة، والقرى كانت هادئة وجميلة.. بالمناسبة كانت لي رحلتان الى فاس، واحدة بالحافلة وأخرى بالقطار، والتي بالقطار سافرت لوحدي، ولا أستطيع الآن التفريق بين الرحلتين، لذلك ربما دمجت أحداث الرحلتين في حكاية واحدة..

المهم وصلنا فاس، ونزلنا على ما أذكر مع أبناء تطوان أصدقاء صديقي مصطفى، ولا أذكر ان كانوا يقيمون في الحي الجامعي ام في منزل مستأجر، ويبدو انني نزلت في إحدى الرحلتين في الحي الجامعي بضهر المهراس.. وبعد ان اخذنا قسطا من الراحة تجولنا في مدينة فاس، وبالذات فاس القديمة، حيث زرنا جامعة القرويين وصلينا في جامعها الشهير، وأذكر انني أدركت صلاة فيه وكان المسجد كبيراً وفيه أعمدة كثيرة، ولكي ألحق الركعة صليت في مكان لا أرى فيه الإمام ولا بقية الصفوف، فكنت اركع واسجد ثم لاحظت أنني اركع إذ هم يسجدون واسجد اذ هم يركعون، فما كان مني إلا أن قطعت صلاتي، وصليت بمفردي بعد انتهاء صلاة الجماعة..

أذكر أن خلف المسجد كان هناك نهر صغير.. تم تغطية جزء من مجراه بصبات خرسانية، فقال لي أصدقائي المغاربة ان هذا النهر يأتي من الجبال ويشق فاس، وقد انحسر وضاق مجراه وغُطي جزء منه حينما دخل وسط المدينة.. نسيت اسم هذا النهر.. وفي ذات المكان وجدت حائطاً كبيراً يبدو انه حائط خارجي للمسجد او لأحد بنايات الجامعة، فكتبت بالنحت بآلة حادة ربما مسمار او زجاجة مكسورة او شئ من هذا القبيل تذكاراً بإسمي وبتاريخ ذلك اليوم.. وكان بخط كبير يكاد يأخذ مساحة واسعة من الحائط- ساعدني في ذلك طولي- (في زيارة لفاس بعد عشرين عاماً بحثت عن هذا الحائط فلم استدل عليه، وكذلك عن مجرى ذلك النهر، لا أدري بسبب النسيان أي لم أعرف مكانهما، أم بسبب تغيير حدث للمكان وربما تمت إزالة أجزاء او بناء أبنية حول المكان او في ذات المكان)..

كذلك زرنا ضريح الشيخ أحمد التيجاني، الذي لا يبعد كثيراً عن جامع القرويين، وهو من المعالم الهامة في مدينة فاس.. كذلك تجولنا في حديقة كبيرة جداً فيها بحيرات وأشجار وارفة وجسور فوق تلك البحيرات، كانت رائعة بكل معنى الكلمة، وقضينا يوماً كاملاً فيها انا واصدقائي المغاربة والتقطنا صوراً جميلة أرجو أن أعثر على شئ منها.. وقد عرفت اصدقائي المغاربة بالطلاب السودانيين هناك، ولنا صور تضم الجميع..

بالمناسبة المغاربة يعتبرون أن أجمل بنات المغرب في فاس، وأن أغنى الناس في المغرب هم ناس فاس.. وبالفعل إذا تجولت في فاس فسترى الجمال في كل مكان.. عموم نساء المغرب جميلات، ولكن لو افترضنا ان نسبة الجمال في كل مدن المغرب 85% فإن نسبتهن في فاس هي 100%، وقد تعرفت في الرباط على إحدى بنات فاس، وهي إبنة تاجر في فاس، واجتمعت فيها الروقة مع الجمال، كانت طويلة وممتلئة في تناسق عجيب، الشعر ينسدل على ظهرها فيغطيه، فهو طويل وغزير وحالك السواد، عيناها واسعتان ورموشها طويلة وغزيرة.. التقيتها في حافلة الخط الجامعي، أعجبتني جداً، بدأت أحث نفسي أن تتشجع وتتكلم معها.. وكلما حاولت أن أتحدث اليها وهي جالسة امامي مباشرة في الحافلة، أجد نفسي لا أقوى على مخاطبة تلك الجميلة الراقية واتضاءل وانزوي وانطوي على نفسي، وهي ركبت الحافلة من المحطة التي قرب السوق، فقلت ربما تكون ساكنة في الحي الجامعي اكدال، إذ لم ارها في حينا السويسي الثاني.. وكانت الحافلة تقترب من محطة اكدال، فقلت لا استطيع ان ابدأ معها الكلام وهي ستنزل بعد قليل فلا فائدة من الكلام ولن استطيع توصيل اي رسالة في هذا الوقت القصير، فلما توقفت الحافلة في محطة اكدال ولم تنزل تأكدت انها تسكن في حينا، فما ان أُغلق باب الحافلة وتحركت حتى تجرأت واسرعت بالكلام حتى لا أقع في حفرة التردد مرة اخرى، قلت لها فوراً: هل تدرسين في الآداب؟ وفي نظري أن هذا الجمال لا يمكن ان يكون غير في كلية الآداب (الحنينة السكرة)، فقالت لي بأريحية وبمحيا باسم: أنا في كلية الحقوق.. غريبة، فأنا أيضاً في كلية الحقوق، فقالت لي انا في السنة الثانية، اي ورائي بسنة..

صارت نبيلة صديقتي على خفيف، نلتقي في المطعم فنجلس في طاولة واحدة، نلتقي في الحي الجامعي فنتونس حتى أوصلها الى جناحها، تعرفت على اختها التي تصغرها والتي تدرس في كلية الطب في السنة الأولى، وكانت جميلة ولكن حجمها كان صغيراً وليست كنبيلة، كانتا تلبسان أحسن الملابس، وتحيط ساعديهما أسورة الذهب (وكان هذا نادراً في أوساط الطالبات)، وكانت بشرى تدرس في كلية الطب وتسكن مع اختها في الحي الجامعي السويسي الثاني.. ولم تتعدى علاقتي بنبيلة تلك الونسات الخفيفة واللقاء في المطعم او في ساحات الحي الجامعي.. وفي مرة وجدتها مع رجل سلمت عليها فعرفتني به فإذا هو والدها..

أخذني الكلام عن نبيلة من الكلام عن فاس.. سنكمل لاحقاً..

وإليكم صورة في فاس، وقد كتبت خلف الصورة الآتي:

الوحدة العربية.. لا بل الوحدة الإسلامية جمعتنا العقيدة.. وجمعتنا هذه الصورة..
بعضنا من المشرق والبعض الآخر من المغرب اجتمعنا في فاس عاصمة المغرب الثقافية
تلك كانت أياماً جميلة التي قضيناها بين ظهراني هؤلاء الأصدقاء الطيبين وهم
من يمينك: أنا، عبد الوهاب الشريف، محمد عثمان، مصطفى أبو ادريس، محمد اسماعيل، مصطفى محفوظ، الشيخ، أحمد محفوظ
في 22 فبراير 1978 - المغرب
عمر حسن غلام الله

http://sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=1033&d=1300538602

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

د.احمد
03-21-2011, 09:17 PM
اشعر بكثير من الراحة عندما يتساقط رزاز
مطر ابداعك فى حقلى

أبو عدى
03-22-2011, 03:50 AM
قمة الابداع الاخ الفاضل الاستاذ
عمر حسن غلام الله
ما كان بودى ان اقاطعك فى السرد
ولكن وددت ان اترك كلمة اعجاب بما تقدمه لنا من سرد رائع للاحداث

مذيد من الابداع والتوهج

احترامى و تقديرى

غيب ياضو
03-26-2011, 02:15 PM
استاذنا الرائع لما الغياب
في انتظار عينيك كملت الصبر كلو
تخريمة
بالبلدي كده شنو الشرة دي راجنك يعني نكورك ليكم ما تجو نجيكم تكوركو
تقبل مروري
ابدعت وانت تبحر بنا في هذه الفضاءات التي نراها بعينيك ونعيشها بروحك
فهلا اكملت بنا

عمر حسن غلام الله
03-26-2011, 07:11 PM
اشعر بكثير من الراحة عندما يتساقط رزاز
مطر ابداعك فى حقلى

وأشعر بكثير من الفخر عندما تمرون على بوستي..

وبكثير من الغبطة والسرور عندما تعلقون وتشاركون

لكم كل الود وكامل الاحترام

عمر حسن غلام الله
03-26-2011, 07:17 PM
الحلقة الخامسة والستين

نواصل


الرحلة الميمونة الى فاس


اتفقت مع صديقي المغربي إبن تطوان طالب الطب آنذاك مصطفى محفوظ أن نسافر في عطلة الربيع الى فاس.. وفي اليوم المحدد للسفر اتفقنا ان نلتقي في موقف الحافلات- لا أذكر إن كان موقف الكيران الذي بباب الحد او موقفاً آخر- وأذكر أنني دخلت المطعم في الحي الجامعي مولاي اسماعيل وتغديت وزنقني الوقت، فأسرعت الى الموقف، وحين وصولي رأيت البص يتحرك.. فأشرت له فتوقف (ويبدو كذلك ان زملائي رأوني أركض أمام الحافلة فأخبروه أن يقف) فركبت وأنفاسي متقطعة من الجري الى هذا المكان.. فوجدت مصطفى وزملائه قلقين لتأخري، فما إن صعدت الى الحافلة حتى سألني مصطفى عن سبب التأخير، فلم استطع الإجابة فوراً لأنني لم التقط أنفاسي بعد، فقال له زملاؤه: خليه ياخد نفسو أول.. وبعد أن أخدت نفسي قلت لهم كنت أتغدى في المطعم، فقال لي مصطفى: دي فاس يا عمر! يعني المطعم كل يوم لكن فاس مرة واحدة.. المهم حمدت الله أنني لحقت بالحافلة في آخر لحظة قبل خروجها من الموقف..

لم تكن الرحلة بالقصيرة الى فاس، ولكنها كانت ممتعة، فالجبال في الطريق كانت مخضرة، والقرى كانت هادئة وجميلة.. بالمناسبة كانت لي رحلتان الى فاس، واحدة بالحافلة وأخرى بالقطار، والتي بالقطار سافرت لوحدي، ولا أستطيع الآن التفريق بين الرحلتين، لذلك ربما دمجت أحداث الرحلتين في حكاية واحدة..

المهم وصلنا فاس، ونزلنا على ما أذكر مع أبناء تطوان أصدقاء صديقي مصطفى، ولا أذكر ان كانوا يقيمون في الحي الجامعي ام في منزل مستأجر، ويبدو انني نزلت في إحدى الرحلتين في الحي الجامعي بضهر المهراس.. وبعد ان اخذنا قسطا من الراحة تجولنا في مدينة فاس، وبالذات فاس القديمة، حيث زرنا جامعة القرويين وصلينا في جامعها الشهير، وأذكر انني أدركت صلاة فيه وكان المسجد كبيراً وفيه أعمدة كثيرة، ولكي ألحق الركعة صليت في مكان لا أرى فيه الإمام ولا بقية الصفوف، فكنت اركع واسجد ثم لاحظت أنني اركع إذ هم يسجدون واسجد اذ هم يركعون، فما كان مني إلا أن قطعت صلاتي، وصليت بمفردي بعد انتهاء صلاة الجماعة..

أذكر أن خلف المسجد كان هناك نهر صغير.. تم تغطية جزء من مجراه بصبات خرسانية، فقال لي أصدقائي المغاربة ان هذا النهر يأتي من الجبال ويشق فاس، وقد انحسر وضاق مجراه وغُطي جزء منه حينما دخل وسط المدينة.. نسيت اسم هذا النهر.. وفي ذات المكان وجدت حائطاً كبيراً يبدو انه حائط خارجي للمسجد او لأحد بنايات الجامعة، فكتبت بالنحت بآلة حادة ربما مسمار او زجاجة مكسورة او شئ من هذا القبيل تذكاراً بإسمي وبتاريخ ذلك اليوم.. وكان بخط كبير يكاد يأخذ مساحة واسعة من الحائط- ساعدني في ذلك طولي- (في زيارة لفاس بعد عشرين عاماً بحثت عن هذا الحائط فلم استدل عليه، وكذلك عن مجرى ذلك النهر، لا أدري بسبب النسيان أي لم أعرف مكانهما، أم بسبب تغيير حدث للمكان وربما تمت إزالة أجزاء او بناء أبنية حول المكان او في ذات المكان)..

كذلك زرنا ضريح الشيخ أحمد التيجاني، الذي لا يبعد كثيراً عن جامع القرويين، وهو من المعالم الهامة في مدينة فاس.. كذلك تجولنا في حديقة كبيرة جداً فيها بحيرات وأشجار وارفة وجسور فوق تلك البحيرات، كانت رائعة بكل معنى الكلمة، وقضينا يوماً كاملاً فيها انا واصدقائي المغاربة والتقطنا صوراً جميلة أرجو أن أعثر على شئ منها.. وقد عرفت اصدقائي المغاربة بالطلاب السودانيين هناك، ولنا صور تضم الجميع..

بالمناسبة المغاربة يعتبرون أن أجمل بنات المغرب في فاس، وأن أغنى الناس في المغرب هم ناس فاس.. وبالفعل إذا تجولت في فاس فسترى الجمال في كل مكان.. عموم نساء المغرب جميلات، ولكن لو افترضنا ان نسبة الجمال في كل مدن المغرب 85% فإن نسبتهن في فاس هي 100%، وقد تعرفت في الرباط على إحدى بنات فاس، وهي إبنة تاجر في فاس، واجتمعت فيها الروقة مع الجمال، كانت طويلة وممتلئة في تناسق عجيب، الشعر ينسدل على ظهرها فيغطيه، فهو طويل وغزير وحالك السواد، عيناها واسعتان ورموشها طويلة وغزيرة.. التقيتها في حافلة الخط الجامعي، أعجبتني جداً، بدأت أحث نفسي أن تتشجع وتتكلم معها.. وكلما حاولت أن أتحدث اليها وهي جالسة امامي مباشرة في الحافلة، أجد نفسي لا أقوى على مخاطبة تلك الجميلة الراقية واتضاءل وانزوي وانطوي على نفسي، وهي ركبت الحافلة من المحطة التي قرب السوق، فقلت ربما تكون ساكنة في الحي الجامعي اكدال، إذ لم ارها في حينا السويسي الثاني.. وكانت الحافلة تقترب من محطة اكدال، فقلت لا استطيع ان ابدأ معها الكلام وهي ستنزل بعد قليل فلا فائدة من الكلام ولن استطيع توصيل اي رسالة في هذا الوقت القصير، فلما توقفت الحافلة في محطة اكدال ولم تنزل تأكدت انها تسكن في حينا، فما ان أُغلق باب الحافلة وتحركت حتى تجرأت واسرعت بالكلام حتى لا أقع في حفرة التردد مرة اخرى، قلت لها فوراً: هل تدرسين في الآداب؟ وفي نظري أن هذا الجمال لا يمكن ان يكون غير في كلية الآداب (الحنينة السكرة)، فقالت لي بأريحية وبمحيا باسم: أنا في كلية الحقوق.. غريبة، فأنا أيضاً في كلية الحقوق، فقالت لي انا في السنة الثانية، اي ورائي بسنة..

صارت نبيلة صديقتي على خفيف، نلتقي في المطعم فنجلس في طاولة واحدة، نلتقي في الحي الجامعي فنتونس حتى أوصلها الى جناحها، تعرفت على اختها التي تصغرها والتي تدرس في كلية الطب في السنة الأولى، وكانت جميلة ولكن حجمها كان صغيراً وليست كنبيلة، كانتا تلبسان أحسن الملابس، وتحيط ساعديهما أسورة الذهب (وكان هذا نادراً في أوساط الطالبات)، وكانت بشرى تدرس في كلية الطب وتسكن مع اختها في الحي الجامعي السويسي الثاني.. ولم تتعدى علاقتي بنبيلة تلك الونسات الخفيفة واللقاء في المطعم او في ساحات الحي الجامعي.. وفي مرة وجدتها مع رجل سلمت عليها فعرفتني به فإذا هو والدها..

أخذني الكلام عن نبيلة من الكلام عن فاس.. سنكمل لاحقاً..

وإليكم صورة في فاس، وقد كتبت خلف الصورة الآتي:



http://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/7288.imgcache.jpg


الوحدة العربية.. لا بل الوحدة الإسلامية جمعتنا العقيدة.. وجمعتنا هذه الصورة..
بعضنا من المشرق والبعض الآخر من المغرب اجتمعنا في فاس عاصمة المغرب الثقافية
تلك كانت أياماً جميلة التي قضيناها بين ظهراني هؤلاء الأصدقاء الطيبين وهم
من يمينك: أنا، عبد الوهاب الشريف، محمد عثمان، مصطفى أبو ادريس، محمد اسماعيل، مصطفى محفوظ، الشيخ، أحمد محفوظ
في 22 فبراير 1978 - المغرب
عمر حسن غلام الله

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة

أبو عدى
03-27-2011, 03:40 PM
كنت هنا وما زلت هنا
استمتع بجمال الحروف و جمال السرد
احترامى و تقديرى لك استاذى الفاضل غلام الله

عمر حسن غلام الله
03-27-2011, 03:57 PM
الحلقة السادسة والستين

نواصل

الرحلة الميمونة الى فاس (2)

تجار فاس شطار.. هذا ما تأكد لي عندما اشتريت فستانين واحد لخطيبتي والتاني لأختي، وطلعت من الدكان فرحان، وطبعاً البياع الشاب كان لطيفاً وكلامه عسل، ودفعت القروش ولسان حالي يقول ما أجمل الفستانين وما أرخص سعرهما وما أظرف هذا البياع.. وعندما رجعت لمقر سكني فاجأني الزملاء المغاربة باستغرابهم من هذا السعر المرتفع الذي اشتريت به الفستانين، وقالوا لي أن البائع غشاك واخذ منك السعر مضاعف.. وقالوا لي أن تجار فاس معروفون بطلاوة لسانهم وشطارتهم في التجارة..

بيني وبينكم غلى الدم في عروقي.. يضحك عليّ البياع الفاسي؟ فرجعت له وتناقشت معه وأخرجت مافي جعبتي من قوانين ولوائح كنت قد درستها في الكلية مثل الغبن والتدليس وما إليها.. المهم في النهاية البياع رجع لي مبلغ لا بأس به، وعلى ما أذكر كان الفستان بـ 130 ورجع لي 50 درهم، او كان كلاهما بهذا السعر لم أعد أذكر.. الهم فشيت مغستي وأجبرته على إرجاع جزء من المبلغ..

طبعاً فاس تشتهر بالصناعات التقليدية، خاصة الجلدية منها والأدوات المنزلية مثل أطقم الشاي المغربي المزخرفة، وأريد أن أضيف نبذة عنها، فأتيت بنبذة عنها من الويكيبيديا:

فاس هي ثاني أكبر مدن المملكة المغربية بعدد سكان يزيد عن 1.9 مليون نسمة وأكثر من المليونين مع حساب المناطق المجاورة (زواغة، بنسودة، عين الله (إحصائيات 2010 م). تأسست مدينة فاس 182 هجري/ 4 يناير 808 (808-01-04) (العمر 1203)، على يد إدريس الثاني الذي جعلها عاصمة الدولة الإدريسية بالمغرب، حيث احتفلت المدينة سنة 2008 بعيد ميلادها ال1200. وتنقسم فاس إلى 3 أقسام، فاس البالي وهي المدينة القديمة، وفاس الجديد وقد بنيت في القرن الثالث عشر الميلادي، والمدينة الجديدة التي بناها الفرنسيون إبان فترة الاستعمار الفرنسي.

التاريخ:

يعود تاريخ مدينة فاس إلى القرن الثاني الهجري، عندما قام إدريس بن عبد الله مؤسس دولة الأدارسة عام 172هـ الموافق لعام 789 م ببناء مدينة على الضفة اليمنى لنهر فاس. وفد إلى مدينة فاس عشرات العائلات العربية من القرويين ليقيموا أول الأحياء في المدينة والذي عرف باسم عدوة القرويين. كما وفد إليها الأندلسيون الذين أرغموا على الهجرة من الأندلس ليكونوا حي عدوة الأندلسيين. وكان هناك حي خاص لليهود وهو حي الملاح. بعد وفاة إدريس الأول بعشرين سنة أسس ابنه إدريس الثاني المدينة الثانية على الضفة اليسرى من النهر. وقد ظلت المدينة مقسمة هكذا إلى أن دخلها المرابطون فأمر يوسف بن تاشفين بتوحيدهما وجعلهما مدينة واحدة فصارت القاعدة الحربية الرئيسية في شمال المغرب للدول المتتالية التي حكمت المنطقة بالإضافة لكونها مركزا دينيا وعلميا في شمال أفريقيا وأسست فيها جامعة القرويين عام 859 م التي كانت مقصد الطلاب من جميع أنحاء العالم الإسلامي وأوروبا.[1]

كانت مدينة فاس أحد ركائز الصراع بين الأمويين في الأندلس والفاطميين الذين حكموا ( مصر وليبيا وتونس ) و ظلت المدينة تحت سيطرة الأمويين في الأندلس لمدة تزيد على الثلاثين عاما وتمتعت خلال تلك المدة بالازدهار الكبير. وعندما سقطت الخلافة الأموية بقرطبة وقعت مدينة فاس تحت سيطرة أمراء زناتة الحكام المحليين للمغرب في تلك الفترة، سيطر بعدها المرابطون على المدينة، وتلاهم الموحدون الذين حاصروا المدينة تسعة أشهر ودخلوها في عام 1143 م. قام بنو مرين بالسيطرة على المدينة بعد سقوط دولة الموحدين واتخذوها مركزا لهم بدلا من مراكش، وأنشأوا مدينة ملكية وإدارية جديدة عرفت بالمدينة البيضاء. في عهد المرينيين عرفت مدينة فاس عصرها الذهبي إذ قام أبو يوسف يعقوب المنصور ببناء فاس الجديدة سنة 1276 م وحصنها بسور وخصها بمسجد كبير وبأحياء سكنية وقصور وحدائق.[2]

وأصبحت مركزا للدولة العلوية في المغرب في 1649 م، وبقيت مركزا تجاريا هاما في شمال أفريقيا. ظلت المدينة المصدر الوحيد للطربوش الفاسي حتى القرن التاسع عشر الميلادي، عندما بدأ يصنع في كل من تركيا وفرنسا.

في التاريخ الحديث، كانت فاس عاصمة للمملكة المغربية حتى عام 1912 م (فترة الاحتلال الفرنسي والتي استمرت حتى 1956 م) وتم فيها تحويل العاصمة إلى مدينة الرباط. هاجر العديد من سكان فاس إلى المدن الأخرى وخاصة يهود المدينة، إذ أفرغ حي الملاح تماما من ساكنيه، وكان لهجرة السكان من المدينة أثرا اقتصاديا سيئا.

أبواب مدينة فاس:

باب الفتوح، باب الخوخة، باب المحروق، باب الحديد، باب الدكاكين، باب المكينة، باب أبي الجنود، باب البرجة، باب السمارين، باب جبالة، باب الكيسة، باب سيدي بوجيدة، باب شمس، باب زيات.

للإشعاع الكبير للمدينة الحضاري والعلمي فقد كان يراد للمدن الجديدة التي كان يبنيها المغاربة أن تكون مثل مدينة فاس، ومن أبرز هذه المدن مدينة القاهرة المصرية التي حملت أبوابها أسماء أربعة أبواب قديمة لفاس ولها جامعة الأزهر كما أن لفاس جامعة القرويين.

الجغرافيا:

تقع مدينة فاس في أقصى شمال شرق المملكة المغربية. تشغل الطرق السهلة التي تصل بين ساحل المغرب المطل على المحيط الأطلسي ووسطه. يصل عدد سكانها لأكثر عن 1.9 مليون نسمة

موقع المدينة:

التقسيم الاداري لمقاطعات مدينة فاس:

لموقع فاس ميزة ذات أهمية في المغرب، وهي غزارة مياهها حيث تمتص الطبقات الكلسية في الأطلس المتوسط لتكون منطقة من المياه الجوفية تتفجر منها في سهل يسمى سهل سايس ينابيع كثيرة تتجمع وتتحد لتغذي نهر فاس أو على الأصح أنهار فاس يضاف إلى ذلك الينابيع التي تتفجر من العدوات الشديدة الانحدار التي حفرها نهر فاس مسيلا له. وتمتد بمدينة فاس قنوات المياه مثل الشرايين لتصل إلى كل مسجد ومدرسة وبيت، ويتفجر فيها عيون نهر سبو وروافده. وهو ما جعل المدينة ذات موقع إستراتيجي واستطاعت أن تصمد تحت الحصارات المتتالية عبر التاريخ.

وتقع مدينة فاس في واد خصيب وكأنها واسطة العقد بين التلال المحيطة بها من كل الجهات. ويوجد قرب المدينة الغابات التي تتوفر فيها أشجار البلوط والأرز والتي يستخرج منها أخشاب عالية الجودة، وتحيط بها أراض كثيرة صالحة لكافة أنواع الزراعة حيث تنمو الحبوب والكروم والزيتون وأنواع عديدة من أشجار الفاكهة. ولكثرة بساتين البرتقال والتين والرمان والزيتون بصورة خاصة تبدو المدينة زمردية اللون محاطة بعقود من الحدائق والبساتين وبجبال خضراء داكنة متوجة بشجر الأرز والصبير وزهر عود السند. ومن الارتفاعات العالية يبدو اللون الأخضر هو الغالب على كل الألوان بينما تتخلله نقاط بيضاء ما هي إلا الخراف والماعز والأبقار التي تنتشر في المراعي.

أرفق هنا صورة تضمني (على يمينك) ثم مصطفى أبو ادريس، ثم المسلمي الزين، ثم محمد عثمان الأمين، والصورة في حي الليدو بفاس والتقطت بتاريخ 22 فبراير 1978م


http://www.hams-al7roof.com/vb/imgcache/7295.imgcache.jpg



وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..

.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
03-27-2011, 04:00 PM
كنت هنا وما زلت هنا
استمتع بجمال الحروف و جمال السرد
احترامى و تقديرى لك استاذى الفاضل غلام الله


عاصم شريف

الله يطيب خاطرك.. دائماً مطيب خاطري

عمر حسن غلام الله
03-27-2011, 04:05 PM
استاذنا الرائع لما الغياب
في انتظار عينيك كملت الصبر كلو
تخريمة
بالبلدي كده شنو الشرة دي راجنك يعني نكورك ليكم ما تجو نجيكم تكوركو
تقبل مروري
ابدعت وانت تبحر بنا في هذه الفضاءات التي نراها بعينيك ونعيشها بروحك
فهلا اكملت بنا

غيب يا ضو
ما دام معانا كل الضو

شرفت البوست كتير

وأشكرك على كلماتك الرائعة في حقي

سوف أكمل ما دام لي قراء مثلكم

عمر حسن غلام الله
03-29-2011, 06:35 PM
الحلقة السابعة والستين



نواصل

نبذة عن فاس



السياحة

يوجد بفاس معالم آثرية تدل على حضارتها عبر العصور الإسلامية، ومن أهم ما بقي من هذه الآثار السور وبواباته الثمانية والتي تم تشييدها بطريقة التربة المدكوكة (باب محروق ،باب الدكاكين، باب المكينة، باب أبي الجنود، باب الفتوح، باب البرجة، باب السمارين، باب جبالة، باب الكيسة، باب سيدي بوجيدة، باب الخوخة، باب زيات، باب الحديد) بأقواسها الرائعة والنقوش والتخريم البارز فوقها والتي ترجع إلى عهد المرينين. وقد تجدد بعضها في العصور التالية ولكنها ظلت محتفظة بطابعها.

وفي داخل الأسوار تميزت المدينة بوجود عشرة آلاف بناية أصلية، وسبعين كيلو مترا من القنوات المتدفقة من مياه الوادي والعيون، وبها أربعة آلاف نافورة وسقاية. تميز المدينة قصورها التي شيدها المرينيون على التلال التي تطل على فاس من جهة الشمال، وكذلك المنازل القديمة المكونة من طابقين حولها أفنية ضيقة لكنها كسيت بحشوات من الفسيفساء الخزفية، والأبواب المزخرفة بزخارف جصية محفورة، ويحاط بعض المنازل بالحدائق والبساتين.

المارستانات

تعددت بفاس المستشفيات وكثرت، ويوجد عدد كبير من المستشفيات في خارج أبواب المدينة إلا أنها تقل جمالا عن تلك التي كانت بداخلها. وكانت هذه المستشفيات غنية جدا إلا أنه في أيام حرب سعيد عندما كان السلطان في أشد الحاجة إلى المال أشاروا عليه ببيع إيراداتها وأملاكها، وبقيت المستشفيات فقيرة محرومة تقريبا من وسائل العمل. وكان بالقرب من سوق العطارين وسوق الحناء مكان يقيم به المرضى بأمراض عقلية، وكان بناؤه قديما يرجع تأسيسه إلى عهد سلاطين بني مرين، حيث بنى أبو يعقوب يوسف بن يعقوب هذا المارستان لما تولى الملك سنة 685 هـ/1286 م، وعهد إدارته إلى أشهر الأطباء وخصص له الأوقاف الكثيرة من العقار للصرف عليه، ولما عظم أمر المارستان واتسعت أعماله أدخل عليه السلطان أبو عنان زيادات عظيمة. وفي سنة 900هـ / 1495 م لما أقام أهل الأندلس من المسلمين في فاس تولى رئاسة هذا المارستان طبيب من بني الأحمر يسمى فرج الخزرجي ولذلك سمي بمارستان فرج، فأصلح فيه وجعل الموسيقيين يعزفون أمام المرضى.

المساجد

انتشرت بفاس العديد من المساجد إلا أن أشهرها على الإطلاق هو جامع القرويين الذي أسس في 857 م حيث كانت مساحته صغيرة ثم هدم وقام بتشييده علي بن يوسف المرابطي وزاد في مساحته زيادة كبيرة، وقام بزخرفته صناع أندلسيون، وقد بنى مئذنته الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر على نفقته الخاصة. وما زال مسجد القرويين يحتفظ بمنبره المصنوع من الخشب المحفور والمطعم. وقد زود هذا المسجد بثريا فخمة وحجرة للوضوء. ومن أجمل الآثار الباقية جامع الأندلسيين وهو من التحف الخالدة حيث تميز بسقف المصلى، وهو أثر فني خالد بجمال نقوشه وفسيفساء نوافذه الزجاجية التي تجتمع في رسومها ألوان شتى كما تميزه نجفته النحاسية المدلات من السقف وجمال تخريمها وقد أعيد بناؤه في عهد محمد الناصر وشيده تشيدا عظيما.

كما يوجد أيضا العديد من المساجد مثل مسجد الحمراء، ومسجد الرصيف وغيرها من المساجد المنتشرة في أنحاء المدينة. وجميعها لا تقل روعة معمارها عن مسجد القرويين.

الزوايا

لقد انتشرت العديد من الزوايا في كل المساجد ومنها مسجد القرويين.


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
04-04-2011, 06:47 PM
الحلقة الثامنة والستين


نواصل

نبذة عن فاس 2

فاس العاصمة العلمية والروحية

يوجد في مدينة فاس واحد من أعرق وأقدم المؤسسات العلمية وهو جامع القرويين الذي أسسته السيدة فاطمة بنت محمد الفهري عام 245هـ / 859م بعد تأسيس المدينة بـ 51 عاما. وقد بقي الجامع والجامعة العلمية الملحقة به مركزا للنشاط الفكري والثقافي والديني قرابة الألف سنة. وبعد أن وسعه أبو يوسف يعقوب المريني صار الجامع يستوعب 22 ألف مصل. كما صار يدخل إليه من 17 بابا منها بابان لدخول النساء، وكان هذا الجامع الفريد في بنائه وهندسته يضاء في عصوره الأولى بـ 509 مصباحا قائما فوق قواعد قد يزيد وزنها على 700 كيلو جراما. وتعتبر جامعة القرويين في العصر الحديث ثاني أقدم جامعة ثقافية في العالم بعد جامع الزيتونة بتونس (116 هـ736م) حيث تخرج منها بعض علماء الغرب وفيها تعلم جربرت دي لوفرينه الثاني الذي أصبح فيما بعد سلفستر الثاني. وفيها تعلم (الصفر) العربي في علم الحساب وهو الذي نشر ذلك في أوروبا.

كما درس في جامع القرويين أيضا ابن الشيخ الفيلسوف الرئيس موسى بن ميمون اليهودي القرطبي الذي كان من أعظم الأطباء في عصره والذي غادر الأندلس إلى المشرق وعين طبيبا لصلاح الدين الأيوبي ثم عين مدرسا بالقاهرة. وفضلا عن هذا الجامع فإن فاس كانت تضم 785 مسجدا جميعها أو معظمها كانت مدارس بالضبط كمساجد البصرة والكوفة تدرس فيها علوم الدين وعلوم اللغة والتاريخ وغير ذلك من العلوم. ولعل من أكبر مدارس فاس مدرسة السلطان أبو عنان المريني التي أسسها عام 756هـ / 1355 م وكان قد ألحق بها مسجدا للصلاة يتحلى بمنارة "مئذنة" لا مثيل لها في الجمال والأناقة.

وتميزت فاس بمدارسها التي بنيت حول جامع القرويين وانتشرت في أنحاء المدينة خصوصا في القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي على يد العديد من الأمراء، وقد زينت هذه المدارس بذوق فني رفيع ومتنوع وهي تشكل واحدة من أروع التشكيلات الزخرفية في مدينة فاس. ويأتي في مقدمة هذه المدارس مدرسة فاس، والمدرسة المصباحية التي أسسها أبو الحسن سنة 743هـ / 1343 م، والمدرسة التي أسسها أبو عنان وهي المدرسة الوحيدة المزودة بمنبر ومئذنة، وغيرها كثير من المدارس. أما أقدم مدارس فاس فهي مدرسة الصفارين التي أمر ببنائها أبو يوسف المريني عام 678هـ / 1280 م وزودها بمكتبة ثرية وقد نقلت فيما بعد إلى جامعة مسجد القرويين. وتعتبر مدرسة العطارين أصغر مدرسة في زمانها ولكنها كانت من حيث الهندسة المعمارية من أجملها وأبهاها وكانت تقع عند طرف سوق العطارين ومؤسسها هو السلطان أبو سيد. وكانت هذه المدارس تدرس فيها العلوم الابتدائية بدءا من القرآن والكتابة والقراءة إلى مبادئ الحساب وغيرها ثم يلتحقون بعدها بالجامعة وكانت مدة الدراسة في جامعة القرويين تستغرق بين خمسة أعوام و15 عاما وكان الطلاب يختارون بمحض إرادتهم أساتذتهم كل أستاذ حسب اختصاصه في مادة أو أكثر فيجلسون في حلقات حول الأستاذ الذي كان يستند بظهره إلى سارية من سواري المسجد.

وكان كل من السلطان أبي الحسن والسلطان أبي عنان يهتم بتثقيف الناشئة والأساتذة ويرعى شئون المسلمين رعاية بالغة وقد أعطيا كل اهتمامهما إلى تدريس القرآن الكريم والحديث وعلوم اللغة. ولقد اشتهر من فاس جماعة من أهل العلم منهم أبو عمران الفاسي فقيه أهل القيروان في وقته. وأبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان الشهير بابن البناء وهو أشهر رياضي في عصره، وأبو بكر محمد بن يحيى بن الصائغ الشهير بابن باجة وكان ممن نبغوا في علوم كثيرة منها اللغة العربية والطب وكان قد هاجر من الأندلس وتوفي بفاس. ومن العلماء الذين أقاموا بفاس ودرسوا بجامعتها ابن خلدون المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع، ولسان الدين بن الخطيب، وابن العربي الحكيم وابن مرزوق.


ثقافة

لم يكن اختيار مدينة "فاس" عاصمة للثقافة الإسلامية، عشوائيًا؛ فهي مدينة تعيش تحركًا ثقافيًا متميزًا على مدار السنة يتجسد في مهرجانات واحتفالات دينية وأنشطة مختلفة ومتنوعة تتلون بشتى ألوان الإبداع.

قد صنفت مدينة فاس كثراث إنساني عالمي منذ سنة 1981 حيث أصبحت مقصدا وفضاء لعقد عدد من التظاهرات الدولية والوطنية في هذا المجال، ونذكر منها المؤتمر الدولي لمدن الثراث العالمي سنة 1993، والمؤتمر العربي للمدن التاريخية العربية الإسلامية.

الصور المرفقة:
الأولى: منظر عام لمدينة فاس ويظهر في منتصف الصورة جامع القرويين (المئذنة التي بجانبها القبة الخضراء مربعة الشكل) وبعدها تبدو قبة ضريح السيد أحمد التيجاني باللون الأخضر كذلك .
http://sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=1035&d=1300710670
الثانية: جامع القرويين من الداخل

http://sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=1034&d=1300710657

(الصور من القوقل والتعليق مني)



(انتهت النبذة عن فاس)

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
04-13-2011, 04:35 PM
الحلقة التاسعة والستين

نواصل

الزوار السودانيين للمغرب

أثناء دراستنا بالمغرب نادراً ما كنا نجد زواراً سودانيين من غير طالبي العلم الذين كانوا يأتون للتسجيل في الجامعات المغربية، بعضهم كان يحالفه الحظ فيسجل وبعضهم لا يحالفه فيغادر لبلد آخر.. وبما أنني سردت لقائي العجيب مع الفاضل سانتو وابو العز، فلن أكرره هنا، وسأسرد بقية الحكايات حسبما جاءت في ذاكرتي، لذلك قد تكون واحدة أسبق من الأخرى زمنياً، ولكن قد اتذكرها تالياً..

أذكر من الذين جاءوا بحثاً عن الدراسة في المغرب صديقي الذي التقيته في اسبانيا محمد الأمين، فقد صعبت عليه الحياة والدراسة هناك فجاء يبحث عن التسجيل في الجامعات المغربية.. وحسب علمي فإنه لم يسجل في المغرب، ولا أذكر إن كان قد رجع لاسبانيا ام رجع للسودان ام لمكان آخر..

كذلك جاء الى المغرب من ليبيا عدد من العاملين هناك لقضاء الإجازة في المغرب او للبحث عن عمل، أذكر منهم طيب الذكر الراحل المقيم أبو بكر الصديق الشريف الذي عمل صحفياً وأصبح لاحقاً نقيب الصحفيين العرب، وآخر نسيت اسمه ولكني أتذكر إهدائه لي شريط لحمد الريح فيه أغنية (انتو في وادي ونحن في وادي وبرضو الروح للروح بتنادي) وكنا نسمعها لأول مرة، وقد نزل معي ضيفاً في شقة كنت استلفتها من أصدقائي البربر.. وأذكر أنه كان قادما للمغرب من ليبيا في اجازة ترفيهية.. وتذكرت هذا الرجل رغم عدم تذكري لاسمه لأنني نسخت قبل اسبوعين او ثلاثة أغاني على إم بي 3 واستمع إليها في السيارة، وقالت لي زوجتي عندما سمعت الأغنية أعلاه انها تسمعها لأول مرة، قلت لها انا سمعتها في أواسط السبعينات، أي منذ أكثر من ثلث القرن..

كذلك رجل آخر من ليبيا قال أنه معيد بإحدى جامعات ليبيا، وقال انه يحمل ماجستير في العلوم، ولكن سلوكياته وتصرفاته لا تدل على ذلك، وكان زميل غرفتي الذي ذكرته سابقاً على خلاف و(شكَل) دائم معه، وأذكر انه كان عندما يحتد معه يبتسم هذا القادم من ليبيا ابتسامة غريبة، فيصيح فيه زميلي: (ما تبتسم لي ابتسامتك الصفرا دي).. وفي مرة كان حوض الغسيل (المغسلة) الموجود داخل الحمام (أكرمكم الله) في الشقة إياها؛ كانت المغسلة لا تصرف الماء، فكتبت ورقة تشير الى ذلك، وعمدت الى غسل الحوض وإزالة ما ترسب عليه من أوساخ، وجعلته (يرقش) وذلك حتى أتركه نظيفاً لمن منحوني الشقة، ففوجئت بماء قذر في الحوض نتيجة استخدامه في السواك (أعزكم الله) فسألت عن هذا الجاهل الذي فعل ذلك وتجاهل الورقة المكتوبة بوضوح تمنع استعمال هذه المغسلة، وعلمت أنه حامل الماجستير..

وقد صادف رمضان وأنا في شقة اصدقائي البربر تلك، وكان احد اصدقائي الضيوف القادمين من خارج المغرب ينزل معي، ورجعت مرة في نهار رمضان وفتحت باب الشقة فإذا بي أفاجأ بضيفي ومعه القادم من ليبيا هذا- وكنت أعطيت ضيفي نسخة من مفتاح الشقة- وجدتهما في صالة الشقة المواجهة لباب الشقة الخارجي، ومعهما فتاة تلبس قطعتين.. وما إن دلفت من الباب حتى غطت الفتاة وجهها بركبتيها، وكانت تجلس في وسط السرير وظهرها الى الجدار.. يبدو أن ما يهمها أن تستره هو وجهها.. وعبرت الصالة ودخلت الغرفة ومسكت المصحف وبدأت أقرأ فيه بصوت عالي، وبدون أن أوجه اي كلام لأحدٍ منهم، وبعد قليل سمعت باب الشقة الخارجي يفتح ويغلق وساد الشقة صمت.. لقد ذهبوا..

وذات يوم وأنا في السويقة فوجئت بعدد كبير جداً من السودانيين يملأون شارع السويقة ومقاهيها.. طبعاً كان منظراً غريباً ان تجد سودانيين من غير الطلاب كما أسلفت وبهذا العدد الضخم، سألناهم من أنتم قالوا نحن من حرس الرئيس (نميري) الخاص.. وماذا أتى بكم قالوا جئنا في دورة تدريبية.. وكانوا كلهم جنود بسيطون، فأخبرونا أنهم أول ما وصلوا الرباط وكان وقت وصولهم متأخراً فظنوا أنهم قبل بدء التدريب سيُعطون وقتاً للراحة والتنزه في هذا البلد الجميل الذي رأوه وهم في طريقهم من المطار، ففوجئوا بإيقاظهم في الرابعة فجراً ومن اللحظة الأولى وقد (درشوهم في التدريب جنس درش) حسب تعبيرهم.. ويبدو ان المغاربة أشداء في التدريب العسكري، وفي العسكرية.. ويصدق فيهم قول شاعر أغنية (آسيا وافريقيا) تاج السر الحسن والذي أنشدها في مناسبة مؤتمر باندونق، وغناها الفنان عبد الكريم الكابلي، عندما قال:

أنت يا غابات كينيا يا أزاهر
يا نجوما سمقت مثل المنائر
يا جزائر ..
هاهنا يختلط القوس الموشى
ها هنا
من كل دار .... كل ممشى
نتلاقى كالرياح الآسيوية..
كأناشيد الجيوش المغربية
وأغني لرفاقي في البلاد الآسيوية
للملايو ولباندونق الفتيـــــــة


وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة

أبو عدى
04-13-2011, 07:35 PM
اخى الفاضل
الاستاذ - عمر غلام الله
لك التحية و التجلة وانت تبدع فى السرد و تربطنا بهمس الحروف ومكتبتك ارتباط حتمى ,,
اشكرك على ما تقدمه لنا من روائع تزين بها صفحات همس الحروف السودانية ,
و حقيقة هذا البوست بمثابة دليل سياحى كامل و متكامل و مرجعية لتاريخ المدن المغربية ,
اشكرك مرة اخرى ولك منى ارق واجمل وانبل تحية نرجسية
فى انتظار القادم

احترامى و تقديرى لك

غيب ياضو
04-14-2011, 07:26 PM
نعم استاذانا نحن في الانتظار
لك التحية

عمر حسن غلام الله
04-24-2011, 07:28 PM
اخى الفاضل
الاستاذ - عمر غلام الله
لك التحية و التجلة وانت تبدع فى السرد و تربطنا بهمس الحروف ومكتبتك ارتباط حتمى ,,
اشكرك على ما تقدمه لنا من روائع تزين بها صفحات همس الحروف السودانية ,
و حقيقة هذا البوست بمثابة دليل سياحى كامل و متكامل و مرجعية لتاريخ المدن المغربية ,
اشكرك مرة اخرى ولك منى ارق واجمل وانبل تحية نرجسية
فى انتظار القادم

احترامى و تقديرى لك

ولك عزيزي عاصم كل احترام وتقدير

أبو عدى
04-25-2011, 12:28 AM
ما زلنا هنا استاذى الفاضل
نترقب جديد الابداع والتوهج

احترامى و تقديرى

عمر حسن غلام الله
04-25-2011, 06:42 PM
نعم استاذانا نحن في الانتظار
لك التحية

ولن أترككم كثيراً تنتظرون رغم مشاغل الحياة

عمر حسن غلام الله
04-25-2011, 07:15 PM
الحلقة السبعون


نواصل



الزوار السودانيين للمغرب (2)



قبل أن أبتعد كثيراً عن فاس- وقد ذكرني بها رسالة زميل مغربي درس في فاس وكان صديقاً للسودانيين هو عبد الخالق حموتي، وقد كتب في سودانيز أونلاين يقترح إنشاء بنكا تربويا خاصا بالمرحوم البروف عبد الله الطيب يجمع فيه كل ما له علاقة بالمنظومة التعليمية اخصها وعامها سواء التي وردت في كتاباته أو التي وردت شفوية على لسانه أو تلك التي كان يصرح بها في جلساته ومن أمثلتها تلك المتعلقة بالعلاقة المغربية السودانية القديمة والتي مكنت مجموعة من العلماء من الهجرة رغبة في نشر علم أو إشاعة فكر أو تتبع نهج صوفي أو......- وكنت قد نسيت زيارتنا للعلامة الراحل البروف عبد الله الطيب، ولا بأس أن أدرج تلك الزيارة الى منزله العامر بفاس في هذه المشاركة سيما وقد غادرت فاس في المشاركة قبل السابقة، والسبب أن البروف قدم علينا ونحن في المغرب فاعتبرته من زوار المغرب، والسبب الآخر أن بنت اخته قدمت لزيارته في المغرب وكانت في معيته عندما زار مدينة الرباط لتقديم محاضرة في قاعة الثقافة الكبرى وكانت المحاضرة عن أبي الطيب المتنبي.. إذاً فمن زوار المغرب تلك الحسناء الخضراء الصغيرة فادية او فدوى (كلاهما ينادونها به)، وعلقت في ذاكرتي لأنها تشبه حبيبتي التي تركتها في مدني، وقد علق على ذلك زميلي محمد عثمان الخليفة الذي رأى اهتمامي بها وونستي معها فقال لي: (أعرف ان سبب اهتمامك بها شبهها بحبيبتك)- وكان قد رأي صورتها، وأذكر أنها قالت لي أنها تدرس في مدرسة اليونيتي سكول- أين أنت يا فادية بعد كل هذه السنوات الطوال؟



لقد حضر المحاضرة وزير الثقافة وعدد من رجالات المغرب، وقد علق المرحوم طيب الذكر مولانا عبد الرحيم الذي حضر المحاضرة أيضاً على وزير الثقافة إذ كانت شفاهه تتلو شعر أبي المتنبي تماماً مع تلاوة البروف، مما يدل على حفظه لشعر أبي الطيب.. رحم الله البروف ورحم الله مولانا عبد الرحيم..



عندما زرت البروف في منزله بفاس تفاجأت ببساطة الرجل وتواضعه الجم، لقد كان يخدمنا بنفسه، وكان كرمه فياضاً، فخلال الفترة الوجيزة التي قضيناها في منزله العامر لم يتركونا هو وزوجته جوهره (صامين) خشومنا.. فالعصير والشاي والحلويات والمكسرات والقهوة... الخ.. وكانت جوهره تونسنا عن تاريخهما معاً بما فيه فترة تواجدهم في نيجيريا، وقد علمنا انها ظلت على دينها المسيحي بعد الزواج، ثم أسلمت بعد ذلك وغيرت إسمها من قريزلده الى جوهره.. وكانت تتكلم بلغة عربية جميلة فيها لكنة أعجمية بسيطة حتى علق أحد زملاءنا ان جوهرة كانت تتكلم العربية أحسن من نصر الدين.. ونصر الدين هذا حلفاوي جاء الى المغرب للتسجيل في جامعاته، ولم يوفق لسبب بسيط هو أنه راسب في الشهادة السودانية.. وكان في نفس الوقت الأول في الرياضيات حيث حصل على مائة في المائة في الرياضيات فإذيع اسمه من ضمن أوائل المواد، ولكنه للأسف ساقط في جميع المواد الأخرى وعلى رأسها اللغة العربية التي لابد من اجتيازها للحصول على شهادة.. لقد كان نصر الدين نموذجاً في العبقرية الرياضية، لكنه كان ضحية الروتين واللوائح البالية، فمثل هذا كان يجب أن يستثنى من شروط القبول ليستفاد من عبقريته في الرياضيات.. المهم نصر الدين هذا كان ضاحكاً دوماً، فإذا تكلم باللغة العربية ولم يستطع أن يواصل فيها او يبين ما يود قوله؛ فإنه (يتمها) ضحكة.. ثم غادر نصر الدين المغرب ولا أدري أين حل في هذه الدنيا الفسيحة التي ارجو ان تكون ضيقة فيفيدنا الزملاء بمكانه الآن..



في منزل البروف في فاس استفدنا من علمه الغزير، فأي سؤال في اللغة العربية خطر ببالي سألته إياه، وكنت أحمل شيئاً ملفوفاً في ورق جرائد لا أذكر ما هو، ربما كان غيار او شئ من هذا القبيل، فكنت كلما تذكرت سؤال كتبته على ورق الجريدة الملفوف بها الغرض حتى إذا وجدت الفرصة قرأت عليه السؤال، وكان رحمه الله يجيبنا، وقد حكى لنا قصته مع جامعة الخرطوم وسبب مغادرته لها-زعلان- إلى نيجيريا، ولكن لحساسية الموضوع وخراب الذاكرة لن استطيع سرده هنا.. وكان رحمه الله كالمعتاد يلبس ملابس عادية أذكر أنه يلبس بنطلوناً وقميصاً وفوقه فانيلة صوف بأكمام طويلة.. وكان زيه دائماً بسيطاً ومتواضعاً، وخفنا أن يظهر في تلك المحاضرة في الرباط في قاعة الثقافة بهذا الزي المتواضع، ولكن الحمد لله كان يلبس البدلة الفل سوت..



لقد عملت جوهرة استاذة للغة الإنجليزية في جامعة فاس، بينما عمل البروف استاذاً للغة العربية وآدابها.. وعلمنا فيما بعد أن البروف أصبح رقماً ثابتاً في الدروس الرمضانية للراحل الملك الحسن الثاني رحمه الله، لقد رفع رأسنا عالياً نحن السودانيين..



أرفق بعض صور فاس التي لم أنشرها في المشاركات السابقة..




http://www.sudaneseonline.com/uploadpic11/Jan/Fes001.jpg


وقد كتبت خلف الصورة:



في حي الليدو ب فاس- المغرب.. قضيت مع هؤلاء الأصدقاء السودانيين لحظات لا تنسى.. سجلناها في هذه الصورة لتبقى دليلاً على حنية السودانيين أينما حلو.. أدامها الله لهم.. ما أروعها وما أروعهم، وهم

من يمينك: الطيب، كامل، محمد عثمان، أنا، ومحمد اسماعيل





22 فبراير 1978

عمر حسن غلام الله





والصورة الثانية:





http://www.sudaneseonline.com/uploadpic11/Jan/fes001.jpg


كتبت خلفها:



محمد عثمان، أبريده، مصطفى أبو ادريس، مسلمي الزين، حامد



ولا أدري لماذا لم أكتب اسمي!! وأعتقد أن تاريخ الصورة هو نفس تاريخ الصورة السابقة (22 فبراير 1978) ولم أجده مكتوباً في هذه..





وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..




.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
04-25-2011, 07:19 PM
ما زلنا هنا استاذى الفاضل
نترقب جديد الابداع والتوهج

احترامى و تقديرى

وطالما تشجعونني فسأكتب

بنت النيل
04-25-2011, 09:59 PM
انقطع نفسي وانا اتجول من الصفحة الاولى الى الاخيرة
حتى اكون ملمة بما يحدث
ولكني ما اراحني اني وجدت كل المتعة والفائدة في متصفحك
فلك احترامي وتقديري

عمر حسن غلام الله
04-26-2011, 09:44 PM
انقطع نفسي وانا اتجول من الصفحة الاولى الى الاخيرة
حتى اكون ملمة بما يحدث
ولكني ما اراحني اني وجدت كل المتعة والفائدة في متصفحك
فلك احترامي وتقديري

شرفني مرورك يا بنت النيل

أشكرك على مداخلتك، وعلى تعليقك، وأرجو لك كل المتعة والفائدة

ودمتِ

عمر حسن غلام الله
04-26-2011, 09:48 PM
الحلقة الحادية والسبعين

نواصل

الزوار السودانيين وغير ا لسودانيين للمغرب (3)

أيام كنت في الحي الجامعي مولاي اسماعيل دخل عليّ شاب افريقي عرفت بعد أن تعرفت عليه أنه صومالي، وأنه بحار وعلى ما أذكر كان اسمه عبد الله برعو، وكما أوضح لي أن برعو هذه بلدة أو إقليم في الصومال، وكان هذا الشاب يكبرنا في العمر، وكان يتحدث الانجليزية بطلاقة.. ويبدو أنه سأل عن أفارقة فدلوه على السودانيين الموجودين في الحي الجامعي، وقادته قدماه او دليله الذي استدل به الى غرفتي.. علمت منه انه نزل من الباخرة إذ فقد جواز سفره او اوراقه الثبوتية او شئ من هذا القبيل لم أعد أذكر.. بقي معي عدة أيام، وكان يبادر الى سداد الحساب إذا جلسنا في مقهى وشربنا قهوة او شاياً، ورغم ضآلة المبلغ الذي يدفع فإن ذلك كان يسجل لصالحه، ليس لأنه المبادر بالدفع، ولكن لأنه كان مقطوع، ولم يكن يملك إلا القليل من النقود ومع ذلك كان يبادر بالدفع، وهذه فرصة لوصية لمن يكون خارج بلاده خاصة الطلاب، فإذا كان مقطوع فلا يظهر أنه كذلك، حتى لا ينفر منه الآخرون.. ومن طرائفه التي حكاها لي أنه لم يكن يعلم قيمة النقود، فجلس ذات مرة في المقهى وأراد ان يحاسب الجرسون، فاختار أكبر قطعة نقدية حجماً وقدمها للجرسون، فضحك الجرسون، لأن القطعة تلك كانت من فئة الخمس سنتيم، يعني تعريفة بلهجتنا، وأذكر ان هذه العملة المعدنية كانت من الألمنيوم الأبيض الخفيف الرهيف، وعلى ما يبدو كانت في أيامها الأخيرة، حيث ظهرت في تلك الأيام عملة معدنية فئة الخمس سنتيمات من النحاس، وكانت نسبياً سميكة وكانت واضحة الكتابة التي عليها، ويبدو أنها حلت محل تلك القديمة..

ذات يوم وجدت منه رسالة باللغة الانجليزية- هو طبعاً يتكلم العربية ولكن يبدو أنه لا يجيد كتابتها- تفيد بأنه قد استلم أوراقه وسافر فجأة وهو يتأسف لأنه لم يقابلني حينما غادر، وودعني في هذه الرسالة.. ولم ألتقه بعدها ولم أسمع عنه، ولعل الشبكة العنكبوتية تجمعني به ذات يوم..

شخص آخر أيضاً افريقي من بوروندي او رواندا لم أعد أذكر، وكان شاباً يكاد يكون في مثل سننا، وقال انه قادم من امريكا او ذاهب لأمريكا ولديه تأشيرة أو شئ من هذا القبيل، وأيضاً أوصله أحدهم الى غرفتنا في الحي الجامعي السويسي الثاني، وأحد الزملاء ذوي الفراسة او الشكاكين لست أدري، فتح جواز سفره عندما غاب لفترة وجيزة عن الغرفة، فوجد انه قادم من دولته وليس من امريكا.. يعني كب لينا مكنة أمريكا دي ساكت ربما ليسوق نفسه بطريقة افضل، ولكن زي ما قالوا حبل الكذب قصير.. ولم يبق معنا هذا كثيراً ولا أدري أين ذهب وكيف ذهب..

وصل وفد من طلاب الجامعات السودانية يتبعون الاتحاد الاشتراكي يضم طلاباً من مختلف الجامعات والكليات.. وكانوا في رحلة منظمة من قِبل الاتحاد الاشتراكي، وأول ما لفت نظرنا هو كمية النقد الممنوحة لهم من قِبل الاتحاد الاشتراكي، في حين كنا نشكو من انقطاع المنحة الدراسية المغربية في الصيف والتي تعوضها لنا حكومة السودان، ونذوق الأمرين لكي نحصل عليها، وهي فقط ثمانمائة درهم في مجملها او أقل لتغطي شهري إجازة الصيف.. المهم في الأمر أن هؤلاء كانوا يريدون السكن معنا في الحي الجامعي، ولا أذكر إن سمحت لهم إدارة الحي الجامعي أم لا، ولكننا كنا نأويهم في غرفنا رغم تشدد حراس أجنحة الحي الجامعي، ولكن المشكلة كانت في المطعم، إذ كان لابد من بطاقة السكن لكي يسمح لك بالدخول الى المطعم لتناول الوجبة، وأدى هذا الى حرج بالنسبة لنا.. رغم أننا كنا ندرك أنهم يستطيعون الأكل في المطاعم الخارجية لما لهم من مقدرة مالية جيدة..

وفد آخر وصل من السودان، وهم طلاب من كلية الإقتصاد جامعة الخرطوم، ولم يكن عددهم كبيراً كطلاب الاتحاد الاشتراكي، وكان ثلاثة منهم نازلين في فندق بسيط في المدينة القديمة، وكانت بينهم آمال النور، وكانوا في رابعة اقتصاد.. وسجلت لهم زيارة في الفندق وسجلوا لي زيارة في بيتي المؤقت، المنزل الذي تركه لي اصدقائي البربر. كان الثلاثة الذين رافقناهم طيلة مكوثهم في الرباط من أبدع وأروع البشر، وقد صادف وجودهم إجازة الصيف وكنا متفرغين تماماً لبرنامج الفسحة لهم.. وأذكر اننا كنا نسير في منطقة قصر الملك، وكنت أنا وهي نسير جنباً الى جنب، وأمامنا يسير زميلها وأحد زملائنا، فسمعنا صوتاً ينادي: يا فطيمة، يا فطيمة، ولم نعبأ به، فليس بيننا فطيمة، وبعد قليل وصلت صاحبة الصوت الينا وكانت تخب في أثرنا، فقالت لنا أن هذه الصورة- أعطتنا إياها- قد سقطت منكما.. وبالفعل كنا نتفرج على الصور ونحن نسير فوقعت تلك الصورة.. سردت هذه الواقعة لأبين أننا كنا نتجول معهم في كل أنحاء الرباط، ومن تلك الجولة كانت منطقة القصر حيث لفت نظرنا ان كل المارين هناك كانوا سمر البشرة، وعلمنا أن هؤلاء سكان القصر الملكي حيث كانوا يُجلبون من افريقيا جنوب المغرب، وكانوا يخدمون في القصر، ويسمون الطواركة، ولا أدري إن كانت الكلمة تحريف لكملة الطوارق ام كلمة غيرها، وأذكر ان إحدى المغربيات الخمريات اللون قالت لي مرة ان المغاربة لا يحبوننا نحن التواركه لأنهم يحسدوننا إذ نعمل في القصر وأن وضعنا المادي أفضل ونلبس الذهب، فقلت لها ما معنى التواركة قالت لي: الكحل، وتقصد السود.. لكن ما أجمل كحلهم، قصدي ما أجمل سوادهم، إنه اللون الخمري كما يقول المرحوم عثمان الشفيع..

وعند وداعنا لهم- وفد كلية الاقتصاد- عند عودتهم الى السودان زرفت دموعهم، وكذلك نحن، وأذكر بعد عودتهم الى السودان أرسلت لي آمال مع أحد الطلاب الذين ذهبوا في اجازة الصيف ذلك العام، أرسلت لي رسالة فيها: (أرسل لكم شيئاً من خيرات السودان) وكانت كسرة ما زالت طرية- الى حد ما- رغم انها (اتعاست) في الخرطوم، ثم سافرت الى روما، وباتت هناك، ثم من ايطاليا وصلت الى المغرب.. وفي الرباط عملنا ليها ويكة تقلية وضربناها حيث عزمت عليها نفر من الزملاء.. ومع الكسرة كانت هناك خيرات أخرى ربما طحنية وكركديه وخلافه.. المهم لم تنس آمال تفرغنا لهم في الرباط فجازتنا بتلك الخيرات، وكانت رسائلها تتري من السودان، تحمل الأخبار والكلام الجميل..

اثنان من طلاب اقتصاد الخرطوم هؤلاء عملا بعد تخرجهما في البنك السوداني للإستثمار- فيما بعد البنك السوداني الفرنسي- أحدهما أصبح مديراً لفرع الأبيض في السنوات الأولى، وآمال أصبحت مدير قسم في الرئاسة بالخرطوم حتى تزوجت من أحد مدراء البنك الكبار وهاجرا الى الإمارات، وعند عودتي النهائية من المغرب للسودان عزمتني آمال وزميلها عشاء في حديقة عامة ربما كانت حديقة المقرن، وقد زرتهم في منزلهم بأبي روف.. لقد كان هذا الوفد أروع وفد يزورنا في المغرب..

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة

أبو عدى
04-27-2011, 01:05 AM
ما زلنا هنا نتابع بشغف ,
سرد رائع استاذى الفاضل عمر غلام الله ,

عمر حسن غلام الله
04-27-2011, 06:57 PM
الحلقة الثانية والسبعين

نواصل

الزوار غير السودانيين للمغرب (4)، والامتحانات


وجدنا أفارقة في الحي الجامعي السويسي الأول، تعارفنا عليهم فعرفنا أنهم من ساحل العاج (كوت ديفوار)، كانوا طلاباً وطالبات، وقد منحتهم إدارة الحي الجامعي غرفاً لإقامتهم، جلسنا على النجيلة التي في طرف الحي وقرب المطعم، وكان هنالك جهاز تسجيل تنطلق منه أغاني غربية، فقام بعضاً من شبابهم يرقصون فطلبوا من بناتنا أن يرقصن معهم، فتمنعت عائشة بذوق رغم اصرار هؤلاء الشباب، ويبدو أن ذلك كان عندهم أمراً عادياً، ورغم وجود فتياتهم في تلك الجلسة إلا انهم طلبوا من السودانيات الرقص معهم، ربما أعجبهم حسنهن وربما أرادوا مجاملة الأجانب (بالنسبة لهم) في تلك الجلسة..

أعطتني إحداهن رقم غرفتها في الحي الجامعي، فزرتها فيه في اليوم التالي، واستغربت سماح حارس الجناح لزيارتي لها وهو يدري انني فتىً أزور فتاة، فدخلت الى الجناح وانا اترقب ان يناديني في اي لحظة ليمنعني، والغريب ان تلك الغرفة التي تسكن فيها تلك العاجية هي غرفة زميلي عمر الإمام النور، وطبعاً هذا يؤكد ان هذا كان في الإجازة، ولا أدري إن كانت الإجازة الصيفية ام غيرها، وربما كانت بداية الإجازة الصيفية وان عمر سافر الى بريطانيا، وربما كانت إجازة الربيع او إجازة عيد لم أعد أذكر.. المهم طرقت باب الغرفة ففتحت لي العاجية الباب، ولا أذكر هل معها زميلة أخرى في الغرفة ام لا، المهم جلست وتونست معها/ معهما فترة ثم استأذنت وذهبت، وما لفت نظري أن الأمر كان عادياً بالنسبة لها/ لهما، اي زيارة شاب لهن في الغرفة.. طبعاً مؤكد لو كن سودانيات لما سمحن بدخول شاب لغرفهن..

أذكر ان تلك العاجية راسلتني من أبيدجان وعلى ما أذكر حتى حين عودتي للسودان كانت تراسلني هناك، وأذكر انها ارسلت لي بطاقة بريدية لمنظر عام لأبيدجان، وكانت ابيدجان تبدو كمدينة أوروبية ذات عمارات عالية وشوارع منظمة وجميلة.. وإليكم صورة لها اقتبستها من القوقل:


http://www.hams-al7roof.com/vb/attachment.php?attachmentid=185&d=1303919437


وأخرى مسائية رائعة:


http://www.sudaneseonline.com/uploadpic11/april/Abidjan.jpg



انتظرت كثيراً لأتذكر بقية الزائرين لنا بالمغرب ولم أفلح بتذكر المزيد، لذا سأنتقل الى موضوع آخر هو موضوع الامتحان.. فقد لاحظت أن بعض الذين يجلسون بجواري في قاعات الامتحانات من كبار السن، فقد قرأت تاريخ ميلاد أحدهم وكان 1945م والآخر 1936م- كنا في العام 1976 أو العام 1977م- ويبدو أنهم من الموظفين الذين رأوا ان يواصلوا دراستهم الجامعية، أكبرت فيهم ذلك، وأيضاً كانت معنا في كلية الحقوق مصرية اسمها عفاف، وكان ابنها يدرس في الجامعة أيضاً في نفس الوقت، وهي كانت قد أكملت دراسة الآداب وعملت معلمة لمرحلة الثانوي، ثم قررت الرجوع للدراسة الجامعية فسجلت في كلية الحقوق.. ومن ذكريات الامتحانات- ربما كانت امتحانات السنة الأولى- فقد كانت القاعة الكبرى مليئة بالطلاب، ربما 1500 او 2000 طالب، وفجأة نسمع صوت طالب يستجدي المراقب أن يسامحه للغش الذي فعله في الامتحان والمراقب ينهره بأعلى صوته: أقعد! كان هذا الطالب فلسطيني، وبالعودة الى العجائز- المذكورين أعلاه- الذين كانوا يمتحنون معنا في قاعة صغيرة من قاعات كلية الحقوق بالرباط؛ فقد كانوا يطلبون مساعدتنا في حل الامتحان، وأذكر أنني - سامحني الله- كنت أُري ورقة إجابتي لأحدهم لينقل منها.. يعني الحركات دي ما قاصرة على جنس معين ولا على سن معينة..

جلسنا لامتحانات يونيو، وظهرت النتيجة، وكنا نتدافع- طلاب وطالبات- لنرى النتيجة المعلقة على البورد، وكان التدافع والاحتكاك والالتصاق مع التوتر البالغ والقلق يؤدي لاستنزاف طاقات الجسد وسوائله من عرق ونحوه.. ليس هنا فقط، ولكن داخل قاعات الامتحانات بسبب التوتر الشديد، واحتياج الجسد للإرتخاء، فسبحان الله لا شئ يرخي تصلب الجسد وينهي التوتر مثل استنزاف سوائل الجسد.. فحالما يتم ذلك يزول التوتر ويستعيد الانسان توازنه وتستقر حالته النفسية ويبدأ في فهم السؤال الذي هو نصف الإجابة..

أذكر انني كنت قد حفظت آيات أرددها ساعة الامتحان: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴿٢٥﴾ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴿٢٦﴾ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ﴿٢٧﴾ يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴿٢٨﴾)، وكنت أنصح بها زملائي السودانيين وغير السودانيين، فتسامع الطلاب بهذا، فأصبحوا يقصدونني- سودانيين وغير سودانيين، بنين وبنات- لأحفظهم إياها، حتى دعاني صديقي محمد أبكر ابراهيم بأنني (عراف الكلية) او شئ من هذا القبيل..

ورسبت في امتحان دورة يونيو للسنة الثانية، نقصت نمرتين، وكنت أتوقع ذلك.. فقد كنت كثير السرحان في المحاضرات، قليل التركيز في المذاكرة، شاهدت النتيجة في الكلية وخرجت ووقفت في محطة الاتوبيس، وجدت زميلي محمد عثمان الخليفة، حاول أن يواسيني، ومن حيث لا يدري هيِّج في نفسي لواعج الشوق فبكيت.. إذ قال لي: ان شاء الله تمشي الإجازة تشوف أهلك وتجي تمتحن لدورة أكتوبر.. هنا أحسست أنني افتقدت السفر للأهل هذا العام.. ولكني كنت قد قررت بيني وبين نفسي أن أبقى في المغرب هذا العام، ربما لمزيد من الصياعة التي لا أجدها أثناء الدراسة، وربما لأوفر قيمة التذكرة لأهلي، لا أذكر بالضبط لماذا قررت أن أبقى في المغرب ذلك العام- طبعاً القرار كان قبل ظهور النتيجة، وربما قبل الامتحانات أيضاً، فلما ظهرت النتيجة سلبية دعمت قراري بالبقاء.. تذكرت- وأنا أبكي- زميلتي السودانية التي رسبت في العام الماضي، والتي قلبتها مناحة مما أضطر حراس الجناح ان يسمحوا لحبيبها بالدخول الى غرفتها لتهدئتها بعد ان فشلت زميلتاها في ذلك..

وجلست لامتحان دورة اكتوبر ونجحت، والحمد لله، وجلست لامتحان الشفوي ونجحت والحمد لله.. وتأهلت للالتحاق بالسنة الثالثة.. والأخيرة .

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة

عمر حسن غلام الله
04-30-2011, 06:27 PM
الحلقة الثالثة والسبعين


نواصل

أهم الزوار السودانيين للمغرب

الطيب صالح

سأكتفي بنقل مقالي الذي أدرجته سابقاً في عدة مواقع الكترونية ليشرح زيارة الراحل المقيم الطيب صالح للمغرب..

عندما التقيت بالطيب صالح الإنسان

قرأت "موسم الهجرة الى الشمال" وأنا في بداية مرحلة المراهقة، لذا كان أكثر ما يدهشني وابناء جيلي هو كلام "بت مجذوب" غير المتحرج في الجنس والكوميدي في نفس الوقت، كذلك وصف " مصطفى سعيد" لعلاقاته مع البيضاوات بنات الانجليز اللاتي أصابهن المرض منذ الف عام، قرأتها بشغف في أوائل السبعينات وكنت في المرحلة الدراسية المتوسطة، وقرأت بقية درر العقد، "دومة ود حامد" و "عرس الزين" وبعد سنوات ظهرت "ضو البيت" ثم "مريود" .. وكلما قرأت واحدة من تلك الدرر رجعت فقرأت واسطة العقد ودرته الكبرى "موسم الهجرة الى الشمال" .. ولولا مشاغل الحياة والأسرة لقرأتها للمرة العاشرة ولكن حتما لن تكون العاشرة هي الأخيرة، بل ستكون الأولى بعمق آخر .. فما قرأت "موسم الهجرة الى الشمال" تكرارا ، بل كرواية جديدة ، نعم ، ففي كل قراءة أغوص في عمق جديد واكتشف معنى أعمق وأحس بمتعة أكثر وأجمع لاليء أبدع، انها ليست مجرد رواية ، ولكن ماذا هي إذاً؟ وأعجز عن معرفة ماهيتها وأكتفي بمتعة قراءتها.

حكيت له عن صديقي المغربي طالب الطب الذي قرأ "ضوء البيت" وأكمل قراءتها عند منتصف ليل الرباط فلم يستطع الصبر حتى الصباح فجاءني يستنجد بي - لكوني سوداني - ويقول "الحقني" فأجبته بأنني أنا نفسي أبحث عمن "يلحقني"، فقد اندمج في الرواية حتى دار رأسه مع غموض أحداثها وميتافيزيقيتها، ولم أشف غليل صديقي مصطفى محفوظ إذ لم أجد أنا ما يشفي غليلي حتى تلك اللحظه، حكيت تلك الواقعة للطيب صالح فشفى من غليلي القليل إذ أوضح أن الذي "أصابنا بالدوار" في الرواية هو اختلاط الواقع بالخيال .

وكان الطيب صالح في زيارة عمل للرباط في أغسطس 1976م قادما من مقر عمله بدولة قطر، وكنت طالبا بكلية الحقوق بالرباط، فسمعنا بوجوده بالمغرب وتوصلنا لمكان اقامته الذي كان هيلتون الرباط وذهبنا إليه يحدونا الشوق الى "مصطفى سعيد" ، وجاء الينا في بهو الفندق، ورغم انها كانت المرة الأولى التي نلتقيه إلا أنه جعلنا بأسلوبه المميز وسودانيته التي لم تؤثر عليها سنوات الغربة في بريطانيا وغيرها، جعلنا نحس أننا نتعارف منذ أمد بعيد، وسألته بلا تردد ان كان مصطفى سعيد هو الطيب صالح فنفى ذلك، وحاصرناه بالأسئلة أنا وزميلي فأجاب ولكنه كان يحاول ألا يتكلم عن أعماله ولا عن نفسه ولما ازداد حصارنا له قال لنا انه يريد ان يسمع منا ويسألنا عن حياتنا وعن دراستنا وعن المغرب - وكان يزورها للمرة الأولى في حياته - وكانت دردشة سودانية في ليلة رباطية وأوصلنا الى دارنا بالسيارة التي خصصت له ونزل من السيارة ليصافحنا مودعا على أمل اللقاء مساء اليوم التالي لتناول العشاء معه بالفندق بناء على دعوته - وكان الأولى أن ندعوه نحن فهو كان ضيفا على المغرب وكنا نحن مقيمين ولكن ضيق ذات اليد حبسنا عن تقديم واجب الضيافة - واستجبنا لدعوته لحرصنا على الاستماع إليه وحصاره بالاسئلة.

والتقيناه ثانية في اليوم التالي - وكان معي زميلي عمر الامام النور ومحمد عثمان الخليفه- وكان كريما معنا في الكلام أيضا وصحح لنا بعض نطقنا لأسماء أبطال رواياته وسألنا هو عن نشاطاتنا وهواياتنا واستنكر عدم وجود نشاطات ابداعية أو أدبية لدينا واستحثنا على الكتابة- وقد آتت نصيحته أكلها فيما بعد- وعند الافتراق لم أجد ما أقدمه له هدية تذكارية غير بطاقة بريدية كنت أحتفظ بها من مدة عليها منظر طبيعي لاحدى مدن المغرب، فأمسكها بكلتا يديه متمعنا فيها متمتما بعبارات الشكر والثناء لي وبالاعجاب بالمنظر، ما رأيت تواضعا وأدبا أكثر من تواضع وأدب ذلك الرجل.. وعندما غادر المغرب ترك لي رسالة : (لقد سعدت بمقابلتك أنت وزميليك، أسمح لي أن أترك لك هذه الهدية البسيطة) ولم تكن بسيطة فقد حلت لي مشكلة مادية ملحه، ولكن كلماته تلك كانت الهدية الأكبر مع أتوقراف خطه علي نسختي من (الأعمال االكاملة - الطيب صالح) وهي مجلد يضم رواياته الأربعه، وكان يرى هذا المجلد لأول مرة رغم انه على علم بصدوره.

وأذكر أنني سألته عن ذريته، فقال لي أن لدي ثلاث بنات، فقلت له كم أعمارهن، فقال لي كبراهن تبلغ الرابعة عشر.. ثم سكت لثوانٍ ثم أردف قائلاً: (صغيرة مش كده؟) فقلت على الفور: (لا .. عز الطلب) فانفجر ضاحكاً .. ألم أقل لكم أنك تحس بالألفة في أول لقاء معه وكأنك تعرفه منذ أمد بعيد!!

في ديسمبر 1992م استضافه نادي جدة الأدبي في ندوة أدبيه، وانتهزت الفرصة وزرته في مقر اقامته فرأيته أصغر سنا مما رأيته أول مرة في الرباط منذ ستة عشر عاما، وأبديت له تلك الملاحظة مقرونة ب(ماشاء الله) ويبدو أن تواضعه وبساطته وحب الناس له وحبه لهم وراء ذلك، فمازال الرجل كما عرفته أول مرة، متواضعا بلا تكلف، يكره أن يتكلم عن نفسه وعن أعماله، سودانيا رغم امتداد سنوات الغربة الى باريس وبلاد أخرى.

ثم كانت أصيلة الأصيلة، وكان تكريم الرواية العربية ، وتكريم الروائي العالمي العربي السوداني الطيب صالح، وقرأت أوراق أصيلة على صفحات "الشرق الأوسط" وأبدع محي الدين اللاذقاني في عموده طواحين الكلام عن عرس الطيب وأفاض في وصف "الجلابية السودانية" وأنه "يشع كالأبنوس" ووصف "العمامة الثلجية البيضاء" مما أثلج صدورنا نحن السودانيون، ولخص حفل العرس حاتم البطيوي وعلي انوزلا، ولاتعليق لي على أوراق كبار الأدباء فقد أكفوا وأوفو.. ومن أصيلة عرفت أن "موسم الهجرة الى الشمال" قد ترجمت الى ثلاثين لغة.. وكانت آخر معلوماتي أنها ترجمت الى ثمان لغات كانت ثامنتها الى اللغة العبرية، وأذكر أنني سمعت وقتها أن الطيب صالح طلب تحويل حقوق التأليف الى صالح صندوق القضية الفلسطينية!

ووددت لو أن مقالات الدكتور معجب الزهراني الأستاذ بالجامعات السعودية والمنشورة في جريدة "الرياض" أضيفت لأوراق أصيلة، فقد كتب الدكتور الزهراني ثلاث مقالات مطولة ومسلسلة في ثلاثة أعداد من صفحة الثقافة في الجريدة المذكورة وعلى كامل الصفحة وبخط ذو بنط صغير، كتب عن ثلاثة أشياء في رواية "موسم الهجرة الى الشمال" هي "السواد والبياض والموت" هذا البحث في تلك الجزئيات الثلاث - الذي يمكن أن يكون كتيبا صغيرا - كان يمكن أن يكون أحد أوراق أصيلة الهامة ، فلم أقرأ دراسة نقدية أبدع من دراسة الدكتور الزهراني وكم تمنيت أن يتكرم الطيب صالح باعطاء المقالات الثلاثة المذكورة للجنة المهرجان - إذ كنت قد أعطيته اياها ابان زيارته لجدة في ديسمبر 1992م وأنا على يقين من أن اللجنة كانت ستدرجها ضمن أوراقها.. التحية موصولة لاصيلة الأصيلة ولأهلها خاصة ولأهلي المغاربة ذوي الكرم والضيافة والأصاله عامة.

كان هذا المقال قد نشر في جريدة الشرق الأوسط منذ زمن طويل، وقد وددت أن اشارك به في هذا التأبين المفتوح للفقيد والشهيد الطيب صالح الكاتب والقاص والإنسان، له الرحمة والمغفرة، ولا نقول إلا ما يرضي الله.. إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

والعزاء موصول لأرملته ولبناته ولشقيقه مولانا بشير ولأبناء شقيقته علويه ولكل اهل كرمكول والدبة ولكل اصدقائه وأحبائه ومعجبيه وقرائه وزملائه وكل الشعب السوداني وكل الأمة العربية وكل مثقفي وأدباء العالم أجمع..

ملاحظة: اليوم (25/2/2009م) بالصدفة وجدت هذا المقال منشور في موقع (مكتوب) بتاريخ 18/2/2009م، وقد اشاروا الى أن النقل تم من موقع (ود مدني)، وبالفعل كنت قد نشرته في الموقع بعد نشره بجريدة الشرق الأوسط بسنوات.



عمر حسن غلام الله

الصورة المرفقة لشخصي والراحل المقيم الطيب صالح في جدة ديسمبر 1992م



http://www.hams-al7roof.com/vb/attachment.php?attachmentid=187&d=1304177126

عمر حسن غلام الله
05-04-2011, 08:28 PM
الحلقة الرابعة والسبعين


نواصل

الطيب صالح.. الإجازة.. والسكن في الشقة

قبل أن أدلف لموضوع الإجازة أكمل قصة لقاءنا بالراحل المقيم الطيب صالح- والتي حدثت أيضاً في الإجازة- حيث توجهنا من البيت الذي نسكنه في شارع مدغشقر، وما زلت أذكر رقم العمارة (20) ورقم الشقة (9)، الى فندق الهليتون على أقدامنا لزيارة الطيب صالح، وبعد الزيارة التي ذكرت تفاصيلها في الحلقة السابقة أوصلنا بالسيارة المخصصة له حتى مدخل العمارة، ودعانا لتناول العشاء معه في اليوم التالي، فذهبنا متأخرين لأننا مشينا راجلين إلا قبيل الوصول للفندق بقليل، عند مفترق الطريق المؤدي لفندق الهليتون حيث وقف لنا صاحب سيارة وأوصلنا الى الفندق.. وجلسنا نتونس مع الراحل المقيم، ووجدنا عنده السكرتير الثالث في السفارة السودانية- ربما كان إسمه الحاج- ولما توجهنا لمطعم الفندق لتناول الطعام وجدنا أن زمن العشاء قد انتهى، فاكتفينا بالونسة الجميلة مع الطيب صالح، وقد أخذنا معه في سيارته السكرتير الثالث ليوصلنا الى شقتنا، ولكن بعد أن تعشينا معه بالعدس (ابو جبة) في شقته حيث كان عزابياً مثلنا.. وبعد ان تعشينا أوصلنا الى بيتنا مشكوراً حيث لم نكن- ثلاثتنا- نملك ثمن وجبة العشاء ولو كانت بصاره..

كما أسلفت فقد كانت منحة المغرب لنا عشرة اشهر، على اعتبار ان السنة الدراسية تسعة اشهر، والمفروض الطالب يكون في الشهرين الباقيين في إجازة مع أهله.. المغاربة بالفعل يسافرون لقراهم ومدنهم، وتقفل الأحياء الجامعية أبوابها.. هنا تكمن مشكلة الطلاب الأجانب الذين لا يسافرون لبلدانهم لضيق ذات اليد او لوجود امتحان دورة اكتوبر في جدولهم (كحالتي).. فتواجههم مشكلة السكن في الحي الجامعي.. فيلجأ بعضهم الى السكن مع الزملاء الساكنين في غير الحي الجامعي من منازل أو شقق مستأجرة، أو في شقة مستلفة من أصدقاء كما فعلت أنا، فلقد استلفت شقة اصدقائي البربر الذين سيقضون اجازتهم الصيفية في قراهم نواحي أغادير، وعلى ما أذكر مدينة أنزغان التي هبطت فيها طائرة وفد السودان للمشاركة في المسيرة الخضراء.. وكان هؤلاء الأصدقاء زملاء دراسة، ولكن كان يسكن معهم جندي في الجيش المغربي اسمه احمد، وكان أطيبهم..

أخذت منهم مفتاح الشقة وسكنت بها، وجاء زميلي محمد عثمان الخليفة وسكن معي.. وكنت أذاكر أحياناً في سطح العمارة، وتعرفت على أطفال الشقة التي تواجه الشقة التي أسكنها، وكنت أترك المذاكرة لأتفرج عليهم وهم يلعبون.. فقد كنت أفتقد مثل هكذا منظر.. وفي أحد المرات احضرت الكاميرا والتقطت معهم صور.. أكبرهم حميد (10 سنوات)، ثم نجاة (7 سنوات)، ثم فايزه (سنتان).. ويبدو أنهم حكوا لوالديهم ذلك وعندما استخرجت الصور اعطيتهم نسخة أروها لهما.. وعندما دعوت عائشه وثريا لتناول أفطار رمضان معي ذات يوم من أيام رمضان طلبت من جيراني صحون إضافية، فمدوني بها مشكورين، ولكن لم أزرهم في منزلهم إلا بعد سنوات من التخرج والعودة للمغرب..
وفي هذا البيت استضفت آمال النور وزميلها (وفد رحلة كلية الاقتصاد جامعة الخرطوم).

ذات مرة سافرت من هذا البيت الى تطوان- ربما- وتركت المفتاح مع محمد عثمان او غيره لا أذكر، فجاء الزملاء يسمرون في البيت ويلعبون الكوتشينة، وكانوا كُثر، وجعلوا البيت فوضى ووسخ، وجاء أحد سكان الشقة ووجد هذه الفوضى في شقته.. فغضب وهددهم بإخراجي من البيت وخرج من الشقة غاضباً، فخرج الزملاء من الشقة بعده، وعندما حضرت أخبرني أحدهم بما حصل.. فحملت هماً لتبرير ما حدث.. فما كان لي أن أفرط في الأمانة التي أخذتها منهم.. والأدهى أين أذهب والحي الجامعي ما زال مغلقاً.. عمدت الى تنظيف البيت نظافة ليكون أنظف مما تركوه هم، واشتريت علبة طلاء وطليت باب الشقة بلون جميل، المهم بعد حضور ساكن آخر تقبل اعتذاري، واعتذر لي عما بدر من زميله من تهديد، بل وقال لي نادراً ما يفعل شخص ما فعلته انت من نظافة للبيت وترتيب وتزيين، وبخور.. فقد أشعلت الند لتطييب رائحة الشقة.. واستمررت في الشقة..

وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح..


.. والحديث ذو صلة

أبو عدى
05-04-2011, 08:46 PM
يا لها من زكريات اخى الفاضل الاستاذ
عمر حسن غلام الله
ويا له من سرد رائع للاحداث
اقرأها وكأننى اعيشها معكم هذه الزكريات
اشكرك جزيل الشكر على طيب تواجدكم معنا
واشكرك على هذا السرد الرائع
احترامى و تقديرى

عمر حسن غلام الله
05-10-2011, 07:15 PM
يا لها من زكريات اخى الفاضل الاستاذ
عمر حسن غلام الله
ويا له من سرد رائع للاحداث
اقرأها وكأننى اعيشها معكم هذه الزكريات
اشكرك جزيل الشكر على طيب تواجدكم معنا
واشكرك على هذا السرد الرائع
احترامى و تقديرى

العزيز عاصم الشريف

نعم .. يالها من ذكريات.. أبذل قصارى جهدي لأتذكر تفاصيلها، وهي ثرة ودسمة، ولكن ماذا أفعل لذاكرة خربتها السنين وطال عليها الأمد؟

وأشكركم على اتاحة الفرصة لي في منتداكم العامر لأسرد تلك الحكاوي التي أود لو يستفيد منها أبناءنا في اغترابهم وفي دراستهم وفي سفرهم ..

لك كل الود

عمر حسن غلام الله
05-10-2011, 07:16 PM
الحلقة الخامسة والسبعين


نواصل

تأخر المنحة.. والموضوع الذي كتبته حولها في جريدة الصحافة


تأخرت علينا منحة الإجازة التي تأتينا من السودان تكملة لمنحة المغرب، فكتبت موضوعاً بعنوان: (أغيثوا أولادكم بالمغرب) وأرسلته لجريدة الصحافة السودانية، فلخصوه ونشروه كما يلي:

(أغيثوا أولادكم بالمغرب

إلى أهلنا وأحبابنا الطيبين والى كل المسئولين الشوق والتحية
نحن أولادكم الطلاب بالمغرب وصلنا الى حالة يرثى لها، وذلك لعدم وصول الإعانة الصيفية التي تصلنا من دولتنا وقد بدأت العطلة منذ أكثر من شهر، كنا نسكن فيما مضى في الأحياء الجامعية ولكن في الشهر الأخير أغلقت كل الأحياء الجامعية فإلى أين نتجه والأكثر إلحاحاً أمر الطالبات الى أين يتوجهن؟ أإلى الفنادق أم إيجار المنازل وليس لديهم من المال ما يكفي لإعاشة يوم واحد، أثقلت كواهلنا بالديون وأريق ماء الوجه فأغيثونا فالأمر أصبح أكثر من الاحتمال،، الأمل قوي في الاستجابة السريعة جداً من السادة المسئولين.

المغترب عمر حسن غلام الله
جامعة محمد الخامس
الرباط)

أُرسلت لي الجريدة التي بها هذا الموضوع على عنوان الشقة التي أسكنها في الإجازة، واستلمتها من الصندوق المخصص لبريد الشقة..

ولما رجع الطلاب السودانيين الذين كانوا يقضون اجازاتهم في السودان قالوا لنا إن هذا المقال أثار ضجة في السودان، فما إن قرأوه حتى توجه أولياء أمور الطلاب المعنيين الى قسم البعثات بوزارة التعليم العالي للاستفسار عن الموضوع، ويبدو أنهم ضغطوا على المسؤولين فنشروا رداً على موضوعي، وكذلك كتب محمد الطاهر حمدان زميلنا الذي كان في اجازة في السودان رداً أيضاً هذا نصه:

(إلى طلابنا في المغرب الإعانة في طريقها إليكم

إلى الأخ عمر غلام الله وبقية الزملاء أؤكد لكم أنني تابعت كل المشاكل في المؤتمر التداولي الثاني للطلاب السودانيين بالخارج وفيما يتعلق بمشكلة الإعانة الصيفية فقد اهتم السيد مكاوي عوض المكاوي أمين الشباب اهتماماً شخصياً بالمشكلة وارسل برقية للسيد السفير الرشيد نور الدين كما تم إرسال شيكين لشهري يوليو وأغسطس الأول برقم 667391 والآخر تحت رقم 667422 وإعانة شهر سبتمبر في الطريق- أما تصديق بنك السودان فسيصل بأول حقيبة لكم.

محمد الطاهر حمدان
عضو اللجنة التحضيرية
للمؤتمر التداولي الثاني للطلاب)

وتحت هذا الموضوع مباشرة نشر الموضوع التالي:

(طلابنا بالمغرب أيضاً

رداً على ما كتبه الطالب عمر حسن غلام الله- الذي يدرس بجامعة محمد الخامس بالرباط (المغرب) ولكي يعرف طالباتنا وطلابنا بالمغرب الحقيقة نفيدهم جميعاً بأن إدارة العلاقات الثقافية الخارجية قد قررت منح 109 طالباً (مائة وتسعة طالباً) يدرسون بالمغرب إعانة شهرية قدرها عشرين جنيهاً في الشهر ابتداء من يوليو 1977، حتى نهاية سبتمبر 1977. بما في ذلك الطالب عمر حسن غلام الله الذي دعا الى إغاثة طلابنا بالمغرب.
والجدير بالذكر أن الإعانة المقدمة لطلابنا بالخارج يتجدد التقديم لها كل عام..)

انتهت المواضيع المنشورة في جريدة الصحافة، ورغم انني لم أجد تاريخ النشر إلا أنه كما يبدو مما ذكر فيها انها نشرت في يوليو أو أغسطس.. وبعد مرور كل هذه السنوات- أكثر من ثلث القرن- فإنه تؤرخ لأشياء هامة، أولها ان مكاوي عوض المكاوي كان أمين الشباب وقتها (أكيد في الاتحاد الاشتراكي)، وثانيها ان الرشيد نور الدين (رحمه الله) كان سفير السودان في المغرب، وأن وفاته حدثت بعد يوليو أو أغسطس 1977م ، وثالثها أن عدد الطلاب في ذاك العام كان 109 طالب وطالبة، طبعاً كانت الدفعة الأولى التي وصلت المغرب عام 1974 كان عددها 22 طالب، ودفعتنا التي وصلت عام 1975 كانت 35 طالباً منهم ثلاث طالبات، والدفعة التي وصلت العام 1976 كانت حوالي 52 مما يجعل إجمالي طلاب الدفعات الثلاث 109 طالب وطالبة، ورابعها أن المنحة الشهرية لأشهر الإجازة كانت عشرون جنيهاً، وهذا مؤشر على قيمة الجنيه آنذاك.. فقد كانت المنحة المغربية لنا 380 درهم، ثم زيدت الى 390 قبل أن تصل ونحن في سنة التخرج الى 420 درهم.. وأخيراً فإنه كانت هناك مؤتمرات طلابية تعقد ومنها هذا المؤتمر التداولي الثاني للطلاب السودانيين بالخارج..

والأهم من ذلك أن ناس إدارة العلاقات الثقافية الخارجية كانوا زعلانين مني في تعقيبهم هذا، ربما بسبب احتجاج أولياء الأمور نتيجة موضوعي إياه.. ولكن نتيجة المقال كانت قاسية علينا من قِبل السفارة السودانية في المغرب!!

وإليكم نسخة من المقالات:


http://www.sudaneseonline.com/uploadpic11/april/sudansudansudansudansudansudansudansudansudansudan sudansudansudansudansudansudansudansudansudansudan 002.jpg


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة

أبو عدى
05-11-2011, 01:57 AM
ما زلت هنا اخى الفاضل الاستاذ عمر

عمر حسن غلام الله
05-18-2011, 07:42 PM
الحلقة السادسة والسبعين

نواصل

المقال وتداعياته والسفارة


كان قلة عددنا يعطينا وضعاً خاصاً لدى السفارة، فكانت علاقتنا بموظفيها ودبلماسييها علاقات أخوية وليست رسمية، وليست كعلاقة إخوتنا المصريين الذين كانوا وقتها يجدون صعوبة في مقابلة السفير فكلما أرادوا مقابلته أفادهم السكرتير بأن (اللمبة حمرا) أي ان السفير في اجتماع، ودائماً تلك اللمبة المثبتة أعلى باب مكتبه حمراء.. أما نحن فكنا نقابل السفير الرشيد نور الدين ونقابل كل أعضاء السفارة وندخل بسهولة الى السفارة ونجلس في الصالون ونقرأ الجرائد السودانية.. ونستلم خطاباتنا المرسلة لنا من السودان، فقد أرسلنا عنوان السفارة لأهلنا لأنه لم يكن لنا عنوان سيما قبل أن نصل الى الحي الجامعي مولاي اسماعيل، فصار عنواننا على السفارة الى حين استقرارنا في الحي الجامعي، وكنا نمشي الى السفارة راجلين رغم انها تبعد كثيراً عن الحي الجامعي وعن آخر محطة اتوبيس نعرفها، وعلى ما أذكر كانت في حي حسان، وكنا نمر في طريقنا إليها بالسفارة السوفيتية، وكان مثبتاً على باب تلك السفارة كاميرا، وعلمنا وقتها ان اي شخص يمر من أمام تلك السفارة كان يراه من بداخلها، وكان ذلك غريباً جداً وقتها (1975)، وكان عنوان السفارة السودانية الذي أحفظه حتى الآن: (9 زنقة تيداس) واستمرت في موقعها ذاك حتى تخرجنا، وفيما بعد انتقلت إلى حي الرياض على ما أذكر في آخر زيارة لي الى المغرب في العام 1997م..

وكنا كذلك نعرف أسرة السفير وزوجته خالدة، فزميلتنا سامية كانت بنت أخت السفير، فتعرفنا على أسرته عبرها، وكان أطفالها عامذاك اثنين هما نور الدين وأخته الصغيرة.. وزميلنا خالد كان شقيق خالدة، وكان في الدفعة التي سبقتنا، وكان خلوقاً طيباً .. وكانت خالدة كذلك.. واستمرت علاقتنا طيبة بالسفارة وبالسفير والموظفين والدبلماسيين الى أن وصلت الجرائد وفيها مقالي المذكور.. وبدأت المشاكل برفع تلك الجريدة بالتحديد وبقية الجرائد من الصالون.. منذ ذلك اليوم وإلى الأبد.. والذي لا أنساه أنني ذات يوم كنت أبحث في الرسائل الموجودة في دولاب في الصالون عن رسائل تخصني، وكان هذا معتاداً ونعرف مكان الرسائل فنأخذها بأنفسنا، وأثناء بحثي عن رسائل تخصني خرج السفير من أحد المكاتب فلمحته وهو يتجه صوب الباب فبدأ لي أنه قد ذهب، ولكنه بحركة عسكرية- إلى الخلف دور- وجدته واقفاً في باب الصالون، ودون أن يسلم قال لي بصوت صارم وبنهره: بتسوي شنو هنا؟ قلت له: أفتش عن رسائل تخصني! فقال لي: مين أذن ليك تفتش؟ قلت له: أصلنا متعودين ناخد رسائلنا من هنا.. تفاجأت تماماً بما حدث، ولكن أرجعته الى مقالي إياه.. ومنذ ذلك الحين خربت علاقتنا بالسفارة.. ثم بعد ذلك بعدة أيام أو عدة أسابيع لا أذكر أغلق باب الصالون دوننا، فكنا إذا أردنا انتظار الدخول لأحدهم ظللنا واقفين في الممرات حتى يؤذن لنا أو لا يؤذن لنا فننصرف..


ثم ذات يوم وجدنا باب السفارة الخارجي- باب الحوش- مغلق في وجهنا، ولم يسمح لنا الحارس بالدخول، وقال لنا هذه تعليمات المسؤولين!! وأصبح النظام أن نكتب ورقة ونحن في الشارع ونسلمها للحارس فيدخلها للموظف المراد زيارته فيسمح لنا بالدخول او لا يسمح.. وأذكر أنني في مرة من المرات ظللت انتظر حتى كلت قدماي، فاضطررت للجلوس على الأرض أمام سور السفارة بجانب الباب، وحتى لا تتسخ ملابسي وضعت منديلي تحتي وجلست عليه.. وفي هذه الأثناء خرج من السفارة سودانيان عرفت انهما زائران رسميان قدما من السودان احدهما دكتور، وعلى ما أذكر كانا في زيارة للمغرب لتقييم الجامعات المغربية، أو ربما لغير ذلك، والشئ الذي أذكره انهما كانا شخصيات مرموقة في السودان، وربما كان أحدهم طبيب مشهور.. المهم عندما خرجا من السفارة ألقيا عليّ السلام، وكانت نظراتهما مليئة بالاستغراب كوني جالساً على الأرض خارج السفارة، وربما كانت نظراتهما فيها العتاب للسفارة..


وبعد هذا المقال تعقدت مسألة المنحة القادمة من السودان، فصاروا في السفارة يعقدونها حتى عند وصولها إليهم.. وأذكر اننا ذهبنا ذات يوم ونحن مجموعة لنناقش الموضوع، فانتدبني الزملاء لمقابلة المسؤولين فاعتذرت لأنني حاد في النقاش وقد أخرب قضيتهم بسبب ذلك، ولأنني مغضوب عليه بسبب ذلك المقال، ولذلك وقع اختيارهم على طالبين او ثلاثة وربما أربعة أذكر منهم زميلنا عمر محمد صالح.. وصعدوا للتفاوض معهم، وعندما نزلوا من عندهم أفادوني- بلسان عمر محمد صالح- بأن المسؤولين في السفارة قد وعدوهم خيراً وأن المنحة ستصرف لهم قريباً.. وبالفعل صرفت لهم المنحة وكنت يومها في تطوان او في رحلة في الشمال، وعندما حضرت قالوا لي أنهم صرفوا منحتهم فذهبت الى السفارة لأخذ منحتي فقال لي الموظف: المنحة كملت! قلت له: هي نبق تكمل؟ مش جايه من السودان محددة لكل طالب؟ قال لي: انت كنت وين لما الطلاب صرفوا؟ قلت له كنت مسافر.. قال لي: خلاص حقك في رجليك – او شئ من هذا القبيل- ويبدو ان الجميع قصدوا تعقيد أموري بسبب هذا المقال..


من تداعيات هذا الموضوع أنه سرت شائعات أن السفارة خصتني بمنحة دون سائر الطلاب، لا أدري من أطلق هذه الشائعة، فالذي حدث انني لم استلم منحتي مثل بقية الطلاب حينما رجعت من السفر فوجدت المنحة (كملت).. ومما زاد من قوة الإشاعة هو أنني كان لي حساب إدخار في البريد، وحينما تأزمت أموري المالية- مثل بقية الطلاب الباقين في المغرب في الإجازة- ذهبت للبريد لأسترد ما بقي من مدخراتي، فطلبت استرداد كل المتبقي، فقال لي الموظف إنني إذا أردت تصفية المدخرات فعلي ان اكتب طلب ولكن الاستلام يكون بعد اسبوع او عشرة ايام او شهر لا أذكر.. قلت له اريد الدراهم الآن، قال لي إذاً تأخذ جزء منها وتبقي الحد الأدنى، وعلى ما اذكر ان كل المتبقي كان كم وخمسين او كم وستين درهم.. المهم صرفت جزء من هذا المبلغ ومررت على السويقة فاشتريت سكر وشاي وعدس واشياء يمكن أن تكون قوت ضروري لقادمات الأيام العصيبة إذا لم نستلم المنحة القادمة من السودان، وأنا في السويقة وبعد شراء تلك الأشياء وجدت بعض زملائي في مقهى موريطانيا- المقهى المفضل للطلاب السودانيين وقتذاك والذي يقع في السويقة عند تقاطع شارع محمد الخامس مع السويقة- فرأوا ما أحمل من (خيرات) فرأيت في نظراتهم ذلك الاتهام بأنني اخذت منحتي من السفارة دونهم، فأردت نفي الشائعة بطريقة غير مباشرة فحكيت لهم ما حدث في البريد والنقاش الذي دار بيني وبين موظف البريد واضضراري لسحب جزء من المبلغ وليس كله، وأريتهم دفتر الإدخار وما صرفته منه اليوم وما تبقى لي فيه.. ولا أدري إن كانوا قد اقتنعوا أم لا، لكن الذي حدث بعد ذلك عندما رجعت من السفر ولقيت المنحة كملت أيد (روايتي) تلك..

ما قلت ليكم أجمل الذكريات هي التي في أيام الجامعة بحلوها ومرها؟!!



وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة

أبو عدى
05-19-2011, 07:38 AM
نعم استاذى الفاضل اجمل الايام واجمل الزكريات هى زكريات ايام الدراسة الجامعية
لك التحية والاجلال و التقدير استاذى الفاضل على هذا السرد الرائع


احترامى و تقديرى

عمر حسن غلام الله
05-25-2011, 05:26 PM
نعم استاذى الفاضل اجمل الايام واجمل الزكريات هى زكريات ايام الدراسة الجامعية
لك التحية والاجلال و التقدير استاذى الفاضل على هذا السرد الرائع


احترامى و تقديرى

ولك كل الحب والود

والشكر على تفضلك بمتابعتي دوماً، وبتشجيعي لأكتب..

عمر حسن غلام الله
05-25-2011, 05:46 PM
الحلقة السابعة والسبعين



نواصل



الأندلس



قررت في الإجازة القصيرة في نهاية العام 1977م أن أزور الأندلس.. وتجربتي السابقة في زيارة مدريد مدتني بالعزيمة وقوّت الرغبة في زيارة بلاد الأجداد، فأعددت العدة وأخذت التأشيرة من السفارة الإسبانية في الرباط بكل سهولة وتسلحت بتلك الجمل والكلمات الاسبانية التي التقطتها في زيارتي السابقة لاسبانيا، وكذلك حفّظني أحمد محفوظ أخو صديقي مصطفى محفوظ حين مروري الى الأندلس عبر تطوان، بعض الجمل باللغة الاسبانية التي قد احتاجها هناك.. وسأترك مقالي المنشور بجريدة الصحافة الصادرة يوم الاثنين 13/7/1981م يتحدث عن تلك الرحلة:


الفردوس المفقود
الأندلس
الجزيرة المسلمة وسط بحر الفرنجة الصاخب


منذ ذلك اليوم الذي ألقى فيه الأستاذ في المدرسة الثانوية العامة قصيدة "فتح الأندلس" بدأت أحلم بالأندلس، تلك الجزيرة المسلمة وسط بحر الفرنجة الصاخب.. لابد أن يتحقق ذلك الحلم الذي بدأ في ذلك الزمان أشبه بغزو زحل، ولكنه الآن وأنا متوجه الى بلاد فاس يدنو رويداً رويدا.


ووصلت بلاد مراكش وبدأت في تلقي العمل وتحصيله والحلم الجميل ينمو ويزهر، وحين ملأ عليّ نفسي تماماً كنت ساعتئذ قد جمعت شيئاً من الدراهم كنت اقتصدها من المنحة الدراسية.. وشددت الرحال الى حلمي الكبير، ولكن آثرت العبور من مدينة سبته تلك المدينة المغربية التي يرتفع عليها العلم الاسباني حتى الآن!


من سبته هذه عبرنا مضيق جيل طارق بباخرة صغيرة الى مدينة الجزيرة الخضراء على التراب الاسباني.. هأنذا على آثار عقبة بن نافع وطارق بن زياد، ولكن هيهات هيهات ما بيني وبينهم، فهم هبطوا الجزيرة لينشروا دعوة الحق ولينيروا العقول والقلوب، وأما أنا فقد كنت فقط زائراً لبلاد الفرنجة لألقي نظرة على (آثار) الأجداد العرب! الجزيرة الخضراء هي أول بقعة نزل فيها أجدادنا الشجعان لينشروا النور في القارة المظلمة، وما زال الاسبان يسمون الجزيرة الخضراء (الخسيراس) وبقية الأوربيين يسمونها (الجسيراس) ويقصدون (الجزيرات).


من الجزيرة الخضراء ركبت الحافلة الى ملقه إحدى مدن الأندلس ذات الآثار الإسلامية الباقية.. مررت بها سريعاً ثم توجهت الى غرناطه.
*****


غرناطة


ذلك هو الحلم.. غرناطة.. دخلتها بالليل، وفي نزل صغير قرب محطة القطار قضيت الليل ناشداً الصباح لاتصبح بآثار الأجداد، وعند الشروق استفسرت من صاحبة النزل عن موقع قصر الحمراء فدلتني بواسطة خرائط كتاب السياحة على ضالتي، وقلبي يخفق توجهت الى قصر الحمراء، وكان في مخيلتي صوراً باهتة عن تلك الآثار، وكنت أظنها خرابات وأحجار وأعمدة عارية، ولكني فوجئت بها وكأنها قد خلت من ساكنيها بالأمس فقط.


(ولا غالب إلا الله).. عبارة منحوتة فوق مدخل قصر الحمراء، وقفت أمامها طويلاً أتاملها في أناة وخشوع ممزوجتان بدمع ترقرق في عيني.. ربما بسبب هيبة المكان وربما بسبب عظمة القرآن.. ولجلال الموقف برمته.. أفي أوروبا أجد هذا مكتوباً؟ لم يخطر لي على بال من قبل.


وخطوت الى الداخل، إلى قاعة فسيحة الأرجاء عالية الجدران منقوشة جميعها بآي الذكر الحكيم (وما بكم من نعمة فمن الله)، (قل أعوذ برب الفلق)، ومدح للملوك (عز لمولانا الملك المجاهد أبو الحجاج عز نصره)، (عز لمولانا السلطان الملك السلطان المجاهد)، (تبارك من ولاكم أمر عباده فأولى بك الإسلام معلا وأنعما)، (ولا عجب فأنت الشهب في العلى وأرجاؤه فيها المدى المتناهيا).
الحضارة العربية.


ودلفت الى قاعة أخرى أروع وأعظم، وتطلعت الى السقف.. مستحيل أن يكون العرب هم أصحاب هذا الإبداع، فمعاشرة هذا العصر لم تقل لي أن العرب يستطيعون أن يفعلوا ذلك.. ودار برأسي تساؤل: لم لا يكون العرب الآن بمثل هذه العظمة؟ عرفت الإجابة بعد تطوفي ببقية تلك البقاع..


ما أروع هذه الأسود التي تتوسط تلك الباحة! إنها إثنتي عشر اسداً تصب المياه من أفواهها.. ما قصتها يا ترى؟ عرفت أنها كانت ساعة.. وكانت مضبوطة جداً وطريقة عملها متقنة، أما سرها فعلمه عند الله.. أما طريقة عملها فكانت كالآتي:

عند الساعة الواحدة تماماً يكون الماء مندفعاً من فم الأسد الأول فقط ويكون في قمة الإندفاع، وبعد دقائق من هذا الإندفاع يبدأ الأسد الذي يليه بصب الماء أيضاً وفي منتصف الواحدة يتساوى إندفاع الماء من الأسدين ثم يبدأ إندفاع الماء من الأول في التناقص ليزيد بنفس المعدل إندفاع الماء من الثاني، وفي تمام الساعة الثانية يتوقف إندفاع الماء من الأسد الأول تماماً ويكون في قمته من الأسد الثاني الذي يقل ماؤه بعد الدقيقة الأولى ليبتدئ الأسد الثالث في صب الماء، وهكذا.. فن.. إبداع.. حضارة، وأين أنتم يا عرب اليوم من عرب الأمس؟ أفيقوا.. استجوبوا التاريخ في غرناطة واعلموا أن أجدادكم كانوا أقوياء لأنهم مؤمنين.. كانت لهم حضارة لأنهم كانوا نزيهين.. وعندما أفل الإيمان وولت النزاهة وانغمسوا- أقصد أحفاد الفاتحين الأوائل- في اللهو والمجون كنتيجة للإستغلال السيئ للنعيم الذي ورثوه، وأضاعوا الحضارة وأضاعوا الأندلس وطُرِدوا منها، وفقدوا الفردوس!!



وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة ..

عمر حسن غلام الله
05-28-2011, 08:40 PM
الحلقة الثامنة والسبعين


نواصل مقالي بجريدة الصحافة


الأندلس 2


وندخل الى الحمامات، ما أجملها من حمامات، طريقة بناؤها الهندسية أعجز تماماً عن وصفها، فمثل هذا الإبداع لا يوصف بل يُتذوق.. ونمضي الى قاعة فسيحة على شكل قبة (مثل نصف الكرة المقلوب) وأغرب مافي تلك القبة هو أنه حينما تقف لصق الجدار وتتكلم أو تهمس بحيث لا يسمعك الذي يقف بجوارك يسمعك الذي يقف لصق الجدار من الناحية الأخرى اي في نهاية القطر الذي يبدأ من عندك.. يسمعك بوضوح رغم بعد المسافة بينكما، وعلى ما يبدو فإن الجدار هو الذي ينقل ذلك الصوت، ولكن كيف؟ لست أدري.. كل الذي أدريه أن أجدادي كانوا أذكياء وكانوا فنانين..


وهناك تلك القاعات ذات القباب المزخرفة والمنقوشة بدقة.. ومركز القبة يقاصد تماماً فوهة النافورة التي تتوسط ارض القاعة.
ومجموعة الأعمدة المنقوشة في غاية الإبداع، وذلك الغدير الصناعي الذي يوجد في فناء القصر والذي تقف في أركانه الأربعة أسود أربعة تتدفق من أفواهها المياه الى الغدير، تقف شاهدة على أمجاد العرب وعلى رغد العيش الذي كان يعيشه الأندلسيون.. وما أبهى بهو الشقيقتين!


جنات العريف


لو أراد أحدكم أن يرى جنة على الأرض فأدله على (جنات العريف) التي يسميها الإفرنج (جنراليف).. حدائق غناء وجداول تجري بالماء العذب وأشجار باسقة وظلال مورفة وأدراج تقود من جزء في الجنة الى جزء آخر.. تنتقل من أسفل الجنة إلى أعلاها بالدرج الذي تنحدر المياه على حوافه.. وأنت صاعد أو هابط على الدرج ينحدر الماء على يمينك وعلى يسارك.. تلك النافورات وهذه الغابة و.. ما أروع الطبيعة ويا لسحرها في غرناطة.


ولقد حافظ الاسبان على هذه الجنة وعلى غيرها من الآثار لجذب السياح من مختلف ارجاء الأرض- عدا الوطن العربي- لأنني وطيلة تجوالي في بلاد الأندلس كافة لم أصادف إلا أسرة عربية واحدة- عراقية- أما بقية السواح الذين جاءوا من أصقاع الدنيا ليشاهدوا آثار أجدادنا فقد كان جلهم من الولايات المتحدة واليابان، من فرنسا وانجلترا وتايوان.. إذاً فأين العرب؟ لابد انهم يستمتعون بدراهمهم في باريس ولندن وواشنطن حيث المدن الحديثة واللهو والمتعة.. لا.. يجب ان تأتوا الى هنا لتعرفوا ماذا كان العرب وكيف أصبحوا بعد ان اتبعوا أهواءهم وانغمسوا في اللذات، وليس أدل على ذلك من قصة ذلك الملك الذي كان يسمر ويسكر فجاءه الناعي إليه ينعى سقوط طليلطه باضطراب وفزع، فما كان من هذا الملك إلا أن قال له "ثكلتك أمك، ظننتك جئت لتقول لي أن دن الخمر قد إنكسر فتقول لي أن طليلطة قد سقطت؟"


كان دن الخمر أهم عنده من طليطلة، ولكنه دفع الثمن غالياً فقد طُرد والى غير رجعة من الأندلس.. فيا ناطقي الضاد ويا مسلمي الأرض زوروا فردوسكم المفقود عساكم تعتبروا، وقليل من المال يكفي في هذه البلاد، فهي رخيصة جداً أرخص مما تظنون..


أبراج الحراسة


ويحيط بقصر الحمراء مجموعة أبراج عالية تحرس المدينة وأعلاها وأكبرها ذلك البرج الذي يسمى "القصبة" فهو لمراقبة المدينة من الغرق وكذلك لمراقبة الري والحياض، ويطل هذا البرج من جهة على حي "البياسين" وربما عنت هذه الكلمة البائسين وربما البيتين، وحي البياسين حي عربي لم يتغير مع الزمن وسقوف منازله حمراء محدودبة وجدرانها مصبوغة بطلاء أبيض ناصع نصوع الثلج في قمم "سيرا نيبادا" التي تحيط بغرناطة، وعلى سفوح هذه الجبال يمارس الاسبان والسياح رياضة التزحلق على الجليد، ومن القصر يمتد سور قديم الى حي "السكرمنتو" وهو الحي الذي يسكنه الغجر.. هذا السور كان من ضمن الأسوار التي تحمي غرناطة العربية.

وحي السكرمنتو يوجد على مسافة من قصر الحمراء على مرتفع صغير، أما الحمراء نفسها فتوجد على هضبة عالية، ومن المرتفعات التي تحيط بغرناطة ينحدر نهر "حدرة" ويسميه الاسبان "داروا" وهو الآن يجري تحت أرض المدينة حينما يدخلها.


عند الخروج من قصر الحمراء تجد مطبوعات معروضة للبيع أهمها ذلك المطبوع الكبير الذي يحمل اسم الحمراء وجنة العريف، ويحتوي المطبوع على صور ملونة كبيرة الحجم للحمراء وجنة العريف، وهناك مطبوع آخر يسمى "الحمراء" وهو مؤلف يحكي تاريخ غرناطة ووصف دقيق لها مع بعض الصور الملونة، وكل هذه المطبوعات تجدها منسوخة بكل اللغات الحية عدا العربية! ولمن يطبعونها بالعربية؟ فالعرب لا يأتون إلى هنا!!


وقضية اللغة تذكرني بسؤال طريف ألقته عليّ إمرأة أمريكية حينما رأتني مندمجاً في كتابة ما خُط على الجدران في مذكرتي؛ قالت لي: هل تستطيع أن تقرأ هذا؟ وعندما أجبتها بالإيجاب أردفت قائلة: وكيف تقرأه وهو مكتوب قبل قرون عديدة؟ قلت لها إن هذه اللغة المكتوبة هنا هي نفسها التي نستعملها اليوم، فارتسمت الدهشة على وجهها وعبرت عنها بقولها : "مدهش!".. وكنت فخوراً جداً وأنا أترجم وأشرح الكتابة التي على الجدران حتى حسبني الكثيرون مرشداً سياحياً، وكنت أجتهد في تعريف الأجانب بماضينا التليد..

تلك هي غرناطة الجميلة بآثارها العربية الإسلامية، بل بعروبتها.. الناس هنا دماؤهم عربية.. نساؤهم سود العيون، سود الشعر، وكثير من مفردات لغتهم عربية مثل زيتون ووادي وثور..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة ..

عمر حسن غلام الله
05-29-2011, 06:46 PM
الحلقة التاسعة ووالسبعين

نواصل مقالي بجريدة الصحافة

الأندلس 3

قرطبة الفيحاء

من غرناطة الرائعة ركبت القطار الى قرطبة الفيحاء التي تقع على نهر "قـوادي الكيفير" وهي تحريف أعجمي لكلمتي "الوادي الكبير"، والوادي الكبير تصل بين ضفتيه قنطرة قيل أن الرومان القدامى هم الذين بنوها، ثم جاء العرب المسلمون فجددوها، ومازالت معبراً حتى اللحظة، وقد عبرتها راجلاً، وأهم أثر عربي مسلم في قرطبة هو مسجدها الأعظم، وحقاً إنه أعظم فهو أضخم مسجد في زمانه، وأضخم مسجد في أوروبا اليوم، وقد حاول الإفرنج أن يحولوه الى كنيسة فلم يستطيعوا لضخامته، كل الذي فعلوه أنهم أقاموا داخله عدة كنائس، أما بقية المسجد الأوسع فبقيت كما هي شاهداً على أن الإسلام قد دخل هذه المدينة يوماً وكان له شأن فيها.

وفي باحة المسجد توجد نافورة وسط حوض مائي كبير وتتراص أشجار البرتقال في صفوف منتظمة، وندخل الى المسجد بـ "تذكرة"! فنشاهد هذا العدد الضخم من الأعمدة البديعة الصنع والتلوين، ونقترب من المحراب فنجد فن النقش يتمثل فوق المحراب بديعاً رائعاً: آيات من الذكر الحكيم حول باب المحراب، وداخل المحراب أيضاً، وسقف المحراب يبدو على شكل صدفة بحرية (shell) بيضاء مصنوعة على ما يبدو من الجبس، وكان أن سألتني إحدى السائحات الناطقات بالإنجليزية عن ما تعنيه (الصدفة shell ) بالنسبة للمسلمين، وهل لها دلالة تعبدية معينة؟ فأجبتها بالنفي، وأضفت أنه ربما وضعت هنا للزينة فقط (ديكور).

وفي واجهة المصلى على الجدار توجد آيات من القرآن كتبت بالفسيفساء والزجاج الملون، أما مئذنة المسجد الأعظم فقد علقت فيها الأجراس لتقرع أيام الآحاد والمناسبات الدينية المسيحية.. والشئ المؤلم حقاً هو رؤية غير المسلمين وهم يطأون المسجد والمحراب بأحذيتهم.. متى يعود هذا المسجد مسجداً للصلاة فيه بدلاً أن يكون مزاراً سياحياً؟

من مسجد قرطبة الأعظم انتقلت الى "القصر" وكما علمت فإنه روماني الأصل ثم جاء المسلمون فجددوه وعمروه وأطلقوا عليه هذه التسمية "القصر" التي ما زالت سارية حتى الآن.. وبعد العرب جاء النصارى ثم أصبح الآن من الآثار التي تزار.. والقصر فسيح الأرجاء وغرفه مبنية بهندسة عجيبة حقاً.. بعض من الغرف يصلها بالبعض الآخر سلم معلق! وبالقصر حديقة كبيرة تتوسطها بحيرة صناعية، وهنا يقل النقش والكتابة العربية لحد كبير ويطغى الطابع الأوروبي.

وحول منطقة المسجد و"القصر" توجد الدور العربية ا لتي تزين مداخلها وجدرانها النقوش العربية.. ترى أين كان يلاقي بن زيدون حبيبته ولادة بنت المستكفي؟ أفي هذه الدار أم تلك؟ أفي هذا الدرب أم ذاك؟ لابد أنه كان يستلهم الشعر وهو في هذا المكان من الشاطئ يتأمل مياه "الوادي الكبير" ويقرض الشعر في "ولادته":

يا أخا البدر سناء وسنى * رحم الله زماناً أطلعك
إن يكن قد طال ليلي * فلكم بتُ أشكو قصر الليل معك

اشبيلية

بسيارة خاصة لأصدقاء استراليين تعرفت عليهم هناك سافرت الى اشبيلية الشهيرة برقصة "الفلامينكو"، وبالفتيات ذوات الملابس الاشبيلية المميزة والوردة التي على الشعر، وتلك العربات التي تجرها الدواب.. طابع تقليدي جميل.. والأثر الإسلامي الواضح هنا هو صومعة "الخيرالدا" تلك الصومعة (المئذنة) التي بناها ذلك الملك المغربي المرابطي أو الموحدي لا أذكر، وهو نفسه الذي بنى صومعة حسان في الرباط وصومعة الكتبية في مراكش.. وهذه الصوامع (المآذن) الثلاث تشبه بعضها شبهاً يؤكد أن بانيها واحد..

وقطعنا "تذكرة" للصعود الى تلك المئذنة العملاقة، وبعد جهد وصلنا الى القمة.. ترى هل كان المؤذن يصعد كل تلك الدرجات وفي كل وقت صلاة ليؤذن في المسلمين الذين كانوا يسكنون اشبيلية؟ وفي أعلى المئذنة هاجت بي الشجون، ودون إدراك مني لنفسي وجدتني أؤذن بصوت خفيض.. ولكن لمن أؤذن غير نفسي؟ فلا أحد هنا يفقه ما أقول.. اللهم أعد مجدها ومجد الإسلام.. وأما المسجد الذي كانت تلحق به الصومعة فقد هُدم وحُوّل الى كاتدرائية!!

في وسط اشبيلية توجد كاتدرائية كبيرة بها ساحة واسعة، وفي هذه الساحة وعلى طول جدران الكاتدرائية الخارجية توجد مجموعة من اللوحات القديمة المصنوعة من السيراميك، إحدى هذه اللوحات تمثل الملك العربي راكعاً وهو يسلم مفتاح مدينته الى الملك الإفرنجي.. صورة ما أقسى وقعها على نفسي.. الجنود المسلمون يخرجون من بوابة المدينة ذات الأسوار العالية والجنود الإفرنج يتسلمون مفتاح المدينة ليدخلوها منتصرين.. ودالت دولة العرب والمسلمين في اسبانيا، وفي أوروبا..

وفارقت الأندلس وفي نفسي خليط من المشاعر والأحاسيس.. مشاعر الفرح والسعادة وأنا أتجول بين آثار الأجداد، ومشاعر حزن طاغية وأنا أدرك أن كل ما للإسلام هنا لا يعدو أن يكون أثراً، ربما طيباً يؤكد ماضينا التليد، وربما موجعاً يذكر بحاضرنا المخجل..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة ..

عمر حسن غلام الله
06-06-2011, 05:14 PM
الحلقة الثمانون



الأندلس 4





نواصل

إليكم صورة لجزء من المقال أعلاه والمنشور بجريدة الصحافة بتاريخ 13/7/1981م، ودعوني أعيد سرد الرحلة مرة أخرى بتفاصيل غير تلك التي جاءت بالجريدة، فالحيز المتاح في الجريدة والقراء قد لا تسمح بنشر كل شئ..

http://www.hams-al7roof.com/vb/attachment.php?attachmentid=197&d=1307369492

تحركت من الرباط الى تطوان ونزلت ضيفاً على أصدقائي مصطفى محفوظ وأسرته حيث بقيت معهم يومين او ثلاثة، ومنها عبر التاكسي على ما أذكر الى مدينة سبته، وكان ذلك في الأسبوع الأخير من عام 1977م يوم 23 أو 24 ديسمبر.. وفي رحلتي هذه الى اسبانيا آثرت العبور من مدينة سبته تلك المدينة المغربية التي يرتفع عليها العلم الاسباني حتى الآن! وفي مدخل مدينة سبته التي وصلنا إليها من حدود المغرب عبر بوابة جمارك، حيث تصل إليها الحافلات المغربية ونترجل حيث نجتاز مكتب الجوازات والجمارك المغربي أولاً، وأذكر انني قدمت جوازي وشنطتي لموظف الجمارك، فلم يدقق معي كثيراً، ثم تفرغ للمغاربة الذين كانوا معي وتعرفت عليهم في البص، وربما كان منهم طنجاوي صاحب المطعم الصغير امام الحي الجامعي مولاي اسماعيل حيث كنا نشتري منه سندوتشات الكفتة، ووجدته في هذه الرحلة مسافراً- وربما مهاجراً – الى اوروبا، وربما اختلط عليّ الزمان والمكان فكان هذا الطنجاوي في رحلتي السابقة الى مدريد عبر طنجة ..

لا.. الآن تذكرت، لم يكن معي في رحلة طنجة ، بل كان معنا في هذه الرحلة.. المهم أن ضابط الجمارك قال لي – بعد ان لاحظ أنني ما زلت واقفاً رغم انتهائه من فحص حقائبي وجوازي- قال لي: خلاص روح، قلت: له انا انتظر هؤلاء، واشرت الى اصحابي المغاربة، فقال لي: هؤلاء معك؟ فأجبته بالإيجاب، فقال لي: خصنا نقلبك، وترجمتها: كان كدي نفتشك.. اي ما دام هؤلاء المغاربة معك فلابد أن يكونوا قد اعطوك دراهمهم لتمررها لهم عبر الجمارك.. فضحكت، ولكني خفت في نفس الوقت.. والسبب أنني كنت أضع بعض العملة الورقية في شعري! نعم.. كان شعري خنفس وغزير وطويل، فقلت لزملائي المغاربة- قبل أن نصل لموظف الجمارك- انني يمكنني ان أهرب العملة في شعري هكذا.. فبرمت الورقة حتى صارت كعود النالة وأدخلتها في شعري الكثيف فاختفت.. ثم نسيت الورقة في شعري، لذا خفت اذا نفذ كلامه وفتشني تفتيشاً دقيقاً كما كان يفتش المغاربة فحتماً كان سيجد الدولارات في شعري، وحينها لن يصدق انني وضعتها على سبيل التجربة والونسة.. وقد ذكر لي طنجاوي أن ضابط الجمارك قال له بعد ان فتشه تفتيشاً دقيقاً ولم يجد معه عملة، قال له أنه لا يمكن ان تكون مسافراً لأوروبا وليس معك عملة، قال لي الطنجاوي أنه أجابه بأنه ذاهب الى اوروبا لجلب المال وليس لانفاقه.. وكان هذا كلاماً منطقياً ولكن كلاهما ضابط الجوازات والطنجاوي يعلمان أنه يحمل عملة ما في مكان ما.. المهم في الأمر أن ضابط الجوازات قال هذا الكلام (خصنا نقلبك) ثم تركنا نذهب ..

ثم مشينا خطوات قليلة لنصل الى ضابط الجوازات الاسباني الذي سيختم على جوازاتنا ختم دخول اسبانيا- ونحن ما زلنا في القارة الإفريقية وفي التراب المغربي- وأتذكر أنهم بدأوا يتكملون بلغتهم عني، ثم مسك أحدهم يدي وصار يمرر يده على ساعدي كأنه يتحسس جلدي ليثبت ما كان يقوله لزملائه، فتذكرت ما قاله لي ذات مرة زميل دراستي في المغرب محمد أبكر ابراهيم عن الانجليزيات عندما كن يتحسسن أيادي خالاته أثناء زيارتهن للندن ويبدين اعجابهن بنعومة أجساد السودانيات، وبالفعل فالنساء والرجال الأوربيون بشرتهم خشنة ومشعرة في الجنسين، لذلك فإنهم يستغربون من بشرة السود ونعومتها..

وندخل سبته- وتنطق باللغات الأوروبية (سوتا)- ونجد ان جل سكانها من المغاربة والبقية اسبان.. وقد تجولت في مدينة سبتة قليلاً، ووضعت شنطتي في مقهى يملكه مغربي، وعلى ما أذكر دلني عليه الطنجاوي، وفي نفس المقهى يتم تغيير العملة المغربية الى بيزيتا اسبانية.. ومدينة سبته صغيرة ولكنها جميلة ومتحضرة نسبياً عن مدن المغرب.. ولم تكن غالية، فالمشروبات كالشاي والقهوة أثمانها كما في المغرب.. وبعد التجوال واكتشاف ما استطعنا اكتشافه من معالم سبته ركبنا الباخرة المتوجهة الى الجزيرة الخضراء، ولم تكن المسافة من سبتة إليها كبيرة، بل عبرنا المضيق في ساعة واحدة فقط- من طنجة كانت الرحلة ثلاث ساعات- وهبطنا في الجزيرة الخضراء، ولم أبق فيها غير وقت انتظار الحافلة، ثم من الجزيرة الخضراء ركبت الحافلة الى ملقه إحدى مدن الأندلس ذات الآثار الإسلامية الباقية.. مررت بها سريعاً ثم توجهت الى غرناطه..

وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة ..

عمر حسن غلام الله
06-07-2011, 06:42 PM
الحلقة الحادية والثمانين



نواصل

الأندلس 5


لا أذكر هل استبدلت الحافلة بالقطار في ملقة او في مكان آخر، لكن الذي أذكره أنني وصلت غرناطة بالقطار، وأول ما خرجت من محطة القطار وجدت أمامي عبر الساحة فندق صغير أو قل نزل (بنسيون)، فذهبت إليه واستأجرت فيه غرفة، وعلى ما أذكر لم تكن غالية على ميزانية طالب.. وكانت صاحبة النزل تديره ومعها أولادها الصغار منهم صبية في أواسط سني المراهقة وأخرى صغيرة لم تبلغ العاشرة، وكانوا دائماً معها في استقبال الفندق.. أعطوني مفتاح الغرفة فصعدت إليها ونمت، وفي الصباح الباكر سألت صاحبة النزل عن موقع قصر الحمراء، فأعطتني خريطة فذهبت راجلاً، وكان الطريق جميلاً والأشجار تزينه ووصلت الى قصر الحمراء وتجولت في جنباته وغرفه وقاعاته وكنت استصحب معي دفتري لكي اسجل ما أراه، فقد أخذ موظفو الجمارك الاسبان كاميرتي، وكان قد نبهني زميلي المغربي بأن أخفي الكاميرا التي كنت أعلقها على صدري، فقلت له انها كاميرا عادية ولا أعتقد انهم سيتكلمون عنها.. ولكن خاب ظني فقد أشار إليها موظف الجمارك قائلاً: (la paree) أي أعطني هذه الكاميرا.. فخيروني بين أن ادفع جماركها او أتركها امانة عندهم لحين رجوعي للمغرب.. وبما أنني أوفر كل درهم وبيزيتا لهذه الرحلة فتركت الكاميرا لديهم واعطوني ورقة بموجبها استردها حين مغادرتي لاسبانيا..

وكنت قد نسيت قلمي في النزل، لذا عندما رأيت أحدهم يضع قلماً في جيبه أشرت إلى القلم في جيبه- دون أن أتكلم- فأعطاني إياه، وكنت أظن أنه لا يتكلم الانجليزية، ولكن عندما سمعته يتكلم مع زوجته بالانجليزية فرحت، ففي هذا المكان من يتكلم بالانجليزية يكون كمن يتكلم معك بلغة بلدك.. فقلت له هل تتكلم الانجليزية فقال نعم، فسألته من أين هو فقال انه من امريكا، من شيكاقو بالتحديد ويعمل مدير الإحصاء في مستشفى شيكاقو، و.. أنه يهودي! ويبدو أنني صدمت وظهر ذلك على محياي، والدليل أنه قال لي بعد ردة الفعل تلك: Don’t be complex فاستدركت بسرعة وطرحت وجهي وابتسمت وقلت له ما معناه: لا.. لاشئ، لا شئ.. أي أنني لم (أتعقد ولا حاجة).. ويبدو أن الصدمة جاءت من كوني لم ألتق يهودياً من قبل!

بدأت أكتب ما كان على الجدران والأبواب من شعر وآيات قرآنية تزين غرف وقاعات قصر الحمراء.. وعرف هذا الأمريكي اليهودي من نقلي لما هو مكتوب في جدران القصر انني عربي، ومسلم، فبدأ يناقشني في بعض الأمور الخاصة بالقضية الفلسطينية، والعبارة التي أذكرها من ذلك الحوار والتي قالها لي: وهل ترمي اسرائيل في البحر؟ ويبدو ان هذه العبارة جاءت بعد أن قلت له أن اسرائيل اغتصبت أرض فلسطين.. المهم الخواجه السبعيني الذي اخذت منه القلم تجول ثم رجع لي فلما انتبهت له حسبته جاء ليسترد قلمه، لكنه قال لي welcome for the pen يعني خليتو ليك، فشكرته، ثم ذهب وعاد بعد دقائق وقال لي أنه يريد أن يعزمني على العشاء، لأنه يريد ان يتناقش معي أكثر.. فوافقت على دعوته، فقال لي نلتقي الساعة الثامنة مساء في وسط غرناطة في ساحة معروفة سماها لي.. ثم ذهب، وبقيت اتجول ما بين قصر الحمراء وبهو الأسود والساعة المائية ذات الأسود الاثنتي عشر، وجنة العريف التي ما رأيت أجمل منها..

كما أسلفت في مقالي المنشور بجريدة الصحافة، فقد كان السائحون يستغربون كتابتي لما في الجدران ويسألونني هل استطيع قراءة وكتابة تلك المدونة هنا منذ ألف عام؟ وعندما اجبتهم بالإيجاب استغربوا وصرت اشرح لهم المكتوب، وأذكر انني اثناء شرحي لمجموعة منهم وجه احدهم الكاميرا ليلتقط لي صورة قائلاً: لنصور المرشد.. يقصد المرشد السياحي، فأحسست بأنني ذا شأن هنا رغم انني لا آخذ أجراً على ذلك، بل افتخاري بأني حفيد هؤلاء الذين تركوا هذا الأثر العجيب في اوروبا.. وقد لاحظت أن إحدى الأسر تتكون من رجل وإمرأة وفتاة شابة ربما لا تتجاوز الخمسة عشر عاماً، والذي لفت نظري ان كل المجموعات من السياح يكون عددها كبيراً ومعهم مرشد سياحي، ولكن هذه الأسرة لها مرشد خاص بها..

يبدو ان الفتاة أعجبت بذلك الأسمر الذي يقرأ ويكتب تلك اللغة المكتوبة منذ ألف عام، فتعرفت بي وعرفتني بنفسها، وهي ايضاً امريكية، وقد لاحظت من الزي الذي تلبسه هي والذي يلبسه والدها ووالدتها أنهما إما دبلماسيين او من علية القوم، فزيهم شبه رسمي، وحتى هي تلبس ذلك الفستان الطويل الذي يذكرني بالأفلام الأمريكية الكلاسيكية.. هذه الفتاة صارت كلما ذهبت الى قاعة او الى بهو أجدها بقربي، تترك والديها والمرشد وتأتي لتقف معي ونتحدث، وتتجاهل نداء والديها لها، حتى وفي مرة نادتها أمها وبررت ذلك بأن تأتي لكي لا يفوتها شرح المرشد.. فذهبت، ولكن ليس فوراً.. وقد التقيتها مرة أخرى في أعلى القصبة التي تبعد مسافة طويلة عن قصر الحمراء، وكنت أطل من أعلى القصبة الى تحت حيث تبدو مدينة غرناطة والمزارع.. وفجأة أجد من يناديني بإسمي من خلفي، فالتفت فإذا بتلك الفتاة الأمريكية الجميلة تقف خلفي وتسلم علي وتقول ما معناه ها نحن قد التقينا ثانية..

وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة ..

عمر حسن غلام الله
06-08-2011, 06:32 PM
الحلقة الثانية والثمانين






نواصل


الأندلس 6





أيضاً وقفت معي طويلاً فوق سطح القصبة- وهي أكبر وأعلى أبراج الحراسة المذكورة آنفا- وتأملنا المزارع وقنوات الري تحتنا والبيوت العتيقة محدودبة الأسطح، وعلى البعد تأملنا سلسلة جبال سيرا نيبادا المغطاة بالثلوج.. كانت لحظات رومانسية رائعة.. فتى من وادي النيل تؤانسه فتاة من بلاد العم سام على سطح أثر من آثار الأجداد في الأندلس، في القارة العجوز الجميلة الراقية.. ثم استدعاها والداها فذهبت معهم..


طبعاً صليت الظهر والعصر جمعا وقصرا في قصر الحمراء.. ثم واصلت تجولي حتى المغيب، فخرجت من القصر وعند موقف السيارات استوقفني زوج خواجات في منتصف العمر، وسلما علي، وسألاني من أين أنا فأخبرتهم، وسألتهم هل تعرفون السودان قالا نعم، ومن أين أنتما قالا من أمريكا- كاليفورنيا- وقد لاحظت ان الأمريكان ودودون جداً وانهم ميالون للتعارف أكثر من غيرهم، ويجيدون الدخول إليك بكلمات بسيطة وبأريحية وبثقة، ويبدو أن تنوع الأعراق والألوان في امريكا يجعلهم متعودين على الأفارقة وغيرهم، دون الأوربيين الذين قد لا يلتقون بأفارقة كثيراً- باستثناء بريطانيا وفرنسا ذات التواجد الكبير من الأفارقة والجامايكيين- فكل الذين تعرفوا عليّ، او بالأصح بادروا بالتعرف عليّ، هم من الأمريكيين.. سألت هذا الزوج- واسمه آرون قرين- من أين في كاليفورنيا قالوا من سان فرانسسكو، قلت لهم إن خالي- عبد الغفار الحاج سعيد- يدرس الدكتوراة في كاليفورنيا- لوس انجلز وفي مدينة ريفر سايد بالتحديد، فوعداني أن يتصلا به حين رجوعهما لأمريكا ويخبرانه بلقائنا هذا..


رغم أن لغتي الانجليزية لا بأس بها، ولكني أحسست أنهم جاملوني حينما قالوا لي أن لغتك الانجليزية جيدة (فيما بعد أرسلت لي ميري قرين كتابها الذي عنوانه: "كيف يمكن أن تسافر حول العالم وتكون رحلتك مدفوعة" وفيه ذكرت أنها حينما تقابل شخص ليست لغته الانجليزية ويتكلم معها بالانجليزية فإنها تشجعه بأن تقول له إن لغتك الانجليزية جيدة.. لذا بعد قراءة كتابها فيما بعد تأكدت من أنهما كانا يجاملانني..)


كنا نتونس ونحن في موقف السيارات، وهما يتكآن على سيارة، فيأتي صاحبها، فيتحولان إلى أخرى، ثم يأتي صاحب هذه فيتحولان إلى ثالثة، فعلقا على ذلك، وقد لاحظت أن أصحاب السيارات كانوا يتعاملون برقة مع المتكيئ على سيارته.. ورويداً رويداً بدأ الموقف يخلو من السيارات، وبدأ المكان يتسم بالهدوء لقلة المارة حيث بدأ الغروب يغطي المنطقة بظلاله.. ونظرت الى ساعتي فوجدت أن موعدي مع الأمريكان اليهود قد اقترب، فاستأذنت من هذا الزوج الظريف وانطلقت عبر شوارع غرناطة وازقتها الهادئة الخالية من البشر وكأنني أعيش فيها منذ زمن، ويبدو أن منطقة قصر الحمراء كانت في هضبة او مرتفع، فالشوارع منها الى وسط المدينة تنحدر بصورة واضحة، بل وأحياناً أحس أن ركبي تتيبس لانثنائهما بزاوية للمحافظة على توازني، إذ كنت أمشي وأنا منكب على وجهي، وأحياناً أجري لأخفف الضغط على ركبي، ولألحق الموعد في نفس الوقت.. وكنت إذا أحسست بالتعب وأردت التوقف أضطر الى تخفيف سرعتي بالإمساك بالأشجار التي على جانب الطريق او أعمدة الهاتف، فتجدني أميل تدريجياً الى جانب الطريق ثم أحاول مسك الشجرة بلف ساعدي حولها، او حول عمود هاتف ثم أتركه بسرعة حتى لا ألف بكاملي حوله او يتخدش ساعدي- وقد تخدش بالفعل- فتخف سرعتي قليلاً ثم أكرر نفس الحركة مع شجرة أخرى او عمود آخر ثم في النهاية استطيع الوقوف وأنا ألهث..


وأنا ألهث دخلت الى الميدان المضروب فيه الموعد، وكان مكتظاً بالناس، وتوجهت الى أمام عمارة عالية- بل هي الأكبر في هذه الساحة- زجاجية الواجهة، ويبدو أن أمامها موقف حافلات او شئ من هذا القبيل، ومن على البعد رأيت الزوج العجوز واقفاً وهما يشرفان برأسيهما من مكانهما الى البشر المتواجدين في الساحة، وما إن وقعت عيناهما عليّ حتى أشارا لي فتوجهت نحوهما، وكانت ساعتي تشير الى الثامنة مساء تماماً.. موعد اللقاء.. وما إن وصلتهما حتى قالا لي: "من النادر أن يأتي الناس في موعدهم".. فأحسست بالفخر إذ أعطيت هؤلاء الأمريكان انطباعاً إيجابياً عن السودانيين (وهم ما عارفيين طبع السودانيين والعرب في حكاية المواعيد)، ومعناها إنني صنفت من الذين يحترمون مواعيدهم.. حتى على مستوى الأمريكان.. وتحركنا ثلاثتنا، وقالا لي أننا سنذهب الى مطعم صغير وقريب.. وبالفعل بعد مسيرة قصيرة على الأقدام دخلنا المطعم، ورغم أنه كان صغيراً الى أنه كان فاخراً..



وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة ..

عمر حسن غلام الله
06-11-2011, 07:26 PM
الحلقة الثالثة والثمانين


نواصل


الأندلس 7


جلسنا ثلاثتنا على الطاولة، فإذا بي أفاجأ بهارون وميري قرين في نفس المطعم.. يا الله! انتو جايين لنفس المطعم وخليتوني أجي جاري المسافة دي كلها من قصر الحمراء وأنتو جايين راكبين؟

ولم تمض دقائق حتى سمعت من يناديني بإسمي، ولكن بلهجة أعجمية: (هاي أومار).. معقول؟ في غرناطة، في اسبانيا، في أوروبا.. زول يناديني بإسمي وأنا يادوب لي 24 ساعة؟ والتفت فإذا هي فتاتي الأمريكية (المعجبة).. فهييتها (هاي فلانة) أي حييتها.. وعلى طول جابت والديها وأجلستهم في الطاولة المجاورة لطاولتنا.. إيه الهناء الأنا فيه ده؟! فعرّفت مضيفيّ بهذه الأسرة وبأسرة قرين.. أنا السوداني أعرّف الأمريكان ببعضهم البعض.. أكيد كان فيه حاجة في الزول الاسمو عمر ده ، انا شخصياً ما عارفها شنو!

وبدأنا الونسة مرة أخرى.. وبما أنني علمت أنها تعرف اللغة الفرنسية (ما قلت ليكم ماهي أمريكية عادية، بل من علية القوم)، فقد قلت لها tu est tres belle ومعناها بلغة الضاد (أنت جميلة جداً)، فردت بصيحة امريكية مع تقليبة عيونها الجميلة.. طبعاً دقّست والديها والناس المعاي والتانيين.. ولو كنت قلت لها هذا الغزل بلغتها لما كانت هناك ردة فعل منهم أكثر من ردة فعلها.. فهؤلاء امريكان! وقالت لي بالفرنسية أن امها تعرف بعضاً من اللغة الإيطالية تعلمتها حينما كانت هناك، وبما أن سيرة أمها قد وردت باللغة الفرنسية فقد استفسرت منها الأم فترجمت ما قالت الى الانجليزية.. وهنا زاد يقيني بأن هذه الأسرة دبلماسية، وربما كان والدها سفيراً لبلده او دبلماسياً كبيراً.. وكأنها ذكرت لي ذلك في سياق هذا الكلام او فهمت انا ذلك من تلقاء نفسي..

كانت قائمة الطعام (المينو) بسبع لغات، وأعطوني واحدة فقرأت التي بالانجليزية، ومع ذلك لم أفهم شئ، ليس لأنني لا أعرف الإنجليزية ولكن لأن اسماء الوجبات غريبة بالنسبة لي، فلما رأي مضيفيّ ما أنا فيه من الحيرة قالوا لي نحن سنختار لك، قلت لهم نعم ولكن إلا الخنزير، فقالا لي نحن أيضاً معشر اليهود محرم علينا الخنزير.. وتلك المعلومة لأول مرة أعرفها.. فاختاروا لي لحم عجل مطهي بطريقة تجعله أشبه بالكبده عندنا، ولم أذق لحماً أطعم منه من قبل ولا ألذ.. وهما طلبا مأكولات بحرية، وقالا لي أنها اختاراها لأنهما كبيران في السن، فهي تمنحهما بعض الطاقة.. وكانت هذه المأكولات البحرية أشياء غريبة، التي استطعت أن أصفها تشبه حلقوم الخروف المقطع دوائر، والثانية لا استطيع وصفها من غرابتها..

ثم جاء دور التحلية، فقلت لهما اختارا لي أنتما أيضاً، فقال لي أحدهما: (ارضاؤك سهل يا عمر).. فاختارا لي شيئاً بداخله شئ.. فهمتو حاجة؟ حأوصف ليكم الحاجة الجوه.. حاجة زي الكستر وما كستر، زي الكريمة وما كريمة.. زي الآيس كريم وما آيس كريم.. حاجة لذيذة وتتاكل بالملعقة.. فبدأت أغرف بالمعلقة هذا الشئ من داخل الشئ الآخر، والشئ الآخر يشبه برميل البيره بتاع الكاوبويات، لكنه صغير طبعاً ولا يتعدى حجمة قبضة اليد، ولونه بني زي برميل البيره.. ولما وصل المحتوى الى النصف تقريباً، وأنا لا أدري ما كنه هذه الحاوية، نادتني فتاتي الأمريكية قائلة: Omar, you can eat the outside of it وترجمتها: يا عمر ممكن تأكل الجزء الخارجي أيضاً، فضحكت وضحك مضيفيّ وضحك والديها وهارون وميري.. فبدأت بقطع الجزء الخارجي بالمعلقة واتضح انه ثمرة حلوة وضعو داخلها هذا المحتوى من التحلية.. أهو اتعلمنا حاجة..

كانت ليلة جميلة، وأغرب ما فيها أنني خلال 24 ساعة فقط في مدينة أزورها لأول مرة في حياتي؛ التقي في مطعم بسبعة أشخاص سبق أن عرفتهم في مكان ما من تلك المدينة، ومعظمهم التقيه بالصدفة البحته!! ضحكنا كثيراً وتونسنا ونسة عبر طاولات الطعام، وافترقنا بعد ذلك، على أمل اللقاء غداً في بقية آثار غرناطة.. وسجلت تلك اللحظات في ذاكرتي، وقبل أن أهرم، وأقول.. هرمنا.. هرمنا.. أخرجت ما استطعت من ذكريات هنا، ورغم أنها جاءت متأخرة، لكن أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألا تأتي!

ونصيحة لكل من يسافر أن يسجل كل شئ في دفتره مهما كان بسيطاً ولا معنى له، فسيأتي اليوم الذي يكون له معنى، وكلما مضى الزمن ستنمحي من الذاكرة التفاصيل الصغيرة او حتى الكبيرة.. ولا تنسو الاحتفاظ بالصور! ونصيحة لمن لم يسافر.. سافروا فللأسفار خمس فوائد: (تفريج هم واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد).


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة ..

أبو عدى
06-12-2011, 07:38 PM
لك التحية والتجلة الاخ الفاضل والاستاذ الكبير
عمر حسن غلام الله على هذا الطرح المميز
ما زلنا هنا وما زلنا فى انتظار المزيد من حكاوى الغربة والترحال ما بين طنجة و جاركتا ,

احترامى و تقديرى لك بلا حدود

عمر حسن غلام الله
06-18-2011, 08:13 PM
لك التحية والتجلة الاخ الفاضل والاستاذ الكبير
عمر حسن غلام الله على هذا الطرح المميز
ما زلنا هنا وما زلنا فى انتظار المزيد من حكاوى الغربة والترحال ما بين طنجة و جاركتا ,

احترامى و تقديرى لك بلا حدود

تشجيعكم لي يدفعني لشحذ الذاكرة الخربة وإخراج المدفون منذ عقود

لكم كل الشكر والتقدير

أبو عدى
06-18-2011, 11:24 PM
لا يجدر بنا الرحيل عن هذه الواحة الوارفة الظلال

عمر حسن غلام الله
06-25-2011, 08:08 PM
الحلقة الرابعة والثمانين



نواصل


الأندلس 8

رجعت بعد تلك الدعوة الجميلة والأنس الظريف مع أولاد جون الجايين من بلاد العم سام، وكنت قابض الجو (ما عارف بشنو)، وكملت الظرافة مع بنات ست الفندق- واحدة في الطاشر والتانية صغيره واظن معاهم اخوهم صغير، وأذكر انني كنت اغني لهم اغنية انجليزية كانت سائدة في تلك الأيام وهم يضحكون مطلعها I LOVE YOU

في اليوم التالي ذهبت مرة أخرى الى قصر الحمراء بعد الوعد مع آرون وميري قرين بأن نلتقي هناك ويلتقطوا لي صور عندما علموا بقصة كاميرتي التي حُجزت في الحدود.. تجولنا في قصر الحمراء سوياً والتقطوا لي كثيراً من الصور، وكانا ودودين معي جداً، وكلما قلت لهم يكفي تصوير لي قالوا لي أن الصورة لا تكلفهم شيئاً ، ففي امريكا طباعة الصور الملونة رخيصة..


وبعد يوم طويل وحافل قالا لي يجب ان نودعك، وأخذا عنواني البريدي في المغرب، وقالت لي ميري انها ستراسلني، فقال لي آرون: ستراسلك ميري ولكني سأكتفي بإرسال الصور لك.. وفي مقهى شربنا فيه الشاي والقهوة التي دعياني إليها، ورسم لي آرون صورة في ورقة بيضاء وأعطاني إياها، وهو كما علمت من ميري مهندس معماري، ويبدو أنه مهندس كبير ومشهور لأنها قالت لي حينما دُهشت من تلك القاعة التي في شكل قبة وتسمع همس الذي في الطرف الآخر منها إذا وضعت أذنك على الجدار، وحينما أوضح لي آرون أن كل قاعة مبنية بهذا الشكل يحدث فيها مثل هذا، حينها قالت لي أنه- أي آرون قرين- قد بنى قاعة مشابهة في إيران ولكنها تكبرها بخمسة أضعاف او ثمانية أضعاف لا أذكر.. إذاً فالرجل ما هين أبداً..


ثم ودعاني.. مددت يدي الى ميري.. فصافحتني ثم جذبتني من يدي إليها وقبلتني على خدي! بحماسة وعاطفة شديدة.. كانت مفاجأة بالنسبة لي، فارتبكت، لم أكن أتوقع أن يكون الوداع بهذه الحميمية، ومددت يدي الى آرون فمد يده إليّ وصافحني مودعاً.. وغادرتهما وأنا في حيرة..


ولقد أوفياء بعهدهما، فأرسل آرون الصور، كمية كبيرة منها التي انا بها، ومنها لمناظر عامة لقصر الحمراء، وسأريكم بعضها، ثم واصلت ميري مراسلتي لفترة طويلة حتى رجوعي النهائي للسودان، ومع إحدى تلك المراسلات كان كتابها المذكور آنفاً: (HOW YOU TRAVEL AND PAY FOR YOUR VISITS)..


حاولت التأكد من إسم الكتاب، فبحثت في القوقل، فكانت النتيجة أن قادني البحث إلى بعض المواقع، من بعضها وجدت مكتوباً: (Mary Green is an innovative lingerie designer located in San Francisco. She has been in the apparel industry for 25 years, and millions of people all over the world are devoted to her products.)


ثم بحثت أكثر فوجدت أن لها موقعاً، ووجدت هذه النبذة عنها (
“Mary Green is a visionary of ethical and sustainable entrepreneurship, a creative and compassionate strategy that other American business leaders might find rewarding, encompassing both good humanism and good business….along with her design skills, her commitment to creating better lives for people living in the shadow of poverty and deprivation throughout the third world. Mary Green’s signature is adapting and uniting the unique artistic skills of workers in various countries with their innate entrepreneurship. By doing so she has created stable business communities that have emerged to produce her exceptional fashion designs. It is her creative humanism that truly makes her a woman of vision.”



Speaker of the House Nancy Pelosi,



in The House of Representatives,

The Congressional Record, June 20, 2008






“She is the queen of lingerie”


VANITY FAIR ITALY


Mary Green has taken her love of both international travel and cultures and people of the world, and, with her great sense of style and design, has created an internationally recognized lingerie firm. The firm specializes in silk undergarments combining the beauty of the finest Chinese silk with the creativity and design sense that has always been her hallmark.
With Mary Green’s business savvy and sense of ethical entrepreneurship, what had started as a small business headquartered in San Francisco, has grown into a modest empire that counts over seven thousand vendor locations around the world with reps all over the U.S., Canada and the EEC. During the course of her business, Mary Green has become a hands-on vital force in undergarment fashions, turning Mary Green Enterprises into one of the most successful and trend-setting high-fashion lingerie firms. The high quality luxurious designs have become noted for bringing to the world of lingerie a vast and spectacular array of new colors, color combinations, prints and designs rarely found in this fashion genre.
The Mary Green/Mansilk designs have become a wardrobe staple for some of Hollywood’s most recognizable faces including Renee Zellweger, Jessica Biel, Jennifer Lopez, Eva Longoria and Kate Hudson. They are often featured on the top stars and starlets in films and leading television shows. The luxurious undergarments are displayed repeatedly in top fashion magazines around the world including InStyle, Vogue, Glamour, W, Vanity Fair, Cosmopolitan, Elle, Self, Essence, Marie Claire, Redbook, Allure and Lucky. Mary Green’s designs have also made their way to the O List, Oprah Winfrey’s personal recommendation of a product, considered the country’s most coveted and sought-after magazine placement.
Mary Green’s status as an international businesswoman has brought her invitations to serve on the Boards of Directors of top charitable and business organizations, including the Women’s Leadership Board at Harvard’s Kennedy School of Government. Her business and humanitarian accomplishments were accorded international recognition when she was honored with the prestigious Leading Women Entrepreneurs of the World Award. In 2006, Mary Green was invited to participate in China’s first high-end fashion trade show and was the only American lingerie designer present at this historic event. In 2008, along with the two founders of You Tube, she was accorded the Vision Award for world leadership. Her recent CILA Award wins have made her the only designer to have won the fashion industry’s prestigious trophy on two consecutive years in multiple categories.



http://www.madaninet.com/vb/watermark.php?src=http://www.marygreen.com/media/system/home_mary.jpg (http://www.marygreen.com/media/system/home_mary.jpg)


ومن الصورة المرفقة في موقعها (أعلى) ومقارنتها بصورتها التالية والتي تضمني معها، تظهر من ظهرها فقط وأنا واقف أمامها (الناس اللي على اليمين)،

تأكدت من أن هذه هي التي قابلتها قبل ما يزيد عن ثلث القرن رغم أن وجهها ليس واضحاً، وكذلك لأن عنوان مؤسستها في سان فرانسسكو والذي كانت اوراق خطاباتها المرسلة لي والمروسة تذكره، هو هنا ايضا في سان فرانسسكو.. فأرسلت لها رسالة عبر إيميل موجود في الموقع، وهذا نص الإيميل، لنرى ما إذا كانت ستتذكرني وترد علي..

Dear Lili,

I am an old friend of Mary Green, met her in Spain in 1977, I found your site, but I found no email for her, if you don't mind please forward this email to her..

Attached is a photo of her and myself, shoted by her husband Aaron Green in December 27, 1976 at Alhambra Palace in Granada, Andalus, Spain.

Best regards,




Omar Ghoulam Allah Vice Chairman Office Manager ROTANA Media Group
Tel: +966 12110000x2212 Fax: 966 12112166




وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة ..
</B></I>

عمر حسن غلام الله
07-27-2011, 05:20 PM
الحلقة الخامسة والثمانين

نواصل

الأندلس 9

تذكرت اسم كتاب ميري قرين، وهو (How to Be an Importer and Pay for Your World Travel).. وبعد أن ودعتني هي وزوجها عدت إلى الفندق.. ثم بالقطارغادرت غرناطة الجميلة التي رأيت فيها جمال الطبيعة وجمال المعمار الإسلامي القديم، ورأيت من على البعد الثلوج في قمة سيرا نيبادا- رغم أن اصدقائي الأمريكيين صعدوها وتزلجوا على ثلوجها حتى أصيبت إحداهن بنزلة برد- غادرت غرناطة وقصر الحمراء وجنة العريف بذكريات جميلة وصداقات جديدة..

كان القطار الذي استقليته يتكون من ثلاث عربات فقط (ذكرني بقطار الوحدة الذي كان يربط مدينة ود مدني بالعاصمة الخرطوم في ستينات وأوائل سبعينات القرن الماضي حيث كان يتكون من ثلاث عربات فقط وكان سريعاً جداً).. قطار اسبانيا هذا المتجه من غرناطة الى قرطبة توقف في محطة من المحطات ولاحظت ان كل من بقي من الركاب- وكانوا شخصين فقط، شاب وفتاة- نزلوا من القطار وتركاني وحيداً.. ثم جاءاني - او ربما جاءني الكمساري لا أذكر- وقالوا لي أن القطار سيتوقف هنا لفترة طويلة، ويمكنني استبداله بقطار آخر سيأتي بعد وقت قليل.. فقلت في نفسي أنا الآن (ماخد قطر طلب)، على وزن تاكسي طلب، بمعنى أنني الآن استقل كامل القطار وانا بمفردي، زي الواحد لما ياخد تاكسي طلب لوحده- وليس طراحه- يعني على حسابه.. لكن فكرة انزل وآخد قطار آخر حرمتني من تلك الميزة.. وأنا في القطار لوحدي في أحد محطات الأندلس تذكرت القطار الذي استقليته من مدريد الى فرنسا ثم إلى إيطاليا في صيف العام الماضي، وكيف أنه كان مزدحماً لدرجة انني كنت أنام في الممر الذي بنهاية العربة.. وكيف انه من الزحام كان هذا المكان الضيق ما بين جدار آخر قمره وما بين الفاصل بين العربتين، كان هذا المكان الضيق ينام فيه شخصي وبجانبي أمريكية تعرفت عليها في القطار- وكنا نرقد - وبريطانية جالسة ومتكئة على جدار القمرة الأخيرة ووجهها ناحيتنا ولم تجد مكان لترقد فيه، فظلت جالسة- مسكينة- وظهرها على جدار القمرة ورأسها على ركبتيها المرفوعتين بموازاة كتفيها.. وقد لاحظت أنها كلما أرادت أن تمد رجليها او ترفع ركبتيها الى أعلى رفعت تنورتها (الاسكيرت) الى أعلى وغطت بها ركبتيها وساقيها، ولكن عند الرفع ينكشف كل شئ قبل ان يغطي..

ثم غالبها النعاس فنامت.. ووصل طرف التنورة السفلي الى ركبتيها.. وكلما مر شباب فرنسيون- وكنا قد عبرنا الحدود الفرنسية- ورأوا المنظر أطلقوا من أفواههم صفارة تعجب.. حتى على الفرنسيين كان المنظر ملفتاً للنظر.. ومدعاة للصفير.. لم يكن من أعلى الركبتين وحتى القدمين شئ يسترها غير ورقة التوت.. وحتى ورقة التوت كانت تنحسر الى جانب كاشفة نصف ما كان يجب أن تغطيه.. وعندما رأت الأمريكية هذا المنظر أخذت بشكيري الصغير (الذي كنت أضعه على كتفي لزوم التنشيف بعد الغسيل أو الوضوء وأحياناً أضعه كمخدة) - وغطت به عيوني! يعني ما تعاين! ما عارف نظام غيره يا ربي واللا شنو؟ الغريب ان البريطانية كانت تستيقظ من حين لآخر وتعرف أنها مكشوفة على الآخر ولكنها لا تبالي فتعود الى نومها وكأنها في غرفة نومها وليس في عربة قطار مزدحم وعلى مقربة منها شاب لا يبعد عنها سوى سنتمرات، تساوي المسافة بين جنب شابة أمريكية وجنبها الآخر!

تذكرت كل ذلك وأنا استمتع بركوب قطار كامل لوحدي.. ثم هبطت منه وانتظرت الآخر، وركبته ووصلت الى قرطبة الفيحاء.. وتجولت في مسجدها الكبير والقصر واستمتعت بمنظر (الوادي الكبير) وقنطرته التي عبرتها بين ضفتيه، وهناك التقيت بسياح بيض يتكلمون الانجليزية فتعرفت عليهم- إذ من يتكلم الانجليزية في هذه المناطق كأنه أخوك او كأنه يتكلم معك بلهجة سودانية- وكانوا ثلاثة: زوج وزوجته واخته، من استراليا، قافن كول وزوجته صوفيا الاسترالية التي بها دم ايطالي او يوناني حسبما ذكر لي قافن، لذا كان لونها لون سكان البحر الأبيض المتوسط، اما قافن فكان ابيض شديد البياض وغليظ الجثة كثيف اللحية- رغم انه لا يؤمن بدين- وكان استاذا للرياضيات في استراليا، وشقيقته شقراء يكاد الدم يبان في جلدها، وشعرها أصفر.. وكانت طالبة ثانوي او شئ من هذا القبيل، أذكر انني سألته عن استراليا وعن موقعها من العالم (حضارياً ومدنياً) فقال لي انها في الدرجة التي بين امريكا واوروبا، اي أقل من امريكا وأحسن من أوروبا.. كان هو وزوجته لطفاء معي جداً، وكانت شقيقته حذرة او (مفترية) لذلك لم نتبادل كثير حديث انا وهي..

ورغم انهم كانوا غربيي الحضارة والثقافة وعديمي الديانة؛ فإنهم كانوا مؤدبين ومنضبطين في تصرفاتهم، على عكس شابين مغربيين التقيانهم هناك، فقد كان الشاب يلعب مع فتاته- التي قال للاستراليين انها صديقته- في الشارع حيث كان يتسلق ظهرها ونحن نسير، بينما الاستراليين يمشون مؤدبين رغم انهم زوج وزوجته..

سألاني عن وجهتي التالية بعد قرطبة فقلت لهم اشبيليه، فقالوا لي أنهم ايضاً متوجهين اليها، فدعاني قافن الى السفر معهم في سيارتهم إذا لم أكن أحمل عفشاً كثيراً (لأنني سأضعه على حجري إذ أن ضهرية السيارة ملأي بعفشهم)، وبما أنني كنت أحمل شنطة واحدة فقط فقد قبلت دعوتهم وشكرتهم عليها، واتفقنا على السفر في صباح اليوم التالي، وبالفعل جئتهم في المكان والزمان المحددين وركبت في المقعد الخلفي بجانب اخته بينما هو يقود السيارة وبجانبه زوجته.. وفهمت منهم ان السيارة شحنوها من استراليا واستلموها في اوروبا وعند انتهاء رحلتهم سيشحنونها الى استراليا ثم يركبون الطائرة.. وقد لاحظت ايضا انهم ما إن يصلوا الى مدينة حتى يذهبوا الى مكتب البريد ويتسلموا رسائل رغم انهم يكونون قد وصلوا هذه البلدة او المدينة لأول مرة في حياتهم، وسألتهم عن كيف يتم ذلك فقالوا لي ان هناك طريقة ان تصلهم الرسائل من ذويهم على مكاتب البريد في تلك المدن حيث يبعثون لأهلهم واصدقائهم خط سيرهم، فيرسل هؤلاء الرسائل الى بريد تلك المدن في وقت معين معلوم للطرفين، ولا يمكن ان يتأخر او يتقدم، فيذهب هو ويبرز جواز سفره فيسلمونه الرسالة.. ما تنسوا ان ذلك كان في العام 1976م!!

وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة ..

أبو عدى
07-27-2011, 06:27 PM
طال الانتظار اخى الفاضل الأستاذ عمر غلام الله
وها انت اخير تعود
وتتحفنا باحداث الرحلة المشوقة

نتطلع للمزيد من الحلقات حول الرحلة الماكوكية

احترامى و تقديرى لك

عمر حسن غلام الله
07-30-2011, 03:37 PM
طال الانتظار اخى الفاضل الأستاذ عمر غلام الله
وها انت اخير تعود
وتتحفنا باحداث الرحلة المشوقة

نتطلع للمزيد من الحلقات حول الرحلة الماكوكية

احترامى و تقديرى لك

العزيز عاصم

كنت في اجازة في ربوع شرق آسيا، وبالتحديد جزيرة الملايو، والتي هي ماليزيا..

لكم عاطر التحايا ورمضان كريم وكل عام وانتم بخير

قطار الشوق
08-03-2011, 12:10 PM
سرد جميل نتابع كلما تكتبه بشغف ولهفة بوووورك فيك

أبو عدى
08-03-2011, 04:10 PM
الف حمد الله على السلامة استاذ عمر
ويسعدنا عودتك من جديد حتى نكمل رحلة بن بطوطة , ولعل هذه الرحلة ايضا ستكون من ضمن رحلات بن بطوطة السودانى

رمضان كريم و كل عام وانت بالف خير

عمر حسن غلام الله
08-16-2011, 05:52 PM
الحلقة السادسة والثمانين

نواصل

الأندلس 10



بعد رحلة رائعة في ربوع الأندلس ووسط سهولها الخضراء وجبالها المزدانة بالأحراش الجميلة وقراها ذات البيوت المحدودبة سقوفها، وأبقارها وأغنامها التي ترعى في مراعي حديثة، وكنت لأول مرة أسافر في سيارة صغيرة، وكنت أتخيل أن السفر بالسيارة الصغيرة متعب والجلسة ستكون مؤلمة، ولكن وجدتها مريحة ربما أكثر راحة من البص.. ووصلنا إلى إشبيلية.. وبحث قافن كول عن فندق، ووجد فندق غالي نسبياً عن فنادق قرطبة وغرناطة، وسألني إن كان يناسبني السعر، فأجبته بالإيجاب رغم انه لم يكن في حساباتي ذلك السعر العالي، ولكن لكي أظل معهم وافقت، فأخذنا ثلاث غرف، واحدة له وزوجته وواحدة لشقيقته وواحدة لي- مش كان نوفر حق غرفه وناخد غرفتين بدل ثلاثة!- وكان الجو بارداً، وكذلك الغرفة، وفي الليل قال لي قافن انهم ذاهبون لحفلة (فلامنكو) وما إذا كنت أرغب الذهاب إليها، وبما ان التذكرة كانت غالية فاعتذرت وذهبوا وبقيت في غرفتي.. سيما واننا قادمون من سفر ولابد من التمدد في السرير بعد تلك الجلسة الطويلة في السيارة من قرطبة الفيحاء الى إشبيلية..

في الصباح تجولنا سوياً في الآثار الإسلامية مثل صومعة الخيرالدا التي ذكرتها في مقالي المذكور آنفاً، وكذلك الكاتدرائية الشهيرة في وسط اشبيلية.. لا أدري إن كنا بتنا ليلة أخرى في اشبيلية ام لا.. لكن بعد إنتهاء زيارتنا لإشبيلية غادرناها بسيارة أصدقائي الاستراليين الى الجزيرة الخضراء (الجزيراس أو الخسيراس) كما في اللغتين الإنجليزية والإسبانية، في طريقنا على ما أذكر مررنا بمدينة الزهراء، (لامدينا الزهرا) حسب نطقها بالإسبانية، ولم نتوقف فيها، وهي أيضاً من مدن الأندلس الإسلامية كما يبدو من اسمها.. طبعاً ما زالت الأندلس تسمى الأندلس، ويسمونه (أندلوثيا) أو أندلوسيا، وهو إقليم من أقاليم أسبانيا..

وصلنا الى الجزيرة الخضراء، وتناولنا طعامنا دجاج شوايه- لأول مرة آكل هذا النوع الذي وجدته فيما بعد في السعودية في أوائل الثمانينات- ومع نصف الدجاجة كانت شرائح البطاطس المحمرة بالزيت.. كان طعاماً لذيذاً جداً أو أنني كنت جوعاناً جداً.. فقد بدأت التهم الدجاجة والبطاطس بشراهة، ويبدو أن أحدهم أداني عين- سأخبركم فيما بعد كيف- وربما كان صاحبي الاسترالي الذي لاحظ ذلك قال لي أنك تأكل بسرعة، فقلت له لأنني جوعان..

عندما وصلنا الميناء علمت أن أصدقائي مسافرون للمغرب أيضاً، وكانت فرصة لي أن أسافر معهم حتى المغرب، ولكنهم آثروا ان يسافروا الى طنجة بينما رغبت انا العودة عن طريق سبته لأزور مرة أخرى اصدقائي في تطوان.. وافترقنا بعد ان شكرتهم وودعتهم وركبوا العبارة المتوجهة الى طنجة..

لم أنس أن استرد كاميرتي التي حبسها عني موظف الجمارك عند دخولي الأراضي الأسبانية هنا في الجزيرة الخضراء، وذهبت الى جمارك الميناء واسترددت كاميرتي التي لم استفد منها في تلك الأماكن السياحية الجميلة، ولولا آرون وميري قرين لما كانت تلك الصور التي نشرت بعضها هنا.. وتوجهت نحو العبارة المتوجهة الى سبته، وركبتها، وكانت صغيرة والمقاعد مرصوصة كما في البصات السفرية، ولكن صفوف كثيرة متجاورة، واتخذت أحدها مقعداً لي..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة ..

أبو عدى
08-16-2011, 09:08 PM
استاذى الفاضل غلام الله
انتظر هذه المداخلة منذ ايام ,
رمضان كريم و تصوم و تفطر على خير ,
آمل ان لا يطول غيابك و تحرمنا ابداعات قلمك

احترامى و تقديرى

عمر حسن غلام الله
08-21-2011, 05:03 PM
الف حمد الله على السلامة استاذ عمر
ويسعدنا عودتك من جديد حتى نكمل رحلة بن بطوطة , ولعل هذه الرحلة ايضا ستكون من ضمن رحلات بن بطوطة السودانى

رمضان كريم و كل عام وانت بالف خير

الله يسلمك يا أبا عدي

ويسعدني متابعتك لما أكتب

وبإذن الله ستكون رحلة ماليزيا ضمن رحلات بن بطوطة

كل عام وأنت ومن تحب بألف خير

عمر حسن غلام الله
08-21-2011, 05:22 PM
الحلقة السابعة والثمانين


نواصل


الأندلس 11



(مرفق صورة لي داخل إحدى القاعات في قصر الحمراء بغرناطة مؤرخة في 27/12/1977م، لاحظوا الكتابات العربية والزخارف في القاعة..
وصورة أخرى مؤرخة في 27/12/1977م، وأنا جالس في نافذة في قصر الحمراء وخلفي منظر حديقة غناء .. لاحظوا الكتابات العربية فوق الشباك.. وعلى جانبه..
والصورة الثالثة عن ميري قرين التي في المشاركة (الأندلس 8) والتي كتبت بها: من الصورة المرفقة في موقعها (أعلى) ومقارنتها بصورتها التالية والتي تضمني معها، تظهر من ظهرها فقط وأنا واقف أمامها (الناس اللي على اليمين)، والصورة لم تظهر في المشاركة المذكورة)

(معليش الصور جات متأخرة، لكن أن تأتي متأخرة خير من ألا تأتي!)

نواصل رحلة العبور من الأندلس الى المغرب:



وتحركت الباخرة، وبما أن الموسم كان شتاء فقد كان البحر هائجاً، رغم أنه كان مضيقاً وليس بحراً مفتوحاً، وبدأت الأمواج تلعب بالباخرة، فتعلو فوقها ثم تهبط، وبتكرار تلك الحركة بدأ الجميع يحس بدوار البحر، وبدأ الاكتئاب يبدو عليهم، ثم تحركت البطون، وما في البطون.. وبما أن المسؤولين عن البواخر يتوقعون مثل ذلك فقد وضعوا اكياس امام كل كرسي لتفرغ فيها ما في بطنك إذا استدعى الأمر.. وقد استدعى الأمر بالفعل.. وبدأ (العزف) فردياً ثم أضحى جماعياً، وتسابق الناس نحو الحمامات، ولكن عددها كان قليلاً مقارنة بالعدد الكبير للركاب، فصارت رائحة الباخرة لا تطاق، وامتلأت براميل النفايات الموضوعة بالباخرة بأكياس مليئة بمحتويات البطن غير المهضومة، ومنها دجاجة مشوية بالشواية وشرائح البطاطس المقلية بالزيت.. ما قلت ليكم أن أحدهم أداني عين!


قافن كول.. بعد أن فارقته في نهاية العام 1977، لم أسمع عنه، ثم ظهر ابتكار الانترنت، وتذكرت قافن، وقلت أبحث عنه في الفضاء الأثيري، فبحثت في محركات البحث، ووجدت مَنْ إسمه قافن كول ، ومن بينهم استاذ رياضيات، فتذكرت أنه ذكر لي مهنته تلك، فكتبت إليه إيميل أسرد له بعض تلك الذكريات ليؤكد لي أنه هو الذي كان طرفاً فيها، أو له الإعتذار إن لم يكن هو.. كان ذلك منذ عدة سنوات، وربما كانت في بداية الألفية هذه، أي كانت رسالتي له بعد أكثر من عقدين من الزمان منذ ذلك اللقاء.. ورد عليّ بأنه هو الشخص المعني، وسألته عن صوفي زوجته وعن أخته فقال انهما بخير، ومما أذكر قلت له في رسالتي توضيحاً للشخص الذي أعنيه أنه كان ملحداً، فقال لي في رده أنه ما زال كذلك، وقال لي أنه يتأسف لأنه يقول لي ذلك- تمنيت من كل قلبي أن يكون مسلماً لأن اخلاقه كانت أخلاق إسلام، فهو باسم المحيا ودوداً حيياً، وتفضل عليّ بفضل ظهر..


اقتربت العبارة من شاطئ سبته بعد ساعة من الإبحار في مضيق جبل طارق، وبعد تأرجحها فوق موج الشتاء العالي، وبعد توتر نفسي شديد.. وعندما وصلت الى رصيف الميناء دارت دورة شبه كاملة لكي تكون بوابة الخروج بموازاة الرصيف..ورغم أن هذه الدورة لم تأخذ غير دقائق معدودة إلا أنها كانت كالدهر بالنسبة لي.. ثم توقفت أمام الرصيف وفتحت الأبواب وهبطنا إلى الرصيف.. ما أحلى الأرض.. ما إن وطأت أقدامي أرض الميناء حتى أحسست بالأمان وبالراحة النفسية.. معهم حق أهلنا في السودان يسمون الأرض (الجابرة)، وأهلنا في المغرب يسمونها (الرحبة).. ولا تحس بقيمتها إلا حينما تكون خارجها في بحر او في جو، سيما إذا مررت بمثل الظروف التي مررنا بها للتو..


تجولت في سبته الجميلة قليلاً، وفيها قابلت أستاذي في جامعة محمد الخامس الدكتور موسى عبود- اللبناني الجنسية- وزوجته الاسبانية، وسلمت عليهما، وهو أستاذ القانون الدولي الخاص- قانون الجنسية- وهو يدرّس في المغرب وفي اسبانيا وفي لبنان، وكان عمره فوق السبعين أيامذاك.. ثم ركبت البص المتوجه الى تطوان الجميلة حيث اصدقائي آل محفوظ..


ذكرت لكم سابقاً أن حصيلتي من اللغة الاسبانية ازدادت منذ رحلتي السابقة في يوليو 1976 فاستفدت منها في رحلتي الأخيرة هذه، وكان أن حفّظني احمد محفوظ جملاً وكلمات ضرورية للتعامل بها في اسبانيا.. كان احمد الابن الثالث لآل محفوظ، اكبرهم عبد الوهاب، والذي يليه هو مصطفى زميلي في جامعة محمد الخامس- كلية الطب، وثالثهم احمد الذي التحق فيما بعد بكلية الآداب- قسم اللغات، ورابعهم حسن وخامسهم هشام.. في رحلتي الأخيرة الى ماليزيا، وفي جزيرة لانكاوي قابلت بالصدفة البحتة صديقنا المشترك وإبن تطوان ايضاً وزميل دراستنا في نفس الجامعة وفي كلية الآداب قسم الفلسفة الأمين بوخبزه- وقد جاءت سيرته في مقالي المنشور بجريدة "المستقلة"، وهو بن عم زوجة مصطفى محفوظ- التقيته بالصدفة في جزيرة لانكاوي الماليزية في شهر يوليو المنصرم 2011م وهو يشارك في لقاء برلمانات الدول الإسلامية، وفي عجالة أعطاني أخبار المغرب وخاصة تطوان، وكانت الأخبار قد انقطعت لضياع رقم مصطفى محفوظ مني، حيث كانت آخر زيارة لمصطفى لبيتي في السعودية في العام 2006 حينما جاء للعمرة..


وفجر بوخبزه القنبلة في وجهي.. لقد رحل احمد محفوظ عن دنيانا منذ عامين إثر ورم في الدماغ، ولحقه شقيقه هشام منذ نحو ثلاثة أشهر إثر جلطة أصابته.. لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون ونسأل الله أن يتغمدهما ووالديهما برحمته ويجعل مثواهم الجنة..


صورة أحمد تجدونها في مشاركتي حول زيارتي لفاس..


وانتهت رحلة الأندس


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة ..

عمر حسن غلام الله
09-11-2011, 06:58 PM
الحلقة الثامنة والثمانين

نواصل

الأندلس (ملحق)


بعد انتظار طويل وصلني رد رسالتي لميري قرين، وكنت أتوقع الرد وإن كان قد طال الانتظار والترقب.. فالأمريكان لا يطنشون أبداً، وكنت متأكداً أن الذي وجدته في النت- وهو موقعها وشركتها- لابد ان يكون صحيحاً، ورغم انني لم أجد عنوانها شخصياً في الموقع إلا أنني أرسلت الرسالة عبر الإيميل المتوفر وهو يخص موظفة في شركتها.. فرحت جداً بالرد، لا سيما وأنه تضمن معلومات هامة سأشرحها حين أترجم لكم رسالتها:


________________________________________
From: Mary Swig
Sent: Saturday, September 10, 2011 10:38 AM
To: ( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى ) ( ( تم حذف البريد لأن عرضه مخالف لشروط المنتدى ) )
Subject:

Dear Omar - how amazing to hear from your after, literally, decades!!!sorry for the delay in responding- our daughter was married on august 20 and for several months that seemed to be all I could do- the planning!!

Of course I remember who you are. I have remarried and have told my husband - Steve - about out encounter many times. It had a powerful Impact on me that has endured for decades. He very much wants to go to the Alhambra with me.

Tell me what you are doing now? My memory was that you were a student. I remember that you were reading the arabic inscriptions on the walls.

I have been married to Steven for 27 years. We have a wonderful daughter Samantha - 26 years old - who married a few weeks ago to the man of her dreams. My other daughter has three sons aged 9, 7 and 4. They are, of course, perfect - as all grandchildren are!! My business still goes on. I remember that you lived in the Sudan?? So much happening there. It turns out that I have discovered that one of my great great aunts - who was a nun - was a missionary there in the late 1800s - amazing really. I have several original letters from her about her time there written while she was there . Remarkable that they survived I think.

I would love to hear from you about what you are doing and how your life is. Thank you so much for persevering and getting in touch with me. As I said I have never forgotten you.

With warm regards
Mary



وإليكم الترجمة:


عزيزي عمر

من المدهش أن أسمع عنك بعد عقود!!! آسفة للتأخير في الرد- والسبب أن ابنتنا تزوجت في 20 أغسطس ولعدة أشهر بدأ لي أن كل ما يمكن فعله هو التخطيط لهذا العرس!!

بالطبع أتذكر من أنت. وقد تزوجتُ مرة أخرى، وقد أخبرت زوجي-ستيف- عدة مرات عن اللقاءات التي حدثت في الخارج والتي كان لها تأثير قوي على نفسي الشئ الذي أعانى منه لعقود. لذلك ستيف يود كثيرا الذهاب إلى الحمراء معي.


أخبرني ماذا تعمل الآن؟ في ذاكرتي أنك كنت طالب. وأذكر أنك كنت تقرأ الكتابات العربية على الجدران.


تزوجت ستيفن منذ 27 عاماً. لدينا إبنة رائعة سامانثا-عمرها 26 عاماً-التي تزوجت قبل بضعة أسابيع إلى فتى احلامها. ابنتي الأخرى لها ثلاثة أبناء أعمارهم 9 و 7 و 4 وهم بالطبع حلوين-شأنهم شأن جميع الأحفاد!! أعمالي لا تزال مستمرة.


أتذكر أنك كنت تعيش في السودان؟ يحدث الكثير هناك. تبين أنني اكتشفت أن واحدة من العمات القديمات -التي كانت راهبة- كانت تبشيرية هناك في نهاية القرن التاسع عشر- شئ مذهل حقا. لدي عدة رسائل أصلية منها حول أيامها هناك كتبتها حين كانت هناك. وأعتقد أن الشئ الرائع أن هذه الرسائل بقيت لحد الآن.


أنني أحب أن أسمع منك عما تعمل وكيف الحياة الخاصة بك. شكرا جزيلا للمثابرة على الإتصال بي. وكما أسلفت فإنني لم أنساك ابدأ.


مع تحياتي الحارة
ميري




وأهم ما أود قوله في هذه الرسالة تلك الرسائل التي تحتفظ بها ميري والتي كانت من عمتها التي عاشت في السودان في نهاية القرن التاسع عشر.. لذلك سأحرص على طلب الحصول على نسخ منها علها تعطينا شيئاً من تاريخ المنصرين الأمريكان في السودان في ذاك الزمان..


والملاحظة الثانية أن صديقي آرون- زوجها في ذلك الزمان البعيد (1976) قد فارقها لتتزوج من آخر، ولم تعطيني أي اخبار عن آرون..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة ..

أبو عدى
09-12-2011, 06:47 AM
الف حمد الله ع السلامة أستاذنا الفاضل عمر غلام الله
سرد رائع با أكثر من رائع , حلقات مليئة بالإثارة ,
مرور و تزكير فقط
ما زلت هنا وما زلت اتابعك بشغف

احترامى و تقديرى لك بلا حدود

عمر حسن غلام الله
09-12-2011, 05:45 PM
الف حمد الله ع السلامة أستاذنا الفاضل عمر غلام الله
سرد رائع با أكثر من رائع , حلقات مليئة بالإثارة ,
مرور و تزكير فقط
ما زلت هنا وما زلت اتابعك بشغف

احترامى و تقديرى لك بلا حدود

العزيز أبا عدي

أنت دائماً مجاملني وبتقرا لي وبتشارك في البوست، الله يجزيك خير.. ويديك العافية ويحفظك ويحفظ من تحب..

أعود قليلاً لرسالة ميري واقتبس منها هذه الجملة:

http://www.madaninet.com/vb/watermark.php?src=images/Quotes_Blue/quot-top-left.gifاقتباس:http://www.madaninet.com/vb/watermark.php?src=images/Quotes_Blue/quot-top-right.gifhttp://www.madaninet.com/vb/watermark.php?src=images/Quotes_Blue/quot-top-right-10.gifوأذكر أنك كنت تقرأ الكتابات العربية على الجدران. http://www.madaninet.com/vb/watermark.php?src=images/Quotes_Blue/quot-bot-left.gifhttp://www.madaninet.com/vb/watermark.php?src=images/Quotes_Blue/quot-bot-right.gif

يبدو أن هذه الملاحظة راسخة في ذهن صاحبتنا ميري، فقد أوردتها في رسالتها هذه، ولو تذكرون كنت قد كتبتُ في الحلقة الثامنة والسبعين من رحلات بن بطوطة:

(وقضية اللغة تذكرني بسؤال طريف ألقته عليّ إمرأة أمريكية حينما رأتني مندمجاً في كتابة ما خُط على الجدران في مذكرتي؛ قالت لي: هل تستطيع أن تقرأ هذا؟ وعندما أجبتها بالإيجاب أردفت قائلة: وكيف تقرأه وهو مكتوب قبل قرون عديدة؟ قلت لها إن هذه اللغة المكتوبة هنا هي نفسها التي نستعملها اليوم، فارتسمت الدهشة على وجهها وعبرت عنها بقولها : "مدهش!".. وكنت فخوراً جداً وأنا أترجم وأشرح الكتابة التي على الجدران حتى حسبني الكثيرون مرشداً سياحياً، وكنت أجتهد في تعريف الأجانب بماضينا التليد.. )


من المؤكد أن السائلة أعلاه لم تكن هي ميري، لأن ميري قابلتها لأول مرة خارج قاعات وغرف قصر الحمراء، في موقف السيارات، بالتالي ملاحظتها المرسلة بالإيميل اليوم هي نفس ملاحظة الأخرى منذ 35 عاماً، وربما كانت ميري قد رأتني داخل القاعات وأنا اقرأ المكتوب للسياح وأسجله في مذكرتي قبل أن تتعرف عليّ هي وزوجها فيما بعد خارج قاعات ومباني القصر.. بالتالي فإن الغربيين يستغربون أن أحداً ما يمكن أن يقرأ المكتوب منذ ألف عام.. ويبدو لي أن الإعلام العربي مقصر في هذه الناحية.. عموماً أشكر الله أنه قيضني لأزيل بعض الجهل في هذه النقطة أيامذاك في الأندلس- الفردوس المفقود!

أبو عدى
09-12-2011, 09:27 PM
اخى الفاضل الأستاذ عمر ,

ان جاز لى التعبير عما يجوش بخاطرى وانا اقرأ لك هذه السلسلة الجميلة والشيقة , قد أخطأ فى التعبير , و تقصر الكلمات فى التعبير عن المتعة التى اجدها , وانا اتنقل بين اسطر هذه الحلقات ,
رغم ان تعقيبى يخل بالتسلسل و ترتيب الأحداث والحلقات , ولكن تأبى نفسى الا وان تعبر عن قليل من كثير ,
فهى ليست مجاملة اخى الفاضل الاستاذ عمر , هذا مجرد امتنان من شخصى الضعيف و تعبير عن قليل من كثير عن واقع حقيقى ومتعة حقيقية اجدها بين حنايا حروفك الشجية و بين احداث السلسلة المثيرة ,

احترامى و تقديرى لك

عمر حسن غلام الله
10-03-2011, 06:38 PM
الحلقة التاسعة والثمانين

نواصل

المغرب مرة أخرى

بعد عودتي من رحلة الأندلس استقررت في الرباط مندمجاً في الكلية والمذاكرة.. فقد كانت السنة الدراسية الثالثة والأخيرة لي.. كانت معظم المحاضرات في مقر الكلية الرئيسي بأكدال، وأحياناً كنت أتردد على المقر الجديد في السويسي قرب الحي الجامعي، وكنا قد عاصرنا بناء تلك المباني ذات الثلاث طوابق، والتي بنيت بنظام التركيب- أي يؤتى بالجدران والأسقف جاهزة البناء من مكان آخر ويتم تركيبها الى بعضها البعض لتكون قاعات وغرف ومكاتب- وكانت تلك طريقة غريبة في الهندسة في ذلك الزمان.. ولا أذكر إن كنا قد حضرنا فيها محاضرات أم لا، ولكني أذكر اننا كنا ندرس الدروس التطبيقية في قاعات صغيرة (فصول) في أحد المعاهد في أكدال، وكانت الدروس التطبيقية يعطيها اساتذة مساعدون لمجموعات صغيرة من طلاب الدفعة..

يوم 17 يناير احتفلت بعيد ميلادي الثاني والعشرون، ودعوت الأصدقاء المقربون، ودعوت زميل جديد سمعت أنه يغني، فقلت لعلنا نحتفل بعيد ميلادي مع الطرب والغناء والفرفشة، كان ذلك الطالب يسمى عز الدين عبد الماجد.. ولكن في يوم عيد ميلادي ذاك سقطت أمطار حالت دون حضوره.. وقد كتبت في مذكراتي التي أحرص أن أسجل في كل ذكرى ميلاد ما حدث في العام المنصرم، كتبت أنه ربما يغني في هذا اليوم فنان سيكون له شأن، وبالفعل كان لعز الدين عبد الماجد شأن في مجال الغناء، وقد حضرت له بروفه في التلفزيون بعيد العام 1978 وربما في العام 1979م في منافسات مهرجان الشباب، وقد كنت برفقة خالي المرحوم علي ميرغني العازف المعروف فيما كان يدرب عز الدين وإنعام صالح وحنان الصغيرة..

أرفق صورة تضم الفنان عز الدين عبد الماجد وهو يمسك بالرق، وثلاثة (يبشرون) فيه، هم من اليمين:محمد أبكر إبراهيم، ثم شخصي وقد غطت يد محمد أبكر وجهي، ثم جمال دهب، ويبدو جالساً فيصل الحلفاوي، وفي الجدار توجد بوسترات فيها كتابة وفيها تاريخ (يوليو 1978) لو كان التاريخ صحيحاً فلربما كان حفل وداع للدفعة الأخيرة، لأن يوليو هذا ليس فيه مناسبة وطنية تخص السودان..


http://www.madaninet.com/vb/highslide/graphics/warning.gifhttp://www.madaninet.com/vb/watermark.php?src=http://www.sudaneseonline.com/uploadpic11/june/IzzadinAbdulmajid1.jpg (http://www.sudaneseonline.com/uploadpic11/june/IzzadinAbdulmajid1.jpg)



في هذا اليوم أيضاً فاجأني الزميل عبد اللطيف بالحضور بدون دعوه، حيث كنا متخاصمين، فأكبرت فيه ذلك وسلم عليّ بالأحضان، رغم أن الخصام طال، والغريبة ان المفروض من يخاصمني ليس هو وإنما النور، حيث يتعلق الموضوع بجكسويته هو وليس عبد اللطيف، وكل الموضوع انه تآمر جكسويات مغربيات وفتنة منهن.. ونجحن في تلك الفتنة بيني وبين عبد اللطيف، إلا أن النور من وقتها فهم اللعبة وتجاوز الحاصل، ثم دفع عبد اللطيف للمجئ الى غرفتي في يوم عيد الميلاد، وكان ذلك موقفاً لا أنساه له.. انتبهو يا سادة من مؤامرات بنات حواء..

بمناسبة الاحتفالات وجدت صوراً من بينها صور لحفل فيه أعضاء السفارة السودانية بالمغرب، ويبدو أنها كانت بمناسبة عيد الاستقلال أو مناسبة أخرى لم أعد أذكر، وعلى ما أذكر كانت في الحي الجامعي السويسي الأول.. وأوردها هنا


http://www.madaninet.com/vb/highslide/graphics/warning.gifhttp://www.madaninet.com/vb/watermark.php?src=http://www.sudaneseonline.com/uploadpic11/june/OmarsudanFaisal001.jpg (http://www.sudaneseonline.com/uploadpic11/june/OmarsudanFaisal001.jpg)


في أقصى يمين الصورة ولا يظهر غير جزء من شعرها وجانب منها، هي عائشة عمر، ثم في واجهة الصورة بعدها فيصل الحلفاوي، ثم عبد الله الحلفاوي، ثم جمال دهب (الحلفاوي برضو)، ثم شخصي عمر حسن غلام الله، ثم شخصين واقفين خلفهم لم أتعرف عليهم، ثم جالساً خلفهم عمر الإمام النور، ويبدو الذي يلبس قميص أحمر ولا نرى إلا ظهره أنه عز الدين عبد الوهاب، ثم محمد المنير حماد..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة ..


</B></I>

أبو عدى
10-04-2011, 08:12 AM
أيام لها إيقاع

لفت نظرى تلك التسريحة العصرية التى كانت تسود فى تلك الحقبة الزمنية

عمر حسن غلام الله
10-04-2011, 07:00 PM
الصورة المرفقة في نفس الاحتفال المذكور أعلاه، وفي واجهة الصورة اثنان من أعضاء السفارة ثم شخصي الضعيف- عمر حسن غلام الله- الخنفس المضيقها بالبدلة والكرافتة، وخلفي مباشرة- أبو عمه وجلابيه- عمنا المرحوم إبراهيم النيل، وهو مقيم من قبل مجيئنا للمغرب بعدة سنوات، وهو من قيادات حزب الأمة السوداني، وكان تاجر سلاح في المغرب، وهو زوج نور الشام عبد الله عبد الرحمن نقد، إبنة زعيم حزب الأمة بمدني، وشقيقة زميلتنا فاطمة التي جاءت ونحن في السنة الثانية او الثالثة، وتظهر في الصورة بالثوب السوداني البرتقالي اللون، وعلى يمينها يبدو وجه عائشه عمر الخبير، وأمام فاطمة أحد أعضاء السفارة الذي على يساره عثمان عمر رضوان الإداري بالسفارة، ويبدو وراءه من جهة كتفه اليسار زميلنا عمر الإمام النور.. والوجه الذي يظهر خلف المرحوم ابراهيم النيل هو حمو (على ما أظن) يجاوره سيف الدولة عبد المنعم، يجاور سيف وعلى يساره أيضاً زميلنا جمال ميرغني الذي يغطي جزء من وجهه وجه عائشه..

عمر حسن غلام الله
10-05-2011, 05:16 PM
اخى الفاضل الأستاذ عمر ,

ان جاز لى التعبير عما يجوش بخاطرى وانا اقرأ لك هذه السلسلة الجميلة والشيقة , قد أخطأ فى التعبير , و تقصر الكلمات فى التعبير عن المتعة التى اجدها , وانا اتنقل بين اسطر هذه الحلقات ,
رغم ان تعقيبى يخل بالتسلسل و ترتيب الأحداث والحلقات , ولكن تأبى نفسى الا وان تعبر عن قليل من كثير ,
فهى ليست مجاملة اخى الفاضل الاستاذ عمر , هذا مجرد امتنان من شخصى الضعيف و تعبير عن قليل من كثير عن واقع حقيقى ومتعة حقيقية اجدها بين حنايا حروفك الشجية و بين احداث السلسلة المثيرة ,

احترامى و تقديرى لك

العزيز أبا عدي

لك دوماً التقدير والتجلة.. فما زلت تتابعني وتشجعني.. ولك سأكتب..

دمت بكل الود

عمر حسن غلام الله
10-09-2011, 04:11 PM
الحلقة التسعون

نواصل

المغرب .. السنة الأخيرة


يبدو أنني أتثاقل في الكتابة لكي لا أغادر المغرب الحبيب! فكما تلاحظون لي مدة لم أكتب في هذا البوست، وإذا كتبت فموجز، والسبب أن هذه هي السنة الأخيرة لي في المغرب أبان الدراسة، بل إنها الشهور الأخيرة.. وكأن نفسي تأبى- بأثر رجعي لثلث قرن- أن تغادر المغرب.. وبالفعل قلت مرة لزملائي في السنة النهائية لي بالكلية: لا أريد أن أتخرج.. أريد أن أكرر (أعيد) السنة الأخيرة هذه حتى لا أفارق المغرب.. فنصحني هؤلاء الزملاء بألا أفعل.. فقد تكون لي سبباً في عدم النجاح فيما بعد، وأكون كما قال وردي: (براي سويتا في نفسي).. لذلك عدلت عن الفكرة، وفكرت في خيار آخر هو العمل بعد التخرج في المغرب نفسها، وبالتحديد في تطوان التي أحب..

جاء وقت الامتحان فجلست لامتحانات التحريري كالمعتاد، ونجحت، ثم بعد شهر جلست لامتحان الشفوي، وأذكر انه كانت من ضمن الشفوي مادة العرض والمناقشة، وكان أستاذ المادة هو الدكتور العراقي سهام شاكر شلال، وهو قادم من امريكا التي أمضى فيها 13 عام كما قال، وكانت لجنة الامتحان تتكون من الدكتور سهام واثنين من الأساتذة أحدهم كان أستاذاً لنا في أحد مواد الدروس التطبيقية، وكنت في أثناء العام دائم النقاش معه حول الشأن السياسي، وكنت أدافع عن الإسلاميين فيما يبدو هو يدافع عن اليسار واليساريين، وكانت الموضة في السبعينات موضة اليسار والإشتراكية، ونقيضها الممقوت هو الإمبريالية، فكان اليساريون يصنفون من لا يؤيدهم بأنه إمبريالي.. وهذا ما يبدو أنه كان يظنه بي استاذي- نسيت إسمه- وكان أثناء مناقشتي من قِبل اللجنة يقرأ في جريدة، وواقع الحال أنه كان يستمع لما يدور، لأنه عندما جاء دوره ليسألني، قال لي: أنك قلت بالحرف الواحد كذا وكذا وأنا أعرف موقفك من هذه القضايا، موقفك واضح، فضحكت وقلت له نعم، موقفي واضح، وقلت في نفسي (خربانة خربانة، خليني أموت بشجاعة)، وعلى ما أذكر كانت العبارة التي قلتها ولفتت نظره هي متعلقة بأمريكا والإمبريالية، حيث انتقدتها، ويبدو انه حسب ما صنفني فيه يستغرب مهاجمتي للإمبريالية.. والحمد لله لم يكن سبب خلافي الإيديولوجي معه قد أثر على نتيجة امتحان المادة، بل على ما أذكر تحصلت فيها على درجة كويسة، وكان أستاذ المادة لطيفاً معي، فيوم وصوله الى الكلية لأول مرة، وفي أول محاضرة له شرع يسرد لنا المراجع بالعربية، ثم بالإنجليزية وكنت استوقفه لأتأكد من اسم المرجع باللغة الانجليزية، ولم يكن الطلاب المغاربة يعرفون الانجليزية لذا لم يكترثوا بالمراجع الانجليزية، وهذا جعله يتعرف بي، وذكر لي خارج المحاضرة أنه يذكرني إذ كنت استوقفه لأكتب اسماء المراجع الانجيلزية..

وعلى ذكر المناقشة مع الأساتذة ولكن خارج قاعات المحاضرات ومجالس الامتحانات، فقد سألت الدكتور إبراهيم دسوقي أباظة، وهو استاذ قانون مصري معروف، وكان يدرسنا مادة المالية العامة، ومادة القانون الاقتصادي، وقد أفرد جانباً منه للنظرية الماركسية في الاقتصاد وانتقدها، كذلك أورد لنا بعض نصوص الدستور السوفيتي الذي يبيح ممارسة الأديان، ثم في المادة التالية يبيح محاربة الأديان.. وقد سأله طالب هل أنت يا دكتور من الأخوان المسلمين فكان رده: (أنا مع كل فكر أصيل وضد كل فكر دخيل)، وعندما انتهت المحاضرة وخرجنا من القاعة سألته إن كان كما يقول فلماذا لم يكن مع الأخوان؟ فسرد لي بعض أخطاء الإخوان ومن ضمنها مقتل الهضيبي أو الدهبي لا أذكر..

وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة ..

عمر حسن غلام الله
10-12-2011, 03:21 PM
الحلقة الحادية والتسعون


نواصل

المغرب .. الإمتحانات الأخيرة


من أساتذتنا في جامعة محمد الخامس الدكتور عبد الله إبراهيم رئيس حزب الإستقلال وأول وزير أول (رئيس وزراء) للمغرب بعد الإستقلال وعلى ما أذكر كان يدرس لنا مادة المدخل لدراسة القانون، والدكتور أمل جلال وهو مغربي وأظن أنه أصبح من السياسيين وزعماء الأحزاب الآن، والدكتور رشدي فكار المصري المعروف وعالم الفلسفة، بل إنه كان يترأس مؤتمرات فلاسفة العالم، وكان يدرس لنا مادة علم الاجتماع (السوسيولوجي)، وكان محبوباً جداً من الطلاب سواء في قسمنا أو من الأقسام الأخرى فقد كان هؤلاء يزاحموننا في قاعتنا لحضور محاضرته فتمتلئ القاعة تماماً بالطلاب من الأقسام الأخرى بما فيها الأقسام التي تدرس بالفرنسية، فقد كان يحكي الطُرف وكان له أسلوب فكاهي محبب، وكان لبسه يدل على أنه فيلسوف لا يكترث للزينة ولا للأناقة، وأذكر من عباراته التي كان يرددها عندما يطلب منه الطلاب راحة أثناء المحاضرة – التي عادة ما تكون ساعتان أو أكثر- فيقول لهم: أنتم في حاجة إلى الراحة من الراحة!

ومن أساتذتنا الدكتور عاصم وهو مغربي أيضا وكان يدرسنا قانون الشغل، والدكتور الخمليشي استاذ القانون الجنائي، والدكتور محمد ميرغني وهو مصري نوبي وكان يدرسنا مادة القانون الإداري، وقال لنا من بداية السنة الدراسية أنه سيفهمنا المادة، وقد فعل، وقد أحرزت فيها أكبر درجة مقارنة ببقية درجاتي في المواد الأخرى.. وكان صديقاً للحلفاويين زملاءنا حيث كان يرطن رطانتهم، والدكتور البوزيدي كان يدرس لنا مادة القانون الدستوري، والدكتور المصري محمد بنونه الذي قال لنا مرة أنه أصلاً مغربي هاجر جده الى مصر حيث استقروا هناك.. وأذكر أنه في نهاية العام كان كثير المرض، ومرة أرسل إبنه الأصغر إلى الكلية لإيصال رسالة خاصة بالإمتحان، وصادفته في مدخل الكلية وسلمني الرسالة، فكتبتها على سبورة القاعة، وعقب الامتحانات وقبل أن نغادر المغرب نعى الناعي الدكتور محمد بنونه رحمه الله رحمة واسعة..

كما أسلفت جلسنا لامتحان التحريري ونجحت والحمد لله، ثم جلسنا لامتحان الشفوي ونجحت كذلك والحمد لله، وفرحت بالنجاح وفرحت أنني سأعود الى أهلي بعد غياب عامين، ولكن حزنت لفراق المغرب الجميل.. وكان استلام الشهادة من شباك في الكلية خلف المدرجات، نقف في زحمة خارج الشباك ليسلمنا الموظف من ورائه الشهادة.. لا احتفالات ولا حفلات ولا روب تخرج ولا تصوير ولا شهادة جدارية لتعليقها في المنزل، فقط شهادة ورقية، من ورق خفيف، فيها المعلومات الأساسية وكلمة ناجح والسنة الدراسية والتقدير (الدرجة) وعبارة: (لا يستخرج من هذه الشهادة إلا نسخة واحدة)، ثم توقيع الشهادة من عميد الكلية، وكان عامذاك محمد بنونة (ليس استاذنا الذي توفيّ في نفس العام) وتطابق الأسماء يؤكد ما قاله لنا المرحوم بأنه أصلاً من المغرب، كذلك فإن إسم (بنونه) نادر في مصر، ومن شباك آخر وفي وقت آخر تحصلنا على تفاصيل درجات المواد.. ولم أنس أن أسجل في السنة الأولى من دبلوم الدراسات العليا- ويسمونه هناك السلك الثالث- وهو يعادل الماجستير.. واستلمت شهادة التسجيل، وما زلت احتفظ بها، ولم يسعفني الحظ لمواصلة الدراسة بسبب عبارة واحدة قالها لي أحد أقربائي عندما جاء إلى منزلنا وسلم عليّ وبارك لي التخرج وسألني ماذا ستفعل بعد التخرج قلت له سأواصل دراستي، فقال لي: (يا ولدي أبوك ده ما راجيك)! وكانت عبارته – رحمه الله ورحم الله والدي- هي القاصمة، فصرفت النظر عن الرجوع للمغرب، وبحثت عن العمل، واشتغلت بالبالكالوريس، وبعد ربع قرن التحقت بماجستير في جامعة الجزيرة!!

نعود الى المغرب وإلى الإجازة في الحقوق فرع العلوم السياسية (هذا مسمى شهادتنا التي تخرجنا بها) حيث قمنا بجولة لتوثيق الشهادات، من مكتب إلى آخر ومن وزارة التعليم العالي إلى وزارة الخارجية.. عدد كبير من الأختام والتوقيعات على ظهر الشهادة، والملاحظ أن استخراج الشهادة وتوثيقها كل هذه التوثيقات لم ندفع رسوم إلا في مرة واحدة وفقط مبلغ بسيط جداً ربما 12 درهم- فهمنا فيما بعد أن دفعنا له خطأ وما كان المفروض ان يطلبوه منا- عجيب أيها المغاربة، ندرس مجاناً ونُمنح منحة شهرية، ونسكن في الحي الجامعي برسوم رمزية، ونأكل في المطعم الجامعي برسوم رمزية أيضاً، ونسافر في رحلات ترفيهية برسوم رمزية، ولا ندفع شيئاً في استخراج شهاداتنا، ولا أي ورقة أخرى.. ونجد كل احترام وتقدير من المجتمع ومن الحكومة.. تالله ما أروعك يا المغرب، يا مغرب الأحباب (والأحباب في الدارجة المغربية تعني الأهل) ..

وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة..

أبو عدى
10-12-2011, 11:46 PM
لك التحية والتجلة اخى الفاضل الأستاذ عمر غلام الله
على هذا السرد الاكثر من رائع
ما زلت هنا انهل من فيض كلماتك
واتجول بين حدائق احرفك الوارفة ,
لا عدمناك ولا عدمنا جديد ابداعاتك اخى الفاضل غلام الله

عمر حسن غلام الله
10-13-2011, 01:46 PM
لك التحية والتجلة اخى الفاضل الأستاذ عمر غلام الله
على هذا السرد الاكثر من رائع
ما زلت هنا انهل من فيض كلماتك
واتجول بين حدائق احرفك الوارفة ,
لا عدمناك ولا عدمنا جديد ابداعاتك اخى الفاضل غلام الله

عشت ودمت أخي الكريم أبا عدي

وأخجلت تواضعي

عمر حسن غلام الله
10-22-2011, 03:23 PM
الحلقة الثانية والتسعون


نواصل


وداعاً مغرب الأحباب



كان لي زميل مصري اسمه محمد سيد القالع، وكنا نحن السودانيين نقول للمصريين زملاءنا دوماً أن السودانيين شعب مضياف، فقال لي سأثبت لك ان المصريين ايضاً شعب مضياف، ودعاني لزيارتهم في مصر، كذلك صديقي النوبي مجدي عواض الذي سبق ذكره دعاني لزيارتهم في القاهرة.. لذلك كان خط سيري هذه المرة من المغرب الى السودان يمر عن طريق القاهرة، لذلك قطعت تذكرة الرباط القاهرة الخرطوم..


وبعد ظهور النتيجة وانتهاء العام الدراسي أغلق الحي الجامعي أبوابه، فنقلت الى أصدقائي البربر في شقتهم بحي المحيط- شارع مدغشقر- وبما أنها قريبة من وسط المدينة حيث السويقة وشارع محمد الخامس فقد تسوقت للسفر بارتياح، واشتريت ما استطعت شراؤه مما توفر لدي من المنحة المغربية هدايا للأهل بالسودان، بالإضافة لما كنت قد اشتريته من تطوان من بضائع اسبانية..


حددت موعداً لسفري الى القاهرة يوم 6/8/1978م (ذكرى إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما اليابانية)، وفي آخر ليلة لي بالمغرب كنت في شقة اصدقائي ولم يكن يوجد غير أحمد نور الهدى العسكري في الجيش المغربي، ثم جاءت صديقة له فأنكرها وأبعدها عنه وقال لها إنه لم يعد يريدها وأنه ينتظر أخرى، وكالمعتاد تمسكت به إلا أنه لم يتراجع وقال لها إذا إردت وإذا أراد السوداني إذهبي له.. وبالفعل وصلت الأخرى فاقتنعت الأولى.. ونفذت وصيته وليتها لم تفعل.. وستعلمون لماذا عندما أصل الى أرض الكنانة.. المهم قضيت الليلة الأخيرة لي بالمغرب بالغرفة الأخرى وصديقي احمد والأخرى في غرفته.. وقالت لي إنها تريد ان تشتري شيئاً، فأعطيتها عشرة دراهم او خمسة لا أذكر.. و.. كان ما كان وبتنا كلنا..


في صبيحة اليوم التالي توجهت للمطار حيث استقليت الطائرة المتوجهة الى القاهرة مودعاً مغرب الأحباب بعد ثلاثة سنوات إلا ثلاثة أشهر كانت من أجمل سني عمري، حاملاً شهادة الإجازة في الحقوق فرع العلوم السياسية، وفوقها أجمل الذكريات والتجارب الجميلة وحب المغرب وأهل المغرب وتجوال جميل في دول البحر المتوسط؛ اسبانيا وفرنسا وإيطاليا.. وتحركت الطائرة على مدرج المطار، وتجاذبتني مشاعر شتى، فرح للقاء اهلي وأصدقائي وحبيبتي، وحزن لفراق المغرب الجميل وأهله الطيبون وزملاء عزيزون من مختلف أنحاء العالم، آخرهم كوريان جنوبيان مسلمان قدما للمغرب في منحة دراسية لدراسة اللغة العربية، تذكرتهما الآن لأنني قابلتهما في مكتب الخطوط المغربية حيث كنت استلم تذكرتي للسفر الى القاهرة والخرطوم، وأذكر أن احدهما كان يسمى جون، وأحدهما كان يعرف قليلاً من اللغة العربية ولا يعرف شيئاً من الإنجليزية، والثاني كان يعرف قليلاً من الإنجليزية ولا يعرف شيئاً من العربية، وكنت أجتهمد لأترجم لهما ولموظف الخطوط المغربية ما يريدان منه..


ثم فارقت عجلات الطائرة الأرض، وارتفعت في الجو.. وتحتنا كان المغرب الجميل يبتعد عن ناظرينا قليلاً قليلاً حتى لم نعد نرى غير قمم جبال الأطلس ونحن نتجه شرقاً صوب قاهرة المعز.. وداعاً أيها المغرب الجميل، وداعاً مغرب الأحباب، وداعاً أحبابنا المغاربة..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة .

أبو عدى
10-22-2011, 04:54 PM
الشكر لك اخى الفاضل الأستاذ عمر غلام الله
وفى نتظار رحلة جاكرتا وماليزيا ,
وبقية السرد الشيق و الجميل ,
وفعلا هى ايام لا بد من توثيقها , لاهميتها
خاصة وانك عاشرت وعاصرت شخصيات لها ثقلها ,

اشكرك مرة اخرى و فى انتظار جديد السرد

عمر حسن غلام الله
10-22-2011, 07:34 PM
الشكر لك اخى الفاضل الأستاذ عمر غلام الله
وفى نتظار رحلة جاكرتا وماليزيا ,
وبقية السرد الشيق و الجميل ,
وفعلا هى ايام لا بد من توثيقها , لاهميتها
خاصة وانك عاشرت وعاصرت شخصيات لها ثقلها ,

اشكرك مرة اخرى و فى انتظار جديد السرد

شكرا أبا عدي

وبين طنجة وجاكرتا الكثير الكثير المثير، على سبيل المثال المانيا واليونان وقبرص والهند وسوريا.. والباقي بعدين

والحلقة القادمة عن أرض الكنانة إن شاء الله

أبو عدى
10-22-2011, 11:31 PM
اذا نحن موعودون بالكثير والكثير المثير ,
فى انتظارك اخى الفاضل الاستاذ عمر غلام الله

عمر حسن غلام الله
10-26-2011, 06:39 PM
الحلقة الثالثة والتسعون

نواصل

بن بطوطة السوداني في أرض الكنانة

كان بجانبي في الطائرة سوري يكبرني في السن، فعلق على شعري الخنفس إيجابياً وسألني إن كان شعراً طبيعياً أو مستعاراً فمسكت جزء من شعري وجذبته لأثبت له انه شعري الطبيعي، فأسرع بالقول: (لا لا مصدق مصدق، بس أنا قلت كده علشان انا كنت في الصومال ورأيتهم هناك يضعون صوف الأغنام وشعر الماعز على رؤوسهم فحسبتكم مثلهم).. المهم الونسة مع هذا الشامي قصر وقت الرحلة إلى أن وصلنا مطار القاهرة..

هبطنا من الطائرة الى أرض المطار ومنها إلى الصالات حيث ختمنا ختم الدخول على جوازاتنا، وتوجهنا الى سير العفش حيث استلمنا الشنط ووضعناها على العربات، ثم توجهنا صوب بوابة الخروج.. هأنذا حقيقة في أرض الكنانة، ففي المرة السابقة حينما كنا على متن طائرة وفد السودان المشارك في المسيرة الخضراء هبطت سودانير على مدرج المطار للتزود بالوقود، وبقينا جميعاً داخل الطائرة حتى أقلعت باتجاه أغادير.. أما الآن فأنا أمشي على تراب مصر هبة النيل..

خلف السياج الذي يفصل المستقبلين عن ممر العبور إلى الخارج رأيت زميلي محمد سيد القالع، سلمت عليه وعلى من معه- كان سائق التاكسي- وتوجهنا صوب مواقف السيارات حيث التاكسي الذي كان يستأجره من بيته للمطار وبالعكس، وركبنا التاكسي وتوجهنا نحو حي البساتين، وفي شارع البساتين العمومي كان مسكنهم .. صعدنا إلى الشقة ، وسلمت على والده ووالدته وإخوته الذين يصغرونه سناً كلهم، واخواته واحدة شابة تصغرنا وأخرى طفلة، وخصصوا لي غرفة.. غيرت ملابسي وأخدت دوش.. وكنت قد اكتشفت وجود سائل غليظ في ملابسي الداخلية عندما دخلت حمام الطائرة، فتوجست خيفة، وعند وصولي الى أصدقائي شكوت لهم ما رأيت، فاستدعى محمد صديق له طبيب يسكن بجوارهم فجاء الى الشقة وفحصني في غرفتي فقال لي أنني مصاب بإلتهاب من النوع القوي.. هذا بسبب تلك الليلة الليلاء الأخيرة في المغرب وكما أسلفت في الحلقة السابقة (وبالفعل وصلت الأخرى فاقتنعت الأولى.. ونفذت وصيته وليتها لم تفعل.. وستعلمون لماذا عندما أصل الى أرض الكنانة..).. ها قد وصلت الى ارض الكنانة وقد أصبت من جراء ما فعلت إصابة بالغة.. ما كان يجب أن يكون وداعي للمغرب ووداع المغرب لي هكذا.. انتبهوا يا شباب، فما كل متعة تنتهي براحة.. وأصر الطبيب أن آخذ حقن، وأخبرته بما حدث لي حينما أخذت الحقن- شرحت ما حدث لي في الحلقات السابقة- ولكنه أصر على الحقن على أساس أن العدوى شديدة وأن الإلتهاب حاد جداً ولا ينفع معه غير الحقن.. اقتنعت على مضض..

وفي دكان اللب والسوداني الذي يملكه والدهم والقريب من دارهم، وللتأكد من أنه ليس عندي حساسية من البنسلين، حقنني على ظاهر ساعدي بحقنة تجربة (حقنة صغيرة وإبرتها قصيرة وبها دواء يكشف إذا كان المريض يتحسس من البنسلين) وما إن بدأ في إدخال الإبرة في جلدي حتى أحسست بشئ في جوفي يصعد للأعلى فتابعته بيدي، وعندما وصلت يدي الى الصدر وضعت يدي على قلبي وبدأت عيناي تزغللان وبدأت أحس بدوشة، ثم لم أعد أرى شيئاً أو أسمع شيئاً.. لقد فقدت الوعي..

ثم بدأت أسمع أصوات متداخلة أشبه بأصوات الناس في السوق، جوطه، ثم بدأت أستعيد وعيي، فأحسست بشئ يدلك صدري، فتبينت فإذا هو الدكتور يدلك مكان القلب، وحوله مجموعة من الناس منهم صاحبي محمد وأصدقائه وأخيه، وكانوا عندما دخلنا الدكان لأخذ الحقنة يجلسون خارج الدكان.. ووجدت نفسي أتصبب عرقاً، وناولوني عصير ليمون معبأ في كيس ألمنيوم، فشربته وبدأت أستعيد حالتي الطبيعية..

الغريبة أن الطبيب لم يرَ ما يدل على وجود حساسية عندي ضد البنسلين، فالدائرة التي خطها بالقلم حول موقع طعنة الإبرة ظلت عادية ولم تنتفخ كما كان يتوقع في حالة وجود حساسية، فصنف ما أصابني بأنه حساسية نفسية.. المهم أنه أبدل الحقن بالحبوب، والحمد لله أنها أدت الغرض.. تاني تمشي تهبش!


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
10-29-2011, 06:52 PM
الحلقة الرابعة والتسعون

نواصل


قاهرة المعز


يملك والد محمد ثلاث محلات لبيع اللب والسوداني والحلويات وما شابهها، وهي على ما يبدو تدر عليهم دخلاً جيداً بدليل مستوى المعيشة الذين يعيشونه، فما من سفرة طعام وإلا بها ما لذ وطاب من فراخ وبط ولحم، بكميات كبيرة عادة ما تبقى بعد الأكل بقية كثيرة.. مما استدعى جيشاً من الذباب في البيت، وكان عندما يرش بالمبيد يخرج من الشباك مثل سرب من طيور الزرزور ساعة مغربية يطير من حواشات العيش قرب مدني في طريقه للسراية في حي 114 حيث مسكنه.. ويتكرر إخراج (التير) كما تقول ميرفت شقيقة محمد وتقصد (الطير)- أي الذباب- بالمبيد الحشري أسراباً، ويتكرر رجوعه فرادى..

صادف وصولي لأرض الكنانة شهر رمضان المبارك، ومصر كلها تسهر حتى الصباح، وبعد الفجر البعض ينام والبعض يواصل النهار، ولكن الحياة كانت معظمها تدب في الليل القاهري.. كان اختلافاً كبيراً بين المغرب ومصر، فالمغرب تنام مبكراً- بحد أقصى العاشرة مساء- والقاهرة لا نوم لها، أو على الأقل لا نوم بالليل فيها.. المواصلات تجدها في أي وقت، المحلات مفتوحة دوماً، الشارع يزدحم بالناس، رجالاً ونساء وأطفال..

في مرة وانا جالس أمام أحد محلات عم محمد القالع لفت نظري خروج مجموعة من الصعايدة يتجاوز عددهم العشرة بجلاليبهم المميزة وعممهم الصغيرة من زقاق ومعهم عسكري، فسألت أخو محمد الذي كان يجلس معي عن هذا الحشد الصعيدي المفاجئ، فقال لي بكل بساطة: (فيه قريمة أتل)، فاندهشت لرده وكأنه يحكي عن فيلم.. فقلت له: (فين القتل ده)، فقال: (في الأهوه اللي قنبنا) وترجمتها (في القهوة اللي جنبنا).. وماذا يفعل هؤلاء الصعايدة؟ فأفادني بأنهم أهل القتيل، وأنهم يبحثون عن القاتل.. لماذا؟ قال لي أنهم لو وجدوه قبل ان يجده البوليس فسيقتلونه! هذا في القاهرة، وليس في الصعيد..

بنفس التاكسي الذي أحضرني من المطار كانت زياراتي لمعالم القاهرة، فزرت برج القاهرة حيث قطعنا تذكرة وصعدنا الى أعلاه، وتفرجنا على القاهرة من أعلى نقطة فيها، وكان النادي الأهلي يبدو تحت البرج مباشرة بميادينه الخضراء.. وكذلك زرنا الإهرامات حيث شرح لنا الدليل كيف ان قدماء المصريين قطعوا الحجارة التي بنوا بها الإهرامات في عشر سنين ونقلوها في عشر سنين وبنوا الأهرامات في عشر سنين.. ودخلنا الهرم الأكبر عبر النفق الضيق- الذي كان طولي عاقه وليس كما يقول المثل: (القصر عاقه والطول فاقه)- فقد أعاقني طولي حيث اضطررت طيلة الممر الذي يصعد الى القمة حيث غرفة التابوت أن أنحني وأنا أسير، مما جعلني مشدود عضلات الظهر والعنق والكتفين لحد الألم إلى أن وصلنا الى غرفة التابوت الخالية من التابوت..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
10-31-2011, 05:58 PM
الحلقة الخامسة والتسعون

نواصل


أسكندرية الرائعة


جاءني زميلي النوبي مجدي علي إدريس عواض (شوفو كيف أنا متذكر إسمه الرباعي حتى الآن؟ ومع ذلك أقول أن ذاكرتي خربة) وأخذني معه الى منزلهم، وهو جناح في منزل سفير تشيكوسلوفاكيا حيث كان والده يعمل طباخاً او سفرجياً في المنزل، كان الجناح صغيراً وبسيطاً ولكنه كان أنيقاً ومرتباً، وكان منزل السفير في حي الدقي الراقي وقرب مستشفى السلام الدولي.. كان والديه طيبين للغاية، وكان له أخوات يصغرنه إحداهن شابة والثانية طفلة وأخ صغير، والجميع سمر اللون مثلي.. رأيت صوراً لأهله في النوبة فكأنني رأيت سودانيين في قرى الشمالية في السودان.. البيوت تشبه بيوت أهلنا في الشمال، والرجال يلبسون الجلاليب والعمم تماماً كجلاليبنا وعممنا، وفي يوم قال لي نذهب لنرى منزلهم الخاص الذي يبنونه، فخرجنا أنا وهو ووالدته، وللمفاجأة كانت والدته تلبس التوب السوداني.. تماماً كما تلبسه امي واهل السودان عامة، فسألته إن كان هذا هو لبسهم، فأجاب بالإيجاب، وكما يبدو فهو لبس الخروج كما حدث في ذلك اليوم، رغم أنها في البيت تلبس الجلابية الطويلة..


كانت مائدة الطعام عندهم مرتبة، ليس فيها إسراف، يأكلون بالشوكة والسكين، يجلسون جميعهم على سفرة حولها كراسي، طبخاتهم ممتازة وغير دسمة، يطبخون ما يأكلون فقط بلا تبذير.. كرماء بلا تكلف، تحس بينهم بدفء العشيرة.. وأنك اقتربت كثيراً من السودان.. وكان لمجدي رغبة أن يأخذ الجنسية السودانية لتفادي التجنيد في مصر..


تجولنا في منطقة الدقي واشتريت براويز مزخرفة ومذهبة وبعض تذكارات مصرية، مع ملاحظة أن المصنوعات الجلدية المصرية من أحزمة وشنط يد وتكايات أقل جودة وجمالاً من تلك التي تصنع في المغرب..


سافرت الى الإسكندرية حيث أهل جيراننا في السودان- مدني- حي 114، وكانت والدتهم فوزيه وقتذاك بالإسكندرية في منزل والدتها- التركية من جهة الأم والنوبية من جهة الأب- ومكثت معهم عدة أيام في بكوس الرمل، حيث قابلت شقيقها فاروق الذي كان سابقاً يسكن أيضاً في مدني حي 114 ويعمل بورشة 114، وتعرفت على إخوانه عيد وخميس وطه وجمعة.. وأيضاً تجولنا في الإسكندرية حيث زرنا بنت أخيها رقية (دقدق)، وكانت رقية قد زارت عمتها في السودان في أوائل السبعينات، وتعرفت علينا وتعرفنا عليها.. طبعاً ناس اسكندرية مميزين جداً وطباعهم تشبه طباع السودانيين الى حد كبير، ويحبون الناس ويحفظون العشرة.. كذلك هم أولوا مروءة، فما إن تسأل أحدهم عن مكان ما او عنوان ما إلا ويرشدك إليه بدقة، وإذا أحس أنك لم تفهم منه مشى معك حتى يوصلك الى العنوان.. وهم كريمون مضيافون، يمتازن بالشهامة والإستقامة، وهكذا هي دائماً الموانئ سكانها مميزون لأنهم يختلطون بالأجانب المقيمين والعابرين فيأخذون منهم حضارات وعادات تمتزج بمرور الوقت في بوتقة المدينة..

لاحظت ذات مساء ونحن نركب الترام انا والخالة فوزيه أن الساعة تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل، وكأن الدنيا نهار، فاسكندرية مثل القاهرة تسهر حتى الصباح، سيما ونحن في رمضان.. وخط الترام هذا يوازي كورنيش البحر من محطة الرمل الى سيد جابر.. والإسكندرية منظمة وهادئة بالمقارنة بالقاهرة.. ونظيفة وجوها معتدل.. أحببتها أكثر من القاهرة، تحس فيها بالنفس الأوروبي، فكثير من المحلات أصحابها يونانيون، او بنيت على الطراز اليوناني أو الإيطالي، حتى أسماء المحلات والسينمات ما زالت أسماءها أجنبية..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة .

أبو عدى
10-31-2011, 06:46 PM
فقط لاقول انى ما زلت هنا اخى الفاضل الاستاذ عمر حسن غلام الله
أتابعك بشغف

احترامى و تقديرى لك

عمر حسن غلام الله
11-01-2011, 06:29 PM
فقط لاقول انى ما زلت هنا اخى الفاضل الاستاذ عمر حسن غلام الله
أتابعك بشغف

احترامى و تقديرى لك

شكرا جزيلاً أبا عدي

لكم نكتب

أبو عدى
11-02-2011, 02:53 AM
فى انتظار الجديد المثير

عمر حسن غلام الله
11-02-2011, 06:21 PM
الحلقة السادسة والتسعون

نواصل


الشيخ عبد الحميد كشك


رجعت من الإسكندرية القاهرة مرة أخرى حيث زرت شقيقة الخالة فوزية وزوجها هو أيضاً عم أولاد فوزية، أي عم محمد عابدين، ويسكنون في حي امبابه، وإبنهم صلاح يعيش في السودان منذ أواخر الستينات مع عمه وخالته جيراننا في مدني.. وبقيت في منزل زميلي محمد سيد في البساتين..


عندما زرت تطوان في المغرب وجدت شرائط خطب صلاة الجمعة للشيخ عبد الحميد كشك، ولم أسمع به من قبل، فاشتريت منها وسمعتها، فاشتريت المزيد منها، كانت مميزة ونارية ومبكية ومضحكة في نفس الآن.. لذلك عندما وصلت قاهرة المعز كان في بالي أن أحضر صلاة جمعة معه، وبالفعل أخذنا نفس التاكسي أنا ومحمد سيد الى حدائق القبة حيث المسجد الذي يخطب فيه الشيخ كشك.. ورغم أننا ذهبنا مبكرين إلا أننا وجدنا المسجد الأساسي ملأى بالمصلين، وكذلك الملحق الواقع خلف المسجد الأصلي والذي تزيد مساحته كثيراً عن المسجد الأصلي، والأدوار الثلاث للملحق ملأى بالمصلين وأيضاً الحوش الذي يحيط بالمسجد، وكذلك خارج الحوش..


وجلسنا ننتظر الآذان، وعندما أذن المؤذن آذان الجمعة وختمه رأيت عدداً كثيراً من الناس قاموا يشغلون المسجلات التي على حافة جدار الدور الذي نحن فيه والذي يقع أمام المصلين، ولاحظت أن هناك أعداد كبيرة متراصة من فيشات الكهرباء- بين كل فيش وآخر حوالي خمسة أو عشرة سنتيمترات- لتوصيل الكهرباء لأجهزة التسجيل التي تخص بعض المصلين.. فضغط كل صاحب مسجل على زرار التشغيل وعاد يجلس في مكانه.. ثم بدأت الخطبة، وكان صوت كشك جهورياً وقوياً، وكالمعتاد منتقداً لكل خلل في المجتمع، واثقاً من نفسه، ثم في نهاية الخطبة واعظاً بصوت حزين.. وانتهت الخطبتان ووقفنا لنصلي الجمعة، وصلى بنا الشيخ كشك وانتهت الصلاة.


وبعد الصلاة بدأ في درس، فهبطنا سلالم الدور الذي كنا فيه، وتوجهنا نحو باب المسجد الرئيسي، ولم نستطع الدخول إذ لم يخرج أحد منه، فوقفنا في باب المسجد لنرى الشيخ كشك الذي ذاع صيته المغرب ثم المشرق، فرأيته بجلابيته وعمامته وقامته القصيرة التي يكاد لا يصل فمه الى المايك رغم أن حاملة المايك كانت الأساسية- أي بغير تطويل بحديدة أخرى- لذلك فهو يرفع رأسه عالياً ليكون فمه في مستوى المايك.. وسمعنا الدرس الذي يعقب صلاة الجمعة، وفيه أضحكنا بحكاويه وقفشاته.. رحم الله الشيخ كشك رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنان.. ودعوني أسجل هنا سيرته الذاتية التي اقتبستها من موقع ويكيبيديا:

عبد الحميد كشك (10 مارس (http://ar.wikipedia.org/wiki/10_%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%B3) 1933م (http://ar.wikipedia.org/wiki/1933) - 6 ديسمبر (http://ar.wikipedia.org/wiki/6_%D8%AF%D9%8A%D8%B3%D9%85%D8%A8%D8%B1) 1996م (http://ar.wikipedia.org/wiki/1996) الموافق للجمعة 25 رجب (http://ar.wikipedia.org/wiki/25_%D8%B1%D8%AC%D8%A8) 1417 هـ (http://ar.wikipedia.org/wiki/1417_%D9%87%D9%80)). عالم وداعية إسلامي (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85)، كفيف (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%83%D9%81%D9%8A%D9%81)، يلقب بفارس المنابر ومحامي الحركة الإسلامية، ويعد من أشهر خطباء القرن العشرين في العالم العربي والإسلامي. له أكثر من 2000 خطبة مسجلة. خطب مدة أربعين سنة دون أن يخطأ مرة واحدة في اللغة العربية (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%BA%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B9% D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9).


وُلد عبد الحميد بن عبد العزيز كشك في شبراخيت (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B4%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%AE%D9%8A%D8%AA) بمحافظة البحيرة (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8%D8%A9_%D8%A7%D9%84% D8%A8%D8%AD%D9%8A%D8%B1%D8%A9) في العاشر من مارس لعام 1933م (http://ar.wikipedia.org/wiki/1933)، وحفظ القرآن وهو دون العاشرة من عمره، ثم التحق بالمعهد الديني بالإسكندرية (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%83%D9%86%D8%AF%D8%B1%D 9%8A%D8%A9)، وفي السنة الثانية ثانوي حصل على تقدير 100%. وكذلك في الشهادة الثانوية الأزهرية وكان ترتيبه الأول على الجمهورية، ثم التحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1). وكان الأول على الكلية طوال سنوات الدراسة، وكان أثناء الدراسة الجامعية يقوم مقام الأساتذة بشرح المواد الدراسية في محاضرات عامة للطلاب بتكليف من أساتذته الذين كان الكثير منهم يعرض مادته العلمية عليه قبل شرحها للطلاب، خاصة علوم النحو (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AD%D9%88) والصرف.



وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
11-09-2011, 04:00 PM
الحلقة السابعة والتسعون


نواصل


الشيخ عبد الحميد كشك (2)



عُين عبد الحميد كشك معيداً بكلية أصول الدين عام 1957م (http://ar.wikipedia.org/wiki/1957)، ولكنه لم يقم إلا بإعطاء محاضرة واحدة للطلاب بعدها رغب عن مهنة التدريس في الجامعة، حيث كانت روحه معلقة بالمنابر التي كان يرتقيها من سن 12 سنة، ولا ينسى تلك الخطبة التي ارتقى فيها منبر المسجد في قريته في هذه السن الصغيرة عندما تغيب خطيب المسجد، وكيف كان شجاعاً فوق مستوى عمره الصغير، وكيف طالب بالمساواة والتراحم بين الناس، بل وكيف طالب بالدواء والكساء لأبناء القرية، الأمر الذي أثار انتباه الناس إليه والتفافهم حوله.

بعد تخرجه في كلية أصول الدين، حصل على إجازة التدريس بامتياز، ومثل الأزهر الشريف في عيد العلم عام 1961م (http://ar.wikipedia.org/wiki/1961)، ثم عمل إماماً وخطيباً بمسجد الطحان بمنطقة الشرابية (http://ar.wikipedia.org/w/index.php?title=%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8% A9_(%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9)&action=edit&redlink=1) بالقاهرة. ثم انتقل إلى مسجد منوفي بالشرابية أيضاً، وفي عام 1962م تولى الإمامة والخطابة بمسجد عين الحياة، بشارع مصر والسودان بمنطقة حدائق القبة (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%A6%D9%82_%D8%A7%D9%84%D9%82% D8%A8%D8%A9) بالقاهرة. ذلك المسجد الذي ظل يخطب فيه قرابة عشرين عاماً.



سجنه

اعتقل عام 1965م (http://ar.wikipedia.org/wiki/1965) وظل بالمعتقل لمدة عامين ونصف، تنقل خلالها بين معتقلات طرة (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B3%D8%AC%D9%86_%D8%B7%D8%B1%D8%A9) وأبو زعبل والقلعة والسجن الحربي. تعرض لتعذيب (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D8%B9%D8%B0%D9%8A%D8%A8) رغم أنه كان كفيفا لا يبصر في هذه الأثناء ورغم ذلك احتفظ بوظيفته إمامًا لمسجد عين الحياة.
في عام 1972 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1972) بدأ يكثف خطبه وكان يحضر الصلاة معه حشود هائلة من المصلين. ومنذ عام 1976 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1976) بدأ الاصطدام بالسلطة وخاصة بعد معاهدة كامب ديفيد (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%B9%D8%A7%D9%87%D8%AF%D8%A9_%D9%83%D8%A7% D9%85%D8%A8_%D8%AF%D9%8A%D9%81%D9%8A%D8%AF) حيث اتهم الحكومة بالخيانة للإسلام وأخذ يستعرض صور الفساد في مصر من الناحية الاجتماعية والفنية والحياة العامة. وقد ألقى القبض عليه في عام 1981 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1981) مع عدد من المعارضين السياسيين ضمن قرارات سبتمبر الشهيرة للرئيس المصري محمد أنور السادات (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%A3%D9%86%D9%88%D8%B1_ %D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA)، بعد هجوم السادات عليه في خطاب 5 سبتمبر (http://ar.wikipedia.org/wiki/5_%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%85%D8%A8%D8%B1)1981 (http://ar.wikipedia.org/wiki/1981). وقد أفرج عنه عام 1982 ولم يعد إلى مسجده الذي منع منه كما منع من الخطابة أو إلقاء الدروس. لقي كشك خلال هذه الاعتقالات عذاباً رهيباً ترك آثاره على كل جسده وكان اعمى البصر.


في رحاب التفسير

ترك عبد الحميد كشك 108 كتاب تناول كافة مناهج العمل والتربية الإسلامية، وصفت كتاباته من قبل علماء معاصرين بكونها مبسطة لمفاهيم الإسلام، ومراعية لأحتياجات الناس. وكان له كتاب من عشرة مجلدات سماه "في رحاب التفسير" ألفه بعد منعه من الخطابة وقام فيه بتفسير القرآن الكريم كاملاً، وهو تفسير يعرض للجوانب الدعوية في القرآن الكريم.
كان عبد الحميد كشك مبصراً إلى أن صار عمره ثلاثة عشر عاماً ففقد إحدى عينيه، وفي سن السابعة عشرة، فقد العين الأخرى، وكان كثيراً ما يقول عن نفسه، كما كان يقول ابن عباس (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D8%A8%D9%86_%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3):


إن يأخذِ الله من عينيّ نورهما * ففي فؤادي وعقلي عنهما نورُ


وفاته

قبل وفاته في يوم الجمعة وقبل أن ينتفل قصّ على زوجته وأولاده رؤيا وهي رؤية النبي محمد (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%8A_%D9%85%D8%AD%D9%85% D8%AF) (صلى الله عليه وسلم) وعمر بن الخطاب بالمنام حيث انه رأى في منامه الرسول (صلى الله عليه وسلم) وقال له الرسول (صلى الله عليه وسلم) سلم على عمر، فسلم عليه الشيخ كشك، ثم وقع على الأرض ميتا فغسله الرسول (صلى الله عليه وسلم) بيديه فقالت له زوجته لِمَ قصصت علي هذه الرؤيا وقد علمتنا حديث النبي انه من رأى رؤيا يكرهها فلا يقصصها فقال الشيخ كشك ومن قال لك انني اكره هذه الرؤيا والله انني ارجو ان يكون الامر كما كان. ثم ذهب وتوضأ في بيته لصلاة (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9)الجمعة (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%B9%D8%A9) وكعادته، بدأ يتنفل بركعات قبل الذهاب إلى المسجد (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF)، فدخل الصلاة (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A9) وصلى ركعة، وفي الركعة الثانية، سجد السجدة الأولى ورفع منها ثم سجد السجدة الثانية وفيها توفي. وكان ذلك يوم الجمعة (http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%B9%D8%A9) الموافق 26 رجب (http://ar.wikipedia.org/wiki/26_%D8%B1%D8%AC%D8%A8) 1417 هـ (http://ar.wikipedia.org/wiki/1417_%D9%87%D9%80) / 6 ديسمبر (http://ar.wikipedia.org/wiki/6_%D8%AF%D9%8A%D8%B3%D9%85%D8%A8%D8%B1) 1996م (http://ar.wikipedia.org/wiki/1996).




وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة .

أبو عدى
11-10-2011, 09:39 AM
سرد رائع للاحداث
و رحلات مليئة بالإثارة و المعلومات القيمة
بارك الله فيك استاذى الفاضل عمر غلام الله

عمر حسن غلام الله
11-14-2011, 06:43 PM
الحلقة الثامنة والتسعون

نواصل


الحسين..


في أمسيات رمضان تجولنا في الحسين، ذلك الحي العتيق، واشتريت بخور من النساء اللاتي يبعن مثل هكذا بضائع حول الحسين، ولم يكن البخور سوى نشارة خشب عليها قليل من عطر يعطي رائحة البخور.. وكان التلفزيون يعرض أنشودة جميلة تدعو النائمين للإستيقاظ للسحور هي أنشودة (وحوي يا وحوي.. أصحى يا نايم.. صحى النوم)، وبطلة الفيديو كليب طفلة صغيرة أضحت فيما بعد المطربة الكبيرة هيام يونس- التي اشتهرت بأغنية تعلق قلبي طفلة عربية:


تعلق قلبي طفلةً عربيةً تنعمُ في الديباج والحلي والحلل
لها مقلة لو انها نظرت بها إلى راهب قد صام لله وابتهل
لأصبح مفتوناً معنى بحبها كأن لم يصم لله يوماً ولم يُصَل
ولي ولها في الناس قولٌ وسُمعهٌ ولي ولها في كل ناحيهِ
وكافٌ وكفكافٌ وكفّي بكفّها وكافٌ كَفوف الودْقِ من كفها انهمل
حجازية العينين نجدية الحشى عراقيّة الأطراف رومّية الكَفلْ
تِهاميّة الأبدانِ عبسيَّة اللَّمى خزاعيةُ الأَسنانِ دُرية القُبَلْ
ولا عبتُها الشَّطْرَنْجَ خيلي ترادفتْ ورُخِّي عليها دار بالشاهِ بالعجل
فقبّلتها تسعاً وتسعين قبلةً وواحدةً أخرى وكنت على عَجَلْ
وعانقْتها حتى تقطَّع عقدُها وحتى فصوص الطَّوْق من جيدها انفصلْ



- وقد قمت بتسجيل أنشودة (وحوي يا وحوي) بجهاز التسجيل الذي اشتريته في المغرب، ولكن للأسف نسيت أن آخذ الشريط معي للسودان.. وهاهي التكنولوجيا والعولمة تمكنني من سماع هذه الأنشودة الآن بكل سهولة بعد البحث عنها في القوقل وسماعها مسجلة في أحد مواقع الإنترنت.. يعني لميت في الأنشودة الضائعة مني منذ ثلث القرن.. سبحان الله..


وكان أن اقترب عيد الفطر المبارك، والمصريون مثلنا يجهزون الكعك والبسكويت للعيد، وجلسن البنات اخوات محمد وبنت عمه التي تسكن معهم على الأرض يجهزن الكعك، فشاركتهن إعداد الكعك، فأعطتني بنت عمه ككر لأجلس عليه، وقالت لي: حط ده على .... ويبدو أن الكلمة التي قالتها عادية عندهم، إذ قالتها بوجود بنات عمها ولم تلفت نظرهن أو أرى خجلاً في وجوههن، ونحن السودانيون لا نستطيع أن ننطقها، ومعنى جملتها تلك أن إجلس على ذلك المقعد الخشبي الصغير بدلاً عن الجلوس على الأرض..


لاحظت أن بنت عمهم هذه أحياناً أبناء عمها يضربونها، وقالت لي أيضاً زوجة عمها مرة أنها تخدمهم و(تاخد قرشين).. وفهمت ان أسرتها فقيرة، وفهمت من محمد بأن أسرته هو أيضاً كانت فقيرة وحكى لي أن أباه- وحكى لي الأب أيضاً نفس الحكاية- كان يدخن، وجاءه محمد يطلب منه قروش بسيطة لشراء كراس او أدوات مدرسية فقال له ليس عندي فلوس.. ثم قال الوالد في نفسه: (إبني يطلب كراسات ولا أعطيه حقها وأنا أشتري السجائر! والله لا أشربها إلا في غنى) ورمى بالسيجارة التي في يده.. ثم فتح الله عليه بهذا المحل الذي يبيع التسالي والفول السوداني، ثم فتح آخر، فثالث وتحسنت أوضاعهم.. لذا اشتغربت من استغلال بنت عمهم في خدمتهم ومعاملتها بخشونة وصبرها على ذلك لفقرها.. ويبدو أن ذلك كله سبباً لطلبها مني الزواج.. ولو كان لي رغبة في الزواج وقتذاك لفكرت في شقيقة محمد ميرفت، او ربما كان اسمها فاتن لم أعد أذكر فقد اختلط عليّ اسمها واسم شقيقتها الصغرى.. ولكنت قد تزوجت من المغرب، سيما وأن آخر من طلب مني هذا الطلب تلك التي أصابتني بإلتهاب الجي سي الحاد.. لكن انتظار أهلي لي صرفني عن هكذا تفكير..



وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
11-15-2011, 05:43 PM
الحلقة التاسعة والتسعون


نواصل



وداعاً أرض الكنانة..



أسمعني محمد سيد شريطاً كان متداولاً في تلك الأيام في مصر، وهو أهازيج كروية حيث تسمع فيه مشجعي نادي الزمالك يغنون لناديهم، والذي علق بذاكرتي منذ ذلك الوقت- رغم أنني لا كروي، أي لا أهتم بالكرة ولا بالتشجيع سواء لفرق سودانية او مصرية او غيرها- عبارة: (وقرن شطة ملهلب الميدان) وسبب بقائها في ذاكرتي حتى الآن هي أن المقصود فيها هو سوداني لعب لنادي الزمالك أيامئذ، وهو اللاعب شطة..


لاحظت أن محمد حينما كان يقف في دكانهم ويحتد معه زبون لسبب ما أو يتعامل معه على أساس أنه مجرد بائع لب، كان يقول له: (أنا جامعي وبأدرس في الخارج)، أي أنه ليس مجرد بائع لب وسوداني، طبعاً نحن السودانيين لا نقول ذلك حتى لو فهم الطرف الآخر ما فهم، ونرى من العيب أن نقول انا خريج او انا دكتور ما لم يستدعي الظرف ذلك أو نسأل مباشرة عن نوع الدراسة أو الوظيفة، ولكن لاحظت ان المصري عندما يعرفك بنفسه لابد ان يقرن اسمه ب: ليسانس آداب، او بكالوريوس حقوق، او المهندس او الدكتور او ماجستير كذا.. بينما نحن نذكر الإسم فقط دون ألقاب أو وظيفة او نوع الدراسة..


أذن وقت الرحيل الى الوطن فحجزت على الطائرة السودانية المتجهة الى الخرطوم، ورتبت شنطي رغم أنني لم استطع شراء كل ما وددت، وذلك أنني كنت أعطي محمد الدولارات ليصرفها لي جنيهات حيث كان يعرف مكان الصرافات، وكان يسلمني الجنيهات، ولكن آخر دفعة لم يسلمني الجنيهات، فاستحيت أن أسأله عنها، واستغربت تصرفه هذا، ولكن كأنه قد أخذ ثمن ضيافته لي! إذاً فلم يكن كما قال لي في المغرب: (سأثبت لك ان المصريين ايضاً شعب مضياف)!! وقد علم زميلنا مجدي عواض بذلك فاستغرب هذا التصرف.. ليس هذا فحسب، بل إنه عندما ركبنا التاكسي متوجهين للمطار وودعتهم وكان والدهم في وداعي في سيارة التاكسي ورأيته يدس جنيهات في يد محمد الراكب معي ليوصلني المطار، وخمنت أن تلك الجنيهات هي لسداد أجرة التاكسي أو لإعطائي إياها، ولكنه لم يسلمني شيئاً، بل إن مجدي هو الذي أعطاني جزاه الله خيراً على ذلك، وجزا الله خيراً أبا محمد الرجل الكريم الأصيل، وجزا الله محمد وعفا عنه هذه الهفوات أو الهنات..


احتفظت ببعض صور إخوة محمد التي أعطوني إياها، وكذلك كروت معايدة- أذكر منها واحدة فضية عليها سورة ياسين- من محمد إلى والدي ووالدتي بمناسبة قرب عيد الفطر المبارك، ولكن مطر مدني أتلف معظم صوري بما فيها صور إخوان محمد..

خانتني الذاكرة هذه المرة فلم استطع تذكر أكثر من هذا في أرض الكنانة، لذا سأودعها وأرحل ممتطياً صهوة جواد سودانير، مودعاً محمد ومجدي في مطار القاهرة، حيث استغرقت الرحلة ساعتان، ووصلت الى مطار الخرطوم بعد غياب عن الخرطوم والسودان دام لحوالي عامين إلا قليلاً..


وانتهت رحلة الدراسة الجامعية في المغرب..



وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
11-19-2011, 05:08 PM
الحلقة المائة

نواصل


عدتُ إلى أرض الوطن




وصلت الخرطوم وفجعني رحيل بن عمي (والده بن خالة والدي) السر التوم عماره الى دار البقاء، وسبب تذكري وفاته بعد ثلث قرن وأنا أسرد رحلة المغرب وعودتي منها هو أنه من حول لي الجنيهات الى دولارات والى شيكات سياحية حين سفري لأول مرة الى المغرب، حيث كان يعمل رحمه الله في البنك التجاري السوداني.. وثاني الكوارث حينما وصلت الى مدني وخلال أيام قليلة فقدنا بنت خالتي الطفلة ذات الخمس سنوات في حادث سير مؤلم، إنها رجاء عبد العاطي عمر.. ورغم هذه التراجيديا فقد سعدت بعودتي إلى أهلي ولقائي بوالديّ واخي الوحيد الصغير قمر الدولة واخواتي وبنات اختي، وبالحبيبة التي أصبحت خطيبة حيث طلبتها أمي من أمها إلى حين الخطوبة الرسمية..


قضيت أياماً جميلة بين ظهراني الأهل والأصدقاء والجيران، إضافة للمعارف الجدد من زملاء الدراسة بالمغرب وأهليهم، وأجمل الأوقات مع الحبيبة الخطيبة.. وكما أسلفت فقد كانت نيتي أن أعود للمغرب لمواصلة دراسة دبلوم الدراسات العليا (الماجستير) بعد أن سجلت وحصلت على شهادة التسجيل، ولكن قريبنا وجدنا عبد الكريم عبيد رحمه الله ألقمني حجراً حين جاء ليسلم عليّ وسألني ماذا سأفعل- أي عقب التخرج- فقلت له سأعود لمواصلة الدراسة، فقال لي: (يا ولدي أبوك ده ما راجيك)! فغيرت تفكيري تماماً، سيما وأن ما قاله قد قاله بحضور أهلي ولم يعقبوا مما أشعرني بأنه قال ما لم يقولوه او قال ما في نفوسهم.. فصرفت النظر عن الرجوع للمغرب للدراسة، ولكن كنت أمني نفسي بالدارسة في المغرب إذا جاءتني موافقة للعمل في عمالة تطوان التي تقدمت بطلب وظيفة فيها.. ولكن تبخرت الأحلام بمرور الوقت.. وأصبح ألا مناص من العمل في السودان او في غيره من دول البترول التي لم أكن أحبذها لما سمعت من إساءة معاملة الأجانب بها، وأنا قد درست في بلد يحترم أهلوه أضيافهم..


بعد ان قضيت وقتاً ممتعاً مع الأهل والأصدقاء والجيران والحبيبة في مدني الحبيبة سافرت للعاصمة مرة أخرى وقدمت أوراقي لزميل رحلة وفد السودان للمسيرة الخضراء الذي كان أيام المسيرة مسجل إحدى الكليات بجامعة الخرطوم، وحين قدمت له الأوراق كان مدير إداري لشركة خاصة بالخرطوم، ثم عبر خالي (بن خالة أمي) ذهبت الى قريبه وكيل وزارة الخارجية عامذاك- ووزير الخارجية فيما بعد- المرحوم هاشم عثمان بمكتبه بالدور الرابع بمبنى الوزارة القديم بشارع النيل، وأذكر وأنا في بوابة الخارجية رأيت شابين يريدان الدخول للخارجية ويحملان ظرف مكتوب عليه: عمر السيد طه، وهو دبلوماسي كان يعمل بسفارة السودان بالمغرب، توفي فيما بعد رحمة الله عليه، والشابين يبدو من أشكالهم أنهم إخوان المرحوم.. المهم وجدت اسمي مكتوباً في دفتر الزيارات في المكتب الخارجي وسمحوا لي بالدخول الى الدور الرابع الذي كان له إجراء خاص للدخول إليه لأن فيه مكتب الوزير ومكتب الوكيل.. قابلت الوكيل وعرضت عليه شهادتي لا سيما دبلوم اللغة الفرنسية، وأذكر أنه قال لي لو تقدمت ثلاثة شهور لكنت صادفت اختيارنا لأول دفعة كان امتحانها فقط اللغة الفرنسية ولأول مرة في تاريخ الوزارة- من هذه الدفعة علي قاقارين- خلاصة المقابلة أنه يجب ان أنتظر الامتحان القادم الذي قد يكون بعد سنتين بسبب التقشف الذي حرم الوزارة من تعيين دبلوماسيين جدد في ذلك العام..


وقصدت آمال النور التي كانت تعمل في تلك الأثناء في البنك السوداني للإستثمار بعمارة الأخوة وكان أملي أن ألتحق بفرع البنك الذي سيفتح في مدني.. ذكرت لها فيما بعد في منزلهم العامر بأبي روف، بعد انتظار طال للوظيفة؛ أنني أحس بأنني عالة على أهلي وأنا الذي يجب أن أعولهم، فهونت عليّ الأمر وهدهدت خاطري بأن الوضع ليس من تقصيري ولكن بسبب عدم وجود وظائف.. طبعاً هذا العام الذي وصلت فيه الى السودان- 1978م- هو بداية التدهور في السودان، ففيه حدثت أول أزمة وقود في السودان، حيث اصبح الناس يترحلون داخل العاصمة باللواري والكارو بعد أن عاشوا عهداً زاهر حيث شركة مواصلات العاصمة- ابو رجيلة- والطراحات السهلة والتاكسيات الأنيقة.. وزامنت هذه الأزمة أزمة في السكر حيث صادفت شهر رمضان واضطر الناس لإذابة حلاوة كرملة في العصائر والحلو مر.. لقد وصلت السودان في وقت صعب..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة .

أبو عدى
11-19-2011, 11:21 PM
ما زلت هنا اخى الفاضل
والإستاذ المبدع
عمر غلام الله
اتجول فى هذه الحديقة الغناء ,

مزيد من الابداع و التوهج ,

عمر حسن غلام الله
11-22-2011, 07:11 PM
الحلقة 101

نواصل

أول وظيفة بعد التخرج


بعد شهور عدة أعلنت لجنة الإختيار للخدمة العامة في الصحف عن وظائف في مجلس الوزراء، فقدمت اوراقي وانتظرت مع بقية الزملاء خريجي المغرب.. وظهرت النتيجة.. وقُبلت مبدئياً على أن أجلس لمعاينة، وجلست للمعاينة، وظهرت نتيجتها.. لقد تم تعييني في المؤسسة العامة للثقافة العمالية.. ويبدو أن نقاشي حول العمالة وما درسته في العلوم السياسية في المغرب قد رشحني لهذه المؤسسة، وقد علمت فيما بعد أن مدير عام تلك المؤسسة جاء بنفسه لاختيار من يريد من الخريجين، حيث كان قبل ذلك يعمل بمصلحة العمل.. رحم الله العم حسن الطاهر البشير..

وقد تم إلحاق بعض الزملاء خريجي المغرب بمجلس الوزراء منهم من الدفعة التي سبقتنا في التخرج من المغرب مثل عمر محمد صالح- الأمين العام للمجلس حالياً- ومن دفعتنا مصطفى البطل، وتم إلحاق إبن دفعتنا ابو بكر محمد صالح (البيبي) بالقصر الجمهوري، وفيما بعد لحقه طلال الملك، وتم إلحاق أبو بكر عبد العزيز (وكنا نلقبه في المغرب بوزير الصحة لنحافته) تم إلحاقه بمكتب العمل.. وحتى لا أنسى ففي السنوات القليلة التي تلت تم استيعاب زملاءنا عادل شرفي – دفعتنا- وأسامة نقد الله – الدفعة التي تلينا او التي تليها – بوزارة الخارجية.. وقد لحقنا بالمؤسسة العامة للثقافة العمالية من خريجي دفعة العام 1980م- وقد عاصرناهم ونحن في السنة الأخيرة- زملاءنا صلاح حسن خليفه وآخر أرجو أن أتذكر إسمه قريباً، ولابد أن أتذكره لأنه رفيقي في رحلة التقدم الى وظيفة مرة أخرى في البنك السوداني الفرنسي- البنك السوداني للإستثمار- سابقاً .. عموماً سأذكر تلك القصة فيما بعد بمشيئة الله..

وتسلمت عملي في الثقافة العمالية حيث كان مقرها بشارع 57 بامتداد الدرجة الأولى – العمارات- بالخرطوم، وكان ذلك في مارس 1979م وبعد مضي أسبوع واحد صدر قرار بمأمورية لي إلى مدينة عطبرة حيث يحتاجون لمساعد مدير مركز عطبرة بديلاً لأحمد الطيب، ورجعت مدني لأبشرهم بتوظيفي، ولأودعهم لأسافر الى عطبرة التي وصلتها في أوائل ابريل 1979م وكان بانتظاري بمحطة القطار مدير المركز فاروق سند- رحمه الله- وحاول أن يأخذني الى منزله لكني طلبت منه إيصالي الى منزل عمي- بن خالة والدي- الحاج بشير محمد احمد - رحمه الله- حيث نزلت ضيفاً عليه وعلى أسرته لمدة مأموريتي التي امتدت لثلاثة أشهر، وفيها بقي فاروق سند بالعاصمة معظم الفترة وكنت أدير المركز مع خمس كاتبات وكاتب ولكن لم يكن موسم دورات تدريبية، لذلك لم يكن هناك عمل يذكر، فقمت بتنظيم عمل المكتب وضبطه.. ثم عدت للعاصمة لحضور المؤتمر التداولي للثقافة العمالية، وبعد انتهاء المؤتمر صدر قرار بنقلي الى مركز بورسودان.. فتمردت.. فقد كنت أريد النقل الى مسقط رأسي ومهوى فؤادي ومقر أسرتي وموطن حبيبتي.. لكن في النهاية أقنعوني بتنفيذ النقل على أن يعيدوني في أقرب فرصة.. وكانت أقرب فرصة بعد عام حكومي..

سافرت الى مدني لأودع أهلي، وكان وداع حبيبتي مميزاً، فقد بقيت معي حتى الواحدة بعد منتصف ليل مدني الذي سأسافر في غده الى الخرطوم ومنها الى بورسودان.. وكانت قد اتفقت مع بنت الجيران انها ستعود عبر جدار بيتهم، من بيتنا الى بيت الجيران الى بيتهم، وخرجنا لنجلس أمام باب بيتنا تحت النيمة- التي ما زالت باقية الى يومنا هذا- كان وداعاً حاراً.. بل حباً جارفاً في ليلة هادئة ساكنة لم يعكر صفونا شئ، ولا حتى عابر سبيل.. وانصرفت، ونمت، وفي الصباح الباكر ودعت أسرتي وتوجهت نحو موقف بصات الخرطوم حيث استقليت احدها نحو العاصمة الخرطوم، واستصدرت من المؤسسة تذكرة طائرة سودانير من الخرطوم الى بورسودان، وبالطائرة وصلت الى ميناء السودان الأول حيث كان في استقبالي خالي عابدين محمد الصادق- بن عم أمي وزوج خالتي- رحمه الله- في مطار بورسودان حيث أخذني الى منزلهم العامر بترب هدل..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
11-23-2011, 06:26 PM
الحلقة 102

نواصل

بورسودان.. والخطاب المدمر


كان وصولي الى بورسودان في أوائل سبتمبر من العام 1979م وكان الجو لطيفاً.. وفي اليوم التالي ذهبت الى مقر مركز الثقافة العمالية ببورسودان، وكان داخل نادي العمال الذي يجاور نادي الخريجين القريب من موقف البصات الداخلية، تسلمت مهام عملي كمساعد لمدير المركز وكان مدير المركز الأخ حيدر إدريس، وقد نفذت عدة دورات خاصة بهيئة الموانئ البحرية، وكما حدث في مركز عطبرة فقد غادر المركز مديره الى العاصمة وتركني وحيداً في المركز، ولم يكن بالمركز أي كادر آخر سواء كتابي او حسابي او غيره، للمقارنة فقط فقد كان مركز عطبرة به ستة كتبة.. لذا كان عليّ أن أقوم بدور المدير ومساعده والكتبة والفراشين والمراسلين وكل شئ.. لحسن الحظ ان موقع المركز كان قريباً من كل المصالح الحكومية المتركزة في قلب المدينة، وبقية المشاوير كانت تتم بالمواصلات التي موقفها الرئيسي في السوق قريب جداً من موقع المركز..


زرت أهلي الموجودين في بورسودان في أحيائها المختلفة؛ ترب هدل حيث أسكن مع خالتي، سلبونا وسلالاب وديم حشيش وديم النور وديم المدينة، ولكن كان تواصلي الأكثر مع أصدقائي وأقربائي آل حمور، فقد كنت أزورهم في الأمسيات بصورة مستمرة حيث يوجد أولاد في سني وكانوا غاية في الظرف.. رغم ذلك ورغم الرحلات العلمية الترفيهية التي كانت تقام في الدورات وبعضها كان الى سواكن الأثرية فلم تكن بورسودان تروق لي، فقد كانت نفسي تهفو لمدني، ومن بمدني..


فاصل حلمي (من حلم أو بالأصح رؤيا لأنها ستصدق) قصير: استيقظت ذات صباح وتذكرت حلماً رأيته في الليلة السابقة، وكان الحلم كئيباً، وأصبحت وأنا مكتئب، وطوال النهار ظللت كذلك، وقد أخبرت خالتي فاطمة بأنني رأيت حلماً غريباً وسيئاً وأنني ما زلت أحسه ونفسي مكتئبة بسببه– والله يستر- فقالت لي (الله يستر)!


ومن مدني جاء والدي- رحمه الله رحمة واسعة- في مأمورية قصيرة الى بورسودان، فكان يوماً سعيداً، فسلمني خطاب من أهلي بمدني.. كان الخطاب مدمر (يبدو أن الحلم قد آن أوان تحققه)، قرأته وكأنني أقرأ حكم قضائي بإعدامي.. ، وخلاصته أن حبيبتي قالت أنها لا تريديني، وتعتبرني مثل أخيها، وأنهم- أي أهلي- (حيشوفوا) لي واحدة تانية، أو ربنا يعوضك بغيرها.. كيف هذا وأنها كانت معي لآخر ساعات لي في مدني؟ كيف هذا وأن آخر ليلة كانت من أحلى ليالي العمر وما زلت أحس بطعم القبل حتى الآن! قولوا شيئاً آخر يا أهلي غير هذا الكلام!! بعد ذلك الوداع الحار والعناق كانت هناك رسائل متبادلة من مدني والى بورسودان وبالعكس وكلها هيام وغرام.. فما الذي استجد فجأة ليقلب كل شئ رأساً على عقب؟


استلمت الخطاب حين عودتي من المكتب حوالي الساعة الثانية او الثالثة عصراً، او عند المغرب لم أعد أذكر.. وجاء الغداء او العشاء لا أدري ولم أستطع الجلوس معهم، ولم أستطع أكل شئ.. ونام الجميع.. ولم يغمض لي جفن، وظللت أحدق في السقف بلا تفكير ولا مشاعر ولا حزن ولا غضب.. وكأن عقلي قد أصابه الشلل، وإحساسي قد تم تجميده في القطب الجنوبي.. إلى أن قال المؤذن الصلاة خير من النوم.. فقمت فصليت في المسجد المجاور ورجعت أستلقي على السرير حتى موعد العمل.. ودعت أبي الذي كان سيرجع في ذلك الصباح إلى مدني، وسألني ماذا سأفعل، قلت له سأسافر الى مدني، قال لي أحسن..

لبست ثيابي وركبت مع خالي عابدين وشقيقه فتحي وركب معنا جار لهم، وعندما رجعت السيارة للوراء لتأخذ الطريق خنقتني عبرة.. كابدتها.. ولكن دموعي انهمرت فأخفيتها عن الذي يجلس بجانبي واجتهدت ألا يحس بأزيز البكاء داخل صدري.. لم أكن لحظة تلك العبرة أفكر بشئ، ربما فقط تذكرت الخطاب وما فيه، لم تكن المسافة بين المنزل والمركز طويلة.. أنزلوني في الشارع العام قرب المركز وواصلوا مشوارهم الى حيث عملهم في شركة الجزيرة- جلاتلي هانكي سابقاً- وما إن هبطت من السيارة ومشيت خطوات باتجاه المركز حتى أحسست بزهو عجيب.. أحسست كأنني خفيف تكاد لا تلامس أقدامي الأرض.. كأنني أقفز أو أطير ولا أسير في الأرض.. إحساس بسعادة مفاجئة وغامرة وغريبة.. والأغرب أنها عقب تلك العبرة الحرى..

ووصلت المركز، وكانت هناك دورة تعقد، وكان عليّ حصة إدارية مع الدارسين، ولم أستطع أداءها، فكلفتهم بواجبات ورجعت لمكتبي.. ثم غادرت الى موقف البصات الذي تتخلله أكشاك لبيع المرطبات، لا أدري هل ذهبت لأفطر أم لأشرب ليمون لا أذكر، وهذه الأكشاك تبث أغاني من مسجلاتها ذات الصوت الأستريو، وكان أحد المغنين هو عثمان حسين .. وما إن سمعته حتى أحسست بالعبرة مرة أخرى، لا، بل بنشيج حاولت كتمانه.. فأسرعت بالعودة لمكتبي.. وفشلت في كتمان نشيجي.. فأسرعت بإغلاق باب المكتب المؤدي للفصل والباب المؤدي للممر، وكذلك الشبابيك.. ثم انفجرت باكياً بأعلى صوتي.. لقد فقدت السيطرة على نفسي.. ولحسن الحظ لم يكن بجوار المكتب مكاتب أخرى سوى مكتب خاص بشركة الجزيرة للأقطان- وبينه وبين مكتبي ممر وباب لكل مكتب- ولم يكن يتواجد فيه غير شخص او اثنان، ويحيط بالمكتبين حوش النادي والشارع العام.. بعد أن سكت عن النحيب استأذنت من الدارسين وقلت لهم بعد أن يكملوا واجباتهم أن يغلقوا الفصل ويغادروا الى بيوتهم.. ورجعت الى بيت خالتي باكراً- قبيل منتصف النهار- وقبل موعد انتهاء العمل..

وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
11-27-2011, 06:11 PM
الحلقة 103

نواصل


محكمة!


ما إن رأتني خالتي حتى صاحت فيّ: مالك؟ لم أرد عليها.. فقد كنت معبور.. ثم أنفجرت باكياً.. صاحت مرة أخرى: فلانة ماتت؟ ولا أدري لماذا جاء في بالها فلانة (خطيبتي) فسألت عنها مباشرة .. رددت عليها: يا ريتها كان ماتت! وألقيت إليها بالخطاب الذي كان ما يزال في جيبي وقتها.. قرأته ثم حاولت أن تصبّرني.. قلت لها سآخذ حبة منومة لأنني لم أذق طعم النوم منذ صباح الأمس، قالت لي انتظر حتى يستوي الطبيخ فتتغدى، ثم غرفت لي من الحلة وهي ما زالت على النار، فأكلت على عجل ثم ذهبت الى المضيفة حيث أنام وبحثت في دولاب خالي عن حبوب منومة كان يستعلمها عندما يشتد عليه الصداع، وبالفعل وجدت حبة فاليوم 5 فبلعتها، وكانت خالتي معي في المضيفة وأرادت الذهاب فقلت لها: ما تخليني براي! لقد فاجأني خوف مبهم.. خوف من لا شئ.. فبسملت خالتي وقالت لي قول بسم الله.. ويبدو أنني كنت قاب قوسين أو أدنى من الإنهيار العصبي.. ثم فعل الفاليوم فعله فلم أدر بنفسي إلا في صبيحة اليوم التالي.. نمت من منتصف النهار حتى صباح اليوم التالي..


سألني خالي عن حالي، وقال لي لا أريد أن أسألك ماذا حدث لك ولكن فقط أريد أن أطمئن على صحتك فقد رأيتك تنهار فجأة، طمأنته على صحتي، وأجريت اتصالاً مع زميلي مدير المركز لأخبره بعزمي على السفر إلى مدني، وأعددت نفسي للسفر الى مدني، وعلى ما أذكر فقد استخرجت تصاريح سفر بالقطار على الدرجة الثانية من مكتب العمل حيث لا يوجد شئون إدارية تابعة لنا في بورسودان.. ثم استقليت القطار المتجه إلى الخرطوم والذي تحرك مساءاً، وحينما مرّ الكمساري وأبرزت له التصريح لاحظ أن الرقم المتسلسل في الصورة الأولى للتصريح غير مطابقة للصورة الثانية، فقال لي إما أن تدفع قيمة التذكرة وإما أعمل لك اورنيك 200، قلت له هذا تصريح صادر من جهة حكومية ولا ذنب لي إن كان هناك خطأ في التسلسل الرقمي، فقال لي ليس لدي غير الخيارين المذكورين، فقلت له انزل بأورنيك 200، ومعناه أنزل معتقلاً في محطة الخرطوم.. ثم فيما بعد فكرت فيما أنا فيه ونبذت العناد جانباً ودفعت قيمة التذكرة- وقد اتضح فيما بعد أن التصاريح بالفعل فيها خطأ مطبعي وقد عوضوني عن قيمة التذكرة- وكفى الله المؤمنين القتال، وكفاني الإعتقال..


وصلت الخرطوم في اليوم التالي مساء، اي بعد حوالي 24 ساعة، وبما أن المواصلات الى مدني لا توجد بالليل فقد كان لابد من المبيت في الخرطوم، ثم انطلقت في الصباح الى موقف البصات في السوق الشعبي حيث استقليت احد بصات الصباح ووصلت الى مدني.. كان الجو مكهرباً.. حكى لي أهلي الحاصل.. أحسست من الوهلة الأولى بسخافة الإدعاء، أتوا لي بالشهود الذين رأوها مع أحدهم.. كان بعضهم أقربائي من الدرجة الأولى، وكان أحدهم- رأس الحية – صديق قريبي ومن أبناء الحي، حكوا لي ما رأوه، وكل الذي رأوه أنها كانت تقف مع أحد الأولاد الذين ينزلون ضيوفاً عند أحد بيوت الحي، أين رأوهما؟ قالوا في الشارع! عجباً! ألهذا السبب حدث لي كل ما حدث؟ الأنها وقفت معه في الشارع يُحكم بفسخ خطوبتنا؟ ومن هو هذا الدون جوان الذي هو الوحيد الوقفته معها تدل على علاقة بينهما؟


ثم أرسلت في طلبها، وقلت لهما أحكيا ما شاهدتما، فحكى أحدهما حكاية وحكى الآخر حكاية أخرى- رغم أن المفروض انهما رأيا منظراً واحداً، فقلت لها أيهما أصدق رواية فقالت فلان.. سألت أحدهما في أي وقت رأيتها؟ قال في الليل، وأين كانت؟ قال قرب منزل الدون جوان- منزل مضيفيه- وأين كنت أنت؟ قال كنت عند منزل علان.. ما شاء الله، قلت له لو كنت زرقاء اليمامة لما رأيت شخصين من هذا البعد وفي ظلام الليل (لا توجد أعمدة كهرباء بها أنوار في هذا الجزء من الحي)، ولو كان يرى بمنظار يعمل بالأشعة تحت الحمراء لما ميز ملامح هذين الشخصين ولما عرف هل هما ولدين أم بنتين أم ولد وبنت..


لقد كانت حبيبتي ثابتة وتتكلم بهدوء، بل وتضحك أحياناً سخرية مما قالوا، حتى انتهرتها كيف تضحك في مثل هكذا ظروف، ولكن فيما بعد عرفت أن ذلك من قوة شخصيتها وسلامة موقفها، لقد انهزم الشاهدين أمامها، وأما الذي قيل أنها قالت له أن عمر اصبح مثل اخي فلم التفت إليه لأنه لا يصح أن ينقل مثل هكذا كلام الى أسرتي لأن الأمر لا يعنيه، ثم إنه كان أكبرهم سناً، ويكبرني بأكثر من خمس سنوات.. لم استطع أن اسامحه حتى اليوم الذي أكتب فيه هذه الذكريات الأليمة، وإن كنت قد عذرت قريبي الآخر لصغر سنه عامذاك ولأنه ضحك عليه صاحبه..


ثم أرادوا أن يؤكدوا لي صدق ظنهم- بعد أن فندته محبوبتي وسفهت آراءهم و(أحلامهم)- فأتوا إليّ بـ دون جوان، فوجدته إنساناً ساذجاً أقرب إلى الهبالة منه الى السذاجة، فقد أكد لي أن هناك علاقة بينهما، فقلت له هل تستطيع أن تقول هذا الكلام أمامها؟ قال نعم.. فسحبته من يده، فقال لي إلى أين ستأخذني؟ قلت له إليها! فحاول أن يتملص، ولكني جذبته بإصرار باتجاه بيتها.. ولحسن حظه فقد رأيت من شباك مضيفتهم شخص نائم فعدلت عن مواجهته بها- وقد كان الوقت ليلاً- فتركته وأنا أكثر اقتناعاً بأن ما حدث لعبة سخيفة ساذجة من شباب غيور استغل أهلي للتفريق بيني وبين محبوبتي الجميلة – أجمل بنات الحي بشهادة الكل- والتي لم أحبها لأنها جميلة، بل لأن النظرة الأولى كانت سبب حبي لها وحبها لي..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
11-28-2011, 05:08 PM
الحلقة 104

نواصل


وداعاً بورسودان


قال لي أهلي أن هذه حياتك وأنت الذي تقرر.. لكن بعد إيه؟ بعد أن غرزوا سكيناً في قلبي؟ صحيح أن العاصفة قد عدت، ولكن الزلزال ما زالت هزاته التابعة تزلزل كياني.. عشت أياماً في مدني بعد هذه المأسأة، محاولاً لعق جروحي الغائرة.. أنبتها على تهاونها في التعامل مع هكذا أشكال من البشر، كانت حسن نيتها سبباً في ما حدث لي ولها.. وقفت في الشارع مع شاب تعرفه، وهذا ليس بدعاً في البنات، فكل بنات الحي يسلمن على شباب الحي، فلماذا هذه بالذات.. ليست وحدها من نالت عقاباً مثل ذلك بسبب جمالها، فقد حدث لخطيبة قريبي وكلاهما من نفس الحي، حدث لها ما حدث لخطيبتي، إدعاء بأنها وقفت مع فلان في الشارع، وأن تلاميذ مدرسة السني يشاغلونها، وخزعبلات من هذا القبيل، فكان نصيبها أن تسببت أخواته في إنهاء علاقتهما وفُسخت الخطوبة وأضحى كل منهما في وادي..


قضيت مع خطيبتي أياماً- لا أستطيع أن أقول إنها أياماً سعيدة- رغم إثبات براءتها مما نُسب إليها، فقد كانت حالة عدم التوازن ما تزال تلازمني، كنت التقيها يومياً في بيتنا أو في بيتهم.. ثم عدت إلى بورسودان، وسألتني خالتي لتطمئن عليّ فحكيت لها كل شئ، وسألتني لماذا فعل هؤلاء ما فعلوا، فقلت لها حسداً من عند أنفسهم! وعدت الى عملي، وأكملت تسعة أشهر ثم أزف وقت المؤتمر التداولي السنوي للثقافة العمالية في الخرطوم فودعت بورسودان وودعت خالتي وزوجها وأطفالها وخالي فتحي وبقية الأهل والأصدقاء وغادرت بورسودان الى العاصمة الخرطوم، وهناك حضرت المؤتمر، وبعده صدر قرار بنقلي إلى مدني مساعداً لمدير مركز الثقافة العمالية بمدني.. أخيراً سأستقر في مسقط رأسي، ومهوى فؤادي.. و.. دهراً تولى يا بثين يعود!


عدت إلى مدني الحبيبة في يونيو 1980 وتسلمت مهام عملي بدلاً عن الريح – رحمه الله- وكان مدير المركز وقتها عبد الكريم يس، وكما حدث في المراكز الأخرى ترك لي المدير المركز ومكث بالخرطوم، كان مقر المركز في مباني المدرسة العربية بشارع الدكاترة، مع مكتبة البلدية ودار اتحاد فناني الجزيرة- الذين كانوا لا يتواجدون إلا في الأمسيات فقط- يفصل المبنى الذي يضم هذه المكاتب عن الجزء المخصص من المدرسة العربية للمجمع التعاوني الإستهلاكي سور، وعن معهد الصناعات التقليدية الموجود أيضاً في جزء من المدرسة العربية؛ شارع الدكاترة.. وكانت لنا علاقات مع مدراء هذه المؤسسات.. خاصة مكتبة البلدية وأمينها محجوب إبراهيم النور- رحمه الله- وخفيرهم عم عثمان ومراسلهم عباس ريكس وكاتبتهم سميه، أما موظفينا فقد كان الكاتب عبد الجبار- رحمه الله- والكاتبات مريم الإمام وست أبوها، وفيما بعد الريله نصر وعبد الكريم والمراسل عادل.. وكانوا كلهم في مكتب واحد، والمدير ومساعده في مكتب، ثم هناك فصل للدارسين..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
11-29-2011, 04:46 PM
الحلقة 105

نواصل


مدني، والنهاية المحزنة


بدأت علاقتي بخطيبتي تسوء بسبب خشونتي في التعامل معها، وبدأت أحس بالتوتر، كنت أجعل من كل حبة قبة.. حولت حياتها وحياتي لجحيم.. لقد بدأ مفعول الصدمة يسري.. لقد بدأت المؤامرة تؤتي ثمارها.. وجودي في مدني كان منى عمري لكي أكون بقرب الحبيبة.. ولكن يبدو أن الحاصل غير ذلك.. لم يكن الشك مصدر هذا التوتر، لأنني على يقين بأن ما حدث كان مؤامرة دنيئة دناءة من أحدثوها- على فكرة، لحد الآن وبعد مرور 31 عام ما زال هؤلاء يعانون من (حق) المسكينة خطيبتي هذه، ما زالت لعنة ما قاموا به تطاردهم، لم يستقر أحد منهم في حياته، ولم يهنأ من استقر.. كبيرهم الذي علمهم السحر ما زال ينصب على خلق الله بعد أن كان ينصب على مدرسيه في المدرسة العربية، وفصل من الجامعة بفضيحة غش في الإمتحانات، وصار نصاباً معروفاً وسار صيته السيئ هذا في الركبان..

ثم ازدادت حالتي سوءاً.. وفي لحظة توتر شديدة ذهبت إلى خطيبتي في بيتهم ودار بيننا نقاش وختمته بأن حياتنا معاً أصبحت جحيماً ولابد من الفراق، فأمنت على كلامي.. فقلت لها سأخبر أخاك لكي يخبر والدك بأن خطوبتنا قد فُسخت.. قمت من مقعدي معتقداً بأنني قد أزحت جبلاً عن كاهلي.. لقد حسمت الأمر أخيراً.. بكت أختها التي كانت حاضرة هذا الحوار وهذا القرار.. وصلت باب الغرفة والتفت إليها، لم أجد تعبيراً في وجهها يدل على شئ، لا أدري هل كانت سعيدة بهذا القرار ام حزينة.. أم مصدومة؟ خرجت من بيتهم.. ولسان حالي يقول أين تلك اللحظة العصيبة من ذلك اليوم الذي دخلت فيه منزلهم لأول مرة.. شتان ما بين رئبال وسنور..


بعد هذا اليوم العصيب قل نومي ولاذ النعاس بالفرار مني.. وحتى قليل النوم لم يكن نوماً عميقاً ولا مريحاً.. ثم بدأت أفقد شهيتي للأكل، ووصلت الى مرحلة أن أجلس في مائدة الطعام مع أهلي جبراً محاولاً عدم توتيرهم معي بعدم أكلي، ولكن أمد يدي للطعام فلا أجد رغبة في الأكل، فأقطع من الخبزة وأمدها الى الملاح فتتوقف يدي في الطريق الى صحن الملاح، فأوجه الخبزة الناشفة الى فمي وأضعها وأحاول أن ألوكها فلا أستطيع فأشرب عليها جرعة ماء لكي أستطيع بلعها، ثم أقوم من السفرة.. والأسوأ من ذلك هو القلق، والخوف الغامض من لا شئ، ثم قلة الكلام خاصة في البيت.. كنت فقط أتحدث الى صديقي عماد سليمان- رحمه الله- رغم أنه كان أصغر مني سناً، وكان ينقل لي ما يدور في أذهان أهلي فيخبرونه به، وينقل لهم ما بي..


إزداد توتري مما جعلني متحفزاً تجاه البنات، كنت أحذرهن مني.. وأبعدهن عني، ولكن دون جدوى.. يبدو أن البنات يردن من يبعدهن، ويبعدن من يريدهن.. كنت أقول لإحداهن إنني أشتهيك فقط، وليس لي قلب يحب، فتقول لي أنا أتعلقت بيك أكتر.. كانت إحداهن قد كتبت بدمها- طعنت إبهامها بإبرة كمن يريد أخذ عينة لفحص الملاريا- على علبة الحبوب التي أعطتنيها من صيدلية مصنع النسيج الذي تعمل به: حبة كل ست ساعات! لماذا فعلت هذا؟ قالت ليشارك دمي في علاجك! تذكرت رواية الطيب صالح موسم الهجرة الى الشمال، وقول مصطفى سعيد: أنا لست عطيلاً.. أنا صحراء الظمأ..


كان بعض الأطباء لهم علاقة بمركز الثقافة العمالية، حيث كنا نساعدهم في الحجز على بصات شركة مواصلات الجزيرة التي كانت نقابتها على صلة طيبة بالمركز نظراً للدورات التي كنا نعقدها لهم، أحد هؤلاء الأطباء وعلى ما أظن اسمه عبد الله حمدت الله كان بصدد فتح عيادة خاصة بحي مايو فأخذني معه لأساعده في وضع اللمسات الأخيرة لمكتبه في العيادة، وبينما كنا نرتب عيادته سألته هل مستشفى الأمراض النفسية والعصبية بمدني يعالج الأمراض العصبية فقط ام النفسية.. قال لي لماذا تسأل، فشرحت له ما أعاني من أرق وقلق وخوف مبهم، فأعطاني من عيادته حبوب وشرح لي كيفية استعمالها.. وبعد عدة أيام قابلني وسألني عن الحبوب فقلت له لقد زادت الحالة سوءاً، فقال لي: إنت لسه ما كملتها وتقول ما نفعت؟ إذاً علاجك ما عندي ولازم أوديك لاختصاصيين، فكتب لي ورقة لدكتور حسن في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية بمدني..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
12-05-2011, 06:01 PM
الحلقة 106

نواصل


إكتئاب


أخذت الورقة وذهبت الى الدكتور حسن وشرحت له ما شرحت للدكتور عبد الله، وسألني عن حياتي العاطفية فأخبرته بالقصة.. فقال لي إذاً عرفنا المشكلة، ثم تركني في مكتبه وذهب الى الاخصائي الدكتور جعفر، ثم رجع إلىّ وطلب مني الدخول الى الدكتور جعفر وهو معي، فأعدت الحكاية مرة أخرى، وسألني عدة أسئلة، ثم طلبا مني الجلوس على الكنبة المقابلة لطاولته داخل المكتب- بعيداً عنهما قليلاً- وتحادثا لفترة ثم قام د. حسن وطلب مني مرافقته لمكتبه ثم كتب لي وصفة العلاج، وكانت ثلاثة أنواع من الحبوب أذكر إسم واحد منها هو (طفرانيل)، وعلمت منهم بأن ما أعانيه هو نوع من الإكتئاب..


بدأت بتناول تلك الأقراص بانتظام وكنت آخذ 7 حبات في اليوم، وكلما نفدت رجعت للدكتور حسن فيصرف لي حصتي منها لمدة شهر، ولكن كان في كل مرة يقلل عدد الحبات التي أتناولها في اليوم، ثم أصبحت نوعين بدلاً من ثلاثة، ثم في النهاية أصبحت نوعاً واحداً.. وأذكر أنني ذهبت في مأمورية للحصاحيصا، وعندما رجعت منها وكانت عندي مقابلة مع الدكتور حسن لاحظ نمو لحيتي وسألني عن حالتي فقلت أنها في تحسن فقال لي لِمَ لحيتك هكذا؟ فقلت له قصدت إرسالها وليست بسبب الإكتئاب.. وواضح من تقليل أنواع الحبوب وكميتها أن حالتي بدأت في التحسن، فصرت أنوم بارتياح وآكل بشهية وبدأ القلق يخف والخوف المبهم يختفي، وتحسنت صحتي البدنية التي كانت في تدهور مستمر..


في الحصاحيصا تعرفت على دارسات في دورات الثقافة العمالية التي نفذتها بمصنع الصداقة للغزل والنسيج، كانت أجملهن، توطدت علاقتي بها حتى وصلت للأسرتين، وكانت مخطوبة، وخطيبها في السعودية، وكانت علاقتي بها لا تتعدى حدودها، ولكن وصل الخبر مزوراً الى خطيبها في السعودية، فكتب لها خطاب يقول لها فيه ما معناه لماذا قطعتي الخطابات، ام أن ناس الثقافة (العمالية) مثقفين.. فردت إليه بخطاب ساخن- كما أخبرتني- تفند فيه تلك الإشاعات المغرضة وتتهمه بعدم الثقة بها، وأنه يجب أن يثق بها ولا يسمع كلام الناس.. والغريب في الأمر أن إحدى زميلاتها- وكانت قريبتي- عندما حكيت لها موضوع الخطاب ذاك، قالت لي لماذا لا يكون؟ قلت لها يكون ماذا؟ قالت يكون الذي ظنه خطيبها.. عقدت الدهشة لساني.. قالت بوضوح لماذا لا تتزوجها أنت؟ قلت ولكنها مخطوبة! ردت بكل ثقة: ولو! أو : يعني! ففهمت جزءاً من تفكير البنات، اي يمكن أن تبيع إحداهن خطيبها في أي لحظة دون أن يطرف لها جفن، وإذا دخل أحدهم في الخط فما المانع أن تقارن بينه وبين خطيبها او حبيبها؟ ويمكن بعد ذلك ان ترجح كفة هذا أو ذاك.. عجيب أمركن يا بنات حواء، هو الحاصل بأولاد آدم بسببكن شويه؟


وعندما حضر الخطيب للزواج وكنت وقتها في الخرطوم وبعثوا لي بالدعوة، ركبت البص من الخرطوم الى الحصاحيصا لحضور زواجها، ولم أنسى أن اشتري لها خاتم ذهب هدية زواج، وحينما هنأتهما قدمت للعريس الخاتم وقلت له ألبسه لعروسك، وكانت هي عندما رأتني في الحفل أشارت له الى شخصي وعرفته مَنْ أكون.. ثم زرتهم بعد ذلك في منزلهم بالححصاحيصا وتعرفت عليه أكثر.. واستمرت علاقتي بأسرتها في الحصاحيصا الى اليوم.. لقد خففت عني مثل هذه العلاقات الصدمة التي سببت لي الإكتئاب.


بعد التحسن في حالتي الصحية بدأت أحس بأنني ظلمت حبيبتي- التي كانت خطيبتي- وظلمت نفسي، ولم أكن أنقطع عن بيتهم بحكم الجيرة والصلة مع أسرتها وعلاقة الزمالة المدرسية القديمة في المدرسة المتوسطة مع شقيقها الأكبر.. وأحست هي بتحسن حالتي وتغير موقفي تجاهها، فبدأت تتقارب معي مرة أخرى.. وبدأت أسمع كلاماً متداولاً صادراً من أهلي بأنها بعد أن بدأتُ أطيب رجعت لحياتي مرة أخرى لكي تعيدني الى مرضي واشياء من هذا القبيل، وكأنها هي السبب فيما جرى.. في هذه الأثناء بدأت بعض الجارات يلمحن لي ببناتهن، وبعض البنات من الجيران وبنات الأهل يبتعدن عني في رسالة مفادها أنك (مشوكش) وتبحث عمن ينقذك ويعوضك حبك الضائع وبالتالي انت ستجري ورائي.. وهن لا يدرين ما كنت أقوله للأخريات البعيدات عن الحي والعائلة ممَنْ يتعلقن بي أكثر حينما أقول لهن إن قلبي متحجر لا ينبض بالحب.. وأنني صحراء الظمأ وليس عطيلاً..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
12-07-2011, 11:05 AM
الحلقة 107

نواصل

تلفزيون الجزيرة الريفي

كان تلفزيون الجزيرة الريفي يقدم برنامجاً خاصاً بالعمال هو برنامج "مجلة العمال" وكان معد ومقدم البرنامج سكرتير اتحاد عمال الجزيرة عبد اللطيف الأحمر- رحمه الله- وقد كنت ضيفاً على البرنامج في إحدى حلقاته وتكلمت عن الثقافة العمالية على الهواء مباشرة.. ثم تقدمت لإدارة التلفزيون باقتراح ان نعمل حلقة تعريفية عن الثقافة العمالية، فوافقوا، وكنت مقدم البرنامج وكان أول ضيوفي مساعد المحافظ للعمل- مدير مكتب العمل بالجزيرة- سعيد محمد الخير- رحمه الله- وقد سجلت الحلقة باستديوهات تلفزيون الجزيرة الريفي بودمدني.. ولم تبث الحلقة أبداً لوفاة سعيد في حادث مروري أليم في طريق مدني الخرطوم تسبب فيه جرار زراعي، وكان يرافق المرحوم سعيد زميلنا الريح- سلفي في مركز مدني للثقافة العمالية- الذي أصيب بجروح شفي بعدها.

قضيت في مدني حوالي العام ونصف، جزء منها كان مأمورية للحصاحيصا، وكان مركز مدني نشطاً في مجال إقامة دورات التثقيف العمالي، فكان يتم عقد دورات لمصانع النسيج كالنيل الأزرق ونسيج مدني ونسيج الحصاحيصا وشركة مواصلات الجزيرة، كذلك كان يقيم دورات خاصة بتلاميذ التدريب المهني.. وكان المحاضرون من مكتب العمل ومن الصحة المهنية ومن التدريب المهني وبعضهم مدرسون من المدارس التجارية.. وكانت هناك مخصصات مالية لكل محاضرة- عدا المحاضرات التي يلقيها موظفو الثقافة العمالية من الدرجة بي فأعلى- والمفروض ان تدفع مخصصات المحاضر عند خروجه من محاضرته فيوقع على الكشف ويستلم مخصصاته، ثم نرجع الكشف لقسم المالية في المديرية حيث ميزانية المركز هناك..

وفي يوم قال لي أحد المحاضرين أنه لم يستلم مخصصاته عن دورات سابقة.. كيف هذا وتوقيعك على الورقة، قال لي أن مدير المركز كان يأخذ توقيعهم على الورقة بحجة أنه سيستلم المخصصات بناء على توقيعهم.. فسألت ثاني وثالث وكلهم أجمعوا على أنهم لم يستلموا مخصصات دورتين سابقتين عقدتا في وجود مدير المركز.. فكتبت في التقرير الشهري لنشاط المركز المرفوع لرئاسة المؤسسة: (يبدو أن بعض محاضري الدورة الفلانية والدورة العلانية لم يستلموا مخصصاتهم حتى الآن).. فوصل التقرير للمدير العام الذي حول الموضوع للتحقيق، فأرسلوا مساعد مدير المركز السابق لمدني ليحقق في الأمر، وكان التوجيه له بأن يسأل المحاضرين: هل استلموا مخصصاتهم ام لا؟ وكان قد سبقه الى مدني مدير المركز الذي سلم المحاضرين مخصصاتهم.. فسأل الريح – رحمه الله- المحاضرين فقالوا انهم استلموا مخصصاتهم.. فكتبوا لي خطاباً مفاده أنك اتهمت زميلك باختلاس اموال المحاضرين وبسؤال هؤلاء المحاضرين قالوا انهم استلموا مخصصاتهم.. رددت عليهم بأنهم إذا استلموا مخصصاتهم قبل تاريخ تقريري المرفوع لرئاسة المؤسسة فالحق عليّ، وإلا فواصلوا التحقيق في الأمر الى آخره.. وبما أنهم كانوا متواطئين معه فلم يردوا عليّ وكتموا على الموضوع.. وجعلوني عدوهم..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
12-14-2011, 06:17 PM
الحلقة 108

نواصل

معهد الثقافة العمالية


ثم سافرت للخرطوم لحضور المؤتمر التداولي للثقافة العمالية، وعقب المؤتمر صدر قرار بترقيتي من مساعد مفتش الى مفتش (هذه وظائف الحكومة) وعليه فقد تم نقلي مساعداً لمدير معهد الثقافة العمالية بالسودان، ومقره الخرطوم، وكان قد صدر قرار إنشاؤه للتو، وكان قد تم تعيين مديري السابق في عطبرة فاروق سند- رحمه الله- مديراً للمعهد.. ولم يكن هناك مقر للمعهد وبالتالي لا أثاث ولا موظفين ولا كتبه ولا شئ سوى شخصي والمرحوم فاروق.. وكنا نعقد دورات نوعية بمعهد الكفاية الإنتاجية- لاحقاً مركز تطوير الإدارة- حيث كل المحاضرين من هناك، وكان مدير إدارة الإستثمار- تاج السر- يلقي على الدارسين محاضرة ويستلم مخصصاتها، فكتب اليّ مدير الإدارة عمر الصائغ – بصفتي أمسك ميزانية الدورة - استيضاح لماذا أدفع لتاج السر مخصصات وهو موظف بالمؤسسة، فرددت عليه بأن المعهد له مدير ويجب مخاطبة مدير المعهد وليس شخصي، فهناك تسلسل إداري، ثانياً إذا كان ممنوعاً على موظفي الثقافة العمالية من الدرجة بي فأعلى أخذ مخصصات مالية مقابل محاضرات، فلماذا خصصتم للمدير العام وآخرون من نفس درجة تاج السر في دورات سابقة مقابل محاضرات؟ ولماذا الآن تسألون عن تاج السر بالتحديد؟ ولم يستطع أن يرد على إجابتي تلك فابتلعها و(لبد لي في الدرة) كما يقول المصريون.


كانت تأتي دورات وتدريب من الخارج للمؤسسة عبر منظمة العمل العربية، وكان أن رشحني مدير الإدارة لدورة في تونس، ويبدو أن عصابة الأربعة- أيامئذ كانت عصابة الأربعة تتكون من زوجة ماو تسي تونق وثلاثة رجال، وعصابتنا هذه كانت تتكون من ثلاثة موظفين وموظفة- تدخلت سلباً وعطلت ذلك الترشيح، وفي مرة وأنا أبحث عن خطاب في الملف العام الذي به صور لكل الخطابات الصادرة والواردة وجدت خطاب ترشيحي للدورة، وللأسف كان تاريخ الدورة في نفس يوم وجدت فيه الخطاب.. فدخلت على المدير العام- الذي جاء بديلاً للمدير العام الذي انتدب لليمن، وهذا الموجود للأسف كان معمياً عليه من هذه العصابة، فاحتد معي وقال لي كيف عرفت قلت له من الفلوت فايل، قال لي لماذا تفتح الفلوت فايل، قلت له انا موظف في هذه المؤسسة ومن حقي الاطلاع على الفلوت فايل، واحتددت معه واحتد معي وخرجت من مكتبه يتطاير الشرر من عينيه، وفقدت أنا الدورة بسبب ما سبق من كشف للباطل وتحديات بالحق..


كنت عازفاً عن فكرة الإغتراب، ولكن ما كان يحدث في المؤسسة وما آل إليه حال البلد من أزمات متتالية مثل أزمة البنزين وبالتالي أزمة المواصلات وأزمة السلع مثل الخبز والسكر وغيره، وضيق العيش أثر في عزوفي هذا وجعلني أفكر في الإغتراب جدياً.. وتذكرت الطيب صالح وأنه في قطر قد يفيدني، فجاءت فكرة في رأسي للحصول على عنوانه، وهو علي مهدي الذي مثل دور الزين في فيلم عرس الزين، وكنت بحكم ترددي على شقيق خطيبتي بوزارة الثقافة قد رأيت علي مهدي، فذهبت إليه أسأله عن عنوان الطيب صالح، فدلني على شقيقه بشير- القاضي في المحكمة والتي لا تبعد كثيراً عن مقر وزارة الثقافة- فذهبت الى مولانا بشير ودخلت عليه وسلمت عليه وطلبت منه عنوان الطيب صلاح، فقال لي أن العنوان هو وزارة الثقافة – قطر، فبعثت رسالة للطيب صالح على وزارة الثقافة القطرية ولكن لم أتلق رد..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة .

أبو عدى
12-15-2011, 01:38 AM
ما زلت هنا اتابعك بشغف اخى الفاضل الأستاذ المبدع
غلام الله

عمر حسن غلام الله
12-18-2011, 06:18 PM
الحلقة 109


نواصل


زملاء المغرب بالخرطوم



في بدايات وصولنا الى السودان نحن الدفعة التي تخرجت في العام 1978 وكذلك الذين تخرجوا في العام 1977 من الدفعة التي سبقتنا في الوصول الى المغرب، تجمعنا عدة مرات، مرة في مقهى أتني بشارع الجمهورية، وكان أيامذاك مشهوراً ولكننا حينما تجمعنا فيه وجدنا الخدمة فيه سيئة، فلا أحد يأتيك لتعلمه بطلباتك، وكان يعمل به أحباش.. فقررنا أن يكون لقاءنا التالي في مكان غيره.. وبالفعل تجمعنا في حديقة المقرن وكانت بإشراف شعبة الشباب في الإتحاد الإشتراكي، وكان يديرها هؤلاء الشباب.. وكان عددنا أكبر من أن تسعه ترابيزة واحدة، فجمعنا تربيزتين ورصصنا الكراسي حولهما، فجاءنا أحد موظفي الحديقة وقال لنا ممنوع التجمع! فقلت له من قال لك هذا قال لي مدير الحديقة، فذهبت إليه وسألته لماذا ممنوع التجمع؟ فقال لي: انتو جايبين حاجة معاكم؟ ويقصد طبعاً الشراب، فقلت له: آه.. شاي بلبن.. هم منعوه واللا إيه؟ (مقلداً عادل إمام) فضحك وقال لي إجلسوا كما تريدون، فرجعت للزملاء وأخبرتهم بما حصل وقضينا وقتاً جميلاً مع الشاي بلبن بعد أن كانت جلستنا ستضيع بسبب بلاهة البعض..


إنضم إلينا في المؤسسة العامة للثقافة العمالية زميلان من زملاء الدراسة في المغرب، كنت قد ذكرت اسم احدهما ونسيت الثاني، وقد تذكرته أخيراً وهو أخينا عباس (ريكس) وقد عملا معي في الرئاسة بشارع 57 وكانا ككل خريجي المغرب طيبين مرحين فاضلين.. وقد التحق الأول صلاح حسن خليفه لاحقاً بقسم الخرائط بوزارة الداخلية، وكان في الأمسيات يعمل بصيدلية شقيقه في محطة حجازي بشارع الديم زلط، وكنت أقضي معه أوقاتاً جميلة في الأمسيات عندما أكون نازلاً بمنزل عمي خضر غلام الله – رحمه الله- وكان صلاح وناساً لكن صوته كان منخفضاً جدا لدرجة أنك لا تكاد تسمعه إلا بشق الأنفس، وكان يكره ان يتحدث أحد معه بصوت عالي..


أبلغني عباس ريكس بأن هناك زميل لهم ودفعته عمل بالبنك السعودي الفرنسي، وهو مجدي يوسف، ولم أتذكره، فقال لي عباس إن مجدي يعرفك، وكانت قد أبلغتني آمال النور أن هناك وظائف في البنك الفرنسي، كما أكدت لي أن زميلنا مجدي يوسف قد تم تعيينه في البنك بوظيفة المساعد الثاني للمدير العام، وقد مررت على مجدي في مكتبه في إحدى زياراتي لآمال، وعرفته بنفسي فقال أنه يعرفني، ولم أكن أعرفه كما حصل لي مع الأخوين صلاح وعباس ريكس اللذين التحقا بالعمل معي بالثقافة العمالية، فقد كنت في عام التخرج وهم كانوا في السنة الأولى، وعادة الجدد يعرفون القدامى وبالكاد يتذكر القدامى الجدد..المهم عرفت من آمال أن لجنة المعاينة تتكون من زميلنا مجدي ومن صلاح المهدي شقيق الصادق المهدي، فاستبشرنا خيراً، وذهبنا للمعاينة وكانت بعد المغرب بمقر البنك بالخرطوم، والتقيت بصاحبي عباس ولم يكن البنك مفتوحاً فانتظرنا أمامه حتى حضر مجدي ونزل من سيارته وهو يحمل الشنطة الدبلماسية ومر بجانبنا ولم يسلم علينا ولم يلقي تحية الإسلام على المنتظرين أمام البنك رغم أنه توقف قليلاً ريثما يفتح له الحارس باب البنك! فاستبشرنا شراً..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة .

أبو عدى
12-19-2011, 12:33 PM
لكم زكريات جميلة جدا استاذى الفاضل غلام الله ,
قبل قراءتى للحلقة الاخيرة لم اكن اعرف عن مقهى اتنى ,
الكثير من المعلومات و الكثير من الزكريات الجميلة
سرد رائع استاذى الفاضل غلام الله ,
فى انتظار القادم

احترامى و تقديرى لك بلا حدود

عمر حسن غلام الله
12-19-2011, 05:57 PM
الحلقة 110


نواصل


زميلي خريج المغرب بعدي بسنتين.. يمتحنني!


بعد أن فتح الحارس الباب وسمح لنا بالدخول انتظرنا في القاعة للدخول للجنة المعاينة المكونة من مجدي يوسف- المساعد الثاني للمدير العام- وصلاح الهادي المهدي (رحمه الله) شقيق الصادق المهدي- المساعد الأول للمدير العام- وجاء دوري في المعاينة فجلست أمامهما ولسان حالي يقول:

خربانه أم بناياً قش * مالا الدنيا دار الغش * تكتر في النصائب..

الذي أسبقه بسنتين خبرة على الأقل، وسنتين دراسة يمتحنني؟!!! عجباً والله.. لقد كان لعلاقة المصاهرة بينه وبين رئيس مجلس الإدارة آنذاك- خالد فرح- حيث زوجته بنت خالة مجدي القدح المعلى في تعيينه في البنك بهذه الوظيفة.. المهم كنت قد ضمنت سيرتي الذاتية أن لدي لغة فرنسية، فتحدث معي صلاح الصادق باللغة الفرنسية، وفي اول جملة غالطني فيها، فغالطته وقال لي الحكاية غلاط؟ أو شئ من هذا القبيل عندما صممت على رأي.. ومن هنا عرفت النتيجة سلفاً.. وكان يمكن أن تكون زمالة مجدي لي سبباً في إيجابية النتيجة، لا سيما أن البنوك تفضل من تعرفه بالإضافة للكفاءة، ولكن زميلي الذي ورائي بعامين دراسيين وعامين في الخبرة وجدني لا أصلح أن اكون من ضمن موظفيه.. وكذلك كانت النتيجة سلبية بالنسبة لصديقي عباس ريكس.. ثم أشاع مجدي أنني وعباس قلنا أنه كان السبب في عدم قبولنا في البنك او شئ من هذا القبيل..

وحتى لا أنسى فسوف أسرد مآل وظيفة مجدي في البنك السوداني للإستثمار الذي اضحى البنك السوداني الفرنسي، فقد حدثت مشكلة اضطرت السفارة الفرنسية في الخرطوم للتدخل، وكان نتيجتها ان أزيح خالد فرح من رئاسة مجلس الإدارة، فتأثر مجدي نفسياً بذلك ويبدو أنه شعر بأن وجوده في البنك مهدد، فقد قالت لي آمال انه كان يأخذ الشيك المراد توقيعه منه وينزل من مكتبه الى خارج البنك وبطريقة لا إرادية يعفص الشيك بيده حتى يكرفسه، ثم يصعد الى مكتبه.. قلت لها لقد ظلمه نسيبه بتعيينه في هذا المنصب مباشرة، فكان أفضل لمجدي ان يتدرج – ولو بسرعة- من أدنى وظيفة متدرباً فيها الى وظيفته الحالية مروراً بكل الوظائف حتى يلم بعمل كل وظيفة ويكون مصرفياً حقيقياً وليس مجرد موقّع ثاني أو ثالث على الشيكات.. وقد كان يحز في نفوس موظفي البنك أن مجدي بالبكالوريوس كان يرأس حملة الدكتوراة الذين هم رؤساء لبعض الأقسام..

خلال تواجدي بالعاصمة انتهزت الفرصة لأواصل دراسة اللغة الفرنسية التي كنت قد بدأتها في الرباط في المركز الثقافي الفرنسي، وكنت قد درست فترة واحدة في كل سنة دراسية، اي كان مجموع الفترات ثلاث اي ما يعادل سنة ونصف، ولكن من الواضح انني كنت انتقل الى السنة الثانية ثم الثالثة بحصيلة الفترة الواحدة التي كانت دائماً هي الفصل الثاني لتأخر وصول المنحة في السنة الثانية والثالثة، ولتأخر وصولي للمغرب في السنة الأولى، مما أفقدني فرصة اللحاق بالفصل الأول.. المهم ذهبت الى المركز الثقافي الفرنسي بالدور الرابع بعمارة النيل الأزرق بالخرطوم- شارع القصر قرب تقاطعه مع شارع الجمهورية- وشرحت لهم شفاهة ما درست ولم تكن معي أوراق تخص دراستي بالمغرب، فطلبوا مني الجلوس لامتحان – ربما تحديد مستوى- ثم صححوا الورقة وقالوا لي إدخل السنة الرابعة- الفصل الثاني.. رائع، لقد اختصرت سنوات الدراسة، وبالفعل أكملت السنة الرابعة معهم ثم في السنة التالية بدأت معهم السنة الخامسة- الفصل الأول (لأول مرة أدرس الفصل الأول على الإطلاق)، وأكملته وامتحنت ونجحت ودرست الفصل الثاني وامتحنت وحصلت على شهادة السنة الخامسة..

وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...


.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
12-21-2011, 07:09 PM
الحلقة 111

نواصل

امتحان سونا

كانت الدراسة بالمساء، وكنت أكمل العمل في النهار ثم أمر على بيت عمي خضر غلام الله في الديوم الشرقية أو بيت خالي سراج حسن الصادق في الصحافة مربع 35 وأقيل معهم وفي المساء أذهب للمركز في وسط الخرطوم ثم بعد إنتهاء الحصة أعود لمكان سكنتي في منزل خالي الدكتور الصادق حسن الصادق في شمبات الزراعة.. لاحظت أن معظم الدارسين في المركز الفرنسي من أبناء الذوات، بنين وبنات، وتعرفت على بعضهم وما زال راسخاً في ذهني بعضهم مثل نجيب القاضي وهو رجل أعمال شاب وقد تزوج لاحقاً بزميلتنا في المركز (ساميه)، وامتدت علاقتي بهما لفترة طويلة قبل أن ينتقلا للعيش في أمريكا، كذلك كان طالب الطب علي إدريس الذي كان دفعة بنت عمي- آمنة بشير- في الكلية وكنت أزورهم في الكلية في الأمسيات من حين لآخر، وعلي هذا من القلائل الذين قبلوا في السنة السادسة في المركز الفرنسي رغم أنه كان يدرس في كلية الطب بالتوازي مع المركز الفرنسي.. وقد استفاد من دراسته للغة الفرنسية حيث حضّر الدكتوراة في فرنسا، وهو حالياً اخصائي جراحة التجميل في السلاح الطبي.. أما أنا فقد كان الإمتحان الأخير قبل سفري الى السعودية بيوم أو يومين وقد أخرت السفر مخصوص لأجلس للإمتحان..

وكنت قد تقدمت لامتحان تحديد مستوى للالتحاق بكورس للغة الإنجليزية، وانعقد الامتحان في إحدى القاعات الكبيرة بجامعة الخرطوم، وكانت القاعة ملآى بالممتحنين، وأذكر أنني أول من سلم ورقة الإجابة، وظهرت النتيجة وبناء عليها التحقت بكورس متقدم للغة الإنجليزية بجامعة الخرطوم وقد حضرت حصة واحدة ولم أواصل والسبب كان السفر للسعودية..

وبذكر الإمتحانات، فقد جلست لامتحان الإلتحاق بوزارة الخارجية، ولم أوفق في الإلتحاق بها.. وكذلك جلست لامتحان للإلتحاق بوكالة السودان للأنباء (سونا) وكان الإمتحان في مقرها، واذكر أنني قبل الدخول للإمتحان تعرفت على فتاة قالت لي: (أنا فراعية "خريجة جامعة القاهرة فرع الخرطوم" وبالتالي ماسحة انجليزي)، فأجبتها بأنه لا مشكلة، وسألتها كيف هي في المعلومات العامة؟ قالت كويسة.. أول ما دخلت القاعة اخترت ترابيزة فاضية وجلست عليها، فجاءت تلك الفتاة ومعها أخرى- فراعية أيضاً- وجلستا على نفس الترابيزة وبعد قليل تداعى الفراعة الى طاولتنا بمعرفة الفتاتين فامتلأت الكراسي التي حول الترابيزة.. فجاء السيوبرفايزر وطلب منا الإنتقال الى قاعة أخرى خالية لتخفيف الضغط على هذه القاعة المكتظة، فقمت وقام جميع الجالسين معي حول تلك الترابيزة وتبعوني الى القاعة الأخرى، وجلست في ترابيزة خالية، فجلسوا جميعهم معي في نفس الترابيزة، ثم جاء السوبرفايزر مرة أخرى وقال: (ليه التربيزة دي مليانة كده.. انا عايز فيها ثلاثة بس!) فقام البعض وظللت انا جالس ومعي الفتاتين وشاب آخر.. وكنت أثناء الونسة قبل الإمتحان قلت لهم أتوقع سؤال معين في موضوع كان يذاع آنذاك في الإذاعة في شكل تنويه او شئ من هذا القبيل حول الإتحاد الإشتراكي، وبالفعل جاء السؤال في الإمتحان، فاتهموني بعد الإمتحان بأنني كاشف الإمتحان لا سيما وأن أحد زملائي السباقين في الثقافة العمالية يعمل الآن بسونا، قلت لهم لو كنتم تتابعون الإذاعة لعلمتم أن مثل هكذا سؤال لابد أن يرد في امتحان سونا.

عندما بدأ الإمتحان وجدت أربعتهم يعانون من رهاب الإمتحانات.. أما سعاد فكانت تنقل من ورقتي.. وكانت تقول لي بين الفينة والفينة: أنا ما راجياك! أي هي تنتظر إنتهائي من الإجابة لتنقلها.. ووجدتها ماسحة في الإنجليزي والمعلومات العامة وكل شئ، وكذلك زملاءها لأنهم كانوا ينقلون منها.. وقد أصابت زميلتها هستيريا فأصبحت تضحك باستمرار وبلا سبب وبطريقة تدل أن ضحكها غير عادي، وزميلهم الشاب طلب حبوب صداع حيث فاجأه صداع حاد كما قال.. ومرّ أحد المراقبين فقال لسعاد: أوعي تكوني نقلتي اسمو برضو في ورقتك! إشارة إلى نقلها من ورقتي كل إجاباتها، لذلك عندما جاء المراقب ليجمع الورق سلمته ورقتي وطلبت من سعاد أن تنتظر قليلاً فلا تسلم ورقتها بعدي مباشرة، وكانت في هذه اللحظة قد مدت الورقة للمراقب الذي مسكها ولم تفلتها هي، وسألتني لماذا، قلت لها بس انتي استني شويه، فأصرت ان تعرف وظلت ممسكة بالورقة من طرف والمراقب من طرف.. حتى قال لها المراقب انا فهمت بس انتي فكيها، فقلت لها فكيها ليهو، فأفلتتها له.. فأوضحت لها أن المصحح لو وقعت الورقتان متتابعتان في يده فسوف يدرك أنهما نسخة كربونية من بعضهما، ولكن المراقب الظريف تصرف وأبعدهما عن بعضهما..

كذلك لم انتظر نتيجة هذا الإمتحان، فقد سافرت قبل ظهور النتيجة الى السعودية، وفي أول إجازة زرت سعاد في مكتبها بمكتب العمل وتذكرت امتحان سونا فسألتها هل النتيجة ظهرت فأجابت بالإيجاب وقالت لي إنها نحجت، فقلت لها: (وأنا؟) فقالت: (شوف ده بالله، انا اقول ليك انا نجحت.. انت كيف ما تنجح؟) فضحكت، وعرفت من أخينا قرناص زميلنا في الثقافة العمالية الذي نجح ايضا في امتحان الدخول الى سونا ان ترتيبي كان الرابع من حوالي ثلاثمائة ممتحن.. أما سعاد فرغم نجاحها في الإمتحان إلا أن نتيجة المعاينة لها كانت سلبية.. حيث قالت لي أنهم أروها صورها وهي في الجامعة تتظاهر ضد النميري.. فقد كانت حزب أمة.. لذا استمرت في عملها في مكتب العمل.. ثم حدثت الإنتفاضة فانتقلت الى القصر الجمهوري مديرة لمكتب عضو مجلس رأس الدولة عن حزب الأمة، ثم رشحت نفسها في الإنتخابات- الديمقراطية الثانية- عن فئة الخريجين.. سعاد أرتني في مفكرتها عبارة: (الليله لاقيتو) ثم تاريخ كتابتها للعبارة.. وقالت لي هل تذكر التاريخ؟ قلت لها لا.. قالت هو تاريخ امتحان سونا.. ويبدو أن الشخص الذي لاقته في الليلة ديك.. هو أنا!

وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..
إلى اللقاء في الحلقة القادمة بإذن الله

الشاطرابي
12-22-2011, 01:32 PM
طريقة السرد جميلة والتفاصيل اجمل الف شكر الاستاذعمر
وانت تاحذنا معك عبر الحروف لتلك الرحله الجميله لنعيشها معك

منتظرين

عمر حسن غلام الله
12-27-2011, 07:16 PM
طريقة السرد جميلة والتفاصيل اجمل الف شكر الاستاذعمر
وانت تاحذنا معك عبر الحروف لتلك الرحله الجميله لنعيشها معك

منتظرين


الشاطرابي

شكرا لك، ونأمل ان نكون عند حسن الظن بنا

عمر حسن غلام الله
12-27-2011, 07:18 PM
الحلقة 112

نواصل

حبيبتي خطبوها


ويبدو أنني لم أحس بها وقتها لأنني كنت في حالة عدم توازن، لا سيما حينما جاء زميلي ومديري في بورسودان حيدر إدريس الى المؤسسة ذات نهار وفجر في وجهي قنبلة من العيار الثقيل- أشبه بقنبلة بوروسودان، بل أثقل منها- قال لي أن فتاتي قد خُطبت! قلت له أكيد انت غلطان، فقد بدأت المياه تعود لمجاريها بيننا.. قال لي أوليس إسمها (.....) قلت نعم، قال فقد تمت خطبتها لقريبي.. من قريبك هذا وماذا يعمل؟ قال فلان ويعمل عامل وكان في ليبيا.. ماذا تعني بكلمة عامل؟ قال لي (طُلبه- أي صبي عامل)، حينها ضحكت وقلت له إذاً المعلومة غير صحيحة.. كيف لهذه الحسناء ان تتزوج طُلبه- مع احترامي للمهنة- لا سيما وأنها قد التحقت بالجامعة..


توجهت من المؤسسة الى الديم حيث منزل جدها وأعمامها القريب جداً من المؤسسة، وسألت إبن عمها صديقي فأمن على المعلومة.. فأصابتني نوبة من البكاء المكتوم.. طُلبه يا أيتها الحسناء الذي بسبب حسنك كانت الكارثة؟ لقد تبدد الأمل تماماً، والعودة أمست مستحيلة.. قال لي حيدر إن البنات واقعيات أكثر من الرجال، فهي حتماً قد رأت أن المستقبل معك محفوف بالمخاطر، وأنها وأسرتك لن يتفقا، بالتالي لن تعيش في سعادة معك حتى لو كانت تحبك.. أما أنا فقد عزيت ذلك إلى أنها قد جُرحت واتُهمت بتهمة تؤثر على سمعة الفتاة مهما كانت.. وخطبتها ستقطع عنها الألسن، وستثبت أنها مرغوبة، وأنها لو كانت كما أُشيع عنها لما تقدم لها أحد.. هذا تفسيري.. وحينما قابلتها في مدني لاحقاً سألتها عن هذا القبول الغريب قالت لي بما معناه أنه لو كان قبول حقيقي- أي برغبة حقيقية- لما اخترت مثل هكذا شخص، اي كان قبولها لأي طارق لبابها والسلام! وبالفعل لم تستمر الخطبة كثيراً..


وجودي في الخرطوم خفف عني كثيراً تلك الصدمة، فوسعت من دائرة اجتماعياتي وصداقاتي- خاصة مع الجنس اللطيف- فكنت أزور صديقي عماد سليمان- رحمه الله- الذي كان يدرس في جامعة القاهرة فرع الخرطوم بالمساء ويعمل بالنهار في وزارة المالية، وهناك في وزارة المالية تعرفت على بعض البنات، كذلك في وزارة الثقافة حيث كنت أزور زميلتنا ساميه فتعرفت على بعضهن، كذلك عبر دورات الثقافة العمالية وبنات مركز تطوير الإدارة، هذا غير بنات الأهل، وكانت أجمل زياراتي تلك لكلية الطب جامعة الخرطوم حيث تدرس بنت عمي آمنة بشير حيث تعرفت على زملائها وزميلاتها منهم بابكر البشير خليفة الشاعر الفذ وكذلك علي ادريس زميلي بالمركز الثقافي الفرنسي- وهو ايضاً من ابناء مدني وشقيقه الأكبر دفعتي في مدرسة الأهلية الوسطى (أ)- وعلى الدكتورة مها محجوب زميلة شقيقتي حياة في المدرسة الوسطى.. هذه العلاقات البريئة خففت عني كثيراً..


كذلك ساعدني وجودي بشمبات الزراعة حيث الخضرة والنيل الذي يقع بجوار منزل خالي وليس بينه وبين المنزل غير الجروف الخضراء حيث بوابة المنزل الغربية يصلها ماء الفيضان في وقت الدميري، كذلك حديقة البيت الغناء الواسعة ذات الأشجار الباسقة والتي منها القشطة الهندية والتمر هندي واللبلاب التي زُرعت في عهد الإنجليز، وكنت كذلك أزور زملائي القدامي- في مدرسة الأهلية الوسطى (أ)- والذين يدرسون في كلية الزراعة والبيطرة بجامعة الخرطوم والتي مقرها شمبات الزراعة- التي سميت شمبات بإسم الكلية- ومنهم عبد الإله محمد الحسن، وعبد العظيم عوض دفع الله، وكذلك ميرغني فضل المولى وعبد المنعم سيد أحمد من أبناء حينا 114 بمدني، وكنت أتمشى من بيت خالي الى الكلية وأجلس معهم وأحياناً أحضر مناشطهم وندواتهم وحفلاتهم.. لقد ملأت وقتي لكي أنسى!


وقد واصلت علاجي بمستشفى بحري حيث حولني مستشفى مدني الى مستشفى بحري حسب طلبي حيث كنت اقيم في شمبات الزراعة وبالتالي مستشفى بحري كان الأقرب، فقابلت مساعدة طبية ويبدو أنها كانت شاطرة، فقد قلت لها متى اتوقف عن تناول الحبوب؟ فقالت لي إن الأعصاب تتوتر بالتدريج، ولابد أن ترتخي بالتدريج فلا تستعجل، وواصلت مراجعتها دورياً لأحصل على الحبوب التي أراحتني كثيراً..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
12-31-2011, 02:11 PM
الحلقة 113


نواصل

مقالي بجريدة الأيام حول الثقافة العمالية



نرجع للثقافة العمالية، فقد وجدت مقالاً كنت قد كتبته في جريدة (الأيام) السودانية- لم يكن في تلك الأيام غير صحيفتين يوميتين هما (الصحافة) و(الأيام)، والموضوع رد على مقال كتبه اتحاد الموظفين والمهنيين، وإليكم المقال المكتوب بجريدة الأيام الصادرة يوم الإثنين 21/3/1983م فهو يعطي ضوء على تلك الحقبة من تاريخ السودان الحديث، وعلى الثقافة العمالية ومؤسستها والعمال واتحاداتهم:


تعقيب حول:استراتيجية الثقافة العمالية بالسودان


اطعلت على الموضوع الذي كتبه اتحاد الموظفين والمهنيين تحت نفس العنوان بجريدة الأيام الصادرة بتاريخ 14/2/1983م.. وأسعدني أن تجد الثقافة العمالية اهتماماً من جانب الإتحاد، وراقني أنه موضوع للنقاش، وهأنذا أدلي بدلوي في الموضوع وأشير في البدء أن موضوعي هذا يحمل وجهة نظري الخاصة ولا يحمل بالضرورة وجهة نظر المؤسسة العامة للثقافة العمالية التي أنا موظف بها، كما أرجو أن يتسع النقاش لنستطيع أن نناقش دقائق الأمور لتعم الفائدة.

من ناحية الهدف فأنا متفق معكم، وفي الموضوع برمته أتفق معكم في كثير من نقاطه، فقط أوضح بعض النقاط وأناقش أخرى، وأبدأ بما ورد بموضوعكم حول النظرة الفوقية.


النظرة الفوقية:
إن وضع قانون الثقافة العمالية كقانون ولوائح وتنظيم إداري بواسطة خبير أو فني لا يؤثر بالضرورة على ما يُقدم للعامل وما يحتاجه، فالتنظيم المالي والإداري شئ عام وكل مؤسسة أو منشأة وشركة تحتاجه وبنفس القدر تقريباً، أما المدة التي تُقدم وهي التي تهم العامل الدارس مباشرة- وأقصد المحاضرات التي تقدم له- فإن للخبير دور فيها محدد، فالمشاركون في تحديد المواد التي تُدرس للعامل جهات متعددة، فبالإضافة للخبراء هناك القائمون بأمر الثقافة العمالية من إداريين، وهناك العمال أنفسهم الدارسين في الدورات وذلك عن طريق استمارة (تقييم الدارس للبرامج) وفيه يذكر الدارس في نهاية الدورة وبصراحة رأيه في البرنامج أولاً من حيث استفادته من البرامج وهل هي كبيرة أم متوسطة أو ضعيفة، ثم رأيه في مدة البرامج وهل هي مناسبة أم لا، وكذلك في زمن المحاضرة، والأهم رأيه في المواد التي درسها وهل يرى أن هنالك محاضرة أو محاضرات يجب حذفها من البرامج أم لا، وهل هنالك مواد يجب إضافتها للبرامج أم لا.. ثم تجمع هذه البيانات وتفرغ في استمارة معينة ترسل لقسم الإحصاء بالمؤسسة فتتجمع لديه استمارات جميع الدورات المعقودة في كل أنحاء السودان فيستخلص منها إن كان 40% من الدارسين في البلاد قد اتفقوا على شئ واحد فسينفذ فوراً، ونشير إلى أن استمارة تقييم الدارسين للبرامج لا يكتب فيها الدارس اسمه حتى يُعطى فرصة لإبداء رأيه بصراحة وموضوعية.


هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهناك طرف آخر يشارك في تحديد المواد، بل وفي تسيير المؤسسة بوضع الخطط العريضة للمؤسسة وإجازة ميزانيتها ألا وهو مجلس الإدارة والذي يمثل العمال فيه بستة أعضاء من مجموع الـ 21 عضواً الذين يمثلون 15 جهة، وأرى أن وجود أكثر من 28.5% من العمال في مجلس الإدارة يوفر لهم فرص التأثير وخلق ما يرونه مناسباً لهم، أما العقبة الكبيرة التي تعترض الثقافة العمالية والتي يعاني منها القائمون عليها وهي عزوف العمال عن الحضور لدورات الثقافة العمالية فهي في نظرنا ليست بسبب عدم إشباع تلك المواد لحاجات العمال الثقافية، وإنما لأسباب عدة من بينها صعوبة الإتصال الشخصي بالعمال المرشحين أو المراد ترشيحهم بسبب شح وسائل الإتصالات والمواصلات، وشح الأطر الإدارية التي تقوم بذلك العمل كنظرة العمال إلى معنى الثقافة العمالية من خلال إسمها، فمعظم العمال الذين يحضرون الدورة الأساسية لأول مرة يفاجأون بالواقع الذي هو خلاف ما كانوا يتصورونه، فهم كانوا يفهمون الثقافة العمالية على أنها غسيل مخ، ولذا كانوا يتهيبون الدخول الى دوراتها، وكثير منهم كان يعتقد أنها دراسة سياسية بحتة. وبعد حضور الدورة الأساسية تزداد الرغبة في حضور دورات الثقافة العمالية المتقدمة كالقيادية والتخصصية، بل إنهم يلاحقون القائمين بأمر الثقافة العمالية ليعقدوا تلك الدورات ويشركوهم فيها، وتقل عددية هذا النوع من الدورات للعوائق المذكورة آنفاً.


أيضاً قصور الإعلام له ضلع كبير في عزوف العمال عن الثقافة العمالية، فالشئ الذي تجهله تخافه، ورغم أننا نعرف أهمية الإعلام إلا أننا لم نستفد منه الفائدة المرجوة رغم محاولاتنا الجادة للوصول إلى العامل وإلى المخدم وإلى الإداري عبر وسائل وأجهزة الإعلام المختلفة، وفي أحيان يرجع السبب الى غير القائمين بتلك الأجهزة، وقد تشارك بعض النقابات وبعض النقابيين في تعتيم رؤية العامل للثقافة العمالية، أو جهلاً لأهميتها، أو عن قصد، أو بسبب موقف معين، أو بسبب فهم خاطئ لها.


وبعض المخدمين لهم باع في مسألة العزوف تلك، فهم يمانعون في منح العامل إجازة دراسية مدفوعة الأجر والممنوحة له بحكم القانون لحضور دورات الثقافة العمالية.. أيضاً بسبب جهلهم لفائدة الثقافة العمالية او لحساسيات داخلية بين المخدم والنقابة. وأخيراً تدخل المعيشة وصعوبة الحياة باب تلك المسألة بالعرض، فهي سبب مباشر وأساسي لعزوف العمال؛ فإنهم يفضلون العمل الإضافي الذي هو المساعد الأول على مواجهة قسوة الحياة.


(نواصل المقال في الحلقة القادمة بإذن الله)


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
01-01-2012, 06:21 PM
الحلقة 114


نواصل


مقالي بجريدة الأيام حول الثقافة العمالية (2)



(نواصل المقال)


الوسائل والأساليب:
هناك الوسائل السمعية والبصرية المستخدمة في الثقافة العمالية خاصة في العاصمة بالإضافة لأداء الأدوار ودراسة الحالة وأعمال الجماعات ومجلس الإدارة الذاتي وليس المحاضرة فقط هي الوسيلة الوحيدة كما ذكرتم، وتلك الوسائل لها نسب محفوظة في البرنامج، وهنالك حصص للنقاش كما أن كثير من المحاضرين- إن لم يكن كلهم- يجزئون المحاضرة يتخللها نقاش، كما ان معظم المحاضرين بالثقافة العمالية تمرنوا على تعليم الكبار ودرسوا، ولو بالتجربة، الدورات- كدورة المثقفين العماليين- سيكولوجية العمال، وفي بعض أنواع الدورات تكون التدريبات العملية بنسب عالية تكاد تكون مساوية في زمنها للمحاضرات.. إلا أننا نعترف بقصور الوسائل السمعية والبصرية المستخدمة في الأقاليم، إذ تفتقر إليها كل المراكز.. والسبب الإمكانات..


الهيئات المشرفة:
لقد أشركت المؤسسة العامة للثقافة العمالية العمال في تقديم محاضرات الثقافة العمالية واستفادت كثيراً من خبرتهم، بل وهناك إداري بالمؤسسة أصلاً كان عاملاً في السابق وكان رئيساً بل أو لرئيس لاتحاد عمال السودان، بالإضافة إلى عقد ثلاث دورات للمثقِفين العماليين بالسودان ورابعة بمصر هدفها خلق المثقِفين (بكسر القاف) العماليين ليحملوا راية الثقافة العمالية، ونحن ندري أنهم أكثر فهماً لزملائهم منا.. ونرجو أن يكونوا أهلاً لذلك، أما التمويل فنوافقكم بأنه لا تطيقه الحركة النقابية لأن الحكومة أقدر منها، ورغم ذلك فإن تمويل الثقافة العمالية قاصر فما بالك بمن موارده محدودة.. وبتساؤلكم عن أن تقديم الدولة للتمويل سيتضمن عنصراً من عناصر الوصاية أو التوجيه، فنقول أنه ليس هنالك وصاية أو توجيه، وإنما يضع مجلس الإدارة الخطوط العريضة ويقوم السيد المدير العام ونوابه وموظفيه بتنفيذ الخطة السنوية باستقلال تام، وأبرز دليل على ذلك ان مديري المراكز في العاصمة والأقاليم يديرون المراكز باستقلالية تامة دون الرجوع الى الرئيس المباشر في الرئاسة إلا نادراً، ولا تتدخل الرئاسة إلا لماما، فما بالك بالمؤسسة ككل.. وأؤكد لك أنه ليس هنالك وصاية حكومية بل ان التمويل الحكومي كما ذكرتم هو جزء من قيام الحكومة بواجباتها ومسؤولياتها القومية.


مستويات الثقافة:
فعلاً تركيز الثقافة العمالية على الدورات العامة مرجعه كما أسلفت ضيق ذات اليد، أما الحاجة الماسة لتكوين معهد الدراسات العمالية التخصصية فقد أدت فعلاً إلى تكوين (المعهد المركزي للثقافة العمالية) والذي يقوم بعقد الدورات التخصصية تاركاً الدورات العامة والدورات القيادية لتقوم بها المراكز في العاصمة والأقاليم، وللأسف فإن هذا المعهد الذي يحمل هذا الإسم العملاق والمسؤولية الأكثر كبراً ليس به سوى مدير ونائبه (.... وبس!) ولا مبنى له ولا ميزانية ولا أطر إدارية أخرى ولا أطر مساعدة، وحين يقرر المعهد عقد دورة تخصصية، وبدلاً أن يركز جهده على الترشيح والتفرغ وإعداد البرنامج والإتصال بالمحاضرين؛ نجده يبذل مجهوداً كبيراً في الحصول على قاعة ليعقد عليها الدورة، فيتصل تارة بمركز تطوير الإدارة وأخرى بأكاديمية السودان للعلوم الإدارية وثالثة بدار العاملين بجامعة الخرطوم للحصول على قاعة دراسية لمدة اسبوعين او ثلاثة هي مدة الدورة.وبخصوص معالجة الثقافة العمالية لقضايا مثل المطلبية والنقابية والتنظيم والبنيان النقابي ودور الحركة النقابية في التنمية؛ فإن هناك مجموعة محاضرات تغطي جزءاً من القضية الأولى والثالثة وكل القضية الثانية، أي التنظيم والبنيان النقابي.وأضم صوتي لصوتكم مطالباً بدعم الدولة للثقافة العمالية متمثلاً في توفير الإمكانات والميزانيات ووضع الهيكل المناسب للعاملين وإيجاد مقر دائم للمؤسسة ومراكزها ومعهدها المركزي.وفقكم وإيانا الله لخدمة الوطن الحبيب إنه سميع مجيب.


عمر حسن غلام الله
مؤسسة الثقافة العمالية


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة .

أبو عدى
01-01-2012, 06:38 PM
كل عام وانتم بالف خير
استاذى الفاضل - عمر غلام الله

عمر حسن غلام الله
01-03-2012, 06:02 PM
كل عام وانتم بالف خير
استاذى الفاضل - عمر غلام الله

وأنت بألف خير يا أبا عدي

وجزاك الله كل خير وبارك فيك

عمر حسن غلام الله
01-03-2012, 06:03 PM
الحلقة 115

نواصل

فيزة للسعودية



عندما كنت بالخرطوم كنت متعدد مقار السكن، فمرة عند خالي سراج بالصحافة ومرة عند عمي خضر في الديوم الشرقية ومرة عند خالي الصادق في شمبات الزراعة، حتى أن أحد الزملاء الظرفاء قال لي لو حصلت ليك حاجة ما حد حيعرف، لأنو ناس الصحافة حيقولوا انت في الديم وناس الديم يقولوا انت في شمبات وناس شمبات يقولوا انت في الصحافة.. والحمد لله لم يحدث شئ لي، ولكن مرة بحث عني بن عمي انور خضر في كل مكان ولم يجدني، وبدأ بمؤسسة الثقافة العمالية القريبة من بيتهم، فوجد أنني قد خرجت باكراً، ثم بدأ يبحث عني ليعرفني بسعودي قابله مع علي (ود حلتهم في الديم) والذي يعمل سائق تاكسي وكان معه هذا السعودي، وسأل انور السعودي عن فيزة له- إن شاء الله داده- حسب فكاهته المعهودة، فقال له السعودي هل عندك لغات؟ أنا أبحث عن من عنده لغات، فقال له بن عمي ليس عندي لغات ولكني اعرف من عنده لغات، وطفق يبحث عني ليقابلني به..


وبالفعل قابلني براشد الحارثي الذي كانت لديه تأشيرات من ضمنها كاتب ومهندس لمؤسسته، وتأشيرة مربية وعامل مطعم لآخرين فوضوا مكتبه لاستقدامهم.. وقابلته في فندق في وسط الخرطوم وقدمت له شهاداتي، وقبلني على الفور وأخذ جوازي للسفارة وأخذ عليه التأشيرة بعد مقابلة مكتب العمل، وحدد لي الراتب بـ 1200 ريال، فقلت له انا لا اعرف كم يساوي هذا الراتب ولا هل يعيشني ام لا، لذلك أترك الأمر لك.. ولكن حسب مكتب العمل فإن الراتب الذي وقع عليه العقد معهم هو 2000 (ربما اكثر وربما اقل لا أذكر)، المهم قبلت بالعرض باعتباره تجربة لو نجحت لاستمررت ولو لم تنجح سأعود لوطني، وكانت المعيشة وقتذاك تزداد صعوبة (أوائل عام 1983م)، وأذكر ان الـ 1200 ريال كانت تساوي 600 جنيه، وكان راتبي في الثقافة العمالية وأنا في درجة مفتش (dc) قدره 135 جنيه..


وكان من ضمن المختارين للسفر سائق التاكسي (علي) المذكور اعلاه، الذي صادف راشد وهو خارج من المطار فلم ينتظره حتى يصل إلى بوابة الخروج، بل قفز السياج وقابله وأخذ شنطة راشد ليفوز بتوصيله، وقد أعجبت هذه الحركة راشد الذي اعتبر ذلك التصرف فهلوة وأعجبه ذلك فاختاره ليكون من ضمن المرشحين للسفر الى السعودية.. (علي) هذا بحكم احتكاكه براشد طيلة مكوثه في السودان حيث كان يأخذه في مشاويره داخل العاصمة، فقد (كب لي مكنات تقيله) عن كلام راشد عني وأنه سيجعل لي مكانة خاصة لأنه (وين يلقى ليهو زول زيك عندو لغتين- انجليزية وفرنسية- وسيخصص لي شقة وشغاله) وقد صدقته والمؤمن صديق.. وكان مقر العمل بمدينة الطائف، وهذه أيضاً مزية حيث شهرة الطائف في جوها الجميل البارد..


هذه المغريات وما أكابده من معاملة سيئة في المؤسسة وضيق الحال الذي بدأ يعم السودان، كل ذلك غلّب فكرة السفر للسعودية.. ثم سافر الكفيل على أن ألحق به، وأخرت السفر لأجلس لامتحان السنة الخامسة والأخيرة بالمركز الثقافي الفرنسي، ولأودع أهلي بمدني.. وسافرت الى مدني حيث عملوا لي حفل وداع (بارتي) وتجمع شباب الجيران من الأولاد والبنات.. وكانت هي معهم.. حبيبتي التي كانت خطيبتي.. وكان في كلامها ما يدل على شئ غير مريح، ولم أكن أتوقع أن تعدني بشئ مريح، رغم فسخها لخطوبتها من الخطيب الثاني الذي فسرته بأنها قد وافقت في البدء لتخرج من الحالة التي وُضعت فيها ثم ما لبثت أن اكتشفت عدم قدرتها على الاستمرار في هذه الخطوبة.. فقد صدقت مقولة زميلي حيدر ادريس بأن البنات واقعيات أكثر من الأولاد، وأنهن ينظرن الى أبعد مما ننظر إليه..


ثم ودعتها، ولم يكن هناك وداع مثل الذي كان ليلة سفري الى بورسودان في يونيو 1979م، لقد ولى زمان الحب وليالي الغرام وأيام الهناء..
وودعت أهلي في مدني، وسافرت الى الخرطوم ..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
01-07-2012, 02:26 PM
الحلقة 116


نواصل


الهجرة إلى السعودية




جاءت أمي معي الى الخرطوم لوداعي، وفي يوم 12 رجب 1403هـ الموافق 5 مايو 1983م ودعت أمي وأهلي في الخرطوم وصديقتي الصغيرة بنت خالي وفاق الصادق حسن ذات السنتين التي كنت أسكن معهم، وتذكرتها الآن لأن فراقها كان صعباً عليّ فقد كانت متعلقة بي جداً، وهي الآن أم وتعيش بأمريكا مع زوجها..


وأقلعت الطائرة من مطار الخرطوم، وبعد حوالي الساعة ونصف هبطت بمطار جدة، وبعد اجراءات الجوازات والتقاط العفش والجمارك خرجت من المطار وسألت عن بصات النقل الجماعي المتوجهة نحو الطائف، فدلوني عليها فقطعت تذكرة وصعدت الى البص الذي تحرك بنا ومر على قسم من مدينة جدة التي أراها لأول مرة، ثم خرج الى الصحراء حتى وصل الى مكة المكرمة ودخل الى موقف حافلات النقل الجماعي حيث نزل ركاب وصعد آخرون، ونزلنا لنتناول شئ من البوفيه الموجود هناك، وعزمني سوداني كان يجلس بجانبي في البص على مشروب، فنظرت الى الرف فرأيت علب البيبسي والميراندا والتمر هندي، فاخترت التمر هندي الذي شربته فإذا هو شراب العرديب، وقرأت الكتابة على العلبة فوجدته مصنوع ومعبأ في أمريكا، والغريب ان ثمن علبة البيبسي والميراندا كانت بريال، بينما العرديب كان بريالين ونصف! ولم أره بعد ذلك في السعودية طيلة الثلاثين سنة التي تلت.


ثم ركبنا البص وانطلق بنا الى الطائف، وفي نقطة تفتيش قبل الطائف صعد عسكري الجوازات الى البص وتفقد هويات الركاب، ومد يده إلىّ فناولته جواز سفري فنظر فيه ثم نزل الى الأرض، ثم عاد واستدعاني فنزلت معه الى الضابط، الذي أعاد قلب صفحات الجواز ثم أعاده إليّ فرجعت الى مقعدي بالبص الذي كان ينظر إليّ ركابه باستغراب، وقلبت الأمر في رأسي لماذا العسكري فعل ما فعل؟ فخمنت أن يكون بسبب وجود تأشيرات سفارات ودخول من المغرب واسبانيا وفرنسا وإيطاليا، ويبدو أن العسكري لم يتعود إلا على جوازات خالية إلا من تأشيرة السعودية.. المهم واصل البص مسيره الى الطائف التي دخلناها حوالي العصر أو قبيله بقليل..


وكان الكفيل قد شرح لي كيفية الوصول الى مقر المؤسسة، حيث يجب أن أنزل من البص عند المحكمة القريبة من مقر مؤسسته، وبالفعل نبهت سائق البص منذ وقت مبكر قبل أن يدخل الطائف أن ينزلني عند المحكمة الكبرى، وبالفعل توقف البص في الشارع وأشار لي إلى المحكمة فنزلت وأخذت شنطتي وتوجهت نحو المحكمة، ثم نظرت قبالتها فرأيت لافتة المؤسسة: (مكتب الميزان للإستقدام)، فمشيت نحوه وبعد خطوات قليلة في أرض فضاء وصلت المكتب وكان مغلقاً فطرقت الباب- حسب توجيهات الكفيل لي في السودان حيث أن هناك موظف مصري سكناه في المكتب – وبالفعل فتح الباب من الداخل، وربما وصل من المسجد ووجدني أقف عند باب المكتب لا أذكر- وأدخلني الى المكتب حيث هناك غرفة داخلية يتخذها سكناً له، فرحب بي مصطفى وفرح بوصولي- حيث فهمت فيما بعد أنه كان يريد السفر الى بلده فأخّره الكفيل حتى أصل أنا- وشاركته غداءه الذي طبخه في سكنه، ثم أبلغ بالهاتف الكفيل بوصولي، فطلب منه أن يوصلني اليه في منزله..


أخذني مصطفى الى الكفيل في منزله القريب من المؤسسة وجلسنا في صالونه العربي حيث الجلوس على مراتب اسفنجية مقوية على الأرض، وسألني سؤال: (لماذا تحيرت؟) واحترت في (تحيرت) هذه.. لكني فهمت معناها وهو: (لماذا تأخرت).. فشرحت له أنني كنت أسلم عملي وأودع أهلي في مدني.. وأذكر أن بنته الصغيرة (5 او 6 سنين) قالت لإبيها عندما سمعتنا نتحدث: هو يتكلم عربي؟ قال لها نعم، قالت له: طيب ليه هو عبدي؟ فوكزها بكوعه على جنبها فسكتت.. وفهمت أن كلمة عبدي عندهم تعني أسود.. والأمر سيان عندي، فقلت هذه من أولها!


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة .

عمر حسن غلام الله
01-09-2012, 05:40 PM
الحلقة 117

نواصل

أول أيامي في الطائف الجميلة



خصص لي الكفيل ملحق في سطح العمارة التي يسكنها، يتكون من غرفة كبيرة أشبه بالقاعة بالإضافة الى الحمام والمطبخ وحوش، وبقي مصطفى المصري كما هو في المكتب، ثم بعد يومين وصل مهندس معماري سوداني ليعمل في مؤسسة المقاولات التابعة للكفيل، فأسكنه معي في نفس الملحق.. ثم مارست عملي في المكتب فتسلمت العمل من مصطفى الذي سافر الى مصر في إجازة، وكما أسلفت فالكفيل يمتلك مؤسسة مقاولات ومكتب استقدام- كان الوحيد المرخص له في الطائف بالإستقدام- وكان موقع المكتب مميز، حيث يواجه المحكمة الكبرى التي يجاورها من جهة رئاسة شرطة الطائف ومن الجهة الأخرى قصر شبرا التاريخي الذي يفصل بينه وبين مسجد الملك فيصل- رحمه الله- الذي كان يصلي فيه عندما كان يقيم في قصر شبرا، والذي نصلي فيه نحن الآن حيث يبعد حوالي مائة متر أو أقل من مكتبنا. كذلك يواجه المكتب الضيافة العسكرية التي يفصل بينها وبين رئاسة الشرطة شارع شبرا.

وفي الأيام الأولى، وربما اليوم الثالث لوصولي، رن جرس الهاتف فرفعت السماعة فتكلم من في الطرف الآخر وقال لي معك العقيد فلان الفلاني مدير سجن الطائف، قلت اهلاً وسهلاً.. قال لدينا خدامة في السجن نريدكم أن ترحلوها، فتعال الى مكتبي في السجن.. قلت له ان صاحب المكتب غير موجود ولا أستطيع أن أترك المكتب، قال لي: تجي واللا أرسل لك دورية تاخدك؟ قلت له ارسل دورية لتأخذني.. فصمت قليلاً كأنه تفاجأ بردي، وقال لي: ليش؟ قلت له: لأنه إذا سألني صاحب المكتب لماذا تركت المكتب اقول له أخذتني الدورية.. فقال لي: لا تذهب هنا واللا هنا، بمعنى لا تزوغ.. قلت له سيجدني في المكتب ما لم يأتي في وقت الصلاة فسيجد المكتب مغلق فينتظرني حتى اخرج من المسجد..

وبالفعل بعد صلاة الظهر فتحت المكتب وجلست فيه فجاءت سيارة شرطة (خاصة بالسجن) ونزل منها الشرطي ودخل المكتب وسلم وطلب الإذن للتحدث بالهاتف فأذنت له، فتكلم في الهاتف وسأل الذي بالطرف الآخر ما هو اسم المكتب، فتحدثت إليه وقلت له أنا المطلوب، فأعطاني السماعة فتكلم معي مدير السجن وقال لي تعال معه..

ركبت مع الشرطي في المقعد الأمامي حتى دخل السجن وأدخلني الى مكتب المدير الذي وجدته يتكلم بالهاتف حول نفس الموضوع، فأشار لي بالجلوس فجلست في المقعد الذي امام مكتبه، وسمعته يقول لمحدثه: هاهو السوداني عندي، ثم وهو يتكلم مد يده إليّ بورقة وقلم، فنظرت فيها ولم امد يدي لاستلامها، فلما فرغ من محادثته قال لي وقع.. قلت له أوقع ماذا؟ قال لي توقع اقرار بأن ترحل الخدامة المصرية الى بلادها.. قلت له: ما أقدرش! قال لي: إذاً احطك في العنبر (يعني أضعك في السجن)! قلت له: فليكن! فنظر إلىّ ملياً ومستغرباً من هذا الرد الذي يبدو انه لم يكن يتوقعه.. فقال لي اين صاحب المكتب، قلت له في بيته، قال ا تصل به، فأخذت الهاتف من أمامه واتصلت بكفيلي وأبلغته بما حدث فقال لي اعطني الضابط فأعطيته السماعة وبعد انهاء المكالمة قال لي الضابط ممكن تمشي، فعدت راجلاً الى مكتبي.. من أولها كده!

قصة الخدامة المصرية هذه هي انها ضربت كفيلها حتى أودع المستشفى، وهو عقيد في الجيش! لذلك أودعوها السجن لحين موعد ترحيلها الى بلادها.. ولو كنت وقعت لهم الإقرار فحتماً سأكون مسؤولاً عن ترحيلها ولن يسألوا كفيلي صاحب المكتب - الذي استقدمها قبل حضوري للسعودية بزمن- عن أي شئ يتعلق بها، والذي حدث بعد ذلك ان صاحب المكتب وعدهم بترحيلها، لذا (أفرج) عني!


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
01-09-2012, 05:51 PM
صورة للمقال المنشور بجريدة الأيام حول الثقافة العمالية


http://sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=1438&d=1326123987

عمر حسن غلام الله
01-11-2012, 03:35 PM
الحلقة 118

نواصل


مكتب الميزان للإستقدام

بعيد وصولنا الى الطائف بقليل كانت ليلة 27 رجب، فقررنا انا والمهندس ان نؤدي العمرة، فأعطانا الكفيل احرامات من عنده فأحرمنا وذهبنا الى موقف تاكسيات مكة القريبة من موقع مكتبنا وأظن كانت الأجرة عشرة ريالات للشخص، ونقلتنا التاكسيات الى امام باب الحرم المكي حيث أدينا العمرة لأول مرة في حياتنا.. وبعد ذلك كنت أواظب على أدائها كل حين وآخر، بل كنت في فترة من الفترات أنزل مكة كل جمعة لأصلي صلاة الجمعة بالحرم المكي الشريف..

تلخص عملي في مكتب الميزان للإستقدام في استلام تأشيرات استقدام السائقين والخادمات والعمال من الزبائن وكذلك وكالة لصاحب المكتب لمراجعة السفارات المعنية، بالإضافة الى مبلغ يتراوح بين 4 و 5 آلاف ريال للتأشيرة- الخادمة- اما السائقين والعمال فالمبلغ أقل بسبب ان هؤلاء عادة ما يدفعون هم للمكتب بالإضافة الى تكفلهم بتذاكر سفرهم، اما الخادمات فالمبلغ يشمل ما ندفعه للمكاتب في الدول المعنية والتي تقوم بإجراءات التأشيرة وحجز الطيران وشراء التذاكر، وعامذاك كان استقدام الخادمات يتم من سيريلانكا، وقبل أن أحضر كان من الفلبين التي توقف الاستقدام منها قبيل وصولي.. وكان هناك مكاتب وسيطة في البحرين هي التي تتعامل مع سريلانكا..

وكنا حينما تصل الخادمات الى مطار جدة نذهب انا وكفيلي لاستلامهن من مطار جدة ونحضرهن الى الطائف حيث نتصل على كفلائهن للحضور لاستلامهن، والسريلانكيات يشبهن في ملامحهن وزيهن الهنديات، فهن أقرب للسمرة وشعرهن أسود لامع طويل، ويلبسن الساري الذي يبدي جزء من بطونهن مكشوفاً.. كان هذا منظراً غريباً في بلد مثل السعودية، ولكن المطارات في العالم كلها تتعود على غرائب المسافرين، وعلى عاداتهم، فكما هو معلوم فإن المكان الوحيد المسموح فيه بالقُبَل والعناق- إذا كان ممنوعاً في البلد- هو المطار.. طبعاً قُبَل وعناق توديع او استقبال.. بس!

ثم فُتح باب استقدام الخادمات والسائقين من اندونيسيا، فذهب صاحب المكتب- كفيلنا- إلى اندونيسيا واتفق مع مكتب هناك، وبدأت تصلنا تأشيرات الزبائن على اندونيسيا، والاندونيسيات يشبهن الفلبينيات وهن مسكينات وهادئات ولا يبكين في الأيام الأولى كما تفعل السريلانكيات اللائي يظلن يبكين أيام وأحياناً أسابيع لفراق اهلهن او اولادهن، وقد يستاء كفيلها ويطلب ردها لبلدها بسبب هذا البكاء، لذلك كان مكتب البحرين يرفق مع كل خادمة سريلانكية ملف فيه ورقة مطبوعة تشير الى ذلك وتدعو الكفلاء الى الصبر عليهن حتى يتعودن على الغربة وبعد ذلك سكيونن فأفضل حال..

تسلمت جزئياً عمل زميلي مصطفى حينما سافر في اجازة لمصر، وكنت امسك حسابات مؤسسة المقاولات بالإضافة الى حسابات مكتب الإستقدام، وكان صاحب المكتب لا يعطي العمال- بما فيهم انا- رواتبهم بانتظام، فكلما طالبوا برواتبهم يعطيهم سلفة مائة أو مائتين، وبما ان ايراد الاستقدام كان مجزياً فكان يقول لي اعطي العامل الفلاني مائتي ريال والعلاني مائة ريال.. تلك المعاملة أدت الى أن يحتد أحد العمال المصريين مع صاحب المكتب ويخرج من المكتب غاضباً ويختفي بعد ذلك من السكن الخاص بالعمال، ومن الطائف، ومن السعودية، ويظهر في اسرائيل كما قال زملاؤه..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

أبو عدى
01-11-2012, 04:48 PM
و الله زكريات جميلة
و الأجمل منه اسلوب السرد
و التسلسل المشوق جدا
لا عدمناك اخى الفاضل الاستاذ عمر غلام الله

عمر حسن غلام الله
01-15-2012, 05:56 PM
و الله زكريات جميلة
و الأجمل منه اسلوب السرد
و التسلسل المشوق جدا
لا عدمناك اخى الفاضل الاستاذ عمر غلام الله

شكرا أبا عدي

نرجو ان نكون دائما عند حسن ظنكم بنا

عمر حسن غلام الله
01-15-2012, 05:58 PM
الحلقة 119


نواصل ...



أعدت المياه لمجاريها بين الحبيبين



طيلة الفترة الماضية مذ بدأت حكاوي الطائف وأنا أحاول تذكر اسم المهندس الذي سكن معي وللأسف لم أتذكره حتى الآن رغم أنني كنت السبب في عودته لخطيبته، فقد كنا نحكي عن حياتنا لبعض، وحكى لي كيف أنه تخلى عن خطيبته لأن بن عمها او بن خالها أراد خطبتها رغم انها لا تريده، بل تريد صاحبي المهندس، ولا أتذكر التفاصيل جيداً لكنني أذكر أنني قلت له اتصل على شقيقها- الذي قال لي المهندس أنه موجود بالرياض- وأشرح له رغبتك ورغبة شقيقته في الإرتباط.. فراقت له الفكرة واتصل بالفعل على شقيقها في الرياض الذي طلب منه الحضور إليه في الرياض للتفاهم، فشد الرحال الى الرياض، ورجع مستبشراً فقد سارت الأمور كما يروم، ثم بدأت اتصالات بينه وبين خطيبته- القديمة الجديدة- ثم عندما عاد الى السودان ارتبط بها وتزوجها، وعندما رجعت أنا الى السودان في اجازة سألت عليه لديها حيث كان قد أخبرني أنها تعمل في مكتب الضرائب بشارع الجمهورية، وانتظرته حتى أتى ليأخذها عند انتهاء دوامها، وقد دعاني للغداء بمنزلهم بأركويت فلبيت الدعوة وتغديت معهم.. لقد كنت سعيداً أن أعدت المياه لمجاريها.. بينما لم يستطع أحد أن يعيد المياه لمجاريها بيني وبين محبوبتي..


هذا المهندس لم يكمل الثلاثة أشهر معنا، حيث ضايقه الكفيل ولم يتحمل فظاظته، رغم أنني قلت لهذا الكفيل أن المهندس صغير في السن وحديث عهد بدنيا العمل عكسي أنا حيث أكبره سناً وخبرت العمل واتحمل ما لا يتحمله، فاستغرب الكفيل: هل هو فعلاً صغير في السن؟ قلت له نعم، ولكن رغم ذلك استمر في مضايقته، وربما استكثر عليه الخمسمائة وألفين ريال التي كان يعطيها إياه كراتب، وربما كان يريده ان يشتغل مهندس وملاحظ ومراقب عمال وعامل- حيث كان يقول له: (لماذا هذه القمطه مرميه هنا؟) عندما يرى حديدة من تلك التي يمسكون بها خشب التسليح في العمارة ملقاة على الأرض- فيثور المهندس ويقول له هل أنا عامل لألتقط ما يقع على الأرض؟ يريده أن يعمل كل شئ مقابل هذا الراتب.. وفي النهاية عمل له خروج نهائي وعاد الى الوطن وعمل هناك واستقر وتزوج كما أسلفت..


بدأت نوبات المغص (القبضة) تنتابني في أوقات متقاربة وبصورة أقوى، فقد عانيت منها في السودان في السنوات الأخيرة قبل حضوري للسعودية، فكانت حبتين من (اللوسبازمين) تكفي لشفائي، ولكن النوبة الثانية احتاجت الى نصف العلبة، والثالثة الى كامل العلبة، والرابعة الى حقنة، والخامسة الى عودة مرة أخرى الى المستشفى لأن الحقنة لم توقف الألم حيث أخذت حقنة ثانية.. وقد تكررت هذه النوبات وانا في الطائف، وقد كان يسأل عني اللواء المتقاعد بكر فلاح المزيني الذي كان يسكن قريب من المكتب ويصلي معنا في نفس مسجد شبرا، كان يسأل عني زميلي مصطفى عندما أغيب عن المسجد، فيجيبه مصطفى بأن عمر مريض في البيت، وعندما تكرر غيابي عن المسجد بسبب هذا المغص قال له: خلي عمر يجي أوديه المستشفى العسكري- وهو مستشفى خاص بالضباط والعساكر- ولكن لوضعه الوظيفي وعلاقته الطيبة بإدارة المستشفى أخذني الى هناك وسمحوا لي بالعلاج فيه رغم أنني أجنبي، علماً بأنه حتى السعوديين غير العاملين في الجيش لا يسمح لهم بالعلاج فيه..




وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
01-16-2012, 03:30 PM
الحلقة 120


نواصل ...


(داخل كل منا قنبلة لا يدري متى ستنفجر)



قابلت هناك طبيب باكستاني متجنس سعودي، فكشف عليّ وطلب صور أشعة ملونة للمعدة وللأمعاء.. لعمل صورة المعدة كان عليّ شرب مزيج أبيض مثل الطباشير، وابتلاع عجينة منه، وكان هذا هيناً مقارنة مع ما يحدث للأمعاء، فقد كان بطريقة الحقن الشرجي لهذا المزيج، والأسوأ أن يظل بداخلك حتى يفرغوا من التصوير.. تصور أن هذا المزيج يدافعك وأنت تقاوم، ثم بعد إنتهاء التصوير كان عليّ أن أذهب الى الحمام من خارج المبنى لأن الممر الذي يؤدي من الداخل الى الحمامات يمر عبر عيادة نساء وغير مسموح بمرور الرجال، فاضطررت الى الالتفاف حول المبنى وأنا ألبس مريلة المرضى القصيرة وأركض ومعي الممرض ليدلني على الحمام والناس تنظر إليّ باستغراب وبشفقة.. كان موقفاً عصيباً، ثم وصلت الى الحمام والحمد لله انني وجدته غير شاغر وإلا كانت حالتي بائسة.. وأفرغت هذا المزيج الأبيض..



حدد الطبيب علتي، وهو أن المصران عصبي وملتهب، وسألني اسئلة وصل بموجبها إلى أنني كنت أتعاطى حبوب طفرانيل واخواتها، وعرف مني أنني توقفت عن تناولها، فقال لي يجب ان تستمر فيها.. وأعطاني حبوب للإلتهاب وأخرى للعصبي وأذكر أنها (بسكوبان)، على أن أراجعه بعد اسبوعين، وعندما قابلته أول سؤال سألنيه هو هل استمريت في تناول العلاج النفس؟ أجبته بالنفي، فقال لي يجب الاستمرار فيه، وتكرر ذلك في اللقاء الثالث، وفي الرابع الذي أجبته بالإيجاب لأنني بالفعل راجعت مستشفى الصحة النفسية في الطائف والمشهور بمستشفى (شهار) حيث يقع في هذا الحي.. وحينما أجبت الدكتور بالإيجاب اطمأن وكتب لي آخر دفعة من الحبوب وكان ذلك آخر عهدي بهذا الدكتور الشاطر، وآخر عهدي بالمغص (القبضة) فجزاه الله خيراً وجزا الله خيراً عمنا بكر فلاح المزيني ورحمه رحمة واسعة.



في ذلك الزمان كانت الخطابات المرسلة عبر البريد ما تزال هي سيدة الموقف بالإضافة الى شرائط التسجيل كوصيفة لها.. وكان من ضمن من تصلني رسائلهم صديقي الصغير عماد سليمان حسن، بن خالة صديقي وزميل دراستي في الأهلية عبد الواحد محمد احمد، وإحدى رسائله كانت تحمل عبارات غريبة مثل: (داخل كل منا قنبلة لا يدري متى ستنفجر)، فرددت عليه بما معناه: (ماذا بك يا عماد، هل اتشوكشت واللا شنو؟ ولماذا هذه العبارات المتشائمة؟) فجاءني رده بما يفيد أن رسالتي الأولى وصلته وهو في حالة معينة، فكان إما أن يرد وهو بهذه الحالة وإما ألا يرد، فآثر أن يرد، فجاءت رسالته هكذا..



ذات نوبة من نوبات المغص (القبضة) تلك وكنت راقداً في السكن وأحضر لي المهندس خطاباً وردني بالبريد، وكان واضحاً من الخط أنه من صديقي عبد الواحد محمد احمد، فتحت الخطاب فإذا به يبدأ بنعي.. نعي من هذا؟ لعلها خالته التي يسكن معها في مدني، أو لعله زوج خالته.. وتابعت بسرعة الرسالة إلى أن وصلت الى اسم عماد سليمان حسن.. بن خالته.. فصرخت، وبدأت انتحب بصوت عالي، فأسرع المهندس إلى الشبابيك وأغلقها وكذلك الباب.. تذكرت إسم المهندس الآن، إسمه الشيخ!


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
01-18-2012, 01:08 PM
الحلقة 121

نواصل ...

وانفجرت القنبلة

علمت فيما بعد كيف مات عماد، فقد كان يخطب في تجمع لطلاب الجزيرة بجامعة القاهرة فرع الخرطوم – حيث كان يدرس- وذلك بدار اتحاد عمال الجزيرة في مساء يوم 6 أغسطس 1983م بعد أن أدى صلاة المغرب بجامع الصائم القريب من الدار، وحدثني فيما بعد صديقه عبد العظيم سليمان أنه بعد الصلاة قال المرحوم له: (خلاص صليت) موجهاً راحة كفيه للأمام إشارة إلى تأكيد الإنتهاء، علماً بأن عماد- وما زال الكلام لعبد العظيم- كان يقول حينما يفرغ من الصلاة: (ركّعت)، ولأول مرة يقول (صليت) في تلك المرة الأخيرة، في تلك الصلاة الأخيرة..

وأثناء إلقاء كلمته رحمه الله عبر مكبرات الصوت، بدأ صوته ينخفض تدريجياً، فنادى عليه الحاضرون: أرفع صوتك.. أرفع صوتك.. ولكن صوته ازداد انخفاضاً ثم وقع على الأرض، فاعتقد الحاضرون أن التماساً كهربائياً أصابه فتنادوا أن أفصلوا الكهرباء، ففصلوها، ولم يكن هناك التماس كهربائي، فنقلوه الى المستشفى التي كانت بينها وبين الدار شارع.. فقال لهم الطبيب أنه ميت.. لقد مات واقفاً، وبعد أن خرجت الروح من قدماه لم تعودا تحملانه فسقط على الأرض وصعدت الروح الى بارئها.. لقد كان إبلاغ أسرته أمراً صعباً، وقد علم كل سكان حي 114 إلا أهل بيته، وكان الناس يحومون حول منزله ولا يجرأون على الدخول لإبلاغهم، رغم أن الحي كان غارقاً في مياه الأمطار وفي الوحل.. وأخيراً أبلغوا شقيقه الكبير صلاح، الذي بدوره أوصل الخبر الكارثة لوالديه- رحمهما الله- العم سليمان الذي التحق بعماد قبل عام ونصف، ولكن سبقته الخالة بخيته إلى إبنها قبل حوالي عقدين من الزمان من الآن، نسأل الله أن يجمعهم وإيانا في جنة النعيم..

لقد كان موتاً فجائياً مريحاً له ومتعباً لمن خلفه، أمه الثكلى وأختاه المكلومتان وأشقائه صلاح وكمال وحسن، وأخيه الذي تربى معهم وهو بن خالتهم عبد الواحد.. وأصدقائه عبد العظيم سليمان، وعلي ميرغني دافوري وحسن شوه – الذي لحقه بعد ذلك بعدة سنوات- وقد كانوا شلة جامع الجعلي، يصلون كل الأوقات فيه ويقومون على نظافته وملئ الأزيار وتجهيز الفرش للصلاة في الحوش.. حتى إن عماد سُمي حمامة المسجد، وقد نعاه خطيب الجمعة في نفس المسجد في صلاة الجمعة وعدد مآثره وما كان يقدمه للمسجد، وفي زاوية حي 114 أقاموا له ما يشبه التأبين حيث خطب فيهم استاذ الأجيال محمد يوسف معدداً مآثر المرحوم عماد سليمان.. لقد كان فقداً جللاً لحي 114 ولجامع الجعلي ولجامعة القاهرة فرع الخرطوم وللمديرية في مدني حيث كان يعمل.. رحم الله عماد سليمان وحسن شوه الذي قضى ايضاً فجأة في حادث كهرباء شهير بحي 114 حيث انقطع سلك الكهرباء العام في الشارع بفعل شاحنة وسقط داخل منزلهم وكان اليوم ماطراً فتكهربت المياه المتراكمة في الحوش فخرجت اخته فتكهربت، وجاءت امها لتنقذها فتكهربت، وجاء حسن فحدث له ما حدث لهما، فما كان من والده إلا أن أغلق باب الغرفة على من بقي من أبنائه..

كانت أختي حياة حبلى وعلى وشك الوضوع، فأرسلت لهم برقية أن سمو المولود عماد تخليداً لذكرى صديقي الراحل، فوضعت توأم أسمتهما عماد وعلاء.. عمرهما الآن أكثر من 28 عام..

عندما زرت زملاء العمل القدامى في الثقافة العمالية وكانت هدى عبد الله قد انتقلت للعمل بالمديرية، فقالت لي أن مكتبها الحالي هو مكتب الراحل عماد سليمان، وقالت لي أنها وجدت في درج مكتب المرحوم أحد بطاقات المعايدة التي أرسلتها له من الطائف.. وتذكرت عبارته في خطابه قبل الأخير: (داخل كل منا قنبلة لا يدري متى ستنفجر)..

وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
01-23-2012, 05:55 PM
الحلقة 122

نواصل ...

العمرة والحج

أديت عمره في رمضان ثم عمرة أخرى بعد وفاة عماد ووهبتها لروحه أسأل الله ان يتقبلها..

بعد حوالي خمسة اشهر من وصولي للسعودية أزف موسم الحج، فأحرمت ومعي زميلي مصطفى وكاتب المكتب الذي يقابل مكتبنا حسين مهران وتوجهنا الى مكة المكرمة يوم 8 ذي الحجة من عام 1403هـ حيث طفنا حول الكعبة وسعينا، ثم توجهنا الى منى في نفس اليوم الذي يصادف يوم التروية حيث قضينا الليل في العراء، ثم في الصباح توجهنا نحو عرفات مشياً على الأقدام، ولكن حسين قال ان أوراكه (متسلخة) ولا يستطيع السير على الأقدام، وقد تشعلقنا في بص متجه الى عرفات وتفرقنا بسبب ذلك..

عادة في الحج- حسب التجارب اللاحقة- يفترق الذاهبون معاً، وتلتقي بأشخاص صدفة وتكون مجموعة جديدة، فقد التقيت بالصدفة بزميل دراسة في الإبتدائية بمدرسة السكة حديد الغربية هو محمد عبد السلام الذي كنت قد التقيته آخر مرة بمستشفى ود مدني- حيث كان يعمل في قسم الحسابات- منذ عدة سنوات، وعلمت منه حين التقيته في عرفات بأنه يعمل حالياً بمكة المكرمة محاسباً لدى مجموعة صيرفة..

في عرفات كان الحجاج عددهم كبيراً جداً قُدر عامذاك بثلاثة ملايين، وهو أول حج يصل إليه هذا العدد على الإطلاق، لذلك كان هناك ضغط عالي على الخدمات من مواصلات وحمامات ومراحيض وطعام وشراب، وقد رأيت عدة أشخاص ميتون، وأتذكر بوضوح أن هناك شخص مغمى عليه ونبه أحد الحجاج عسكري قريب من المكان الى الشخص المريض، فقال له العسكري بتجهم: خليه يموت!

بعد مغرب يوم عرفة نفرنا الى مزدلفة على أقدامنا، وكان الجو حاراً جداً ولا ماء طيلة الطريق حتى وجدنا خزان ماء حديدي مربع الشكل على جانب من الطريق فتدافع الناس إليه، فما كان من أحد اليمانيين إلا ووقف بجانبه ونادى في الناس ان ملء الزجاجة بخمس ريال، فصار الناس يبحثون عن الزجاجات الفارغة في المنطقة ويدفعونها اليه ليدخلها مباشرة في الخزان ويستلم من كل واحد خمس ريالات، وكانت بعض الزجاجات البلاستيكية الفارغة ملقاة في التراب وبعضها يبدو عليه انه استعمل في الاستنجاء، ومع ذلك يدخل هذا النصاب الزجاجة في الماء بما علق بها من تراب ونحوه ليملأها بالماء الحار جداً- إذ أنه تعرض للشمس طوال النهار- ولكن العطش قد أخذ من الناس مبلغه فاضطروا الى دفع الريالات الخمس لشراء ماء ملوث وحار جداً، اشتروه ممن لا يملكه، وأذكر أنني هجت فيه ووبخته على ذلك ولكنه لم يكترث ولم يرد عليّ فقد جمع الكثير من المال ولم يؤثر فيه كلامي.

وصلنا الى مزدلفة منهوكي القوى وجمعنا الحصيات لنرمي بها الجمرات، ورقدنا على امل ان ننام، ولكن الإرهاق والتعب والعطش جعل نومنا (هزاز)، ثم اصبح الصبح ووجدنا طوابير على الحمامات وأماكن الوضوء.. توجهنا الى منى حيث رمينا جمرة العقبة الكبرى، ثم توجهنا لمكة لنؤدي طواف الإفاضة.. كان الزحام ايضاً شديداً، ورغم وجود المياه في منى إلا ان الضغط عليها جعلها غالية ونادرا ما تجدها باردة.. وأذكر أنني كنت أمسك علبة مياه غازيه (كولا) في يدي أشرب منها فمر من أمامي سوداني أخذها مني دون استئذان ودون حتى أن يلتفت إليّ ليرى ردة فعلي، فواصلت سيري وكأن شيئاً لم يكن.. وبعد الطواف رجعنا الى منى حيث بقينا فيها ثلاثة ايام ننام في العراء وتحت الكباري.. وفي اليوم الثالث رمينا الجمرات وتوجهنا الى موقف العدل حيث استقلينا التاكسي الى الطائف عقب أول حج لي..

وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

أبو عدى
01-23-2012, 10:42 PM
ما زلنا هنا نتابعك بشغف اخى الفاضل الأستاذ غلام الله

عمر حسن غلام الله
01-25-2012, 05:13 PM
الحلقة 123

نواصل ...

رحم الله إمرأة الكفيل

بمناسبة الحج، قبيل الحج وبعيده كنا نلاحظ وجود سيارات ذات دفع رباعي لوحاتها يمنية في الطائف، متوقفة في الساحات الخالية – كما في تلك التي أمام مكتبنا- وتزدحم المساجد وحماماتها بهؤلاء اليمنيين الذي يأتون للحج بسياراتهم فيبيتون في الطائف قبل التوجه الى مكة القريبة من الطائف.. ولفت نظري تصرف غريب من هؤلاء، فعندما أذهب إلى المسجد أرى على جانبي الباب من الخارج لباسات رجالية (سراويل قصيرة) فاستغرب وجودها أمام باب المسجد، ثم بعد الصلاة أشاهد هؤلاء اليمنيين يأخذون تلك اللباسات ويلبسونها امام باب المسجد، مع العلم انهم يلبسون الجلاليب وفوقها الجاكتات.. وقد علمت فيما بعد بأنهم يشكّون دائماً في طهارة لباساتهم تلك، لذلك يخلعونها قبل دخولهم للصلاة في المسجد..

لاحظت أن الطائف ليس بها مجاري، فقد كان هناك نظام البيارات في كل عماره، ثم جاءت شركة- ربما سعودي أوجيه- معظم عمالها كوريين وبدأوا في حفر أنفاق عميقة قيل لنا أنها مجاري الصرف الصحي، ثم فيما بعد حفروا أنفاقاً اخرى قالوا انها مجاري السيول والمطر، وكان أحد هذه الأنفاق امام مكتبنا مباشرة، وكانت هناك إمرأة عجوز تعيش في كوخ من الزنك في وسط الساحة الخالية التي امام المكتب والتي كما اسلفت تمتد من شارع شبرا المقابل للمحكمة الكبرى ورئاسة الشرطة ومن مسجد شبرا ومن أمام مكتبنا وبعض العمارات السكنية، هذه العجوز تربي كثيراً من الغنم والخراف، وتبيع منها، ويقال أنها تعيش حالة نفسية أقرب الى الجنون بسبب وفاة ابنتها الوحيدة في حادث حريق، وهي تتهم (الغوالب) بأنهم وراء الحادث، والغوالب (آل غالب) هم أغلب سكان حي العقيق الذي تعيش في طرفه.. لذلك سألت العجوز عما يحدث من حفريات فقالوا لها هذه للمجاري، فثارت ثائرتها وقالت: (زقان الغوالب يأتي بجنب بيتي؟) فصارت ترمي العمال الذين هم داخل النفق بالحجارة فيخرجون مسرعين هاربين من رجم تلك العجوز، وعندما كررت ذلك استدعوا لها الشرطة التي أخذتها ثم بعد ايام أطلقت سراحها، ولم تعاود الكرة برجم العمال.. عندما ماتت وجدوا في كوخها أموال طائلة منها اموال معدنية منذ عهد الملك عبد العزيز، وقد شاهد أحد سكان العمارات المقابلة لكوخها جثتها ملقاة خارج كوخها وداخل الحوش المبني من الزنك، فأبلغ الشرطة التي ظنت في أول الأمر أن وراء الموت جريمة بقصد السرقة، وبعد ان راقبت المكان لعدة ايام دخلوا واخذوا الجثة، رحم الله (غزوه) وأسكنها الفردوس الأعلى من الجنان..

علمت قبل قليل بنبأ وفاة طيبة الذكر المغفور لها بإذن ربها زوجة كفيلي الأول في الطائف راشد الحارثي، أسأل الله أن يجعل مثواها الجنة، فقد كانت إمرأة طيبة.. فقد كانت ترسل لنا الشاي وأحياناً العشاء مع ابنها البكر عبد العزيز في الملحق الذي كنا نسكنه في الملحق فوق عمارتهم، وذكرت ذلك لمن بلغني بوفاتها وهو الصديق إبن الطائف عايض الشلوي وهو قريب زوجها.. وأذكر أن عبد العزيز ذات مرة اسرع بجمع أواني الشاي التي جاء بها لنا حينما أحس بقدوم والده، فاستغربت ذلك منه، وقلت له ماذا لو رأي والدك اواني الشاي عندنا او علم بأنك جلبت لنا الشاي من منزله، فقال لا يرضى ويقول دعوهم – اي نحن- نعد الشاي بأنفسنا، اي ان المرحومة كانت ترسل لنا الشاي والطعام أحياناً (من وراء ظهره)، ولا أنسى أيضاً أنها قالت لي- عبر الهاتف- أنها معجبة ببنت جيرانهم السودانية وتريدني أن أتزوجها، فقلت لها اننا تعودنا في السودان أن نتعرف على البنت ونراها قبل ان نخطبها، وأن هؤلاء الذين أشارت عليهم هم قد وُلدوا وتربوا هنا منذ عشرات السنين وأصبحت عاداتهم كعادات اهل البلد- السعودية- ومن الواضح انني لن أراها، وبالفعل لم أرها قبل تلك المحادثة، ولم أرها بعد ذلك رغم انني كنت أذهب الى منزلهم لآخذ الإيجار من والدها لصالح كفيلي، وقد ذكر لي مرة والدها أن أم عبد العزيز أخبرتهم بأنها معجبة بإبنتهم وبشخصي (عمر) ولذلك تريد تزويجنا.. شكر الله لها صنيعها رغم انه لم يتم شئ من هذا ولكن رغبتها في الجمع بين راسين في الحلال أسعدتني، فاسأل الله لها الجنة بغير حساب.. لقد توفيت قبل حوالي ثلاثة اسابيع بسكتة، اي كانت وفاتها فجأة وفاجعة على أسرتها وعلى جيرانها.. فقد اخبرني عايض ان هناك جارة لهم (أجنبية- اي غير سعودية) سمعت الجلبة وسألت ماذا هناك فقالوا لها ان ام عبد العزيز توفيت فأصبحت تبكي بحرقة، وقد علموا منها أنها كانت تسدد رسوم المدارس لأولاد تلك الجارة..

وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
01-29-2012, 02:03 PM
الحلقة 124


نواصل ...


قال شقة وخدامة قال



اتضح ان زميلي في الإغتراب (علي) الذي (كب لي مكنة تقيلة) عندما قال لي ان الكفيل قال انه سيمنحني شقة وخدامة و.. و.. فكانت الشقة ذلك الملحق في السطوح ومعي المهندس الذي بعدما رجع حل محله ثلاثة صعايدة أحدهم مليس والآخران عاملان بنفس المهنة وهم يتبعون لنفس الكفيل في فرع مؤسسة المقاولات.. وأما الخدامة فكنا نستقدمها لكفلائها عبر مكتب الميزان ولا نراها إلا عندما نستلمها من المطار، او نوصلها للمطار، وبين ذلك إذا أتى بها كفيلها يشتكي منها او يريد تسفيرها، وأسباب التسفير كثيرة وغالبها ان زوجته ضبطته متلبساً مع الخدامة فتركت له البيت تحت شرط تسفيرها، او انها ليست جميلة وهو قد طلب ان تكون جميلة (عشان الأطفال وكده)، او قد يكون السبب انها جميلة وقد خافت الزوجة على زوجها منها (رغم اني واثقة من زوجي لكن صراحة خايفة على بيتي).. لذلك كانت تبقى معنا الخدامة قبل تسليمها لكفيلها، أو قبل تسفيرها عندما يسلمها للمكتب هي وجوازها وشنطتها.. وكانت السريلانكيات صعبات المراس، واما الاندونيسيات فليس أسلس منهن..


وجود الصعايدة بشقة السطوح معنا أراني بعض عاداتهم التي تشبه عاداتنا.. فذات يوم دخلت المطبخ فوجدت حلة بها ملاح ويكه خضراء مفروكه.. تعجبت، فأنا لم أطبخ، وزميلي المهندس الشيخ لا يعرف يسلق بيض، فمن أين أتت هذه الويكه؟ هل زوجة الكفيل أرسلت لنا تلك الحله؟ أكيد لا لأن السعوديين لا يفركون الويكه.. فانتظرت حتى جاء الصعايده فسألتهم عنها قالوا نعم نحن فركناها! وهل في بلدكم تفركون الويكه؟ قالوا نعم! وأيضاً مما يميز الصعايدة شهامتهم ورفضهم للخضوع والذل كشأن السودانيين، فأذكر انهم اختلفوا مع الكفيل، فقال لهم بصيغة تهديد مبطنة أنه سيعمل لهم خروج نهائي- وكانت هذه العبارة أداة من أدوات الضغط يمارسها الكفلاء على العمال- فما كان من المليس سيد إلا أن رد عليه فوراً وبقوة بعد أن أخرج الإقامة من جيبه وسلمها له: كم يكفيك من وقت حتى تعمل لنا الخروج النهائي؟ فسقط في يد الكفيل، ورضخ لطلبهم فهم يجلبون له المال كما قالوا له من قبل: نحن اللي بنأكّلك ونأكّل عيالك، وذلك عندما قال لهم أنا أأكلكم.. اي نحن سبب رزقك ورزق عيالك وليس كما تدعي انت..


تعرفت على أولاد صاحب العمارة التي بها مكتبنا، وكان اقربهم لي احمد، وكانوا يجلسون أمام المكتب وأتجاذب معهم أطراف الحديث، وكنت أساعد أحمد في دروسه، وكذلك بناتهم على حل دروسهن عبر كراساتهن، لأنه حسب العرف والتقاليد لا أراهن ولا أقابلهن.. ولكن كان أحد اخوانه يده خفيفه، فما إن يجد درج خزانة الملفات الذي أضع فيه إيراد المكتب حتى يأخذ منه المائة والمائتين، وكنت أعتقد أن السعودية بلد أمان وثقة لأن أجدادنا وآباءنا كانوا يخبروننا أنهم عندما يأتون للحج يلاحظون أن الدكاكين لا تغلق أبوابها للصلاة بل يوضع خشبة او ملاية على الباب او على البضاعة الموضوعة على الطاولات، لذلك كنت مهملاً في إغلاق الصندوق، إلا أن نبهني زميلي مصطفى..


في الشارع الذي يقع فيه المكتب وجدت سوداني له 35 سنة في السعودية، وآخر له 28 سنة، وذات مرة رأيت الذي له 28 سنة هذا يدخل من باب حوش كبير فظننت أنه منزله، وقلت في نفسي أكيد استطاع بناء هذا البيت الكبير طالما له كل هذه المدة، واتضح لي فيما بعد ان الذي دخله هو مبنى الضيافة العسكرية الذي يشتغل فيها، وعلمت أن لا مجال لأجنبي أن يتملك عقار- قبل خمس سنوات سمح بذلك عدا في مكة المكرمة والمدينة المنورة- وحتماً لن يستطيع اجنبي ان يشتري مثل هذه المساحة التي بها مقر الضيافة العسكرية..


وقبل أن أنسى مكنة علي في شأن الشقة والخدامة، فقد اضطررت أن أنظف وأكنس المكتب بعد أن سافر زميلي المصري الذي كان يفعل ذلك، وقال لي الكفيل لن أجلب لك شخص ينظف لك المكتب، فإما أن تنظفه او تجلس فيه وسخان.. سبحان الله! مساعد مدير المعهد المركزي للثقافة العمالية يكنس مكتبه!



وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عبد الرحمن السامر
01-29-2012, 09:31 PM
هذا السرد ممتع بحق
فادب الرحلات تكون غنية بالتجارب الثرة
انه تفيد كل من يهوى السفر
لك كل التقدير على هذا العمل المميز..

أبو عدى
01-30-2012, 09:45 AM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

عمر حسن غلام الله
01-30-2012, 10:38 AM
هذا السرد ممتع بحق
فادب الرحلات تكون غنية بالتجارب الثرة
انه تفيد كل من يهوى السفر
لك كل التقدير على هذا العمل المميز..

اشكرك عزيزي عبد الرحمن السامر على المرور وعلى المشاركة..

وأشكرك على التقريظ،

وآمل بالفعل ان تفيد كل من يهوى السفر

عمر حسن غلام الله
01-30-2012, 10:39 AM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

وفيك بارك عزيزي أبا عدي

ولك من التحايا أنضرها

عمر حسن غلام الله
02-01-2012, 03:16 PM
الحلقة 125


نواصل ...


شتاء الطائف


جاء الشتاء البارد في الطائف، واضطررنا لتشغيل المدفأة، مما ذكرني بالمغرب، ولابد في كل حمام من جهاز تسخين المياه إذ لا يستطيع احد ان يستحم بالماء البارد، وقد لاحظت عدم وجود مكيفات الهواء في اي شقة او فيلا في الطائف، ونادراً ما ترى مروحة.. كذلك ينزل المطر في الشتاء، والطائف كثير المطر، ولكن التصريف جيد في الطائف لا سيما أنها أصلاً منطقة مرتفعة وشبه جبلية، ومياه المطر تتجمع وتصب غالباً في مزارع مثل تلك التي تقع قرب مكتبنا في حي العقيق، وأحياناً تصبح بعض الشوارع أنهاراً صغيرة من كثافة المياه وتدفقها بحيث لا تستطيع ان تعبرها- حتى لو كنت في طولي (182سم)، فهي تصل الى الركبة او فوقها، ومندفعة بقوة قد تفقدك توازنك، ولكن ما إن يتوقف المطر وتمضي ساعة حتى يرجع الشارع كما هو أسفلت يمر فيه الناس والسيارات..


لاحظت في الطائف أن الماء لا يرد الى البيوت بالمواسير كما عندنا في السودان، بل بالوايتات (فنطاز) حيث يصب في خزان أرضي أمام كل عمارة، حيث يرفع الماء بواسطة موتور الى خزان آخر في سطح العمارة ومنه عبر المواسير الى الشقق.. كان هذا غريباً علينا، فكيف لمدينة في السعودية أن لا يكون بها شبكة مياه ولا شبكة صرف صحي؟ والماء المنقول عبر هذه الحاويات السيارة (الوايتات) يجلب من آبار يملكها مواطنون، ويختلف طعم الماء من بئر لآخر، فبعضها يكون مالحاً وبعضها عذباً.. فيما بعد- بعد حوالي خمسة عشر او عشرين عاماً- تم تمديد شبكة مواسير مياه الشرب وتم جلب المياه المحلاة من البحر الأحمر عبر أنبوب من معمل معالجة المياه المالحة بالشميسي قرب جده، علماً بأن مدينة جدة بها شبكة مياه محلاة تصل الى البيوت ولكن غالباً لا تكفي حيث تصب مرتين او ثلاث مرات في الأسبوع، وفي بعض الأحياء قد لا تصب مرة في الشهر خاصة في الصيف حيث يزيد استهلاك المياه، وربما احتاج السكان الى جلب الماء عبر الوايتات لتكملة النقص في الماء حتى يصل ماء التحلية..


ذات نهار رأيت من خلال زجاج المكتب الناس يسرعون نحو البرحة (الفسحة) التي أمام المكتب، فخرجت استطلع الخبر، فرأيت هليوكوبتر تهبط في طرف الميدان جهة مقر الضيافة العسكرية ومقابل رئاسة الشرطة، ومجموعة من الشرطة تخرج من رئاسة الشرطة باتجاه المروحية، والناس يتدافعون نحو المكان، ورأيت الشرطة تُنزل شاباً من المروحية مخفوراً وتتجه به نحو مقر رئاسة الشرطة، وعلمت أنه شاب سعودي قتل والدته واخته وهرب الى الجبال حول الطائف، فتتبعته الشرطة بالمروحية حتى عثرت عليه فاقتادته الى رئاستها..


كان اقرب جامع- وجامع تعني مسجد يصلى فيه صلاة الجمعة، اما مسجد فيصلى فيه كل الصلوات عدا الجمعة- هو جامع عبد الله بن العباس رضي الله عنهما، وكان يوجد في قلب سوق الطائف، وكنا نتحرك من حي العقيق الذي به المكتب والسكن ونتوجه مشياً على الأقدام للجامع، وقد يأخذ المشوار ربع ساعة، وكان الجامع كبيراً وواسعاً، وكان يومها اكبر جامع في الطائف.. وكان أمامه برحة (ساحة) حينما نجدها مليئة بالشرطة قبل صلاة الجمعة نعرف ان هناك قصاص، اي ضرب عنق الجاني بالسيف بعد تلاوة الحكم عليه.. وكنت عقب انتهاء الصلاة أغير مسار رجوعي المعتاد الذي يمر أصلاً بقرب هذه الساحة، فأسلك طريقاً أبعد، بل عكس اتجاه بيتنا، تفادياً للمرور بقرب الساحة حتى لا أرى القصاص، بينما أشاهد الناس يسارعون بل ويجرون جرياً لمشاهدة القصاص، وأذكر انني بعد الصلاة كنت أصلي صلاة السنة عقب صلاة الجمعة، وكان الجامع مزدحم فصليت خارجه، فوجدت المصلين يتدافعون نحو الساحة حتى لم يعملوا حسابي وأنا اصلي فمروا من أمامي، وما زلت أذكر بوضوح تعابير وجه احدهم- باكستاني- وهو يجري فرحان كأنه ذاهب لمشاهدة حاوي او لعبة كرة قدم او شئ ظريف.. وما إن انتهيت من صلاتي حتى توجهت في اتجاه معاكس الى ان خرجت من منطقة الجامع، ومع اني لم أشهد القتل فقد جف حلقي وتوترت أعصابي وأصابني حزن غريب رغم انني لا أعرف الجاني الذي سينفذ فيه الحكم، فكيف لهؤلاء ان يشهدوا مثل هكذا منظر؟ بل وعرفت أنهم يصفقون بعد أن يضرب السياف رأس الجاني!


وذات مرة في نفس المكان وانا أمر بالسوق رأيت سيارة السجن تنزل شابين سعوديين يضعان الغطرة حول وجوههم ليخفوه عن أعين المارين، ثم رأيت الشرطي يقرأ الحكم: هذا الماثل أمامكم قد حُكم عليه بالجلد اربعين جلدة لأنه تكتم على أمر فاضح، ثم بدأ الشرطي بجلد الشابين، ولاحظت أن الشرطي يضم ساعده الى جنبه، فقط يتحرك كفه بالعصا (البسطونة) ويضرب مرة في أعلى ظهره والتالية في أسفله، وقد علمت أنه يُسمح للمحكوم عليه بالجلد بارتداء ما يشاء من ملابس (يعني يردّف) حتى يخفف وقع الجلد عليه، ويسمح له بتغطية وجهه من الجمهور، ولا يُذكر اسمه.. وتذكرت في السودان الجلد بسوط العنج وأن الشرطي يرفعه الى أعلى ما تستطيع يده وينزله على جسد المجلود بأقوى ما عنده، بل ويُشهّر به عبر وسائل الإعلام بذكر اسمه وشهرته وشهرة أبيه أو أبيها إن كان مشهوراً..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
02-05-2012, 04:27 PM
الحلقة 126


نواصل ...


الصيفية في الطائف



ذات مرة وأنا جالس في مكتبي إذ جاء شخصان بدويان من اقرباء الكفيل يسألون عنه، فقالا لي: انت صبيّو؟ أصبحت يا مساعد مدير المعهد المركزي للثقافة العمالية صبي مكتب (على وزن صبي جزار وصبي خياط...)، هانت الزلابية.. وفي حكاية أخرى جاء إلى المكتب كهل ومعه زوجته العجوز يسألان عن السائق الذي طلباه من مصر عن طريق مكتبنا، فقلت لهما إن السائق قد وصل بالفعل إلى جدة، فلم يصدقاني، وطلبا لي الشرطة، وفي هذه الأثناء اتصل الكهل على صاحب المكتب وتحدث معه وجاء في سياق كلامه: أن خادمك قال لي... الخ، وهنا أصبح الصبي خادماً.. سبحان الله.. بكالوريوس الحقوق فرع العلوم السياسية، ولغة انجليزية ودبلوم لغة فرنسية، ويصنف من الخدم!! مين جابرك على المرّ يا جحا قال الأمرّ منو! عندما جاء الشرطي ليأخذني إلى القسم قلت له إن السائق موجود في جدة فاتصل على جوازات ميناء جدة فأكدوا له وجود السائق معهم!


كان مكتبنا بالإضافة الى الاستقدام يمارس عمل عقود الإيجار، فلدينا دفتر عقود لمن يريد أن يؤجر شقة لديه، فجاءنا ذات يوم إمام مسجد شبرا- المسجد الذي نصلي فيه وكان يصلي فيه الملك فيصل رحمه الله، وبين المسجد وقصر شبرا كما أسلفت شارع صغير- ومعه فلبيني استأجر شقة في عمارته، وطلب منا إعداد العقد، ودفع مائة ريال مقابل ذلك، ثم ذهب وترك الفلبيني لنسلمه نسخة العقد، فكانت المفاجأة أن قال لنا الفلبيني أن المؤجر- الإمام- أخذ منه مائتي ريال نظير هذا العقد! علماً بأن المعتاد أن يدفع صاحب العقار رسوم إعداد العقد وليس المستأجر، ومائة ريال، وليس مائتين!!


يذكرني هذا أسعار ايجار الشقق في ذلك الزمان، فقد كانت تتراوح بين عشرين الى خمس وعشرين الف للشقة في حي العقيق الذي نسكنه والذي به المكتب، وهو من الأحياء شبه الراقية الى حد ما، وهناك حي شهار وحي السلامة من الأحياء الراقية في الطائف، وأما الشقق الأقل كلفة في الإيجار فمثل حي شرقرق المجاور لحي العقيق وكذلك حي بني سويلم وكلاهما أحياء بدوية، وهناك حي البخارية الذي يغلب عليه السعوديون من أصل بخاري وداغستاني وتركمانستاني، وهناك حي الشرقية وحي القمرية ووادي نمل وهي احياء شعبية والأخير بالذات غالبية سكانه من التكارنه.. والإيجار في الأحياء الشعبية والبدوية أقل من الأحياء الجديدة والراقية.. وكان أصحاب العقارات يفضلون تأجير شققهم في الصيفية فقط- أي في موسم الصيف- حينما تنتقل الحكومة من الرياض الى الطائف، فينتقل الملك والوزراء وموظفي القصور ومجلس الوزراء وتدار المملكة من الطائف في فصل الصيف ولمدة ثلاثة أشهر، لذلك يستفيد صاحب العقار من الإيجار بكامل المبلغ السنوي الذي يدفعه المصيفون ولا يسكنون غير ثلاثة أشهر فيحافظ صاحب العقار على عقاره جديداً الى الصيف القادم..


وكان من ضمن المسؤولين المصيفين في الطائف في ذلك العام مدير مكتب العمل بالطائف، وجاء الى المكتب بغرض التفتيش، وقابل صاحب المكتب وتناقش معه وسأله عن نشاط المكتب (الاستقدام) ولكن رفض صاحب المكتب الإدلاء بأي تفاصيل مالية، واستغربت انا ذلك حيث ان المسؤول طلب تلك المعلومات فكيف لصاحب المكتب ان يرفض إعطاءها إياه.. والى أن انتهت الزيارة لم يعطه المعلومات على أساس انها رزق من الله ويجب إخفاؤه.. ودعاه الى طعام في بيته فلبى الدعوة وتزاورت الأسرتان، وطلب مني هذا الرجل تدريس بنته وأخيه وكلاهما في الثانوية، فكانت تأتيني سيارة المرسيدس لتأخذني الى حي شهار حيث يسكنون في شقة مفروشة لتدريس البنت، وفي يوم آخر يأتيني اخوه بسيارته الجمس ليأخذني الى نفس البيت لتدريسه.. يعني طلعت من الزيارة بفائدة قرشين ساعدوني قليلاً وعلى ما أذكر كان الشهر لكل منهم بحوالي ألف وخمسمائة ريال.. ومن الطرائف أن البنت عندما كنت أدرسها كانت تلبس عبايتها وطرحتها ولكن وجهها مكشوفاً، ثم تصادف أن دخلت جدتها الكفيفة الى الغرفة التي كنا بها ولم تكن تعلم أن هناك غرباء، وكان وجهها مكشوفاً فقالت لها حفيدتها: الرجّال (الراجل) يا جدة.. فما كان من الجدة إلا أن أسرعت بكفيها الى وجهها تغطيه وقد بدأ عليها الإنزعاج ووقع المفاجأة، وانسحبت من الغرفة.


وأيضاً كنت أدرّس أخو أحد موظفي مجلس الوزراء وعلى ما أذكر انه كان في المتوسطة، وأدرّس الموظف لغة فرنسية.. هذا غير التبرع لسودانيين يسكنون بجوار المكتب بتدريس أبناءهم.. كذلك درست ولد وبنت في المتوسطة يسكنون في حي العقيق قرب المكتب، وأذكر أنني اتفقت معهم على كامل الفترة بحوالي أربعة آلاف أو أربعة آلاف وخمسمائة ريال.. وأذكر أن أول يوم درّست فيه البنت كانت تلبس العباية والطرحة، وفي اليوم الثاني تخلت عن الطرحة، وفي الثالث عن العباية، وبقيت في الأيام التالية بجلابية البيت..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
02-07-2012, 06:38 PM
الحلقة 127


نواصل ...


إجازة في الوطن وزواج شقيقتي




بن عمتي الرشيد عكاشه خطب اختي اخلاص وحدد موعد الزفاف وكان لابد من السفر في الإجازة الى السودان لحضور مراسم الزواج سيما وأنني قد قضيت عاماً في الشغل، فتسوقت من الطائف ثم سافرت الى جدة حيث أخذت من هناك الطائرة المتوجهة الى الخرطوم، وعلى ما أذكر كان ذلك في الأسبوع الأول من شهر ابريل عام 1984م، وبعد السلام على أخوالي سراج والصادق وأبناء عمي خضر، زرت منزل جد وأعمام الحبيبة وسألت بن عمها نصر الدين الذي أفادني بأنها تدرس في الفرع وتسكن في الداخلية بشارع علي عبد الرحمن، وفي المساء أخذني الى هناك، وسألنا إحدى الطالبات الداخلات الى الداخلية عنها، فدخلت وسألت عنها ثم خرجت وأخبرتنا بأنها في الكوافير القريب من الداخلية ووصفته لنا فتوجهنا إليه، ودخل نصر الدين فوجدها تجهز شعرها وأخبرها بأن عمر معه، فقالت له: لا.. فجاء ونقل لي هذه اللا! فاستغربتها وتوجست خيفة وسألته عن معناها.. فقال لي معناها أنها: لا.. ما ممكن! أي ما بصدق.. ثم بعد قليل جاءت مسرعة والفرحة تبدو على وجهها الباسم أصلاً.. فاحتضنتني بحرارة وشوق..


بعد يومين- أي يوم 7/4/1984م سافرت الى مدني وكان يوم حنة العريس، وبمجرد وصولي الى مدني ذهبت الى منزل عمتي- منزل العريس- في المزاد فسلمت على أهل الدار ثم من هناك الى منزل الراحل عماد سليمان بحي 114، دخلت فوجدت أخيه صلاح واخته سلوى وصديقي عبد الواحد فبدأت بتعزيتهم، ولكن ما إن رأيت والدته حتى انفجرت باكياً، وفوجئت بأمي تدخل وتحضنني وهي تبكي، وعلمت فيما بعد أنها كانت تتوقع مروري أولاً على منزل عماد بعد ان علمت أنني وصلت منزل عمتي، فوقفت على ناصية شارعنا حيث من هناك ترى الداخل الى منزل أسرة عماد.. وبالفعل رأتني أدخل إليهم.. رحم الله عماد، ورحم الله بخيته والدته، ورحم الله سليمان والده.. ثم توجهت الى منزلنا حيث سلمت على أبي رحمه الله واخي قمر واخواتي وعلى الجيران وناس خالتي ام شرفين القريبين من منزلنا.. ثم وزعت الهدايا على أسرتي..


في المساء ذهبت الى منزل عمتي لأشارك في حنة العريس، وكانت الحفلة بصديق متولي.. وفي اليوم التالي 8/4/1984م كان الزواج بمنزلنا، وبدأت الإستعدادات منذ الصباح الباكر حيث جهزت الخراف ونظف الشباب الشارع امام المنزل ونصبوا الصيوان الذي احتل المساحة ما بين بيتنا ومدرسة شدو وبدأت النساء بإعداد البيت وشرع الطباخ في إعداد طعام الوليمة، والعروس ذهبت الى الكوافير.. وفي العصر تجمع الرجال لحضور عقد القران الذي تم بعد صلاة العصر..


في المساء الشباب أعد الكراسي للحفلة، وكانت الحفلة أيضاً بالفنان صديق متولي، وكنت قد أحضرت مسجل ستيريو كبير فسلمته لبنات عمي أذكر منهن آمونة عبد الرحيم وفاطمة الحاج حيث كانوا في الصف الأمامي ووضعت شريط في المسجل ليسجلوا الحفل عليه، فسجل غناء صديق متولي وونستهن أيضاً!

في الصباح أخذ العريس عروسه وتوجه الى الخرطوم حيث سيسافر من هناك الى القاهرة.. وامتلأ منزلنا بالجكسي من بنات الأهل من خارج مدني ومن مدني وبنات الجيران.. وما تنسوا إنني أصبحت الآن مغترب.. وفي نظرهن إنني حر (فري) يعني خالي الوفاض.. ولكن واقع الحال إنني ملئ بحب افروديت ما زلت!


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
02-08-2012, 03:52 PM
الحلقة 128


نواصل ...


العودة إلى الطائف



قضيت أياماً في مدني ثم عدت للخرطوم وذهبت عدة مرات للحبيبة في الداخلية، وقد علمت أنها خطبت مرة أخرى لمغترب في الإمارات وفسخت خطبتها أيضاً، ومرة أخرى تدحض خطبتها ما قيل عنها أبان الحملة المغرضة ضدنا، وكأن الشباب ما صدقوا فسخ خطبتي منها حتى تواتروا يخطبونها الواحد تلو الآخر، وفسخ خطبتها من هذا الأخير ربما بسبب حبها لي، والظاهر الآن في مقابلاتي لها.. قد يظن البعض أن السبب لعودتها لي هو أنني قد اغتربت.. وهذا ليس منطقي، فالذي تقدم لها مؤخراً وفسخت خطبتها منه مغترب أيضاً.. وأعتقد أن السبب هو ما قاله لي زميلي حيدر إدريس؛ وهو أن البنات واقعيات أكثر من الأولاد، فهن ينظرن الى بعيد، إلى ما بعد الزواج، وإلى علاقتهن بأهل الزوج، فطالما كانت أسرة الزوج ترفضهن فلابد من المشاكل، ولذا آثرت هذه الإبتعاد لأن أهلي لا يريدونها والدليل سماعهم للوشاية وتصديقها و(قرارهم) بتركها- كما أسلفت- ولكن لماذا إذاً تقابلني وتخرج معي ومعاني ومباني الحب ظاهرة وبادية لا تخطئها عين زميلاتها ولا أبناء عمومتها، وأما الآخرين من طرفي فكان لابد من إخفاء كل شئ عنهم تفادياً لما قد يحدث مثلما حدث في السابق، وإن كان الجميع بدأ يعمل لي ألف حساب بعد أن وقفت ضد تلك المؤامرة وألجمت كل من تفوه بكلمة في حقها، وصُمْتُ عن الكلام مع أهلي خاصة أيام الإكتئاب، لذا فالجميع يتحاشى الكلام معي حول هكذا مواضيع؛ بعضهم رأفة وشفقة وبعضهم خوفاً من ردة فعلي..


تذكرت الآن شيئاً، وهو أنني بعد أن ألقيت لها بقنبلة الإنفصال في دارهم قبل عدة سنوات جمعتُ كل خطاباتها وصورها وصورنا المشتركة التي كنا قد التقطناها بكاميرتي الخاصة في ستديو إشراقة حيث التقطها لنا الشيخ وحمضها وطبعها لنا، بالإضافة الى صورة كبيرة لها كنت قد رافقتها ذات يوم الى ستديو اشراقة لتلتقط تلك الصورة (بوستال) فكانت الصورة روعة لدرجة أن صاحب الاستديو كبرها لأكبر مقاس ووضعها في فاترينة الاستديو.. كل هذه الصور والرسائل أعدتها لها لكي تطمئن على أسرارها وخصوصياتها ولا تقلق بأنها في يد غريب.. ولكنها قالت لي بعد ذلك بزمن طويل- جداً- أنها لم تكن لتقلق على اسرارها وهي بيدي، فهي تطمئن لي حتى لو لم تستمر علاقتنا، وأنها قد ظنت أنني لا أريد شيئاً يذكرني بها لذلك أرجعتُ لها كل شئ!


كم منزل في الحي يألفه الفتى * وحنينه أبداً لأول منزل
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما القلب إلا للحبيب الأول


ما بين الخرطوم ومدني قضيت إجازتي وعدت إلى الطائف وإلى عملي المعتاد.. ثم أرسلت شيكات الحج لوالديّ، وهذه أول فائدة للإغتراب الذي خططت أن يكون قصيراً، حيث أحج أنا ثم أحضر والديّ للحج وأبني البيت وأتزوج، لذا تكفيني سنتين ثلاثة في الغربة.. وهي الآن وصلت الى ثلاثة..... عقود فقط!!!

المكتب الذي يقابل مكتبنا هو مكتب عبد الله سيف المتخصص في النقليات وحفر الآبار، وكان يدير المكتب إبنه سيف، وذات يوم قال لي إنه مسافر الى تايلاند ويريدني أن أسافر معه- لأنني أعرف اللغة الإنجليزية وهو لا يعرف- فوافقت، وأستأذنت كفيلي فأذن لي، ولكن علمت من سيف لاحقاً أنه لم يكن يقصد تايلاند وإنما فرانكفورت في ألمانيا حيث يريد شراء سيارات، وذهبنا الى مكتب الحجز والسياحة حيث وجدنا عايض الشلوي قريب صاحب مكتبنا وقريب سيف أيضاً حيث كانوا كلهم من فخذ واحد (الشلوي) من قبيلة بني حارث.. وكان عايض يبحث عن حجز الى القاهرة فلم يجد حيث أن موسم الحج قد اقترب والعودة من مصر الى السعودية شبه مستحيلة لضغط الحجاج على الطيران في الموسم.. فقال له سيف لم لا ترافقنا الى المانيا؟ فوافق وقطع سيف لي وله تذاكر جدة فرانكفورت جدة، وقطع عايض نفس الخط.. وكان موعد السفر في نفس وقت الحج، ووالداي قد أبلغاني أنهما قد أتما إجراءات الحج وحددا وقت الحضور الى جدة.. فاستعنت بإبن خالتي احمد محمد احمد وقيه- عليه رحمة الله- والذي يعيش في جدة بأن يذهب إليهم في المطار ويطمئنهم ويطمئن عليهم، على أن يواصلوا هم مع بعثة الحج الى مطوفهم المخصص لهم حتى عودتي من ألمانيا..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
02-13-2012, 06:44 PM
الحلقة 129


نواصل ...

السفر الى ألمانيا



في الأسبوع الثالث من شهر أغسطس تقريباً عملت تأشيرة خروج وعودة وعملنا نحن الثلاثة تأشيرات دخول لألمانيا من السفارة الألمانية بجدة ثم عدنا للطائف حيث أعددنا حقائبنا، ثم ركبنا سيارة سيف الرينج روفر وتوجهنا نحو جدة عبر طريق الهدا، ونزلنا في فندق الواحة ببني مالك بجدة، وكانت غرف الفندق على شكل شاليهات أرضية منفصلة عن بعضها ومنتشرة على مساحة واسعة، ودخلنا بالسيارة عبر بوابة الفندق الرئيسية حتى توقفنا أمام الغرفة المخصصة لنا، وكان فندقاً هادئاً، فقضينا ليلة فيه، وفي الليلة الثانية تحركنا من أمام الغرفة بالسيارة وتوجهنا الى مطار الملك عبد العزيز بجدة- الصالة الشمالية (المخصصة للخطوط الأجنبية غير السعودية)- حيث ستقلع الرحلة في الثانية بعد منتصف الليل.. ونزلنا من السيارة وتركناها في مواقف المطار ودخلنا صالة المغادرة، ثم وقفنا في الكاونتر المخصص لخطوط لوفتهانزا ووزنا العفش واستلمنا بطاقات صعود الطائرة، ثم جلسنا في الكراسي ننتظر إعلان الدخول لصالة بوابات المغادرة.. وعندما اقترب موعد الإقلاع ولم نسمع عبر مكبرات الصوت أي إعلان عن الرحلة ذهبنا نستطلع الخبر، فقال لنا الموظف أين أنتم، نحن نبحث عنكم منذ ساعة وطلبناكم عبر مكبرات الصوت بالإسم.. قلنا له لم نسمع شيئاً، ثم أخذنا إلى بوابة المغادرة حيث استقلينا سيارة صغيرة لأن البصات نقلت كل الركاب الى الطائرة ولم يبق غيرنا فأخذونا بالسيارة الصغيرة- VIP- وعندما صعدنا الى الطائرة كان الجميع ينظر إلينا – لا ندري بزعل لأننا تسببنا في تأخير الطائرة، أم بحسد لأننا VIP ونقلونا الى الطائرة بسيارة صغيرة، وأن الطائرة انتظرت وصول سعادتنا! المهم ما إن جلسنا في مقاعدنا حتى أغلقت أبواب الطائرة ثم تدحرجت فوق مدرج المطار ثم ما لبثت أن أقلعت باتجاه الشمال فوق البحر الأحمر متوجهة الى أوروبا.. إلى مطار فرانكفورت..

قضينا الليلة في الطائرة، وفي الصباح وصلت الى مطار فرانفكورت، ويا له من مطار.. عندما نزلنا من الطائرة ودخلنا صالة المطار ثم تابعنا اللوحات الإرشادية، وإذا بنا نمشي على سير أفقي متحرك لمسافة مئات الأمتار، ثم وصلنا لمكان الأمتعة حيث أخذنا شنطنا، ولاحظت أن هناك عاملاً مكتوب على ظهره (Zool) فقلت الزول ده الجابو هنا شنو؟ ولكن لاحظت أنه أحد مجموعة عمال يلبسون زياً موحداً علمت أنهم من عمال الجمارك، أي ان كلمة زول تعني جمارك.. وتوجهنا الى كاونترات الجوازات حيث ختمنا ختم الدخول، وفي صالة المطار الرئيسية وجدنا مكاتب تأجير الفنادق، وقالوا لنا إن فرانكفورت ليس بها فنادق شاغرة، ولكن هنالك مدينة قريبة منها يمكن الحجز في فنادقها، وبالفعل حجزوا لنا في فندق بمدينة (دارمشتاد).. فاستقلينا تاكسي وتوجهنا الى تلك المدينة التي لم تكن بعيدة عن فرانكفورت، بل تعتبر من ضواحيها، وتشتهر دارمشتاد هذه بالقاعدة الجوية الأمريكية فيها.. وبالفعل عندما وصلنا الفندق وجدنا كثير من نزلائه من الجنود الأمريكان، وهم العساكر الوحيدين الذين رأيناهم في ألمانيا، فلا ترى في أي شارع شرطي سواء مرور او شرطي عادي او سيارة نجدة أو سيارة مرور، وهذا لفت نظرنا منذ اليوم الأول.. فيبدو أن الألمان وصلوا درجة من الرقي والمدنية أن داخل كل فرد شرطي يضبطه، فوجدوا ألا داعي لنشر شرطة في الشوارع.. عجيب يا ألمان!

وصلنا الى الفندق وقابلنا موظفو الإستقبال الذي كان بينهم فلسطيني وألمانيتان جميلتان، فسلمناهم جوازاتنا وأعطونا مفتاح الغرفة حيث وجدناها جميلة وأنيقة وبها ثلاث أسرة بجانب كل سرير كومودينو، ودولاب ملابس وثلاجة صغيرة بها مشروبات غازية وروحية- خمر- فإذا أخذت منها واحدة استبدلتها الموظفة عند مرورها اليومي وجردت الناقص لتسجله على فاتورة الغرفة، اي إنك لا تطلب المشروبات من الإستقبال أو من المطعم، فكل شئ موجود بالثلاجة.. وعندما انحنت الموظفة فوق الثلاجة الصغيرة لتجرد ما فيها وكنت مستلقياً على السرير وبيني وبين الثلاجة سنتمترات فقط، وكانت تلبس فستاناً من قصره بانت ملابسها الداخلية كاملة.. ده شنو ده يا ألمان؟ ولم تكن تعبأ بمن ينظر إليها ولا إلى وضعيتها تلك، بل استمرت في تسجيل ما بالثلاجة، فثارت نفس صاحبي وقال لابد أن يطلب منها قبلة، فرجوته ألا يفعل لمعرفتي بالأوربيين.. فلم يسمع كلامي وتابعها إلى باب الغرفة وطلب منها، ولكنها اعتذرت له بلطف..


الصورة المرفقة لشخصي وعايض وموظف الإستقبال الفلسطيني امام كاونتر الإستقبال بالفندق


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
02-14-2012, 05:30 PM
الحلقة 130


نواصل ...


دارمشتاد




غرفتنا بها شرفة (بلكونة) تطل على الشارع وعلى حديقة عامة جميلة، وكان الجو لطيفاً ومشمساً وصحواً، ووقفنا لنتفرج على المنطقة من الشرفة، وقد لفت نظرنا منظراً شبيهاً بما رأيناه قبل قليل في الفندق من موظفة الثلاجة، ولكن التي رأيناها كانت كأنها ترفع فستانها وتخلع ما تحته، و لا ندري لماذا تفعل ذلك في حديقة عامة، ربما لأن شرفتنا لم تكن تطل مباشرة على الحديقة وبالتالي لم ترانا ولم يكن بالحديقة غيرها، او انها لا تكترث لأحد.. كل شئ جائز في المانيا..

تجولنا حول الفندق ولاحظنا أن إشارات المرور بها إشارة خاصة للمشاة، فلا يعبر المشاة الشارع إلا حين تضاء تلك الإشارة بالأخضر، فكنا نقلدهم في الإنضباط الذي لم نتعود عليه في بلادنا ولا في مغتربنا، فأحياناً نكون الساعة الثانية بعد منتصف الليل وتقل السيارات العابرة ومع ذلك ننتظر إشارة المشاة الخضراء لنعبر.. في هذا الوقت المتأخر من الليل نكون عائدين من الديسكو الذي لا يبعد كثيراً عن الفندق، ومدخل الديسكو كان في شكل بص، تدخل من بابه وتمر بين المقاعد لتصل من الباب الآخر الى قاعة الديسكو، كان ثلاثتنا لا يشربون إلا المياه الغازية.. وعندما توجهت ذات مرة الى دورات المياه لأفرغ ما تكون من مياه داخلي بسبب تلك المشروبات، ودخلت أحد الحمامات الخاصة بالرجال، وإذا بي أسمع في الحمام المجاور أصوات همس وهمهمات وزمر (على قول عادل إمام لناهد جبر في مسرحية شاهد ما شافش حاجة عندما قالت له عندما تدخل السينما ومعاك واحدة وتقعد- مثلت له الفعل بصوت يخرج من فمها- فقال لها أزمّر يعني؟)، ولو لم يكن الحمام خاص بالرجال لقلت أن الأمر عادي.. ولكن.. ومالو؟ برضو عادي في ألمانيا.. وأكيد لم تدخل إمرأة إلى حمام الرجال..

لاحظنا بعض التاكسيات عليها رسمة سلويت لأمرأة مستلقية على ظهرها وإحدى ركبتيها إلى أعلى ومكتوب فوق الصورة: (كريزي سكس)، فقادنا حب الإستطلاع الى سؤال صاحب تاكسي عن هذا الإعلان او هذه الدعاية، فأخذنا الى مبنى في أطراف البلدة يقف وحيداً في ذلك المكان.. كان مدخل البناية مفتوحاً ولكن تنسدل من أعلاه شرائط بلاستيكية سميكة وعريضة نسبياً في شكل ستارة، دفعنا الستائر البلاستيكية ودخلنا فوجدنا غرفاً مفتوحة وأخرى مغلقة.. المفتوحة تجلس بقرب بابها فتاة تلبس قطعتين صغيرتين جداً من الملابس، ثم صعدنا درجاً (سلماً) فإذا الطابق الثاني بنفس النمط.. وكذلك الثالث.. كانت الأجرة 70 مارك، وأي لمسة او أي مقدمات أخرى بـ 20 مارك إضافية.. تقولها لك بطريقة آلية تذكرك بالجرسون في مطاعم السودان في العهود الغابرة عندما تسأله: عندكم شنو؟ فيسرد لك قائمة الطعام بطريقة آلية، أو كالشرطي الذي يعتقل أحدهم في أمريكا فيسرد عليه حقوقه وواجباته ومنها عبارة مشهورة معناها: (وأي كلام تقوله يمكن أن يسجل ضدك)..

كان الحرص مطلوباً منهن، فإما واقي وإما غسيل بالصابون..رأيت فتاة إفريقية على خدودها وشم إفريقي.. قالت لي إنها من قبيلة الأشانتي الإفريقية.. وتعرف الإنجليزية، ورأيت عجوزاً أوروبياً يدخل إليها.. بعضهن كن لا يعرفن الإنجليزية، وصديقي يعرف القليل جداً من الإنجليزية.. ناداني لأتكلم مع إحداهن لأنه أعطاها مائة مارك ولم ترجع له الثلاثين.. سألتها لماذا؟ قالت: قلت له Welcome for change? فأجابني قائلاً (ok)، قلت لها لم يفهمك، قالت هذا شأنه..

في يوم آخر ذهبنا إلى حديقة عامة كبيرة فيها بحيرة استأجرنا قوارب تعمل بالبدال، وتجولنا في البحيرة حتى تعبت عضلات أفخاذنا من التبديل.. وكانت الحديقة غناء وبها ميادين خضراء مزروعة بالنجيلة، وملأى بأشجار التفاح المثمر، فقطفت واحدة وتذوقتها فكان طعمها لا يطاق، لقد ذكرتني بأشجار البرتقال المزروعة في الشوارع في المغرب، تراها مثمرة ولونها برتقالي فاقع وتظن أنها حلوة كلونها فتفاجأ بطعمها الحامض الذي لا يستساغ، والهدف كان الزينة وليس الأكل، وكأنهم يتعمدون ألا تكون مستساغة حتى يتركها الناس وشأنها..

الصورة المرفقة لشخصي في شرفة الغرفة بالفندق، وتبدو الحديقة التي ذكرتها في أول فقرة أعلاه..

وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
02-15-2012, 03:49 PM
الحلقة 131

نواصل ...

استأجرنا سيارة وعملنا حادث


عندما خرجنا من الحديقة بحثنا عن تاكسي فلم نجد في الشارع، وكان هناك صبي يلعب بدراجته الهوائية فلاحظ أننا نبحث عن تاكسي، فرطن معنا بالألمانية التي لم يكن أحد منا يجيدها، وهو لا يتحدث الإنجليزية، فمد يده لنا وفهمنا أنه يطلب عملة معدنية، فوضعناها في يده فتوجه نحو الكشك القريب حيث يوجد هاتف عملة، فاتصل مع شخص ما، ثم وضع السماعة وأشار إلينا أن ننتظر في مكاننا، وبعد قليل جاء تاكسي بناء على تلك المحادثة من الصبي، ولاحظنا أن في كل تاكسي جهاز لاسلكي، وقد اتصل الصبي بشركة التاكسي الذين طلبوا من أقرب تاكسي للمنطقة التي اتصل منها الصبي أن يتوجه إلى العنوان المطلوب، وفي دقائق كان التاكسي معنا.. كان ذلك في العام 1984م!


مسبح الفندق كان في الطابق تحت الأرضي، فنزلنا ذات يوم ووجدنا الخواجات رجالاً ونساء- خاصة الجنود الأمريكان- يسبحون فيه، وبما أننا لا نلبس لبس السباحة فكنا نكتفي بالجلوس على حافة الحوض ونتفرج على الماء..


في الفندق هناك ثلاث طرق لتناول الطعام، الأول هو في الغرف حيث تطلب الطعام فيؤتى إليك، وهذا فيه زيادة رسوم خدمة، والثاني في المطعم على الطاولات وهذا فيه رسوم خدمة ولكن أقل من خدمة الغرف، والثالث في الكاونتر مباشرة حيث تجلس على الكراسي العالية ويكون الكاونتر الذي خلفه المطبخ ومقدم الخدمة، وهذا أقل أسعاراً حيث يشبه نظام (اخدم نفسك بنفسك).. وذات مساء قال سيف نطلب الأكل هنا في الغرفة، فقلت له إن ذلك يكلف أكثر مما لو نزلنا الى المطعم، وأصر سيف على رأيه وعزيت إصراره إلى عدم اعتياده على الأكل بالشوكة والسكين ويظن أن تناوله الطعام بيده أو استخدام الشوكة والسكين بطريقة تنم عن عدم معرفته باستخدامهما سيلفت نظر الخواجات او يجعله سخرية، فقلت له هنا الناس لا يعبأون بغيرهم، فلو أكلت بيدك او بالشوكة والسكين فلن يلتفت إليك احد لأن لا أحد ينظر إلى أحد، فالكل هنا مؤدب وكل واحد في شأنه.. فأصر سيف وقال لي أنا من يدفع الحساب!


وعندما احتد النقاش وحصل الزعل انسحب عايض وتركنا ونزل إلى الأسفل ثم رجع بعد قليل ومعه ساندوتشات – شرائح الخبز المربع وبين الشريحتين قطعة لحم مسطحة- فسلم كل واحد منا واحد، فقضمت ركن الخبزة وبها طريف صغير جداً من اللحم.. وفجأة استدركت، فتوقفت عن المضغ، وسألت عايض: هل سألتهم عن نوع اللحم؟ فأجاب بالنفي.. فاتصلت على المطعم وسألت المسؤول هناك عن اللحم في الساندوتشات التي طلبها زميلنا قبل قليل، فقال لي: لا أدري ولكن غالباً تكون لحم خنزير! فألقيت الساندوتش من يدي في سلة المهملات، وكذلك فعل سيف ببقية الساندوتش، اما عايض فقال انه أكل واحداً في المطعم وهاهو يتناول الثاني.. ثم أردف قائلاً: أتاري بطني كركربت بعد أكلت الساندوتش!


تعارفنا على ثلاثة فلسطينيين يعملون في الفندق، أحدهم الذي يعمل في الإستقبال، فاشاروا علينا أن نستأجر سيارة لنوفر مصاريف التاكسيات المكلفة، وبالفعل اتصلوا على مندوب الشركة الذي حضر للفندق وحرر لنا العقد.. ثم سألني: هل تريدون أن أعمل لكم تأمين ضد الحوادث؟ فترددت ثم سألته كم يكلف؟ قال 30 مارك، فوافقت فوراً على عمل التأمين.. فعمل التأمين وسلمنا السيارة التي أوكلنا قيادتها لأحد الفلسطينيين..


وذات يوم ونحن في السيارة ويقودها الفلسطيني مرقت سيارة من شارع جانبي فاصطدمت بسيارتنا، فنزلنا منها ولم يصب أحدنا بأذى وكذلك سائق السيارة الأخرى، فانفتحت شبابيك في الأدوار العليا في العمارات المطلة على الشارع، وأذكر منهم رجل وإمرأة أطلا من شباك شقتهما ورطنا بالألمانية ففهمها الفلسطيني وأجابهما، وكان سؤالهما: هل هناك دم؟ أي هل هناك إصابات؟ ثم دخلا الى الداخل وبعد قليل وصلت سيارة الشرطة.. كما أسلفت ففي ألمانيا لا ترى سيارات شرطة مرور ولا نجدة في الشوارع.. فإذا حدث تصادم مثل هذا فيتصل أحدهم – كما فعل الزوج المذكورين أعلاه- على الشرطة التي تسأل نفس السؤال: هل هناك إصابات؟ فإذا كان هناك إصابات ترسل إسعاف ويستعجلون بالمجئ، وإلا فتأتي سيارة الشرطة بتمهل..


أول شئ لفت نظرنا في الشرطي ضخامة عضلات يده، فأجزم بأن حجم عضل اليد الواحدة يساوي فخذي أو ربما أكبر منه، والشئ الثاني أنه أخرج شريط لقياس أثر فرامل سيارتنا على الأسفلت، ثم رسم الحادث في أوراقه، والغريب انه لم يطلب من أيٍ من السائقين أوراقه او رخصته.. فقط قال لهما راجعوا مركز شرطة المرور، وأعطاهم ملاحظة بأن سيارتنا كانت مسرعة رغم خطأ الآخر الذي دخل من شارع جانبي.. المهم ذكرت للفلسطيني أنني قد أمنت على السيارة فصار ينطط من الفرح، وقال لي إذاً لن أذهب حتى لمركز شرطة المررو، فالذي سيذهب هو مندوب شركة التأمين.. فحمدت الله أنني أمنت على السيارة.. وفقط بثلاثين مارك..


الصورة ا لمرفقة لشخصي وعايض في ممرات الفندق


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...

.. والحديث ذو صلة..

* الصورة في المشاركة السابقة خطأ والصحيح هي الصورة الثانية هنا (لشخصي في شرفة الغرفة بالفندق)

عمر حسن غلام الله
02-21-2012, 01:23 PM
الحلقة 132


نواصل ...


Frankfurt



في فرانكفورت دخلنا مركزاً تجارياً ضخماً حيث اشترينا بدلات اختار لنا موظفو المركز الألوان حيث كان البنطلون أسود والجاكيت أبيض كريمي والكرافتة فيونكه (بابيونه) سوداء والقميص أبيض، وقد اخترنا ثلاثتنا نفس البدلة، وبالنسبة لي كان البنطلون بدون كفة للرجلين لأن طولي لم يكن متوفراً لديهم، لذلك خصموا لي 10 مارك، وأخذ أحد موظفي المركز البنطلون والعشر ماركات وخرج من المركز لمنزل قريب ليخيطوا كفة البنطلون مقابل 10 مارك بينما كنا نكمل تسوقنا في المركز، فاشتريت بنطلون آخر كوردروي وقميص شبه صوفي، وبعد قليل رجع الموظف ومعه البنطلون جاهز وعلى مقاسي.. (الصور المرفقة كلها بالبدل التي اشتريناها من المركز)، ولاحظنا أن أقمشتها راقية جداً سواء الجاكيت أو البنطلون أو القميص، ونادراً ما تجد مثل تلك الخامات في السعودية او في السودان او في مصر.. ولأول مرة أرى القارئ الرقمي الذي يمرره المحاسب (الكاشيير) على القطعة المشتراة فينزلها في الفاتورة مباشرة ويجمع أسعار كل المشتريات، وبعد سنين طويلة دخل هذا النظام الى السعودية.


واشتريت لأخواتي أقراط ذهب وسلاسل خفيفة، طبعاً المصوغات الذهبية في أوروبا دائماً بسيطة وصغيرة وخفيفة، وسألت البائعة بكم الجرام فقالت لي هنا السعر بالقطعة بصرف النظر عن وزنها، وقالت لي أنا أتفهم سؤالك لأنني أعرف ان في بلادكم كل قطعة بالوزن.. وبما أن الرحلة بطلب من سيف فكانت تلك المشتريات على حسابه أيضاً.. كذلك اشتريت الكاميرا التي التقطنا بها هذه الصور، ولاحظت أن البائعة تلبس بلوزة قماشها من حبال رفيعة أشبه بالتريكو المنسوج في شكل حبال متقاطعة، ولا شئ يفصل البلوزة عن جسدها، لذلك ظهر سنام أحد صدريها خارج فتحات التريكو..


وذات يوم ذهبنا الى حديقة الحيوان بفرانكفورت، وهي حديقة ضخمة جداً لم أر مثلها في حياتي من حيث المساحة.. حديقة الحيوان بالخرطوم- زمن الزمن زين وكان في الخرطوم حديقة حيوان- تساوي عشرها او أقل بكثير.. لذلك ظللنا طوال اليوم فيها ولم نكمل التفرج على كل شئ فيها، وقد وجدنا أحدهم لديه جهاز وكاميرا، يلتقط لك صورة ويحولها لهذا الجهاز الذي يضع فيه تي شيرت فيطبع صورتك عليه، ويطبع خلف التي شيرت عبارة (Zoo Frankfort) كتذكار لتلك الحديقة، وقد عمل لكل منا صورته على تي شيرت، وكذلك صور مشتركة لنا في تي شيرت أيضاً، وكل حسب مقاسه.. فيما بعد أيضاً ظهر هذا الفن في الدول العربية وغير العربية، لكنه في ذلك العام 1984 كان شيئاً استثنائياً وغريباً علينا..


اقتربنا من عرين الأسد فتذكرت مقولة سمعتها من قبل، فذكرتها لزميليّ عايض وسيف؛ وهي أن الأسد لو برمت له شنبك فإنه سيغضب ويزأر.. ثم وصلنا إلى عرين الأسود فرأينا أسداً صغيراً يبدو أنه هندي، وهو يمشي بحركة دائبة داخل القفص من أول القفص إلى آخره وبالعكس، فبرمت له شنبي فلم يتمعر وجهه ولم يتغير شئ فيه وهو ينظر إليّ كأنه لا يراني.. وهناك أسد ضخم- يبدو أنه إفريقي- وبجواره اللبوه، وكان وقتذاك وجهه للجهة الأخرى وذيله لجهتنا، ثم استدار ناحيتنا، وأنا ما زلت ممسكاً بطرف شاربي أبرمه، ثم وقعت عيناه عليّ.. فزأر بقوة كأنه ينتهرني.. فما كان من سيف الذي يقف بجواري إلا أن قفز وتشبث بي محيطاً عنقي بكلتا يديه كأنه يطلب الحماية مني، او كأنه طفل صغير يدفن رأسه في صدر أمه من الخوف... وكانت هناك إمرأة أوروبية جالسة على حافة أحد الأقفاص المواجهة لعرين الأسد فقفزت من مكانها مرتعبة.. وجاء عايض الذي كان وقتها خارج العرين يستطلع الخبر عندما سمع ذلك الزئير.. ولاحظت أن السياج الذي يفصلنا عن الأسد أسياخه رفيعه، بمعنى أن الأسد لو ضربه بيده لتحطم.. وحينها حتلاقوني في المشرحة.. مشرحة إيه.. هو حيخلي فيّ حاجة!!


الصورة المرفقة لشخصي (بالبدلة المذكورة أعلاه) بجانب شجيرة أمام الفندق، ويبدو في خلفية الصورة جنديين من جنود القاعدة الأمريكية بدارمشتاد والذين سكنوا معنا في نفس الفندق


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عبد الرحمن السامر
02-21-2012, 10:33 PM
اعجبنى جدا وصف مدن المغرب
تلك مدن كم داعبت احلامى لزيارتها ولكن للاسف لم تخدمنى الظروف
واصل السرد فى هذا السفر الرائع
انك تمتعنا بوصف جميل كاننا فى تلك البلاد التى زرتها

عمر حسن غلام الله
02-29-2012, 04:10 PM
اعجبنى جدا وصف مدن المغرب
تلك مدن كم داعبت احلامى لزيارتها ولكن للاسف لم تخدمنى الظروف
واصل السرد فى هذا السفر الرائع
انك تمتعنا بوصف جميل كاننا فى تلك البلاد التى زرتها

العزيز عبد الرحمن

مدن المغرب مهما وصفتها فلن أوضح جمالها ورونقها ونكهتها، فلها نكهة خاصة تشمها فعلاً وتحسها..

وأرجو أن تتاح لك فرصة زيارتها، حينها ستعذرني في حبها، وستنافسني فيه!

أواصل السرد من أجلك ..

عمر حسن غلام الله
02-29-2012, 04:13 PM
الحلقة 133


نواصل ...

قاع المدينة (Frankfurt)


في يوم آخر قاد السيارة المستأجرة الفلسطيني وقال لنا سآخذكم إلى (قاع المدينة)، مدينة فرانكفورت، ووصلنا الى قاع المدينة الذي وجدناه مجمع مربع كبير يطل على أربعة شوارع، ولاحظنا وجود بعض الفتيات يبدو من زيهن وأشكالهن وطريقة مشيهن أنهن فتيات ليل، ولكن الفلسطيني أوضح لنا أنهن لسن بفتيات، بل إنهن فتيان، أي رجال، يلبسون زي النساء ويحومون حول هكذا مكان بانتظار زبائن من نوع خاص..

كل المحلات المطلة على الشوارع الأربعة متخصصة في بيع حاجيات وأدوات للبالغين (فقط)، ابتداء من الواقيات الذكورية ومجسمات للأشياء التي تركب عليها تلك الواقيات، وبكل الأحجام بدءاً من حجم يماثل أصبع اليد الصغير وانتهاء بحجم يماثل اليد كاملة بساعدها وزندها، ومجسمات لأنصاف أنثى مهيئة.. ومروراً بالمجلات الوضيعة.. وأما خلف المحلات تلك فيوجد كبائن صغيرة بها مقعد أمامه مرآة في أعلى الجدار وخلفه شاشة تقابل المرآة، تضع قطعة نقدية معدنية من فئة المارك في مكان ما في الكابينة فتبدأ الشاشة تعرض فيلم وضيع لمدة دقيقة حتماً ستنتهي في أي لقطة وليس في نهاية الفيلم، والشاشة تنعكس صورتها في المرآة التي أمامك..

إذا توغلت الى داخل المجمع تجد صالة الـ Peep Show وتعني استراق النظر، حيث تضع قطعة نقدية معدنية من فئة المارك بجوار شباك فينفتح الشباك لترى منصة دوارة حولها كبائن في شكل دائري- منها الكابينة التي أنت بها- حيث ترى شبابيك مفتوحة في تلك الكبائن تطل منها وجوه تنظر الى المنصة الدائرة الدوارة التي بها فتاة لابسة من غير هدوم تتقلب، ثم تلحق بها أخرى.. ثم ينتهي مفعول المارك فتغلق النافذة تلقائياً..

وجدنا أحدهم واقفاً خارج باب صالة يدعو المارين للدخول، فرطن الفلسطيني له بلهجة حادة فرد عليه الرجل بنفس الطريقة، فاستغربنا لهذا الهجوم، فقال لنا الفلسطيني إن هذا الرجل يهودي.. فقلنا له كيف عرفت انه يهودي، قال نحن نعرفهم من اشكالهم (متعودين عليهم في فلسطين)، ويبدو ان اليهودي عرف الفلسطيني ايضاً من شكله.. فعلاً هذه المحلات وهذه الأعمال هي من صنع اليهود وترويجهم كما اعترفوا بذلك في بروتوكولات حكماء صهيون..

هناك قاعة كبيرة بها مسرح وأمام المسرح طاولات وكراسي، هي قاعة (التربتيز)، حيث تعزف الموسيقى فتصعد إحداهن وترقص ثم تبدأ بخلع ملابسها قطعة إثر أخرى حتى إذا ما خلعت آخر قطعة غادرت المسرح لتأتي أخرى، وهكذا.. فإذا خرجت من المسرح عبر كواليسه رجعت الى القاعة حيث تجلس مع من أراد، وتلزمه مديرة القاعة بشراء كأس شراب لها- وله إذا أراد- وطيلة بقائها معه فهي تشفط الكأس تلو الكأس – رغماً عنها- لأن مديرة القاعة تريد ثمن تلك الكاسات.. ولا مانع من مداعبة الجالسة معك..

خلف هذه المحلات والقاعات يوجد ما يشبه موقف السيارات، حيث هناك فقط الأعمدة التي تحمل البناية، ولا شئ غيرها إلا فتيات تلبس كل منهن قطعتين وتقف بجوار عمود، ويمر الزبائن عليهن فإذا اتفق معها صعدت معه إلى غرفتها في الطوابق العليا من البناية والتي خصصت لهذا الغرض حتى لا يتعب الزبون بالتجول في الطوابق كلها ويصعد سلم وينزل من سلم فيسروا له ذلك بوجودهن هنا، والسعر 50 مارك، وأي لمسة أو غيرها تصبح 70 مارك.. وتلك قاع المدينة..

الصورة لشخصي وعايض وبيننا الفلسطيني، ولا أذكر إن كان هو الذي قاد سيارتنا أم لا، فالذين تعرفنا عليهم في الفندق كانوا ثلاثة. والصورة في شرفة الفندق في دارمشتاد..

http://sudanelite.com/vb/attachment.php?attachmentid=1475&cid=1&stc=1
وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عبد الرحمن السامر
02-29-2012, 09:04 PM
مشكور تابعت السرد بشغف شديد
اتمنى ان تجمع هذا السفر فى كتاب
بعد انتهاء كل الحلقات فى همس الحروف
ولك خالص الود

عمر حسن غلام الله
03-05-2012, 07:26 PM
الحلقة 134



نواصل ...


حسن عبد الوهاب



كنا عائدين بسيارتنا من فرانكفورت الى دارمشتاد حيث الفندق الذي نقيم فيه، فقال لنا الفلسطيني الذي يقود السيارة أن الطريق الذي نسلكه فيه حادث لذلك لابد أن نسلك طريقاً آخر، سألناه كيف عرفت؟ قال من الإذاعة.. فالإذاعات المحلية في اوروبا تقطع برامجها المعتادة لتنبه السائقين إلى أن هناك حادث في الطريق السريع ليخفضوا من سرعتهم وينتبهوا، او أن هناك زحمة في مكان ما يمكن تفاديها بالسير عبر طريق آخر.. لذلك تجد سائقي السيارات دائماً يفتحون راديو السيارة ويستمعون الى الإذاعة المحلية..


والطرق داخل المدن محددة السرعة القصوى فيها، وغالباً تكون ما بين ثلاثين الى خمسين كيلو في الساعة حسب الشارع، اما خارج المدن وفي الطرق السريعة فهناك سرعة دنيا يجب عدم (تجاوزها)، أي يجب ألا تقل السرعة عنها، وأظن أنها 160 كيلو في الساعة..


في طريقنا الى الفندق كنا نرى معرض للسيارات المستعملة- ومعظمها مرسيدس- فدلفنا إليه لنستفسر عن أسعار السيارات، فلاحظنا أنها لا تختلف كثيراً عن أسعارها في السعودية، ولم يكن سيف متحمساً لشراء سيارة أو حتى تسجيل ملاحظاته حول السيارات وموديلاتها وأنواعها وأسعارها، لذا استنتجت أنه لم تكن زيارته لألمانيا بغرض شراء سيارات وإنما للنزهة والسياحة فقط.. بالمناسبة كان عمره آنذاك 19 سنة، وعايض 24 سنة وشخصي 29 سنة، وكان سيف متزوج وأنا وعايض ما زلنا (شباب)..


وأنا في ألمانيا تذكرت حسن عبد الوهاب مقدم برنامج (سهرة السبت) وغيرها من البرامج في تلفزيون السودان في السبعينات، وهو شقيق زميل دراستي في المغرب عز الدين عبد الوهاب، وهم من أبناء مدني وأبناء الخليفة عبد الوهاب (الطهار) الذي طهرني أنا شخصياً (مش تطهير عرقي).. وقد كان حسن عبد الوهاب في معية الرئيس جعفر نميري في رحلته الشهيرة والطويلة الى أوروبا وأمريكا أواخر السبعينات، وفي ألمانيا فاجأت حسن عبد الوهاب أزمة مرضية بسبب الكلى، فاضطر للبقاء في المانيا حيث أجريت له فيها عملية زرع كلية، وبقي هناك لمتابعة العلاج، ولما طال أمد العلاج ألحقوه بوظيفة ملحق ثقافي بسفارة السودان في بون..


طلبت من سنترال الفندق أن يمدني برقم سفارة السودان في بون، وقد فعلوا، فاتصلت بالسفارة وسألت عن حسن عبد الوهاب، فقالوا لي أنه بالبيت وأعطوني رقم البيت، فاتصلت فرد عليّ شقيقه- الذي يصغره- صلاح، فسلمت عليه وعرفته بنفسي وأنني كنت زميل شقيقه عز الدين في المغرب، وسألته عن حسن فقال إنه الآن في الحمام، ودردشت معه قليلاً ثم وعدته بالإتصال بعد قليل لأتكلم مع حسن.. وبالفعل اتصلت مرة أخرى ورد عليّ حسن وسألته عن صحته فقال لي أنه بخير لكنه يعيش على الحبوب- حبوب تقليل مناعة الجسم لكيلا يرفض الكلية- وهي حبوب يستمر في تناولها الى ما شاء الله، وقال إنه يتكئ على عكاز في مشيه، تمنيت له الشفاء وودعته.. وفي إحدى إجازاتي في مدني لاحقاً صادفت رجوعه للسودان، ودعاني عز الدين لوليمة أعدت لهذه المناسبة في بيتهم بحي الدرجة، فذهبت وسلمت عليه، وكان يستقبل ضيوفه وهو راقد على السرير، فتذكرت ما قاله لي في تلك المحادثة الهاتفية في ألمانيا..


وسبحان الله قبل حوالي سنتين علمت بوفاة شقيقه صلاح.. فتذكرت قول أمي الذي كانت تردده في مثل هكذا أحداث: (سألوهم مريضكم كيف؟ قالوا شديدنا مات!)، فعلاً لقد كان صلاح يمارض شقيقه حسن أمد الله في عمره، ورحم الله صلاحاً رحمة واسعة وأسكنه االفردوس الأعلى من الجنان.. وما زال حسن مقيماً في ألمانيا إلى تاريخه..


الصورة الأولى لشخصي في أحد شوارع دارمشتاد، والثانية لشخصي جالس في صالة الفندق الرئيسية



وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
03-05-2012, 07:42 PM
مشكور تابعت السرد بشغف شديد
اتمنى ان تجمع هذا السفر فى كتاب
بعد انتهاء كل الحلقات فى همس الحروف
ولك خالص الود

شكرا لك انت على المتابعة والمشاركة

وبالفعل فكرت في تجميع هذا السفر في كتاب، أتمنى أن يرى النور قريباً

عبد الرحمن السامر
03-05-2012, 08:15 PM
مشكور على المتابعة
انا اقرا لك كل حلقة
لقد اسرتنى بالفعل لم اقرا ادب الرحلات كثيرا
اتذكر وانا جد يافع اخر ما قرات كتاب جحا فى جانبلاط
وهو اشبه بادب الرحلات

عمر حسن غلام الله
03-11-2012, 06:56 PM
الحلقة 135

نواصل ...

وداعاً دارمشتاد، وداعاً فرانكفورت، وداعاً ألمانيا..

بينما كنا نمشي في الشارع القتتنا إمرأة كبيرة في السن وكانت تطيل النظر إلينا- ربما من حب الاستطلاع- فبادرناها بالتحية فوقفت وسلمت علينا وسألتنا بالإنجليزية من أين نحن فقلت لها أنا من السودان وهؤلاء من السعودية، فقالت أين تقع هذه السعودية، فأُحبِط صاحباي! أتكون السودان معروفة لهذه الألمانية والسعودية لا؟ وحينما أوضحت لها أين تقع السعودية وأنها من منتجي النفط الكبار عرفتها.. فقال أصيحابي فقط عرفتها عندما اقترنت بالنفط؟ وعرفنا منها أنها أستاذة جامعية، وكانت تمشي في الشارع لوحدها.. ثم قابلنا فتاة سمراء اللون يبدو من هيئتها أنها إفريقية وأنها طالبة، وأيضاً نظرت إلينا فحييناها فحيتنا بابتسامة لطيفة فقال صاحباي لي: (اللون حن).. وفعلاً اللون يحن في بلاد الغربة لا سيما في التي لا يوجد فيها من شاكلة لونك الكثير من البشر.. ولم تتوقف تلك الفتاة بل مرت من جانبنا في الإتجاه المعاكس..


قضينا حوالي 12 يوم في ألمانيا، جلها ما بين دارمشتاد- حيث الفندق الذي نقيم فيه- وفرانكفورت حيث حديقة الحيوانات وقاع المدينة والمولات الكبيرة.. ثم قرر سيف أن نقطع رحلتنا الى المانيا لنغشى مصر! قلت لهم لو كانت البداية مصر ثم أتينا الى المانيا لكان ذلك منطقياً، أما أن نكون في ألمانيا أولاً ثم نغشى مصر ثانياً فهذا غريب.. كيف تتعود عيوننا على ناطحات السحاب في فرانكفورت ثم تصطدم بعمارات القاهرة المتربة والمغطاة جدرانها الخارجية بعوادم السيارات؟ كيف تصم أذاننا أبواق السيارات في القاهرة وقد تعودت في دارمشتاد ألا تسمع إلا حفيف أوراق الشجر في حدائقها.. ولكنه أصر، قلت له سنجد صعوبة في الحصول على مقاعد من القاهرة الى جدة بسبب موسم الحج وذكرته بأن عايض لم يجد حجز العودة من القاهرة الى جدة حينما قابلناه في مكتب السفر في الطائف.. قالوا ان احدهم وعدهم بأن يجد لهم مقاعد.. المهم في النهاية وافقت مرغماً على السفر الى القاهرة..


حجزنا للقاهرة واستعددنا للسفر، ورتبنا أمتعتنا وغادرنا الفندق بعد أن ودعنا اصحابنا الفلسطينيين وتوجهنا بالتاكسي (نسيت أن أقول لكم التاكسي في ألمانيا يعمل بالعداد والسائقون منضبطون جداً ولا يخادعون ولا يسلكون إلا أقصر الطرق لهدف الراكب) من دارمشتاد الى مطار فرانكفورت عابرين مدينة فرانكفورت ذات العمارات الشاهقة والشوارع الفخيمة والنظيفة والحدائق العامة الغناء والمساحات الخضراء، ومطارها الضخم الحديث المنظم.. وضعنا الشنط في جهاز الكشف ثم توجهنا الى كاونتر الخطوط حيث أنهينا إجراءات وزن العفش وسحب بطاقة صعود الطائرة، ثم الى كاونتر الجوازات حيث ختمنا جوازاتنا بختم الخروج ثم بالسير المتحرك الى صالة المغادرة، وعبر الأنبوب الى داخل الطائرة.


وأقلعت الطائرة من مطار فرانكفورت ورأينا الجمال تحتنا والروعة المعمارية والتخطيطية، وغادرنا فرانكفورت التي بدأت تبتعد عنا قليلاً قليلا، أو بالأصح نحن بدأنا نبتعد عن أرضها، ثم ما لبثت أن غُمّت علينا، وغادرنا ألمانيا وأوروبا وعبرنا البحر الأبيض المتوسط باتجاه إفريقيا، إلى وادي النيل..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..


الصورة المرفقة لشخصي وموظف الإستقبال (الفلسطيني) في الفندق (الذي نسيت إسمه) في مدينة دارمشتاد بألمانيا

http://www.hams-al7roof.com/vb/attachment.php?attachmentid=251&d=1331481030

عبد الرحمن السامر
03-12-2012, 11:10 PM
سرد ممتع
المانيا السفر اليها لا يدور حتى فى خيالنا
كم انت محظوظ لان اتيحت لك الفرصة لكل هذا الطواف
فى انتظار المذيد من قصص رحلاتك

عمر حسن غلام الله
03-13-2012, 05:41 PM
سرد ممتع
المانيا السفر اليها لا يدور حتى فى خيالنا
كم انت محظوظ لان اتيحت لك الفرصة لكل هذا الطواف
فى انتظار المذيد من قصص رحلاتك

وكانت السفريات تلك تدور في خيالي قبل أن تتحقق في الواقع..

أعزم، وستزورها، وستتحقق لك في الواقع أيضاً

عمر حسن غلام الله
03-14-2012, 01:38 PM
الحلقة 136

نواصل ...

أرض الكنانة مرة أخرى


دخلنا الأجواء الإفريقية، أجواء مصر، ثم حلقنا فوق سماء قاهرة المعز، ثم هبطت الطائرة أرض المطار، واستأجرنا تاكسي من المطار حيث أخذنا إلى فندق يعرفه وقال لنا إنه فندق 4 نجوم، وعندما وصلناه رأينا في أعلى جداره الخارجي 4 نجوم مرسومة بالأسمنت.. ودخلنا الفندق فما وجدنا ما يدل على نجمة واحدة، ويبدو أن رسم النجوم على واجهة الفندق (ضحك على الذقون)، وعلى ما يبدو سائق التاكسي نال (حلاوته) من مسؤولي الفندق، وعندما دخلنا الغرف وجدناها سيئة لدرجة أن باب الحمام لا يمكن غلقه.. قضينا ليلة واحدة فيه وقررنا الرحيل عنه..

ومن فندق لا نجوم له إلى فندق ذو 5 نجوم، شيراتون الجزيرة، فانتقلنا الى هناك حيث البرج الأسطواني الداخل جزء منه في النيل، كان البرج رائعاً وموقعه أروع وغرف الفندق راقية، فرق شاسع بين هذا الفندق وذاك.. ولفت نظرنا أن الذين يعملون فيه لا يقبلون منك بقشيشاً حتى لو سيجارة، فهم ممنوعون من ذلك.. وهذا غريب في أرض الكنانة، ولكن رقي الفندق هو السبب.. وعلى ما اذكر كانت غرفتنا في الدور العاشر، وهي تطل على النيل وكان المنظر من علٍ رائعاً.. وفي المساء كانت هناك فرق غنائية واستعراضية، فكانت الراقصة المصرية الشهيرة فيفي عبده تؤدي وصلة، تليها خواجيتان تلبسان شورت جداً أشبه بلبس السباحة تؤديان رقصاً غربياً مع موسيقى غربية، وكان الرقص والغناء يقدم في وقت العشاء، ويكون سعر العشاء زائداً عنه قبل تقديم فقرات الرقص، فقد جلسنا في أول المساء وطلبنا العشاء فقالوا لنا وقت العشاء لم يحن، فطلبنا عصائر وشاي، وقالوا لنا إذا طلبنا العشاء بعد بدء فقرات الرقص فهناك زيادة في ثمن الوجبة، وأذكر أنني التقيت بطالبتين سودانيتيين لا أذكر الآن أين التقيتهما ولا أذكر إسميهما، ولكن دعيناهما إلى تلك الجلسة على شاطئ النيل في ساحة فندق الجزيرة شيراتون، ولم أرهما بعد ذلك.

لاحظت أن أجرة التاكسي زادت كثيراً عما كانت عليه في العام 1978 حينما زرت مصر لأول مرة، فأقل مشوار كان يطلب ثمانية جنيهات أو عشرة، وقلت في نفسي أن الغلاء استفحل في مصر، لا سيما تلك التاكسيات الواقفة أمام الفندق، ولا سيما إذا كان معي زميليّ السعوديين أو أحدهما.. علماً بأن في العام 1978 كانت الأجرة لا تزيد عن جنيه أو ربما نصف جنيه..

ذهبت إلى شارع البساتين أسأل عن أسرة القالع، ووجدت محلاتهم التجارية وسلمت على أولاد القالع الذين يشتغلون فيها، وأخذوني إلى شقتهم وهي نفسها التي نزلت فيها سابقاً، وسلمت على والدهم الذي استقبلني استقبالاً طيباً، ولكن والدتهم سلمت عليّ ببرود مما دفع أحد أبنائها أن يذكر لها إسمي ظاناً أنها لم تعرفني، ولكن ردت عليه: (عارفاه).. مما دفعني للظن بأنها زعلانة مني ربما بسبب الخطاب الذي بعثته لهم بعد عودتي للسودان في العام 1978 أشكر فيه زميلي مجدي عواض الذي سدد أجرة التاكسي للمطار، ولربما كشف خطابي إياه أن محمد لم يعطني شئ مما أعطاه أبوه ونحن نتحرك بالتاكسي من أمام منزلهم باتجاه المطار – كما أسلفت- وقد خمنت أن والده لامه فغضبت والدته له.. المهم سلمت عليهم وجلست قليلاً ثم غادرتهم..

زرنا أيضاً مكتب الصادق الشريف الذي كان مكتبنا في الطائف يتعامل معه في استقدام العمال المصريين، وكان موقع المكتب في شارع 26 يوليو قرب دار القضاء العالي، وكانت تعمل معه فتاة مليحة، فتعلقت بي، ولمحت بحبها، وأعجبتني، ولم تستمر العلاقة كثيراً لأن فترتنا كانت قصيرة في مصر، وعندما سألت عنها لاحقاً أخبرني صاحب المكتب أنها لا تصلح لي؟ لماذا؟ لأنها قبطية! وتذكرت كيف أنها كانت تحضر لي سجادة الصلاة إذا أردت الصلاة وأنا في مكتب الصادق!


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

أبو عدى
03-15-2012, 01:40 PM
رغم فترات الغياب التى تحرمنى من معانقة حروفك
الا انى احرص ان اكون هنا للإستمتاع بروعة الحرف و روعة السرد الجميل ,
ما زلت هنا استاذنا الفاضل غلام الله , نتابعك بشغف

عبد الرحمن السامر
03-15-2012, 11:29 PM
شكرا لك
نفضت عنا غطاء الملل
نحن العطشى لاصداء متجددة على الدوام
تواقون للقراة نمارسه لحد النهم
وجدنا فى سردك كل الاشباء
دمت بود

عمر حسن غلام الله
04-04-2012, 06:43 PM
الحلقة 137

نواصل ...

وداعاً أرض الكنانة.. ومرحباً بالحج

سافرت إلى الإسكندرية حيث بن خالي عادل سراج يدرس هناك في معهد تبريد وتكييف، وأظن أنني كنت أعرف عنوانه فقد كان يراسلني في الطائف منه، وكان يسكن في الإبراهيمية فنزلت عنده وتجولنا معاً في شاطئ الإسكندرية الجميل والتقطنا صوراً هناك لم يبق منها شئ الآن على ما أظن، وزرنا كذلك منزل والدة جارتنا فوزيه حيث قابلنا والدتها وإخوانها فاروق وخميس وكذلك بنت أخيها رقيه (دقدق).. كذلك تعرفت على صديق عادل المصري معتز في شارع شديا، وسجلنا لهم زيارة في بيتهم وكان بيت كرم وضيافة خاصة والدهم مصطفى شنكل الذي يشبه في صفاته أكرم السودانيين..

بقيت في اسكندرية ربما يوم أو يومين، ثم رجعت للقاهرة، التحقت بزميليّ السعوديين ثم تجهزنا للعودة الى السعودية.. استقلينا الطائرة المتوجهة الى جدة، وهبطنا في مطار جدة، وكان سيف قد ترك سيارته في موقف المطار طيلة فترة غيابنا خارج السعودية، فركبنا السيارة وتوجهنا الى داخل جدة حيث سيلحق سيف بزوجته عند أهلها في حي بني مالك، وعايض أيضاً بقي في جدة وكان عليّ أن أسافر الى الطائف، فاجتهدت أن أحصل على أجرة السفر من جدة الى الطائف من سيف الذي كنت اتخاصم معه في ألمانيا لكي يقتصد في الصرف، كمثال ما حكيته عن الأكل في الغرفة بدلاً عن المطعم في الفندق في دارمشتاد بألمانيا..

في جدة ذهبت إلى أحمد ود أحمد (بن خالتي الذي وكلته ليستقبل والداي) وعلمت منه أنه استقبلهم في المطار وطلب من المسؤولين في مدينة الحجاج إخراجهم منها فطلبوا منه التنازل عن المطوف، ففعل، وأخذهم الى البيت، ثم اضطر مرة أخرى ان يبحث عن مطوف آخر وبرسوم أخرى، وبعد جهد جهيد وجد مطوف يقبلهم، وكانوا حين وصلت جدة قد غادروا الى مكة المكرمة.. (لست متأكد من أنني ذهبت لأحمد في بيته أم إنني اتصلت عليه بالهاتف، ولا أستطيع التأكد من هذه المعلومة بعد الآن- من غير سبيل الذاكرة والتذكر- حيث فارق دنيانا احمد قبل اقل من عام أسأل الله أن يتولاه برحمته ويجعل مثواه الجنة في أعلى عليين).

وصلت الطائف، وارتحت قليلاً من وعثاء السفر، وأحرمنا أنا وزميلي مصطفى المصري وتوجهنا الى مكة، وقابلت والداي هناك وأصرا على أن نبيت معهم في سكنهم بمكة، وتحسس مصطفى وأبى، لكن والداي أصرا عليه، فنمنا معهم في الغرفة التي كان بها غيرنا من الحجاج السودانيين، وكذلك سكنا معهم في مخيمهم في عرفات، ولكن دخول مصطفى الى مخيم السودانيين وهو مصري كان معضلة، حيث كانوا يعترضون دخوله إلا بمعيتي.. وأتممنا الحج معهم والحمد لله، ثم عدت بعد الحج الى الطائف وصرت أزورهم في مكة ثم في جدة حتى سافرا الى السودان.

وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عبد الرحمن السامر
04-04-2012, 08:00 PM
حلقة جميلة
اكرمك الله بالحج
ربنا يكرمنا به
فى انتظار حلقات اكثر اثارة من سفرياتك الرائعة
اشعر انا صغير مقارنه بتجاربك وخبراتك فى جل اقطار المعمورة
من لم يسافر لم يعش العالم الحقيقى

عمر حسن غلام الله
04-15-2012, 03:23 PM
الحلقة 138

نواصل ...

الإتصالات والرسائل



كان الاتصال الهاتفي في تلك الأزمان الى السودان في غاية الصعوبة، هذا إذا كان هنالك هاتف أصلاً لدى أهلك تتصل عليه، ففي مدني لا توجد إلا عدة خطوط لتجار ومصالح حكومية وبعض الموسرين، وفي معظم الأحيان لا تعمل أو تتشابك الخطوط فتجد نفسك تسمع كل المحادثات التي تدور في تلك اللحظة في المدينة.. لذا كانت الرسائل الخطية و أشرطة التسجيل هي الوسيلة المتاحة للتواصل مع الأهل..


من الرسائل التي بقيت في الذاكرة، وبقيت كذلك بذاتها، رسالة من الصديق بابكر البشير خليفة الذي كان يدرس أيامئذ في كلية الطب بجامعة الخرطوم، وتعرفت عليه عندما كنت أزور إبنة عمي آمنة بشير وذلك في العام 1982م حينما كان مقر عملي في الخرطوم.. المهم تلقيت رسالة مكتوب العنوان عليها بخط جميل جداً ومميز جداً، حيث لم أعرف مثله في الخطوط المتعارف عليها من نسخ ورقعة وثلث وكوفي.. كان نوعاً آخر من الخطوط مبتكر، وخاص بصديقي بابكر البشير.. فتحت الظرف وأخرجت الرسالة المؤرخة 18/7/1984م والتي لم تكن سوى قصيدة.. قرأتها وفهمت الرسالة دون شروحات على الهامش أو في المتن، وحتماً ستفهمون الرسالة دون أن أشرحها أنا هنا، وإليكموها:


نادي منادي القلب الواجف * ولبى البشر الصوت الخاطف
جينا البلد الطاهر عمره * وسال الدمع السابل وزارف
ركعنا.. سجدنا.. طفنا.. سعينا * جلسنا دعينا تلينا مصاحف
زرنا الهمزه وسبعه مساجد * وزرنا بقيع الجيل السالف
بقيت بالحب النبوي متيم * مليت بالشعر الصوفي صحائف
قلت أزورك أعانق نورك * ونبض القلب الشوق الجارف
نويت أسقيك إحساس بالنيل * وغنوة ريد بصوت الكاشف
سألت عليك مليون متغرب * سألت عليك أحزاب وطوائف
طلبت العقل الآلي السنتر * لعله يحدد نمرة هاتف
كان الرد السلبي مسطر * قال العقل البنضم آسف
خلاص الأمل الشايلو اتبعثر * ورفض الحظ القاسي يحالف
ولما العقل احتار واتحير * قلت أسافر ليك وأجازف
أركب عربه ظريفه خفيفه * أأجر هنتر، وطبعاً عارف
لو تترحل خالي إقامة * تكون في حساب الشرطي مخالف
مهما تحاول تختا الكشه * ليك العسكر لازم يصادف
يقول لك وخّر وري هويتك * جنب عندك وخليك واقف
رجعنا بلدنا وما تلاقينا * وماتهنينا بالونسات الفيها طرائف
ليك وصية تتم بالنية * من القلب الكلو عواطف
تعال اتهنى* وكمّل دينك * شقى في الغربة الزول العازف
ألف تحية لكل مهاجر * صان العشرة معاك في الطائف
حي جمال الطقس الساحر * وكل ثمار الشجر الوارف
وأقبل من سودانا تحية * إنت ضميرو وجرحو النازف

("تعال اتهنى*" شرحها أسفل الصفحة: "تعال اتحنن")



فأين صاحب الرسم بالكلمات من هذه الرسمة الجميلة التي لم يجهد صاحبها نفسه فيها كثيراً فخرجت سلسة منمقة ومموسقة؟


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
04-15-2012, 04:06 PM
رغم فترات الغياب التى تحرمنى من معانقة حروفك
الا انى احرص ان اكون هنا للإستمتاع بروعة الحرف و روعة السرد الجميل ,
ما زلت هنا استاذنا الفاضل غلام الله , نتابعك بشغف

يا أبا عدي

لكم نكتب
ومنكم نستمد الشجاعة للكتابة
ولولا تشجيعكم الدائم لنا لتكاسلنا ولتوقفنا

عمر حسن غلام الله
04-15-2012, 04:09 PM
شكرا لك
نفضت عنا غطاء الملل
نحن العطشى لاصداء متجددة على الدوام
تواقون للقراة نمارسه لحد النهم
وجدنا فى سردك كل الاشباء
دمت بود

اخي الكريم عبد الرحمن ا لسامر

وفيكم وجدت كل الدعم والمؤازرة والمساندة

وشكرا لك على الكلمات الرقيقة فيما أكتب..

عبد الرحمن السامر
04-15-2012, 10:02 PM
لك الشكر على السرد
ساعود اليه لاحقا لان التحميل عندى بطئ جدا
دمت بود

عمر حسن غلام الله
04-17-2012, 03:18 PM
الحلقة 139

نواصل ...

إجازة أخرى في السودان


مضت بقية العام في الطائف عادية، ثم حان موعد إجازتي السنوية، فسافرت عن طريق مطار جدة، الى مطار الخرطوم الذي بدأ لي كئيباً ومزدحماً وغير منظم وفوضى- خاصة العفش- فقد تكدس في صالة ضيقة لا تستطيع ان تمشي فيها من تراكم العفش، لقد ازدادت حركة الطيران وازدادت أعداد المسافرين ولم يواكب ذلك المطار الصغير البدائي..

بعد زيارة اهلي بالعاصمة علمت بأن أفروديت في الخرطوم، فتوجهت إليها في داخلية البنات قرب صينية سانت جيمس، بعد أن انتقلت إليها من داخلية شارع علي عبد اللطيف.. فرحت بلقائي وفرحت بلقائها.. ثم سافرت إلى مدني وسعدت بلقاء أسرتي وأقاربي وأصدقائي وجيراني.. ثم رجعت مرة أخرى للعاصمة، وبدأت أتردد على افروديت في الداخلية، ما إن أرى طالبة متوجة نحو باب الداخلية حتى أطلب منها أن تنادي فلانة، وانتظر قليلاً فتأتيني أفروديت.. التي كتب فيها زميل دراسة في الجامعة قصيدة ألقاها في رحلة للكلية.. وذكرها بالإسم الصريح، الذي لا أستطيع أن أذكره هنا.. وحينما تأتي كنا نجلس على حافة جدار الداخلية ونتونس..

وذات مرة دخلنا سينما قاعة الصداقة، العرض المتأخر، وأتذكر أن الفيلم كان يحكي قصة فدائيين كوريين ضد الغزو الياباني لبلادهم.. وبعد انتهاء الفيلم في حوالي الحادية عشرة ليلاً تمشينا في شارع النيل، ثم جلسنا على أحد الكنبات المطلة على النيل.. لم تكن جلسة رومانسية- رغم أن المفروض تكون كذلك- كان ثمة شئ يعكر صفو جلستنا.. شيء غامض لم أفهمه، كلمات مبهمة تصدر منها من حين لآخر.. تبدو ساهمة أحياناً.. وتلمح بأشياء تغلق الأفق أمامي.. فينقبض صدري.. على شاطئ النيل نعم، وحبيبي الساهر معاي، نعم، أسمر وجميل، نعم، كانت أيام يا وطني، نعم، زي الأحلام يا وطني، نعم.. ولكن... قمنا من جلستنا على شاطئ النيل وتمشينا نحو الداخلية.. كان الصمت يلفنا معظم الطريق.. ثم وصلنا إلى الداخلية، ودعتها ودخلت هي للداخلية ورجعت أنا..

حكيت لقريبتي ما يقلقني، فتطوعت لمقابلتها لتعرف خبايا نفسها، ولتقرب بيني وبينها.. أخذتها بسيارتها لاستضافتها في بيتها.. و
كانت لنا أيام ... في قلبى ذكراها
مازلت أطراها ...
ياليتنا عدنا ... أو عادت الأيام
إن أنسى ما أنسى ... ذكراك يا سلمى
فى وكرنا المهجور والصمت قد عم
تحلو لنا الشكوى ... والحب والنجوى
لن أنسى نجواكى والهمسة والبسمة
وحرارة الانفاس ... فى قبلتى لما
ضمتك يمنايا ... يا سعد دنياي
وغفوتى في صدرى ... نشوانه بالأحلام
كيف أنسى أيامى يا فتنتي الكبرى
يا وحى إلهامى أنا همت بالذكرى
ذكرى لياليكى ... في خدر واديك
الليل أهواه في شعرك الناعم
النور والنوار في ثغرك الباسم

في وسط ذلك كله كانت تقول لي: الكلام القلتو ليك علقو حلقه في أضانك.. فيسقط في يدي.. كيف كل ذلك وأعلق ما قالت حلقه في أذني؟ كيف يجتمع المتناقضان؟ كتبت إسمها في لحى أشجار اللبخ وفي أوراق شجيرات الصبار في حديقة المنزل، وذكريات تلك الأيام الجميلة:
في لحى الأشجار كتبتو نحتو في صم الحجارة
وبحت للشمس البتقدل..
في مدارها
عيوني في الدمعات وحيله
اسمحيلا تشوف عيونك
اسمحيلا
أنا لا الصبر قادر عَلَىّ
ولا عندي حيله
وأنتِ منك لا بداية..
عرفت لسّه ولا نهايه
مرة أسرح..
ومرة أفرح..
ومرة تغلبني القرايه


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عبد الرحمن السامر
04-17-2012, 10:32 PM
شكرا على العطاء الثر
تأكد اننا نتابعك على الدوام
الكلمات لا تفيك حقك
امتعتنا واسعدتنا حقا
دمت بخير

عمر حسن غلام الله
04-18-2012, 03:58 PM
الحلقة 140


نواصل ...


الزيارة الثالثة لأرض الكنانة



رجعت إلى مدني لأصطحب الوالد للسفر به الى القاهرة لعلاجه، فسافرنا من مدني الى الخرطوم وقبل أن نغادرها الى القاهرة طلبت من قريبتي التي استضافت افروديت ان تحل لي اللغز، وتكشف ذلك الغموض، وتسبر أغوارها لأعرف كنه تينك العبارات المبهمة..


أقلعت الطائرة صوب القاهرة، وبعد ساعتين من الطيران وصلنا مطارها، أخذنا تاكسي بعشرة جنيهات الى الألف مسكن حيث بيت طيبة الذكر المغفور لها بإذن ربها حاجة مسكة إبنة أخ جارتنا فوزية، وقد تعرفنا على حاجة مسكة حينما كانت تأتي السودان لتزور بنات عمتها فوزية في مدني، وكانت بحكم الجيرة القديمة لعمتها فوزية تزورنا، لم أر أطيب من تلك المرأة النوبية الملامح السمراء اللون صبيحة الوجه الباسمة دوماً.. نزلنا ضيوفاً عليها في بيتها حيث كان زوجها يسكن مع زوجته الثانية، وكان هناك شابين من أهلها يسكنان معها..


قابلنا الطبيب وطمأننا على الوالد إذ لم يكن هناك ما يقلق في صحته، وكتب له العلاج وبدأ في تناوله مع حمية في الأكل.. ثم سافرنا إلى الإسكندرية، وقصدنا إبن خالي عادل سراج حيث يسكن في سيدي جابر، وفي محطة المترو في سيدي جابر رأي والدي عادل في الشارع فلفتني إليه، فناديته، فالتفت وفوجئ بي، فوضع يديه على رأسه وتشهد.. لم يكن يتوقع أن يقابلني بالصدفة في الإسكندرية.. ثم اقترب منا فرأي والدي- ولم يكن رآه حينما رآني- فدمعت عيناه.. سلم علينا وهو يبكي، ثم أخذنا الى شقتهم حيث يقيم معه بعض الطلاب أذكر منهم حسن رشوان، استضافونا في شقتهم، ومنها انطلقنا في زيارات معارفنا هناك.. الحاجة فوزية وإخوتها فاروق وخميس ووالدتها.. والحاج مصطفى شنكل والد صديق عادل، وفي نفس الوقت قريب حسن رشوان.. وكذلك زرنا قريب للحاجة فوزية أنستني السنون إسمه، يسكن وحده مع بنته الوحيدة، وقد أصر أن يدعونا للغداء في بيته، فلبينا الدعوة ومعنا عادل وبعض زملاءه في الشقة..

قريب من الشقة كان هناك مستوصف يسمى نور الإسلام، وكانت في تلك الأيام منافسة بين المسلمين والأقباط لتقديم الخدمات الإنسانية والخيرية، وكان مستوصف نور الإسلام خيري، حيث رسوم الكشف تكاد تكون رمزية- للمصريين ولغيرهم- وعلى ما أذكر كانت جنيه ونصف أو جنيهين او ثلاثة لا أكثر، وأذكر أن الدكتور الذي كشف عليّ يلبس زي الشرطة، فهو عقيد طبيب، وأذكر أنني راجعت المستوصف بخصوص القولون، فقال لي أكيد السبب أكل الشطة، وأنتم السودانيون تكثرون من أكلها لذلك كلكم مصابون بأمراض القولون، قلت له أنا لا آكل الشطة، قال لي أكيد كنت بتاكلها ولما أمرضتك تركتها، وقد كان صادقاً.. وفي تاريخي المرضي ذكرت له ما كنت اتناوله من مضادات الإكتئاب، فقال لي أن الطب النفسي في السودان متقدم جداً.. فقلت سبحان الله.. مصري يعترف لنا بالريادة في شئ؟ أي شئ؟ لقد كان صادقاً، فالطب النفسي في السودان متقدم والدليل ما أوردته سابقاً عن مستشفى الصحة النفسية في الطائف حيث معظم الأطباء النفسيين المقيمين سودانيون، وكذلك الأطباء الزائرون مثل الراحل حسبو وشيخ إدريس..

في المستوصف التقيت بفتاتين سودانيتين تدرسان في جامعات الإسكندرية، إحداهما تدعى فاتن، وعلى ما أذكر قالت إنها من الحلفاية، تعرفت عليهما، ودعوتهما إلى تناول وجبة معي في أحد المطاعم الذي صادف انه بقرب محطة المترو.. وأخذ عادل والدي الى السينما، وأخذت الفتاتين الى المطعم، وعند خروج والدي وعادل من السينما وانتظارهما في محطة المترو لأخذ المترو المتجه الى سيدي جابر رآني عادل عبر زجاج المطعم أتعشى مع الفتاتين داخل المطعم، وقال لي فيما بعد أنه خاف وقتها أن تقع عين والدي عليّ وأنا مع الفتاتين..


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عبد الرحمن السامر
04-18-2012, 11:56 PM
مشكور على المواصلة
هنا للحرف نبض اخر وايقاع مختلف
لان الرحلات فى قالب قصصى غالبا ما تكون مشوقة
دمت بود
نحن نتابع ابن بطوطة لنرى اين استقر به الترحال

عمر حسن غلام الله
04-21-2012, 04:53 PM
شكرا على العطاء الثر
تأكد اننا نتابعك على الدوام
الكلمات لا تفيك حقك
امتعتنا واسعدتنا حقا
دمت بخير

شكراً على المجاملة التي تتحفني بها دوماً
متعك الله بالصحة والعافية (مش العافية بلهجة المغاربة: العافية عندهم تعني النار)
وأسعدك الله بالذرية الصالحة

عمر حسن غلام الله
04-21-2012, 04:54 PM
الحلقة 141

نواصل ...

الزيارة الثالثة لأرض الكنانة (2)


غادرنا الإسكندرية وعدنا إلى القاهرة مرة أخرى وحضر معنا عادل سراج، وزرت مكتب الصادق الشريف، وعرفت منه أن القبطية قد تزوجت قبطي وتركت العمل.. ولم أزر هذه المرة منزل القالع، وما زلت محتاراً في عدم تذكري لماذا لم أزر منزل صديقي وزميلي مجدي عواض!

لاحظت شئ لفت نظري في التاكسي في القاهرة، فقد كان سائق التاكسي يطلب مني جنيه وربع، جنيه ونص، يعني قريب مما كان في زيارتي الأولى لمصر في العام 1978م (ربع جنيه، نص جنيه)، وبالمقارنة مع العام السابق يبدو الأمر غريباً.. كيف يقل سعر المشوار، وبهذه الدرجة؟ فكما تذكرون فقد كانوا يطلبون منا في العام السابق ثمانية جنيهات تقريباً.. ثم استنتجت أن السبب في هذا أن في العام السابق كنت اتنقل مع سعوديين، والآن اتنقل لوحدي أو مع أبي، يعني سودانيين!! وأدركت أن سائقي التاكسي يرفعون السعر للسعوديين أضعاف أضعاف ما يطلبون من السودانيين.. عارفين من أين يؤكل الكتف..

ذكرني هذا أنه في العام السابق، اي عندما زرنا مصر في طريق عودتنا من ألمانيا، أننا دخلنا كازينو في الهرم، ولم أكن أرغب في الذهاب إلى كازينو لأنني لا أحب التفرج على الرقص الشرقي، ولكن زملائي أصروا على الذهاب فذهبت معهم، ولاحظت أن المغني في الكازينو كان يذكر اسم دول الخليج التي يتواجد مواطنوها في الكازينو في تلك اللحظة، فذكر السعودية، وذكر اليمن رغم أنه لم يكن هناك يمني، ولكن أحد رفقائي كان يشبه أهل اليمن فظنه المغني يمنياً، والغريب أنه لم يذكر اسم السودان رغم أن ملامحي سودانية واضحة.. ولكن يعرف انه لن يستفيد مني، فلِمَ يوجع خشمو فيني؟!

من الطرائف التي حدثت لي أننا كنا نسير في حي الألف مسكن مع أحد أقرباء الحاجة مسكة القاطنين معها، وكان كثير المزاح، فرأينا صعيديين يقودان معزتين، فقال لهم صاحبنا هذا: تبيعون المعزات؟ فتحاوروا معه وعلى ما أذكر أبدوا عدم رغبة في البيع بحجة أنني لا أملك ثمنهن، ويبدو أن كلامهم استفزني فأخرجت المحفظة من جيبي وأريتهم الفلوس، وأظن أنهم ازدادوا استفزازاً لي فأخرجت مبلغاً من المال وسلمته للصعيدي الذي ترك المعزتين في يد صاحبنا ثم (فص ملح وداب)، واختفى وزميله في أزقة الحي، وشربت المقلب.. فقد تابعت صاحبنا في هزله وحسبت أنه يدرك ما أقدم عليه، ولكن فيما بعد اتضح انه من السذاجة بمكان، وكنت أنا أكثر سذاجة منه لأنني وثقت فيه وفي عقله.. وكان واضحاً من (زوغان) الصعايده أن الثمن الذي قبضاه أكثر من سعر المعزتين الحقيقي.. وسحبنا المعزتين الى منزل الخالة مسكة، ثم أخذهم صاحبنا (وكان إسمه عادل، وقد ذكرني بإسمه عادل سراج اليوم) إلى مكان ما بمعرفته.. وبدأنا نصرف عليهما بإطعامهما، ثم بعد عدة أيام بعناهما بالخسارة.. مزحة انتهت بخسارة مادية.. ولكن استفدنا تجربة، فاستفيدوا أنتم منها دون أن تدخلوها، وبنقلها لغيركم حال قراءتكم لها هنا يستفيد آخرون..

لم أنس أن أشتري هدية رمزية لأفروديت، فوجدت سلسلة من الفضة ودلاية مكتوب عليها إسم الجلالة.. فاشتريتها لها..

ثم أزف وقت الرحيل من قاهرة المعز، فتوجهنا الى المطار، وتقدمنا إلى كاونتر الخطوط حيث قدمنا التذاكر ووضعنا العفش في الميزان، ولم يكن عفشنا يزيد عن الوزن المسموح به، ومع ذلك طلب العامل- الذي يأخذ العفش من الميزان ليضعه في السير- بقشيش، فاعتذرت له، فما كان منه إلا أن رفع الشنطة إلى أعلى وتركها تسقط من علٍ، نكاية في شخصي الذي لم يعطه بقشيش، فقلت له خذها مرة أخرى وأحذفها في السماء لتسقط من ارتفاع أعلى، تحدياً له لما قام به.. فابتسم موظف الكاونتر وابتسم أبي.. وهكذا حال هؤلاء، إما إن تعطيهم وإما أن يؤذوك.. وكأن البقشيش واجب عليك..

ثم أقعلت الطائرة متوجهة صوب الجنوب فوق النيل حتى وصلت الى مقرن النيلين، وهبطت في مطار الخرطوم.. لأجد في الخرطوم مفاجأة من العيار الثقيل.. عيار لم يُخترع عيار أثقل منه حتى الآن!

وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عمر حسن غلام الله
04-22-2012, 06:01 PM
الحلقة 142

نواصل ...

مفاجأة من العيار الثقيل جداً

فور وصولي الى الخرطوم اتصلت من هاتف جيران اختي في الديم على قريبتي التي وعدت بتقصي الحقائق ومعرفة الحقيقة وسبر أغوارها.. فجاء الرد صاعقاً.. ومباشراً.. وقاطعاً:
- عقدت!
توقعت كل شئ إلا هذا!
- عقدت؟
سألتُ قريبتي لأتأكد من الكلمة، ومن المعنى، ولكي تستوعب أذني ضخامة الكلمة، وليستوعب عقلي هول المفاجأة..
أكدت لي قريبتي ما قالته، وأضافت أن ذلك حدث يوم الخميس، أي قبل يومين!

الآن فقط بدأت استوعب ما كانت تردده لي: (الكلام القلتو ليك علقو حلقه في أضانك).. الآن فقط فهمت ذاك الشئ الذي كان يعكر صفو جلستنا على شاطئ النيل في تلك الليلة.. ذلك الشيء الغامض الذي لم أفهمه، تلك الكلمات المبهمة التي كانت تصدر منها من حين لآخر.. وكيف أنها كانت تبدو ساهمة أحياناً.. وتلمح بأشياء تغلق الأفق أمامي.. فينقبض صدري..

وهأنذا أكمل أغنية عثمان حسين التي بدأتها أعلاه:
لكن تباعدنا دهرا ... وما عدنا
للوكر يا سلمى ... او عادت الأيام

وأضيف:

عشرة الأيام ما بصح تنساها
كأنو ما حبيتك وكأنو ما عشناها
وضمانا أحلى غرام

ليه فجأة دون أسباب
من غير عتاب أو لوم
أخترت غيري صحاب
وأصبحت قاسي ظلوم
هان ليك فراقي خلاص
وانا برضي حولك أحوم
كان عهدي بيك ترعاني
وأجمل صلاتنا تدوم
أمل المحبة سلام

بعدك أماني هواي
ياما جنيته عدم
ولا عرفت صديق
لي قلبي غير الهم
كم غيري يشدو سعيد
وأنا في هواك مغرم
ما اظني انا انساك
ومن العذاب اسلم
أسلم من الأوهام

ما كان فراقنا المر
في نيتي أو في إيدي
لكن ظروفك أبت
وقست ظروفي علي
واتلاشت الأحلام
وين حسن ظنك بي
وريني أيه ضراك
لو كا صبرت شوية
عمر السنين أيام

رحم الله عثمان حسين، ورحم أيامنا تلك..
وقبل أن أفيق من الصدمة ذهبت إلى الداخلية، وسألت عنها زميلاتها فقالت لي إحداهن- من اللائي كن أسألهن عنها في السابق- أنها خرجت مع فلان (الذي عقد عليها)، فسلمتها ظرفاً لتسلمه لها، فيه الهدية التي اشتريتها لها من مصر (السلس الفضي ودلايته "إسم الجلالة") وورقة فيها مباركة العقد لها وتمنياتي لها بحياة سعيدة، وسؤال: لماذا حدث ما حدث، وكيف يستقيم:

(فى وكرنا المهجور والصمت قد عم
تحلو لنا الشكوى ... والحب والنجوى
لن أنسى نجواكى والهمسة والبسمة
وحرارة الانفاس ... فى قبلتى لما
ضمتك يمنايا ... يا سعد دنياي
وغفوتى في صدرى ... نشوانه بالأحلام)
مع:

(ليه فجأة دون أسباب
من غير عتاب أو لوم
أخترت غيري صحاب
وأصبحت قاسي ظلوم
هان ليك فراقي خلاص)

وفي نفس الرسالة عرضت عليها أن نكون أصدقاء.. وطال إنتظاري للإجابة.. عقود..
وهنا أكمل أغنية وردي (جميلة ومستحيلة) التي بدأتها أعلاه:

ولّمن أكتبلك وداعاً..
قلبي ينزف في الدواية

عيوني في الدمعات وحيله
اسمحيلا تشوف عيونك
اسمحيلا
أنا لا الصبر قادر علىْ..
ولا عندي حيله


وادرك بن بطوطة الفجر الذي لاح.. فسكت عن الكلام المباح ...
.. والحديث ذو صلة..

عبد الرحمن السامر
04-22-2012, 09:29 PM
سرد رائع
ولكن الصدمة فى الحب كان قاسيا
اذن ايامكم مثل ايامنا
على الدوام هناك الم وخيبة امل
استمتعت بهذه الحلقة
دمت بود

أبو عدى
04-23-2012, 02:42 PM
كنت هنا
وما زلت هنا
استاذى الفاضل عمر حسن غلام الله

عمر حسن غلام الله
04-23-2012, 05:46 PM
سرد رائع
ولكن الصدمة فى الحب كان قاسيا
اذن ايامكم مثل ايامنا
على الدوام هناك الم وخيبة امل
استمتعت بهذه الحلقة
دمت بود

ومثل أيام قيس بن الملوح، وعنترة بن شداد وجميل بثينه وروميو وجولييت.. وستظل كذلك إلى سنين وعقود ودهور وقرون.. فالحب هو الحب، والمرأة هي المرأة والرجل هو الرجل، والناس هم الناس!!

عمر حسن غلام الله
04-23-2012, 05:50 PM
كنت هنا
وما زلت هنا
استاذى الفاضل عمر حسن غلام الله

شكرا يا أبا عدي

وإليك المزيد..